قلت (١): هذا يستقيم بأن لا نطلق القول بأن الشهادة الحسبة لا تسمع على السرقة، بل نقول: لا تسمع بالنسبة إلى المال وتسمع بالنسبة إلى القطع، ويكون هذا وجهاً آخر ثالثاً (٢). والله أعلم.
قوله: (٣) "كان ملكي أصلاً" (٤) أي لم ينتقل (٥) إِليَّ منه، بل كان من الأصل ملكي. والله أعلم.
قوله: "وإنما الشاهد اعتمد ظاهر اليد" (٦).
صوابه: أن يقول: ظاهر الحال، كما قاله شيخه (٧)؛ لأن المدعي الذي شهد له بالملك، ليس بصاحب اليد، والله أعلم.
ثم إن المصنف اقتصر في هذه الصورة، على قوله "كان ملكي أصلاً، وغصبتنيه" ولم يذكر أنه قال: وإنما الشاهد اعتمد ظاهر الحال، كما في الصورة التي بنى عليها، فيحتمل أن يقال: إنه أراد ما إذا ذكر ذلك، ويحتمل أن يقال: وإن لم يذكر ذلك فهو كما إذا ذكره, لأن الشاهد بالملك معلوم من حاله، أنه لا يستند إلى يقين، وإنما يعتمد ظاهر الحال، والمعلوم كالمذكور، وهذا الظاهر من كلام المصنف. والله أعلم.
стр. 1507
ذكر في بيان الواجب، التعليق، وذكر من بعد أنه استحباب (١).
وهذا مشكل، ووجهه، أنه استحباب بالنسبة إلى الإِمام، وواجب بالنسبة إلى السارق، إذا رأه الإِمام وجب عليه الانقياد (٢) له، وهذا كما في الحقوق الواجبة للأدميين، هي واجبة بالنسبة إلى من هي عليه، غير واجبة بالنسبة إلى من هي له، فله أن لا يستوفيها,. والله أعلم.
قوله: "حذاراً (٣) من استيعاب جنس البطش" (٤)
يعني لو قطعنا اليدين في المرتين، ومن استيعاب جنس المشي، لو قطعنا الرجلين في المرتين، فاستيعاب (٥) أحد الجانبين، هو بأن (٦) يقطع في الكرتين اليد، والرجل اليمينين أو اليد والرجل اليسارين (٧)، وفيه تعذر المشي (٨) عليه؛ لأنه لا يتهيأ له أن يتكئ في المشي على عصا بخلاف ما إذا كان القطع من خلاف. والله أعلم.
стр. 1508
ذكر أن رواية القتل في المرة الخامسة، رواية شاذة (١)، وهو كما قال: وإن أخرجها أبو داود، وأبو عبد الرحمن النسائي في كتابيهما (٢)، وقال: النسائي "هذا حديث منكر".
قوله في (٣) الحسم "الصحيح أنه واجب نظراً للسارق، وهو إلى اختياره، وعليه مؤنته" (٤).
стр. 1509
إطلاقه (١) الوجوب فيه مع أنه إلى اختياره وعليه مؤنته فيه تناقض وتنافر، وكان ينبغي أن يعبر عنه بأنه حق للسارق، ويقتصر عليه، كما فعله شيخه (٢)، أو يطلق القول، بأن مؤنته في بيت المال كما فعله غيره (٣).
ولا يقال: سماه واجباً بمعنى أنه لا يجوز للإمام منع السارق منه إذا أراده؛ لأنه لا يجوز للإمام منع من أراد أكل الطيبات ونحو ذلك إذا أراده، ثم لا يسمى ذلك واجباً. والله أعلم.
قوله: "وأما التعليق فهو أن تعلق (٤) يده في رقبته، ونترك ثلاثة أيام للتنكيل، وقد ورد به خبرٌ" (٥).
هذا فيه تغليط فاحشٌ فإنه لا يفهم منه إلا أن ثلاثة أيام مما ورد به الخبر، وليس كذلك، وإنما ورد الخبر بأصل التعليق، ثم رأى بعض أصحابنا أنه يبقى ثلاثة أيام (٦)، وبعضهم ساعةً (٧) والمقطوع به في "المهذب" (٨) و"التهذيب" (٩) ساعة.
стр. 1510
والخبر هو حديث فضالة بن عبيد (١)، أنه رأى النبي ﷺ قطع سارقاً ثم أمر بيده فعلقت في عنقه (٢). أخرجه أبو داود، والترمذي والنسائي وابن ماجة القزويني (٣) في كتبهم (٤).
وقال فيه الترمذي: إنه حديث حسن غريب.
стр. 1511
وذكر النسائي، أن راويه (١) الحجاج بن أرطاة (٢) ضعيف لا يحتج بحديثه وهو كما قال: والحديث ضعيف فإن الحجاج ضعيف عند أهل الحديث (٣). والله أعلم.
قوله: في الجلاد "وإن دهِشَ وغلط" (٤).
هذا بخلاف ما سبق منه في القصاص، فإنه ذكر هناك أن دعوى الدهشة لا تقبل من القاطع (٥) , لأنها لا تليق بحالهِ مع إتيانه (٦) بقطع منتظم، وهذا أقوى، وأصح من ذاك (٧) فإن القاطع قد يدهش لهول القطع، ثم قد يدهش عن صفة المقطوع، وإن (٨) لم يدهش عن صفة القطع. والله أعلم.
إذا كان على المعصم كفان متساويتان، فقد قال المصنف: "قال الأصحاب: نقطعهما جميعاً لنتيقن استيفاء الأصلية" (٩) فاتبع في هذا قول
стр. 1512
شيخه (١)، أن قطعهما هو الذي رواه (٢) الأصحاب (٣)، وذلك لا يسوغ (٤)، قوله: "قال الأصحاب": فبينهما تفاوت لا يخفى والذي نقله صاحب "التهذيب" (٥) خلاف ذلك من غير خلاف فقطع بأنهما، لا يقطعان بل يقطع أحدهما، ثم إذا سرق ثانياً يقطع الأخرى، بخلاف الأصبع (٦) الزائدة (٧)؛ لأنه لا يقع عليها اسم يد، وما ذكره هو اللائق بقاعدة الباب. والله أعلم.
стр. 1513
ومن باب قطع الطريق (١)
قوله "فذكر رسول الله ﷺ تفسيره فقال: أن يقتلوا إذا قتلوا، أو يصلبوا ... إلى آخره" (٢).
هذا غلط، إنما هو (٣) تفسير ابن عباس، وعنه رواه الشافعي (٤)، وكذلك ذكره شيخه (٥)، و (٦) الحافظ البيهقي (٧) والناس (٨)، وتفسير ابن عباس ﵁ أرجح من تفسير غيره, لأنه ترجمان القرآن، والمعنى يعضده.
стр. 1514
و"أو" ها هنا للتقسيم، والتنويع، لا للشك، ولا للتخيير، والإباحة، كما يقال: حد الزاني الجلد، أو الرجم. والله أعلم.
قال: "ولا نقول إن المسافر الواحد مضيع لماله، بل ماله محفوظ به إلا أن يقصد" (١).
(هذا عبارة عن كونه محرزاً (فإن كل محرز محفوظ إلا أن يقصد) (٢) بالهتك، ولا يخرجه زوال الحفظ حينئذٍ عن كونه محرزاً) (٣) من الأصل، وقد سبق من المصنف في باب السرقة في مثله، أنه لا يكون محرزاً؛ لأنه ضائع مع ماله، ويمكن الفرق بينهما، بأن هذا سائر غير ماكث في مكان يتمكن المقاصد من قصده فيه، بل يجهل مكانه، ويفوت من يقصده إلا أن يصادف مصادفةً، أو يرصد بمشقةٍ. والله أعلم.
قوله: "وثار ذورا (٤) العُراَمة" (٥).
تصحف في بعض النسخ "بارز" وإنما هو "وثار" من الثوران بالثاء المثلثة، والعُراَمة، بالعين المهملة، وهي التمرد والعصيان (٦). والله أعلم.
стр. 1515
وقوله: "وهم متلثمون" (١) ليس بشرط، كما أن المشاعل (٢) ليست بشرط (٣).
قوله: "ولم يذهب أحد إلى أنهم مختلسون" (٤).
هذا فيه ضرب مجازفة وقد قال فيه شيخه (٥) فلا يبعد عندنا أن يكونوا مختلسين (٦) والله أعلم.
قوله: "كم يترك على الصليب؟ " (٧).
الصليب بالياء على مثال "مريض" والمراد به ها هنا الخشبة، وهو في الأصل اسم للدهن السائل (٨) من عظام المصلوب (٩)، فسميت الخشبة باسمه مجازاً لسيلانه عليها، وهذا معنى قوله "ومنه اشتق الصليب" (١٠) يعني الخشبة. والله أعلم.
وقوله: "اشتق": لم يرد به الاشتقاق الاصطلاحي عند أهل العربية والتصريف، وإنما أراد معناه لغة، وهو الانتزاع، والأخذ (١١). والله أعلم.
стр. 1516
ما ذكره من تعذر الصلاة عليه على مذهب من يقتله بعد الصلب (١)، ثم يتركه (٢) حتى يتهرى (٣).
وجهه: أن شرط الصلاة على الميت تقديم الغسل، أو التيمم، ولهذا لم يصل على الشهيد، والغسل، والتيمم يتعذران بعد التهري؛ لأن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين. والله أعلم.
قوله: "ومنهم من قال: ينفيهم الإمام إلى بلد معين" (٤)
هذا فيه إثبات نفي، غير النفي المذكور في الوجه الذي قبله فإن ذلك (٥) النفي تشريد في البلاد. والله أعلم.
وقوله: "ومنهم من قال: له الاقتصار على النفي" (٦).
يعني من غير ضرب، ولا حبس (٧)، وهذا ظاهر الآية (٨) فإنها اقتصرت على النفي والله أعلم.
стр. 1517
قوله: "ثم ظهر (١) تقواه، وحسنت (٢) حاله امتنع مؤاخذته بما جرى له في الجاهلية" (٣).
هذه (٤) الجاهلية يتعين حملها على جاهلية الجاهل العاصي المسلم، لا على جاهلية الكافر، فإن تلك لا تعتبر (٥) في ثبوتها ما ذكره من ظهور التقوى، وحسن الحال، بل مجرد إظهار الإِسلام، وإن كان تحت ظلال السيوف تسقط المؤاخذة بما قبله. والله أعلم.
وقوله: "وكيف تتبع أحواله" (٦).
ليس استبعاداً لإمكان التتبع، بل استبعاداً لشرعية التتبع لما فيه من التجسس، واتباع العثرات، وهذا قدح (٧) فيما قاله القاضي (٨) وقول القاضي هذا مخالف لقول غيره من الأصحاب.
стр. 1518
قال الإِمام أبو المعالي (١): "الأصحاب مجمعون على أنا إذا حكمنا بأن التوبة تسقط الحدود فمجرد (٢) إظهارها (٣) كافٍ، وهو بمثابة إظهار الإِسلام تحت ظلال السيوف" (٤). والله أعلم.
قوله: "لأنه مملوكه فلا يصلح لمقاتلته (٥)، ومخاصمته في القتال" (٦) يعني، فلا يكون السيّد محارباً بالنسبة إليه، فلا يثبت عليه حكم المحارب بقتله. والله أعلم.
قوله في القطع: "والثاني: لا يتحتم, لأن القتل عهد حداً فلذلك (٧) يتحتم بخلاف القطع" (٨)
ينبغي أن يقول: عَهد حداً محضاً حتى لا يرد عليه القطع في حد السرقة، ولعله في عدم ذكر هذا الوصف ذهب مذهب من يجوز العذر عند (٩) النقص بما يلزم منه زيادة وصف في العلة، وهي مسألة أصولية جدلية. والله أعلم.
стр. 1519
إذا قال الشاهد: تعرضوا لنا، ولرفقائنا (١) فسدت شهادته في الجميع (٢)؛ لأنه أظهر بذلك العداوة، فلذلك لم يخرج على الخلاف المعروف في تبعيض الشهادة في مثل ما إذا (٣) شهد لنفسه، و (٤) شريكه، أو لأبيه وأجنبي (٥) والله أعلم.
(قوله "ريث ما يندمل" (٦) أي بطء ما يندمل، يقال: راثَ يَرِثُ أي أبطأ (٧). والله أعلم) (٨)
قوله: "لأن الموالاة كانت مستحقةً" (٩) توجيهه (١٠) أنها كانت مستحقة (١١) بين (١٢) القطعين على تقدير عدم القصاص، وقد بقي بعد القصاص أصل القطعين، وإنما اختلفت الجهة، فغابت جهة المحاربة في اليد فبقت صفة الموالاة كما كانت. والله أعلم (١٣).
стр. 1520
(ومن باب حد الخمر
قوله:) (١) " (٢) غَصَّ بلقمة" (٣)، هو بفتح الغين لا بضمها (٤). والله أعلم.
قوله: في تحريم التداوي بالخمر "لنهي النبي ﷺ عن ذلك ... إلى آخره" (٥).
لم نجد في ذلك (٦) إلا حديثاً رويناه عن حسان بن مخارق (٧) عن أم سلمة قالت: نبذت نبيذاً في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي فقال: ما هذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فنعت (٨) لها هذا، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) أخرجه البيهقي في كتاب السنن الكبير (٩)، ولم
стр. 1521
يخرج في الكتب الخمسة المعتمدة (١)، وهي الصحيحان، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وجامع الترمذي، ولا في سنن ابن ماجة، وفي قوله ﷺ ، هذا إشارة إلى تحريم التداوي بالمسكر (٢)، فيكون معناه، إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم التداوي به، أو نحو هذا من القول، فلا يدخل إذاً تحته التداوي بسائر النجاسات فإنها غير محرمة في حالة التداوي، بل في غير حالة التداوي (٣)،
стр. 1522
بدلالة حديث العُرَنَيين المتفق على صحته (١).
ويغني عن حديث (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) ما هو أصح منه (وأدل) (٢) وهو حديث طارق بن سويد الحضرمي (٣) قال: قلت: يا رسول
стр. 1523
الله، إن بأرضنا أعناباً نعتصرُها فنشربُ منها، قال: لا فراجعته، فقلت: إنا نستشفي به للمريض، فقال: إن ذلك ليس بشفاء، ولكنَّه داءٌ) أخرجه أبو داود، وابن ماجة (١)، قال الحافظ أبو عمر (٢) بن عبد البر: هو صحيح الإسناد (٣).
قلت (٤): وأخرج (٥) مسلم في صحيحه (٦) نحوه (٧) والله أعلم.
стр. 1524
وقوله: "فكأنه يجعل ذلك شبهةً" (١) أي جعل قصد التداوي شبهة في إسقاط الحد لا أنه (٢) جعله مبيحاً.
وقوله: "ولم يصرح أحد جواز التداوي بها" (٣)
ليس كما قال: فقد قاله بعض الأصحاب، نقله غير واحد من المصنفين (٤)، وهو منهم فقد نقله في أول وسيطه (٥) هذا. والله أعلم.
قوله: "قال الشافعي: ﵀ لو سكر مثل هذا الرجل لم يلزمه قضاء الصلوات؛ لأنه كالمغمى عليه" (٦).
هذا التعليل هو من كلامه لم ينقله عن الشافعي ﵀. والله أعلم.
كلامه في الفرق بين الحنفي والذمي كلام موهم، فقوله "إن (الذمي لم يلتزم حكمنا" (٧) معناه: لم يلتزم بعقد الذمة حكمنا فيما نحرمه نحن وهو يستبحه حيث) (٨) لا تعلق له بمسلم.
стр. 1525
وقوله: "إن رضي بحكمنا" (١) لا ينافي ذلك، وليس في رضاه بحكمنا إذا شرب التزام بحكمنا (٢) عليه بالحد، فإن ذلك رضاً منه بحكمنا على الإجمال، ثم إن حكمنا فيه أن (٣) لا حد على الذمي (٤).
وقوله: "إن الحنفي في قبضة الإمام"
المراد به ضد ما ذكرناه في الذمي، أي أنه يلزمه الانقياد لحكم الإِمام في ذلك، وإن حكم عليه بالعقوبة فيما يحرمه الإِمام، ويستحله هو، وللإمام (٥) ذلك إذا رأى المصلحة فيه كما في النبيذ، فإن مفسدته كمفسدة الخمر المجمع عليها (٦) على (٧) ما شهدت به التجارب.
قلت (٨): وقد وجدت (٩) لما يستشكل من حد الحنفي في النبيذ (١٠) مع استحلاله، مستنداً قوياً، وهو إقامة عمر ﵁ الحد على قدامة بن
стр. 1526
مظعون (١) في شربه الخمر مع (٢) استحلاله لها (٣) قبل انعقاد إجماع الخاصة، والعامة على تحريمها، والخمر إذ ذاك كالنبيذ الآن في ذلك، وانتشر ذلك بين الصحابة، فصار (٤) إجماعاً (٥). والله أعلم.
стр. 1527
قوله: "مع ظاهر الإضافة" (١) أي إضافته شرب المسكر إليه على الإطلاق يشعر بعدم الإكراه، فإنه لو كان مكرها لم يطلق، وينبغي أن يخرج فيه وجه كما في الإقرار بالزنا (٢) على ما سبق. والله أعلم.
ما رواه من الحديث في قدر حد الخمر (٣)، قد رويناه في السنن الكبير (٤) مفرقاً في أحاديث، وبعضها دون بعض في القوة، وأوله (٥) إلى قول علي (٦) ﵁.
أزهر (١) ﵁.
وأما قوله: "تَتَايعَ الناس" (٢) فالتتايع بالياء المثناة من تحت قبل العين، لا يستعمل إلا في الشر، وهو التهافت فيه، واللَجاج (٣).
وأما ما روى من أن (النبي ﷺ -جلد أربعين) فقد أخرجه مسلم في صحيحه (٤) من حديث على ﵁.
القتل وقع في النسخ في المرة الثالثة (٥)، وليس بصحيح، بل هو في الرابعة فيما رويناه من حديث أبي هريرة، وفي "الخامسة" فيما رويناه من حديث معاوية (٦)، رواهما أبو داود في سننه وغيره (٧). والله أعلم.
السوط (١): من الأصل هو المتخذ من جلود، وسيور تلوي وتلف، وهو معروف، "وثمرته" طرفه، هكذا (٢) ثمرة اللسان طرفه (٣) وهذا هو المراد بثمرة السوط المذكورة في الحديث الذي رواه الشافعي (٤) عن مالك.
المذكور فيه "فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته" واشتبه هذا على إمام الحرمين (٥)، فغير ألفاظ الحديث، وقال: فيه (٦) "فأتي بخشبة"، وفسّر الثمرة بعقدها التي هي منابت الغصون الدقيقة، وتبعه على ذلك الغزالي في بسيطه (٧)، ونسأل الله عصمته وتوفيقه.
قوله: "ولا ينبغي أن يكون في غاية الرطوبة، ولا في غاية اليبس" (٨).
стр. 1532
هذا قاله في الخشبة، عنده أنه (١) في غاية الرطوبة إفراطاً في الإيلام من حيث أنها تلتوي على البدن، ويغوص تأثيرها فيه حتى يتشقق منه الجلد، وفي غاية اليبس تفريطاً (٢) لخفتها، وقلة إيلامها. والله أعلم.
قوله: في المقاتل "كالقُرُط، والأخدَع" (٣) كذا هو في "النهاية" (٤) و"البسيط" (٥) وليس بصحيح، وصوابه أن يقال: كما تحت القُرُط وهو ما تحت الأذن، إذا القرط عبارة عمّا علق من شحمة الأذن من حلقة ذهب، أو غيره (٦).
والأخدع: عِرْقٌ في موضع المحاجم من العنق (٧) والله أعلم.
قوله: "ويتقي الوجه، ففيه نهي في البهائم، فكيف في الآدمي؟ " (٨).
اتبع فيه شيخه (٩) وفيه تقصير إذ وجه الآدمي نفسه منصوص عليه في أحاديث منها: ما رويناه في صحيح مسلم وغيره (١٠) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: (إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه). والله أعلم.
стр. 1533
قوله: "ولا يتلّ للجبين (١) " (٢) أي لا يصرع لجبينه، والجبين غير الجبهة، وهما جبينان إلى جانبي الجبهة (٣).
قوله: في الموجب للتعزير "كل جناية (٤) سوى هذه السبعة مما يعصي بها العبد ربه تعالى" (٥) هذا يرد عليه ترك الصلاة، فإنه مما سوى السبع، والواجب فيه القتل حداً دون التعزير (٦)، وقتال الصائل، كقتال الباغي وما ألحقه به في ذلك.
والصواب أن لا يذكر واحد منهما (٧) في الجنايات الموجبة للحدود، فإن الواجب فيها القتال للدفع، والرد إلى الطاعة، والقتل إن وقع لم يكن حداً، بل يقع ضمناً غير مقصود، وهذا معلوم من قاعدة المذهب، وعند أهله، واقتصر فيه في "البسيط" (٨) على أنه "كل جناية لا توجب (٩) الحد عصى مرتكبها". والله أعلم.
الحديث الذي صححه صاحب "التقريب" (١٠) متفق على صحته (١١).
стр. 1534
وقول المصنف: "وإن لم يصح الحديث، فيحط عن عشرين في العبد" (١) غير مرضي فإنه لا شك في صحته، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي بردة بن نِيَار (٢)، وكان ينبغي أن يقول: وإن لم يعمل بالحديث إذ قد قال بعض أصحابنا (٣)، أجمعت الأمة على جواز الزيادة على العشر، فيدل الإجماع على كونه منسوخاً (٤). والله أعلم.
стр. 1535
(ومن كتاب موجبات الضمانات) (١)
قال ﵀: "شارب الخمر إذا ضرب (٢) بالنعال، وأطراف الثياب (٣) قريباً من أربعين فمات فلا ضمان" ثم قال: "وإن ضرب أربعين فمات فقولان" (٤).
قوله "قريباً من أربعين" غير مرضى؛ لأنه إن جعل ذلك حد الخمر فلا صائر إليه وإن أراد به بعض الحد، فذلك يوهم أن جميع الحد الذي هو أربعون ليس كذلك، فيما إذا كان بالنعال. ويوهم أيضاً أن (٥) سبب الفرق بين هذا، وبين محل القولين كون ذلك أربعين، وكون ذلك قريباً من أربعين (٦). وليس الأمر عندهم في ذلك على ذلك، فإنهم ذكروا نفي الضمان في الأربعين بالنعال (٧)، وحكوا القولين فيه في الأربعين بالسياط (٨) والله أعلم.
ما ذكره عن (٩) علي ﵁ (١٠) - تمامه في الصحيحين،
стр. 1536
وغيرهما (١)، عنه أنه قال: "ما من رجل أقمت عليه حداً فمات، فأجد في نفسي إلا الخمر فإنه إن مات وديتُه؛ [لأن] (٢) رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه" وفي رواية أخرى هي بغير هذا (٣) اللفظ (فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله ﷺ ) وقد صح في صحيح مسلم (٤) عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ "جلد في الخمر أربعين".
فإذاً يحتمل أنه أراد بقوله هذه الزيادة على أربعين، ويحتمل أنه أراد جلدهم الأربعين بالسياط، مع أن رسول الله ﷺ إنما جلد أربعين بالنعال، والثياب (٥). والله أعلم.
قوله: "إذا ضرب (٦) في الشرب ثمانين فمات ضمن الشطر؛ لأنه زاد على المشروع مثله" (٧). يعني زاد على المشروع حداً (٨) مثله تعزيراً.
стр. 1537
قلت (١): وإنما جاز فيه التعزير بأربعين؛ لأنه تعزير على تصديه للافتراء (٢) في هذيانه، ومقدمات القذف يعتبر فيها النقص عن حد القذف، لا عن (٣) الأربعين على وجه صحيح سبق (٤)، ومن قال: يعتبر في كل تعزير نقصه عن الأربعين اعتذرنا له بأن (٥) الأربعين ها هنا تعزيران، أو تعزيرات على تصديه للافتراء (٦)، ولغيره من المعاصي والله أعلم.
السَّلْعة (٧): قيل: إنها الغُدَّة (٨)(٩) ذكره إمام الحرمين (١٠)، وفي صحاح اللغة (١١) للجوهري، أنها زيادة تحدث في الجسد كالغُدَّة تتحرك إذا حُرَّكتْ وقد تكون (١٢) من حِمَّصَةٍ إلى بطَّيخةٍ.
стр. 1538
(١) قلت: وهي (٢) بكسر السين كما في سِلْعةِ المَتاع، ومن قالها بفتح السين فهو مخطئ، وإنما السَّلْعَة بالفتح الشَّجَّة (٣). والله أعلم.
قوله: "لأنه غير مضبوط" (٤) أي فيما يرجع إلى الألم والسرايه. والله أعلم.
قوله: في توجيه التضمين في الختان "إنه ليس على الفور، ولا فيه خوف" (٥).
معناه وتقريره: ليس على الفور في حق الصبي ونحوه، ولا في تركه خوف عليه، كما في السَّلْعَة حتى يحتاج لذلك إلى تجويزه للولي من غير ضمان كي لا يمنعه من فعله خوف الضمان، مع كونه غير مستبعد حينئذٍ لما فيه من الخطر، وإنما فسرنا ذلك بالخوف في الترك مع أن ظاهر لفظه فيه لا يشعر به, لأن الخوف في نفس الختان ثابت قد أثبته المصنف في قوله بعد هذا "إنه جرح (٦) مخطر" ولأن ما ذكرته من المعنى يقتضيه. والله أعلم.
تعليله في وجوب الختان (٧) ينتقض بقطع السَّلعة الجائز (٨)، مع الخوف من غير وجوب.
стр. 1539
فأقول: جرح مخطر لا علاج فيه (١) لداءٍ، فلو لم يجب لم يجز كسائر (الجراحات التي هذه صفتها) (٢). والله أعلم.
قوله: في الختان "ولا يجب على الصبي بخلاف الغُدَّة" (٣).
كان ينبغي أن يقول: ولا يجب في حق الصبي (٤) بخلاف الغُدَّة لأن (الغدة) (٥) وغيرها (٦)، لا (٧) يجب على من هو دون البلوغ. والله أعلم.
قوله في الفاسق: "لأنه من أهل الشهادة على الجملة" (٨).
يعني به أنه أهل لها على مذهب (٩) وهو مذهب أبي حنيفة (١٠)، وهذا قد (١١) سبق منه ومن شيخه في باب حدّ القذف (١٢)، وبينت (١٣) هناك بطلانه
стр. 1540
بالعبد، فأعاداه (١) ها هنا، ونسباه إلى الأصحاب، وزيفّاه بما كنت زيفتُه به (٢) هنالك، وعللا هذا القول بما يشمل الفاسق المكاتم، والمجاهر، وهو أن الفاسق مأمور بكتمان فسقه، والعبد والكافر مأموران بإظهار حالهما. والله أعلم.
حكم الجلاد (٣)، كما قال إمام الحرمين (٤)، "نادر (٥) من النوادر، فإنه قاتل مباشر مختار، لا يتعلق به في القتل بغير حق حكم حتى أنه لا كفارة عليه، مع أن الكفارة أسرع أحكام القتل ثبوتاً". والله أعلم.
قوله: "إذا قطع يداً صحيحةً بالإذن، ففي الضمان خلاف" (٦).
قلت (٧): هذا الخلاف ذكروه في ضمان النفس إذا سرى القطع إلى النفس، وبنوه على القولين: في أن الدية تثبت للوارث ابتداءً، أو تثبت للمقتول، ثم تنتقل (٨) إلى الوارث (٩)، وأما أرش الطرف فقطعوا بسقوطه (١٠) وهكذا ذكر
стр. 1541
المصنف، وشيخه ذلك في باب العفو عن القصاص (١) (وكلامه ها هنا يوهم جريان الخلاف في أرش الطرف، ويتوهم أن قوله: "لأن المستحق (٢) أسقطه) (٣) ولكنه محرم" إشارة إلى تعليل الرائيين فيه معاً، ونحن نفسره بما يوافق ما عرف في ذلك، فنقول: كلامه هذا تعليل منه للقول بسقوط (٤) دية النفس بأنه المستحق لها، وقد أسقطها في ضمن إباحته، وإذنه في القطع الساري، وإن كان القطع لا يجوز بذلك، بل هو محرم كما يسقط الضمان فيما إذا أذن في إتلاف محرم لماله، وإن كان الإتلاف محرماً فاعلم ذلك والله (٥) أعلم.
قوله: في الشافعي المذهب "شفعوي" (٦) خطأ، بل الشافعي مذهباً، والشافعي نسباً سواء في اللفظ عند أهل العلم (٧) بالعربية. والله أعلم.
وقوله: "فيه وجهان" (٨) أي في وجوب القصاص على الجلاد (٩).
стр. 1542
وقوله: "فالنظر إلى جانب الإِمام يوجب القصاص على الجلاد" (١).
وجهه مع كون الإِمام أذن فيه مخطئاً أنه بمنزلة ما لو قتل (٢) بغير إذن الإِمام؛ لأن الإِمام لو عرف الحال لما أذن، والجلاد عارف ومفرط في كونه لم يخبر الإمام. والله أعلم.
و (٣) قوله: "وكل ذلك إذا كان للجلاد محيص (عن الفعل" (٤)
يعني به ما إذا أمره الإِمام على وجه ألا يخاف من سطوته، لو لم يمتثل أمره فإن لم يكن له محيص) (٥) بأن أمره به، وهو يخاف من سطوته لو لم يمتثل فهو (٦) على الخلاف المعروف في أن أمر السلطان المخوف من سطوته لو خولف، هل يكون إكراهاً حتى يسقط على قول ما ذكرناه من القصاص، والمحيص عبارة عن المَهْرَب (٧) والمَحِيد (٨) والله أعلم.
стр. 1543
ومن باب دفع الصايل (١)
" جرَّةٌ تَدَهْوَرَت" (٢) أي هوت من علو.
وقوله:"من سطح مُطِلّ" هو بضم الميم، وكسر الطاء المهملة أي مشرف مستعل عليه والله أعلم.
الخلاف المذكور في المسألتين، إنما هو في وجوب الضمان مع جواز الدفع قطعاً (٣). والله أعلم.
حديث حذيفة (٤) (كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل) (٥).
ذكر شيخه (٦) أنه حديث صحيح، ولا اعتماد عليه في هذا الشأن،
стр. 1544
ولم أجده في كتب الحديث الخمسة المعتمدة (١) وغيرها (٢)،
стр. 1545
وهو (١) زيادة في حديث لحذيفة ثابت في الفتن (٢). والله أعلم.
قوله: في توجيه قول من قطع بوجوب دفع الصبي الصائل، ولم يخرجه على الخلاف المذكور في وجوب دفع الصائل البالغ (٣)، تفسيره وتقريره: أن القتل الذي أراد الصبي الصائل إيقاعه بالمكلف المصول عليه، يجب على