← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مورودًا لتنصرف الملاقاة بالقصد إلى جهة الغسل، وليس في ذلك اعتبار منه للقصد إذا كان الماء واردًا (١)، والله أعلم. قوله في نجاسة الأرض: "فإن كانت جامدة فطهارتها برفع عينها" (٢) كان ينبغي أن يقول يابسة؛ فإن الجامدة قد تكون رطبة فلا يكفي رفع عينها (٣)، والله أعلم. قوله ﷺ : (صبُّوا عليه) (٤) ذنوبًا من ماء) (٥) حديث (٦) ثابت في "الصحيحين" (٧) رواه أنس بن مالك وغيره (٨). والذَنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة (٩) الملأى ماءً (١٠).

стр. 177

وقال ابن السكيت (١): "هي التي فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة ذَنوب"، والله أعلم. قوله: "ولا تفريع على هذا القول" (٢) ثم إنه فرَّع عليه عقيبه (٣)، ففهم منه أنه أراد بقوله "لا تفريع عليه" أنه لا ينبني عليه حكم ولا عمل به (٤)، والله أعلم. ذكر حديث لبابة بنت الحارث (٥) عن رسول الله ﷺ : (إنما يغسل من بول الصبية ويرش على (٦) بول الغلام) (٧) ولبابة هذه بضم اللام وبباء موحدة

стр. 178

مكررة، وهي أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب. وهذا الفرق بين البولين قد رويناه (١) في "سنن أبي داود السجستاني" (٢)، و"السنن الكبير" للبيهقي (٣)، وغيرهما (٤)، وبعضها يزيد على بعض، فرويناه من حديث لبابة، وأبي السمح مولى النبي ﷺ وخادمه (٥)، وعلي ابن أبي طالب (٦)، وأم سلمة (٧) رضي الله

стр. 179

عنهم - وفي بعضها (ما لم يطعم) لكن موقوفًا على علي وأم سلمة (١)، فهو حديث حسن يحتج به، وإن لم يلتحق بدرجة الحديث الموسوم بالصحيح. إلا أن التردد المذكور في "الوسيط" بين الحسن والحسين (٢) ليس في حديث لبابة، بل فيه الجزم بالحسين بلفظ التصغير، والترديد بينهما هو في حديث أبي السمح. وقد ثبت في "الصحيحين" (٣) في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن (٤) (أنها جاءت النبي ﷺ بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال عليه، فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه عليه ولم يغسله). قوله (٥) في "الوسيط": "ومنهم من قاس الصبية عليه. وهو غلط لمخالفة النص" (٦) هذا غير مرضي من جهتين: إحداهما (٧): إيراده إياه وجهًا لبعض

стр. 180

الأصحاب، وهو القول المنصوص عليه للشافعي (١). والثانية: إنزاله إياه بمنزلة الغلط، وهو يرتفع عن (٢) ذلك ارتفاعًا، وذلك أن الشافعي ﵁ نصَّ على جواز الرش على بول الغلام مستدلاً بالسنة فيه، ثم قال: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية". هذا ما نقله المزني في "مختصره" (٣)، ونقل صاحب "جمع الجوامع من كتب الشافعي ومنصوصاته" (٤) نصَّه على جواز الرش على بول الصبي قبل أن يطعم، وأنه احتج فيه بحديث أم قيس بنت محصن، ثم قال: "ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية أكلت الطعام أو لم تأكل كان أحب إليَّ احتياطًا، وإن رشَّ ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى". ولم ينقل عنه غير هذا، فذكر الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي أن أحاديث الفرق بينهما كأنها لم تثبت عند الشافعي ﵁ وإلى مثل ذلك ذهب البخاري ومسلم حيث لم يودعا شيئًا منها كتابيهما، إلا أن البخاري استحسن حديث أبو السمح. (٥) قلت: فالفرق بينهما إذًا كأنه قول مخرَّج لا منصوص، ومع ذلك لا يذكر كثير من المصنفين غيره، ولا يقوى ما يذكر من (٦) الفروق بينهما من حيث المعنى، ومن أجودها: أن بول الذكر أرق، وبول الأنثى أثخن، وألصق بالمحل. وللمسوي بينهما أن يقول: الاجتزاء

стр. 181

بالنضح في بول الغلام إنما كان ترخيصًا لكثرة البلوى، وعسر التصون من بوله، والصغير والصغيرة سواء في ذلك (١). ولمَّا ذكر القاضي حسين نص الشافعي في (٢) أنه لا يتبين له فرق فيهما قال: "وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين: أقيسهما: أنه كبول الصبي. والثاني: أنه يغسل" (٣)، قلت: ومع ما ذكرناه من رجحان التسوية فيما يرجع إلى نصَّ الشافعي ﵁، فالصحيح الفرق لورود الحديث من وجوه تعاضدت بحيث قامت الحجة (به) (٤)، والفرق بينهما من حيث المعنى: أن الاعتناء بحمل الصبي أكثر والابتلاء ببوله أعظم، والله أعلم. ثم إن في تحقيق الفرق بين هذا النضح والغسل الواجب في سائر النجاسات غموضًا، واضطرابًا من الصائرين إليه، فذهب الشيخ أبو محمَّد الجويني (٥)، والقاضي حسين (٦)، وصاحبه - صاحب "التهذيب" - (٧) إلى أنه يجب أن يُغْمَر ويكاثر بالماء كسائر النجاسات، وافتراقهما (٨) إنما هو في أنه لا يجب العصر فيه، وفي غيره وجهان، واحتج بذلك صاحب "التهذيب" (٩) على أن الأصح وجوب

стр. 182

العصر في غيره، خلافًا لمن ذهب إلى أن الأصح عدم وجوبه ومنهم صاحب "النهاية" (١)، والمختار ما ذكره صاحب "النهاية" من أن المعتبر فيه: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره من المحل، بخلاف المكاثرة في غيره فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء من المحل ويتقاطر منه وإن لم يشترط عصره. ولقد حققت في هذه المسألة أشياء ذكرت على غير وجهها، ولله الحمد ومنه التوفيق (٢)، وهو أعلم. وقوله: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، وفي معنى لعابه عرقه" (٣) إنما قال هذا لأن الولوغ يلازمه حصول لعابه فيما ولغ فيه؛ لأن ولوغه في اللغة: عبارة عن شربه بأطراف لسانه (٤)، والله أعلم. قوله: "ثم خاصية هذه النجاسة العدد، والتعفير، أما العدد فلا يسقط إلا إذا غمس الإناء في ماء كثير ففيه وجهان" (٥) هذا يوهم أن (٦) الوجه المذكور في سقوط العدد غير جارٍ في التعفير، وهو جارٍ فيه (٧)، وتعليله بأنه "عاد إلى حالة لو كان عليها ابتداءً لم ينجس" (٨) يدل على سقوط التعفير عنده أيضًا، والله أعلم.

стр. 183

قوله: "وأما التعفير فاختلفوا في معناه: فمنهم من قال: هو تعبد لا يعلل" (١) لقائل أن يقول: "التعبد ليس بمعنىً فكيف يدخل في الاختلاف في المعنى؟ وجوابه: أن الاختلاف في المعنى قد يكون في أصله، وقد يكون في تفصيله، فالقائل بالتعبد مخالف في أصله بنفيه له، والقائلان الآخران اختلافهما في تفصيله، والله أعلم. قوله في الصابون: "وعلى قول التعبد اختلفوا عند عدم التراب، فمنهم من جوَّز؛ لأن الاستظهار أيضًا مقصود" (٢) لقائل أن يقول: هذا مناقض لكونه تعبدًا؟ وجوابه (٣) أن التعبد يتحقق بأن لا يدرك العلة، وإذا لم يدرك بعضها فلم يدركها؛ لأن الشيء ينتفي بانتفاء بعض أجزائه؛ لأن حقيقته لا تتحقق إلا بمجموعها والله أعلم. قوله: "إذا مزج التراب بالخلَّ" (٤) صورته: ما إذا غسله سبعًا بالماء وحده، ثم أوصل التراب مرة ثامنة إلى المحل بالخلِّ (٥)، أما إذا مزج التراب بالخلِّ (٦) ثم

стр. 184

استعمله مع الماء فذلك جائز قطعًا، ولا يتجه فيه خلاف، إلا وجه ضعيف في أن ذلك يخرج التراب عن كونه طهورًا (١)، وليس ذلك مراد المصنف؛ فإنه إنما منع منه (٢) على وجه التعبد، والله أعلم. قوله: "الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التعفير إلا على وجه بعيد في أن الماء أولى بالتطهير من التراب" (٣) هذا يتجه على القول بالاستطهار، ولكن أبى ذلك فيما عُلَّق عنه في الدرس فقال: "إن عللنا بالتعبد فلا، وإن عللنا بالاستطهار بشيء آخر فلا؛ لأنه لا بد من شيء آخر ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظ، فيتمُّ الزجر عن موالفة الكلاب، وإن عللنا بالجمع بين نوعي الطهور فيحتمل أن يقال (٤): يقوم مقامه؛ لأنهما (٥) نوعا طهور، وإن كان الطهور متحدًا، ويمكن أن يقال: أريد نوعا طهور متعدد". قلت: فإذًا ليس المراد بالاستطهار المذكور الاستطهار (٦) في قطع (٧) النجاسة بل في مقصود الزجر عن مقاربة الكلاب فطامًا (٨) لهم عمَّا (٩) اعتادوه من موالفتها والله أعلم.

стр. 185

علل في الدرس القول بأن الماء القليل لا ينجس إذا خرجت الفأرة منه حيَّة (١): بأنه خلق الحيوانات خلقة تنقلب معها منافذها حالة بروز الخارج منها، ثم يعود المنفذ إلى ما كان، من غير أن تلاقي النجاسة البشرة (٢) الظاهرة، حتى لو رؤيت النجاسة على منفذها حكمنا بنجاسة الماء، قال: والوجهان في غير الآدمي من الحيوانات والطيور (٣)، والله أعلم. قوله: "الجديدَ أنه إن طهر المحل فهو طاهر ما لم يتغير" (٤) فقوله في هذا القول "ما لم يتغير" يفهم (٥) منه أنه قد يطهر المحل مع تغير الغسالة فيه، وهذا غير متصور إلا على وجه ضعيف ذكره صاحب "التتمة" (٦): أنه يطهر إذا انفصل الماء غير (٧) متغير، والنجاسة غير باقية (فيه) (٨). فإذًا ينبغي أن نتأوله (٩) ونحمل على

стр. 186

تغير يحدث فيها بعد انفصالها عن المحل، فإن المغيِّر للماء ربما تأخر (١) تأثيره عن حالة وقوعه فاعلم ذلك، والله أعلم.

стр. 187

ومن الباب الثالث في الاجتهاد بين النجس والطاهر قوله: "وللاجتهاد شرائط ستٌ: الأول" (١) هذا يستدعي أن يقول: الأولى، على التأنيث؛ لأن الشرائط جمع شريطة، لكنه حاد عن اللفظ إلى المعنى، والتقدير: الشرط الأول (٢)، والله أعلم. قوله فيما لا مجال للعلامة فيه: "لو اشتبه (مذكاة بميتة فلا اجتهاد أيضًا على الأصح) " (٣) هذا يتعين تصويره فيما لو اشتبه) (٤) لحم مذكاة بلحم ميتة، وإن كان في لفظتي الميتة والمذكاة بعض النَّبوِّ عن (٥) هذا؛ وذلك لأن تصويره فيما إذا كانت الميتة والمذكاة بحالهما (٦) لم يفصلا، محوج (٧) إلى تصويره فيما إذا كانت الميتة (٨) ذبيحة مجوسي أو نحو ذلك، ثم لا يحصل حينئذٍ الغرض من ادعاء كونهما (٩) مما لا مجال للعلامة فيه؛ لأن ما يكون بحيث يتكلف في تصوير الاشتباه فيه، ويتمحل لكون الأمارات المميزة المانعة من الاشتباه غالبة عليه، لا

стр. 188

يستقيم أن (١) يُدَّعي فيه أنه (٢) لا مجال للعلامات فيه، بل يصلح مثالاً لما يذكره في الشرط السادس وهو أن يكون للعلامات مجال في المجتهد فيه ثم تقع منه (٣) صورة لا تلوح فيها علامة (٤). ووجه تجويز الاجتهاد فيهما أنهما لا يخلوان من أمارة من حيث الثقل والخفة؛ فإن لحم الميتة ثقيل يرسب في الماء أولاً، بخلاف لحم المذكاة، والله أعلم. ما ذكره صاحب الكتاب في غلبة الظن بالنجاسة (٥)، محصوله أن ظن النجاسة إذا كان مرسلا غير مستند إلى سبب معين، ففي ثبوت النجاسة به قولان (٦)، أما إذا استند إلى سبب معين كبول الظبية في الماء الكثير في المسألة المذكورة (٧)، فإنه يحكم بالنجاسة قطعًا (٨)، وهذا صحيح بدلالة خبر العدل؛ فإنه يوجب الحكم بالنجاسة قطعًا (٩) ولا يبالى بأن الأصل عدمها، وإثبات النجاسة بالظن المرسل

стр. 189

ضعيف، وهو خلاف ظاهر المذهب (١)، وقد (٢) قيل: إنه قول مخرَّج من أحد القولين في المقبرة القديمة التي لا يتحقق نبشها (٣)، وذكر المحاملي (٤) أنه ليس بشيء، وإن بقي التنجيس منصوص (٥) عليه في "الأم" (٦)، و"حرملة" (٧)، والله أعلم. قوله: "اليقين لا يرفع بالشك" (٨) هذا قد أنكره بعض الأصوليين (٩) على من يقوله من الفقهاء، من حيث إن الشك إذا طرأ على اليقين رفعه لا محالة. وليس

стр. 190

الأمر على ما قال؛ لأن المراد من ذلك أن حكم اليقين لا يرفع بالشك، لا نفس اليقين (١)، والله أعلم. والحاجة ماسَّة جدًا في هذا المقام إلى ذكر مهمات كنت حققتها وأوضحتها فيما سبق لي من "شرح مشكل المهذب"، وأنا أعيد (٢) ذكرها ههنا (٣) إن شاء الله تعالى على وجهها؛ فإن تغييرها مع استقامتها تكلف. فأقول أولاً: إنه يتردد على ألسنة الفقهاء أن الأصل والظاهر إذا تعارضا في مسألةٍ كان فيها خلاف (٤)، وممن أطلق ذلك من (٥) المذكورين القاضي أبو سعيد الهروي (٦) مصنف كتاب "الإشراف على غوامض الحكومات" فإنه قال فيه (٧): "كل مسألة تقابل فيها أصلان، أو أصل وظاهر، ففيها قولان". وهذا الإطلاق غير مرضي، والتحقيق الأصولي قاضٍ في ذلك بالتفصيل، فأقول (٨): إذا تعارضا فالواجب

стр. 191

النظر في الترجيح كما في سائر صور تعارض (١) الدليلين، فتارة يتردد في الراجح، فيرجح الظاهر مرة, ويرجح الأصل أخرى، فيُجْعل في المسألة قولان كما في الصورة (٢) التي تقدم ذكرها (٣)، وتارة يترجَّح الدليل المقتضي للعمل بالظاهر قطعًا، فيحكم بالظاهر قطعًا كما فيما ذكرناه من إخبار العدل بوقوع النجاسة، ومن صور ذلك ما إذا رأى ظبية تبول في ماء كثير ثم وجده متغيرًا، فالطريقة الصحيحة أنَّا نحكم بنجاسته (٤) قولاً واحدًا، وتارة يترجح الدليل المقتضي لاستصحاب الأصل فيقضى به قولاً واحدًا، و (٥) مثال ذلك فيما نحن بصدده أن يظهر احتمال النجاسة وتعم البلوى بحيث تقضي عاطفة الشرع باستصحاب الطهارة قطعًا، فمن أصاب (٦) ثوبه شيء من لعاب الخيل، أو (٧) البغال، أو (٨) الحمير، أو عرقها، جازت صلاته فيه، قطع الشيخ أبو محمَّد الجويني ﵀ بذلك في كتاب "التبصرة في الوسوسة" (٩) وذكر أنها وإن كانت لا تزال تتمرغ في الأمكنة النجسة، وتحك بأفواهها قوائمها التي لا تخلوا من النجاسة، فإنا لا نتيقن نجاسة عرقها ولعابها؛ لأنها (١٠) تخوض الماء

стр. 192

الغمر (١)، وتغسل أبدانها، وتكرع (٢) في الماء الكثير كثيرًا، فغلَّبْنا أصل الطهارة في لعابها وعرقها، ولم يزل رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والمسلمون بعدهم، يركبون الخيل (٣) والبغال والحمير في الجهاد، والحج، وسائر الأسفار، ولا يكاد ينفك الراكب في مثل ذلك عن أن يصيب ثوبه شيء من عرقها أو (٤) لعابها، ثم كانوا يصلون في ثيابهم التي ركبوا فيها وما كانوا يُعِدُّون ثوبين: ثوبًا للركوب، وثوبًا للصلاة، والله أعلم. فصل:- ينتفع به إن شاء الله تعالى في الميز بين موقع الوسواس المذموم، وموقع الاحتياط المحمود، في باب الطهارة والنجاسة - وفيه مسائل: الأولى: ذكر صاحب "نهاية المطلب في دراية المذهب" (٥) أن ما يتردد في طهارته ونجاسته مما الأصل طهارته ثلاثة أقسام: أحدها: ما يغلب على الظنَّ طهارته: فالوجه الأخذ بطهارته، ولو أراد الإنسان أن يطلب يقين الطهارة فلا حرج عليه، بشرط أن لا ينتهي إلى الوساوس (٦) التي تنكِّد (٧) عيشه، وتكدر عليه وظائف العبادات، فإنَّ المنتهي إلى ذلك خارج عن مسالك السلف

стр. 193

الصالحين، والوسوسة مصدرها الجهل بمسالك الشريعة، أو نقصان في غريزة العقل. الثاني: ما يستوي في طهارته ونجاسته التقديران: فيجوز الأخذ بطهارته، ولو انكفَّ المرء عنه كان محتاطًا. الثالث: ما يغلب على الظن نجاسته: فللشافعي فيه (١) قولان: أحدهما: أنه يجب الأخذ بنجاسته. والثاني: يجوز (٢) الأخذ بطهارته (٣). المسألة (٤) الثانية: اشتد نكير الشيخ أبي محمَّد الجويني ﵀ في كتابه "في الوسوسة" (٥) على من لا يلبس ثوبًا جديدًا حتى يغسله، لما يقع ممن (٦) يعاني قصر (٧) الثياب ودقها، وتجفيفها، من إلقائها وهي رطبة على الأراضى (٨) النجسة، ومباشرتها بما يغلب على القلوب نجاسته، من غير أن تغسل بعد ذلك، وذكر أن هذه الطريقة بعينها هي طريقة الخوارج

стр. 194

الحروريَّة (١) أبلاهم الله تعالى بالغلوِّ في غير موضع الغلوِّ، وبالتهاون في موضع الاحتياط. ومن سلك ذلك فكأنه يعترض (٢) على أفعال رسول الله ﷺ والصحابة (٣)، والتابعين، وسائر المسلمين، فإنَّهم كانوا يلبسون الجدد من الثياب قبل غسلها، وحال الثياب في أعصارهم كحالها في عصرنا، ولو أمر رسول الله ﷺ بغسلها لما خفي ذلك؛ فإنه مما تعم به البلوى، أرأيت لو أمرت بغسلها أكنت (٤) تأمن من أن يصيبها في هذا الغسل ما يتوهم من النجاسة؟! فإن قلت: أباشر غسلها بنفسي. فهل سمعت أحدًا يروي في ذلك خبرًا عن رسول الله ﷺ ، أو عن أحد من الصحابة (٥)، أنهم كانوا يوجهون (٦) على الإنسان من طريق اللزوم أو طريق الاحتياط أن يباشر بنفسه غسل ثيابه حتى يأمن عليها أوهام النجاسة؟!، والله أعلم.

стр. 195

الثالثة: قال الشيخ أبو محمَّد (١): "نبغ أقوام يغسلون أفواههم إذا أكلوا خبزًا، ويزعمون أن الحنطة تداس (٢) بالثيران، وهي تبول وتروِّث في المداسة أيامًا طويلة, ولا يكاد يخلوا طحين (٣) تلك الحنطة وخبزها عن النجاسة، ثم ذكر أن هذا من مذهب الغلوَّ والخروج عن عادة السلف؛ فإنَّا نعلم أن (٤) الناس في الأعصار السالفة ما زالوا يدوسون (٥) بالحيوانات، كما يفعل أهل هذا (٦) العصر، وما روي عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، والتابعين، وكل ذي تقوى وورع، أنهم رأوا غسل الفم (٧) من ذلك". قلت: والفقه في ذلك أن ما في أيدي الناس من القمح المتنجس بذلك ونحوه يسير جدًا بالنسبة إلى القمح السالم من النجاسة، فقد اشتبه إذًا واختلط قمح نجس قليل بما لا يحصر من القمح الطاهر، فلا منع (٨)، بل يجوز التناول من جانب، كما إذا اشتبهت أخته من الرضاع واختلطت بنساء أهل بلد (٩) لا يحصرن، فإنه يجوز له التزوج من

стр. 196

جانبا (١)، وهذا بالجواز أولى (٢)، وفي كلام الأستاذ أبي منصور البغدادي (٣) في "شرحه للمفتاح" إشارة إلى أنه وإن تعين ما سقط عليه الروث في حالة الدياسة فهو في محل العفو لعسر (٤) الاحتراز منه (٥)، والله أعلم. المسألة (٦) الرابعة: مهما لم يكن الشك في النجاسة واقعًا فيما تعم به البلوى، وكان لا يلزم من (٧) الاحتراز عنه مثل ما سبق من التشديد، والغلو، والتعمق فالاحتراز (٨) عنه معدود من الورع، والاحتياط المحمود (٩)، وذلك كالاحتراز من أواني المشركين التي لا يغلب على الظن طهارتها، وكسائر الشكوك في الصور الخاصة، وما في معنى هذا (١٠)، والله أعلم.

стр. 197

قول صاحب الكتاب: "السادس: أن تلوح (١) له علامة في اجتهاده: فإن تأمل فلم (٢) يظهر له علامة تيمم" (٣) يعترض فيه عليه بأن يقال (٤): ظهور العلامة من ثمرات الاجتهاد، فهو متأخر عنه، فلا يصح جعله شرطاً للاجتهاد؛ لأن شرط الشيء يتقدم عليه، ولا يتأخر (٥). وكنا نجيب عنه بأنه لم يود بقوله أولاً "للاجتهاد شرائط ست" نفس الاجتهاد بل الاجتهاد المعمول به، ثم فهمت مما عُلِّق عنه في الدرس أنه ليس مراده: أن تلوح له علامة يعمل بها، بل علامة ينظر فيها، وهذا يتقدم الاجتهاد، وهو من شروطه؛ فإنه لا يمكن الاجتهاد إلا بذلك (٦)، والله أعلم. قوله: "ولم يبق من الأول شيء" (٧) هذا ليس شرطاً في الحكم المذكور عقيبه (٨)؛ فإنَّه إذا كانت قد بقيت من الأول بقيَّة فالحكم في ذلك كالحكم، وإنما تأثيره في أنه لا يجيء فيه الخلاف المذكور في قضاء الصلاة الثانية، بل يجب

стр. 198

قضاؤها (١) على ما قطع به فيما إذا تحيَّر ولم يجتهد (٢)؛ لأن معه ماء طاهراً بيقين، والله تعالى أعلم. المراد بصاحب "التلخيص" أينما ذكره: أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص (٣) الطبري (٤) صاحب أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج (٥)، رحمهما الله تعالى وإيانا آمين.

стр. 199

ومن الباب الرابع في الأواني قوله: "أما الذكاة فتطهَّر جلد كل ما يؤكل لحمه" (١) ليس على حقيقته؛ فإن الطاهر لا يطهَّر، إذ الحاصل لا يحصل، ولكنه استعارة في استدامة الطهارة، فإن الطهارة (٢) في الحالة الثانية مضافة إليها فكانت كالمطهرة فيها (٣)، والله أعلم. حكى عن أبي حنيفة ﵀ أنه عمَّم أثر الذكاة والدباغ جميعاً (٤)، وصرح في الدرس بأن أبا حنيفة قال: "جلد الخنزير يطهر بالدباغ". ولفظه ههنا كالمصرح بذلك، وفي الذكاة أيضاً، وأبو حنيفة وأصحابه إنما مذهبهم: أن جلد الخنزير لا يطهر بذلك (٥)، غير أن أبا يوسف (٦) روي عنه طهارة جلد الخنزير بالدباغ، والله أعلم. الشبُّ (٧)، والقرظ (٨) المذكوران فيما يدبغ به (٩)، أما القرظ (١٠) فهو بالطاء المعجمة لا بالضاد، وهو ورق شجر السلم، ينبت بنواحي

стр. 200

تهامة (١). وأما الشبُّ فقد ذهب أبو منصور الأزهري الإمام (٢) اللغوي صاحب كتاب "الزاهر في شرح ما أشكل من ألفاظ مختصر المزني" (٣) - وكان شافعياً أخذ عن واحد عن الربيع (٤) - إلى أنه الشبُّ بالباء الموحدة، وهو من جواهر الأرض التي يدبغ بها، يشبه الزاج (٥)، وذكر أن ذلك هو السماع، وأنه بالثاء المثلثة تصحيف، وبالباء الموحدة ذكره صاحب "الشامل" (٦)، وغيره (٧)، ووجدته بخط الإِمام أبي الفرج الدارمي (٨)، وغيره (٩) بالثاء المثلثة. وفي "صحاح اللغة"

стр. 201

للجوهري (١): "أنه نبت طيَّب الريح، مرُّ الطعم" (٢)، يدبغ به. وقال الأزهري: "شجر الطعم، ولا أدري أيدبغ به أم لا" (٣). ووجدت بخط الإمام أبى الفتح سليم بن أيوب الرازي في "تعليق" شيخه (٤) الشيخ أبي حامد الأسفراييني (٥) عنه: "أن أصحابنا قالوه بالثاء المثلثة، والشافعي قاله بالباء الموحدة، قال: وقد قيل: الأمران، وأيهما كان فالدباغ به جائز" (٦). قلت: فإذاً يحسن (٧) أن يقال: الدباغ جائز بالشبَّ والشثَّ فيجمع بينهما عملاً بالنقلين، والله أعلم. قوله ﷺ (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (٨) (حديث صحيح عن ابن عباس، ولفظه في صحيح مسلم (٩) (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) (١٠)، والإهاب: هو الجلد

стр. 202

قبل أن يدبغ، ذكره غير واحد منهم: الخليل (١)، وقطع به أبو داود السجستاني صاحب كتاب "السنن" فيه (٢)، وحكاه عن النضر بن شميل (٣). ولم يذكر فيه صاحب "الصحاح في اللغة". (٤) إلا هذا. ومنهم من قال: الإهاب: كل جلد دبغ أو لم يدبغ (٥)، والله تعالى أعلم. قوله: "جاز بيعه إلا في قول قديم مستنده موافقة مالك (٦): في أنه يطهر ظاهره دون باطنه" (٧) هذا المستند مذكور عن طائفة من الخراسانيين (٨) وعن

стр. 203

ابن أبي هريرة (١) من العراقيين، وكأنهم لم يتجه لهم قوله في القديم: أنه لا يجوز بيعه، إلا بتقدير قول قديم: بأنه لا يطهر باطنه، ولا يصح ذلك عن القديم، ونصُّه في القديم على المنع (٢) من البيع له مستند آخر وهو: أن الموت اقتضى المنع من التصرف فيه مطلقاً، ثم رخص في الانتفاع بعينه، فبقي ما سواه على التحريم (٣). وذكر صاحب (التقريب) - وهو خبير بنصوص الشافعي - أن جواز الصلاة عليه وفيه نصُّ قول الشافعي في القديم والجديد (٤)، والله أعلم. قوله في تعليل جواز أكل الجلد المدبوغ مطلقاً مما يؤكل لحمه وما لا يؤكل: (لأنه طاهر غير مضر ولا محترم) (٥) يحتاج فيه إلى أن يقول (٦): ولا مستقذر؛ فإن الاستقذار أحد الأسباب (٧) المحرمة قطعاً (٨)؛ قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٩). وأما ما وجدته في (شرح التلخيص) للشيخ أبي علي الحسين بن

стр. 204

شعيب السنجي من قوله عند ذكره قول ابن القاص: (إن المني لا يجوز أكله) (١): أصحابنا قالوا: إن الشافعي سئل عن أكله فقال للسائل: "إن استمرأت فكل"، قال أبو علي: "فكأنه لم يقطع بتحريمه" (٢). فأقول: ليس الأمر فيه على ما توهمه أبو علي، بل معنى ذلك - إن صحَّ عن الشافعي - الاستبعاد والاطراح لسؤال السائل ولما سأل عنه. وأيضاً فليس ذلك مصيراً إلى أن الاستقذار (ليس) (٣) موجباً للتحريم، بل مصيراً إلى أن (٤) من لا يستقذره فله أكله؛ لانتفاء الاستقذار في حقه، نظراً إلى نفس الحكمة وإعراضاً عن المظنَّة، ووجدت ذلك بنيسابور بخط الشيخ أبي (٥) محمَّد الجويني فيما علَّقه عن شيخه الإمام أبي بكر القفال المروزي من "شرحه للتلخيص" قال: "قال أصحابنا: من اشتهى فليأكل" (٦). هكذا ذكره غير (٧) منسوب إلى الشافعي، وهذا أشبه، وقد يطلق أحدهم فيقول: قال أصحابنا، ومراده أهل طريقته، لا جميع أصحاب الشافعي فاعلم ذلك، والله أعلم. علَّل في درسه ﵀ وإيانا. استثناء شعر الكلب والخنزير وتنجيسه على القول بأن الشعر (٨) من الجمادات وأنها لا تنجس (٩): بأن منبته

стр. 205

نجس (١)، وهو جزء مستحيل من نفس الكلب، بخلاف خضراء الدمن (٢) فإن أصلها من الحبَّ الطاهر. قلت: الأولى تعليله (٣): بأن نجاسة الكلب والخنزير مغلظة، فاقتطع شعرهما عن سائر الشعور قضية للتغليظ، وكما لم تكن حياتهما دافعة للنجاسة عنهما (٤) بخلاف حياة سائر الحيوانات، كذلك الجمادية في شعرهما لا تدفع عنهما النجاسة بخلاف (٥) سائر الجمادات، وهذا الوجه هو الصحيح المشهور (٦)، والوجه الآخر بعيد غريب (٧) والله أعلم. في طهارة الشعر من الجلد المدبوغ قولان معروفان (٨)، وقال هو: وجهان (٩). ووقع منه من (١٠) هذا القبيل (١١) كثير، خلافاً لنَقَلَةِ المذهب. والقول بطهارته هو الصحيح عند الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني (١٢)، والقاضي أبي المحاسن

стр. 206

الروياني صاحب "بحر المذهب" (١)، والقول بعدم طهارته هو الصحيح عند أبي القاسم الصيمري (٢)، والشيخ أبي محمَّد الجويني (٣)، وصاحبي "التهذيب" (٤) و"المهذب" في "تعليقه" (٥)، وغيرهم (٦)، وهذا هو الصواب؛ لأحاديث النهي عن لبس جلود السباع، والركوب عليها (٧)، والله أعلم.

стр. 207

ما ذكره من نقل إبراهيم البلدي (١) عن الشافعي (٢)، نقله البلدي عن المزني عن الشافعي (٣)، والله أعلم. ثبت في "الصحيحين" (٤) من حديث أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ : (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم) (٥)، وزاد مسلم في رواية غريبة: (إن (٦) الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة) (٧). وقوله (يجرجر) هو بضم الياء وكسر الجيم الثانية (٨)، وفي قوله (نار جهنم) روايتان مشهورتان (٩): أحدهما نصب الراء، وهو الأشهر والأقوى، ولم يذكر

стр. 208

الأزهري غيره (١)، فالنار على هذا مفعولة والشارب الفاعل. ومعنى يجرجرها في جوفه: يقلبها (٢) فيه بجوع متتابع يسمع له صوت يتردد في حلقه. والرواية الأخرى نارُ جهنم بالرفع، فتكون النار فاعلة، ومعناه يصوِّت في جوفه النار. وسمى المشروب ناراً اعتباراً بما (٣) يؤول إليه (٤)، والله أعلم. قوله: "إذا مُوَّه الإناء بالذهب لم يحرم على أظهر المذهبين" (٥) صورته ما (٦) ذكره في الدرس، وذكره (٧) شيخه (٨)، وغيرها (٩): ما إذا استهلك الذهب أو الفضة بحيث لا يجتمع منه شيء بالنار، أما إذا كان يجتمع بالنار منه شيء فهو حرام قطعاً (١٠) والله أعلم. قوله: "تضبيب الإناء بالذهب - يعني أو بالفضة - في محل يلقى فم الشارب محظور على الأظهر" (١١) معناه أن الأظهر التحريم فيه (١٢) مطلقاً، سواء كانت الضبة (١٣) كبيرة أو صغيرة، للحاجة أو لغير حاجة. والوجه الآخر: أنها

стр. 209

كما إذا لم تكن في محل يلقى فم الشارب، فيجري فيها التفصيل المذكور (١)، وهذا الوجه أظهر عند طائفة (٢)؛ لأن مناط التحريم من الخيلاء وغيره لا يقتضي فَرْقاً. وأما ما صار إليه من التسوية بين ضبة الذهب وضبة الفضة فقد صار إليه طائفة من الخراسانيين (٣)، والصحيح خلافه وأن ضبة الذهب حرام قليلها وكثيرها (٤)؛ فإنهما لا يستويان معنىً وحكماً (٥). ولذلك حرم على الرجل خاتم الذهب الفضة (٦)، بل حُرِّم في الخاتم المباح الأسنان (٧) من ذهب (٨)، وهذا معترف به في طريقة خراسان (٩)، وفي الوسيط أيضاً (١٠)، والله أعلم.

стр. 210

قوله: "معنى الحاجة أن تكون على قدر حاجة الشعب" (١) فالشعب هو بفتح الشين المثلثة، وإسكان العين المهملة، والمراد به: الصدع والشق، وإصلاحه أيضاً يسمى الشعب، ومنه قولهم للمصلح (٢): الشَعَّاب (٣)، فهو إذاً من الألفاظ المسماة بالأضداد؛ لاستعماله في الجمع والتفريق. ثم إن ذكر الشعب كالمثال، ولا ينحصر ذلك، بل يلتحق به حاجة الشد والتوثق، وما لا يقصد به الزينة (٤)، والله أعلم. قوله: "لا أن يعجز عن التضبيب (٥) بغيره، نإن ذلك يجوَّز استعمال أصل الإناء" (٦) هذا فيه نقص، وتمامه بأن يقال: إن اضطر إلى استعماله، وكذا هو في "النهاية" (٧)، والله أعلم. قوله: "وحدُّ الصغير ما لا يظهر على البعد" (٨) هذا مقام وَعِرٌ، وفي ضبط ذلك اضطراب من المصنفين، فالذي ضبطه (٩) به صاحب التتمة" (١٠)، وصاحب

стр. 211

"التهذيب" (١)، وغيرهما (٢): أن الكثير ما استوعب جزءاً من أجزاء الإناء بكماله، مثل أعلاه، أو أسفله، أو شفته، أو عروته (٣) جميعها (٤)، والصغير ما لا يستوعب ذلك، وهذا حكاه صاحب "النهاية" (٥) عن بعض المصنفين، ثم غلَّط قائله من جهة أن الإناء إذا كان كبيراً أسفله ذراع في ذراع فما يشتمل على ثلثي أسفله مثلاً كثير متفاحش، وإن لم يستوعب الأسفل جميعه. ولا ينبغي أن يعد ذلك من الغلط؛ فإنه متوجه بما وجهه به تلميذه الإِمام أبو الحسن إلْكيا الهراسي الطبري (٦) - أحد أكابر تلامذته - في كتابه "كتاب زوايا المسائل" وهو أنه إذا استوعبت الفضة جزءاً كاملاً من الإناء خرج عن أن يكون تابعاً للإناء حتى يعد الإناء - إناء نحاس أو حديد - يعد (٧) إناء من نحاس وفضة (٨)، لكون جزءاً من أجزائه المقصودة بكماله فضة، بخلاف ما إذا لم يستوعب جزءاً فإنه يقع مغموراً

стр. 212

تابعاً فلا ينسب (١) الإناء إليهما. والذي ضبطه به صاحب الكتاب هو ضبط شيخه الإمام أبي المعالي (٢) واختياره (٣). والمراد بهذا ما لا يخرج عن الاعتدال والعادة في رقته وغلظه (٤)، ويتشبث طرف منه بذيل الخلاف المعروف في تحريم إناء من نحاس مموه بالفضة (٥)، والخلاف في تحليل إناء من فضة مغشَّى بالرصاص (٦) مثلاً؛ وذلك أن الصانع لو بالغ في ترقيق ضبة (٧) من الفضة خفيفة الوزن حتى صارت تلوح من البعد، أو غلَّظ ضبة (٨) فضة ثقيلة الوزن وكثفها حتى صارت لا تلوح من البعد لكان الإفراط في بسطها مع خفة وزنها من قبيل التمويه، ولكان صغرها في مَرْأى العين مع (٩) ثقل وزنها من قبيل التغشية بالرصاص (١٠). ثم إنه لم يضبط البعد الذي ذكره بضابط، وقال تلميذه - صاحب الكتاب - في تدريسه له: "لا يمكن تحديده بالمسافة بالذرعان، وحدٌّ يوقف عليه في أمثال هذا ميئوس عنه"، قال ذلك غير مرة، وجاء تلميذه ابن يحيى في "شرحه

стр. 213

للوسيط" فقال: "لعل الضابط فيه مجلس التخاطب" (١). قلت: وهذا بعيد عن مذاق فقه هذا الفصل، وإنما المرجع في معرفة البعد إلى العرف، فما يقول الناس فيه: هذا بعيد، حكمنا فيه بالبعد وما لا فلا (٢). ولعل (٣) الإمام أبا المعالي إنما أطلق البعد ولم يضبطه اعتماداً منه على كونه معروفاً بين (٤) الناس. قلت: وعند هذا ينبغي أن نرجع ونقول - من الابتداء -: المرجع في معرفة القلة والكثرة إلى عرف الناس، ولا نطوِّل بما يؤول الأمر فيه إلى الرجوع إلى عرف مثله، وقد وجدنا لنا في ذلك قدوة وهو القاضي أبا (٥) المحاسن الروياني (٦) صاحب كتاب "بحر المذهب" فإنه قال: "المرجع في القليل والكثير (٧) إلى العرف والعادة"، وهذا متعين؛ لأن للناس في ذلك عرفاً، ألا تراهم يقولون في بعض ذلك: هذا كثير، وفي بعضه: هذا قليل، وقد علم أن ما يطلق غير محصور بحدًّ فالمرجع فيه إلى العرف (٨) إذا كان مما يتعارفه الناس كما في الحِرْز، وإحياء المَوَات، والقبض والتفرق في البيع، وغيرها، والله أعلم. ثم ما يتردد في أنه كثير أو قليل (٩) فالأصل الإباحة (١٠)، والله أعلم.

стр. 214

ومن الباب الأول: في صفة الوضوء قوله في تعليل أحد الوجهين في غسل الذمية من الحيض لحق زوجها المسلم: أنه يصح مطلقاً "لأنه استقل بأحد المقصودين كالزكاة في حقِّ الممتنع" (١) هذا لا ينبغي أن يجعل قياساً على ذلك؛ فإنَّ فيه أيضاً وجهين (٢): أحدهما: أنه لا تبرأ ذمته من الزكاة باطناً، وليس من طريقته جواز مثل هذا القياس، وإنما ذكره مثالاً ونظيراً، فشبَّه المسألة بالمسألة في جريان الخلاف، وهذا مغاير لقياس الحكم في أحدهما على الحكم في الأخرى، والمقصودان هناك (٣) هما: القربة، وسدّ الخَلة (٤)، والله أعلم. قوله: "وقت النية: حالة غسل الوجه" (٥) أي حالة الشروع فيه (٦)، فلا يُفْهَمَنَّ (٧) منه اقتران النية بجميعه، ولا التخيير في أن ينوي عند أي (٨) جزء أراد. و (٩) قوله: "والأكمل أن يقرنها بأول سنن الوضوء" (١٠) ذكر هو فيما بعد أن أول سنن الوضوء: السواك، ثم التسمية، ثم غسل الكفين، ثم المضمضة (١١).

стр. 215

والظاهر أن السواك يتأخر فيكون عند المضمضة. ولم يَعُدَّ كثير من الأصحاب السواك والتسمية وغسل الكفين من سنن الوضوء وإن كان مندوباً إليها في ابتدائه؛ لعدم اختصاصها بالوضوء (١)، والله أعلم. قوله: "لو غلط من حدث إلى حدث" (٢) أي غلط من سبب حدث به إلى سبب آخر. وإنما صحَّ ههنا قطعاً ولم يجر فيه الخلاف المذكور فيما إذا خصَّ بعض أحداثه بالرفع ولم ينف غيره (٣)، وإن سبق منه في "البسيط" (٤): أنه ينبغي أن يجرى إذ لا فرق بينهما، وهذا لأنه ههنا قد نوى رفع جميع الحدث القائم به، وذلك هو المقصود، وإنما غلط في ذكر سببه، وذكر السبب لا يشترط، وما غلط فيه كأنه (٥) لم يذكره. وفي "النهاية" (٦) عن المزني أنه نقل في مسألة الغلط إجماع العلماء على أنه لا يضر. فلو تعمد ذكر (٧) غير سببه لم يرتفع حدثه على الأصح لانتفاء ما ذكرناه (٨)، والله أعلم.
следующие страницы →