← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وروى أبو نعيم الحافظ (١) في كتابه: في (٢) "حلية الأولياء" (٣) من حديث الحسن بن سفيان صاحب المسند (٤) بإسناده عن أم أيمن قالت: (بات رسول الله ﷺ في البيت، فقام من الليل فبال في فخارة فقمت وأنا عطشى لم أشعر بما في الفخارة فشربت ما فيها، فلما أصبحنا قال لي (٥): يا أم أيمن أهريقي ما في (٦) الفخارة (٧)، قلت: والذي بعثك بالحق شربت ما فيها. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: (أما) (٨) أنه لا يتجعنَّ (٩) بطنك بعده أبدًا). قلت:

стр. 142

فالاستدلال بذلك (١) يحتاج إلى أن يقال فيه: لم يأمرها ﷺ بغسل فم ولا نهاها عن عودةٍ (٢). وكون المرأة أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ قد يظن من حيث إن اسمها بركة، وفي الحديث تسمية المرأة الشاربة بركة، ولا يثبت ذلك بذلك؛ فإن في الصحابيات أخرى اسمها بركة بنت يسار مولاة لأبي سفيان بن حرب، هاجرت إلى أرض الحبشة (٣)، وما في الحديث من نسبتها إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان يدل على أنها بنت يسار (٤)، والله أعلم. قوله: "البول (٥) والعذرة نجس (٦)، ويستثنى عنه موضعان: الأول: بول رسول الله ﷺ " (٧) وفي بعض النسخ: الأول: من رسول الله ﷺ . وعلى هذا يكون الاستثناء شاملاً (٨) للعذرة، وفي طرده في العذرة

стр. 143

بُعْد (١)، وكلام من لا أحصيه من المصنفين مخصوص بالبول (٢)، غير أن الإمام أبا المعالي قال في فضلات بدنه ﷺ كبوله، ودمه، وغيرهما: وجهان (٣)، والله أعلم. حديث شرب أبوال الإبل (٤) هو (٥) حديث أنس المخرج في الصحيح (٦) في قوم من عُريْنة (٧) استوخموا (٨) المدينة، فسقمت أجسامهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من ألبانها وأبوالها (٩)، والله أعلم.

стр. 144

حديث (سئل رسول الله ﷺ عن التداوي بالخمر فقال: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (١) رويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) عن أم سلمة ﵂ قالت: (نبذت نبيذًا في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي فقال: ما هذا؟ قلت: اشتكت ابنة لي فَنُعِت لها هذا، فقال رسول الله ﷺ : إن إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). ولم يخرَّج في الكتب الخمسة المعتمدة، ولا في "سنن ابن ماجة"، ويغني عنه ما هو (٣) أصح، وأولى، وأدلُّ، وهو حديث وائل بن حجر الكندي (٤): أن طارق بن سويد الجعفي (٥) سأل النبي ﷺ عن

стр. 145

الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١)، ومعنى الحديث الذي ذكره: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم التداوي به أو ما يشبه (٢) هذا من المعنى، وفي ذلك إعلام بأن الخمر المسئول عنها يحرم التداوي بها، ولا يشمل (٣) ذلك التداوي بسائر النجاسات؛ فإنها غير محرمة في حالة التداوي بدلالة ما سبق من قصة العرنيين (٤)، والله أعلم. "غصَّ بلقمة" (٥) هو بفتح الغين لا بضمها (٦)، والله أعلم.

стр. 146

قوله: "الإنفحة لبن يستحيل في جوف الخروف" (١) هي الإنفحة يكسر الهمزة، وبعدها نون ساكنة، ثم فاء مفتوحة، ثم حاء مهملة مخففة، هذه (٢) اللغة الجيدة فيها، ويجوز بتشديد الحاء (٣)، وتكون في جوف الجدي (٤) أيضًا، والصحيح أنها طاهرة (٥) لأن استحالتها لا إلى فساد، وهذا قبل تناوله غير اللبن فإذا أكل غير اللبن فقد ذُّكر أنها نجسة بلا خلاف (٦). قلت: هذا لازم من اسمها، فإنها الإنفحة وبعد الأكل ليست إنفحة، وذكر صاحب "الصحاح" (٧) أنها إنفحة ما لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، والله أعلم.

стр. 147

قوله: "مني المرأة فيه خلاف مبني على أن رطوبة باطن فرجها طاهر أو نجس (١)؟ " (٢) ليس هذا خلافًا في نجاسة نفس منيِّها من أصله، وإنما هو خلاف في نجاسة منيِّها بالمجاورة عند انفصاله منها (٣)، والله أعلم. قوله في البيضة: "إذا (٤) استحالت مذرة فتخرَّج على الوجهين في المني إذا استحال علقة" (٥) المذرة (٦): هي الفاسدة، وليس مراده مطلق المذر بل ما إذا استحالت دمًا، ووقع في كثير من النسخ: في المني إذا استحال مضغة (٧) وصوابه علقة (٨)، والله أعلم. قوله: "إذا ماتت دجاجة وفي بطنها (٩) بيض هل ينجس؟ فعلى وجهين: أحديث: نعم كاللبن" (١٠) صورة المسألة: ما إذا تصلب قشرها، فتنجس بالموت

стр. 148

على (١) أحد الوجهين كاللبن في ضرع الشاة الميتة، فإن نجاسته كانت بالموت تنزيلاً له منزلة أجزائها، لا بنجاسة الوعاء؛ فإنها تقع عفوًا كما في نجاسة الدَّنَّ فيما يتخلل من الخمر (٢)، فاعرف ذلك فإنه مشكل، والله أعلم. وجه الوجه الذي ذكره في نجاسة العضو المبان من الآدمي والسمكة (٣) أنه صار فضلة لبقائه حيَّاً بدونه، فتنجس نجاسة الفضلات، والله أعلم. قوله في دود القز "وفي روثه وبزره (٤) من الخلاف ما في بيض الحيوان الذي لا يؤكل" (٥) يعني وما في روث مالا نفس له سائلة (٦)، والله أعلم.

стр. 149

من أحسن ما يوجه به القول بطهارة فأرة المسك (١) - على تقدير أنها جزء بان من حيًّ -: ما عَلِقَ بحفظي من مدة متقادمة عن القفال الكبير أبي بكر الشاشي ﵀ وهو أنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر طهارة المدبوغات، وهذا فيه عمل بدليلي نجاستها وطهارتها (٢)، وقد أنكر بعضهم كونها بائنة من حيًّ (٣)، وسنذكر ذلك في الموضع الذي تكرر ذكرها فيه من كتاب البيع إن شاء الله ﵎ (٤). قوله بعد حكاية الخلاف فيما لا يدركه الطرف "ولعل الصحيح أن ما انتهت قلته إلى حدًّ لا يدركه الطرف مع مخالفة لونه للون ما اتصل به فهو معفو عنه، وأن كان بحيث يدركه الطرف على تقدير اختلاف اللون فلا يعفى عنه" (٥) هذا كلام موهم مُعْتَرَضٌ عليه فيه؛ لأنه يوهم أن ما سبق من الخلاف ليس فيما لا يدركه الطرف لقلته مع مخالفة اللون، بل في مطلق ما لا

стр. 150

يدركه الطرف: إما لقلته، وإما لاتفاق اللون، وليس كذلك، فإنه لا يخفى أن الخلاف من أصله إنما هو فيما لا يدركه الطرف لقلته، لا لاتفاق اللون، وقد صرح في الدرس بتصوير أصل المسألة فيما لا يدركه الطرف لقلته (١). فأقول: ليس ما ذكره طريقة أخرى، وحاصله أنه اختار مما سبق ذكره من الخلاف القول بالعفو في الماء والثوب (٢)، ولم يحقق صورة المسألة من الابتداء فذكر ذلك عند ذكره ما هو المختار عنده، وأعاد ذكر القسم الآخر الذي لا يعفى عنه وهو ما يدركه الطرف؛ من أجل أنه الآن حقَّق صورة المسألة، فاعلم ذلك (٣)، والله أعلم. قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (٤) رواه ابن عمر ﵄، وفي رواية قوية أخرجها أبو داود (٥) وغيره (٦) "فإنه لا ينجس" وهذا

стр. 151

الحديث حسن ثابت رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل (١)، وعملا به (٢)، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم (٣)، وأورده الحاكم أبو عبد الله الحافظ (٤) في "صحيحه المستدرك" (٥) وذكر أنه صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم (٦) ولم يخرجاه، ومطاعن المخالفين فيه (٧) مندفعة عند من أحاط بعلمي الحديث والفقه.

стр. 152

ونصر صاحب الكتاب في "الإحياء" (١) مذهب مالك: أن الماء لا ينجس إلا بالتغيُّر (٢)، واحتج بأشياء عنها أجوبة صحيحة. وقد قيل: إن ذلك قول قديم للشافعي (٣) ولا يثبت ذلك، والله أعلم. قوله: "ولو زال بوقوع الزعفران والمسك فلا؛ لأنه استتار، لا زوال" (٤) لا تناقض بين قوله أولاً "زال" وبين قوله آخرًا "لا زوال"؛ لأن المراد الأول: كونه صار بحيث لا يشمُّ رائحته، ولا يدرك (٥) مع بقاء التغيُّر في نفسه حقيقة. قوله: "ولو زال بوقوع التراب فقولان منشؤهما التردد في أنه ساتر أو مزيل" (٦) كنت قد (٧) حققت صورة هذه المسألة فيما أمليته من "شرح مشكل المهذب" وقلت: هذا تحقيق لو عرض على الأئمة لقبلوه - إن شاء الله تعالى - فذكرت أنه لا بد في تصويرها من شرطين: أن يكون تغير الماء بالرائحة، وأن

стр. 153

يكون الماء متكدَّرًا لم يَصْفُ بعد؛ وذلك لأنه إذا صفا الماء ولم يصادف تغيُّرًا فلا وجه للخلاف، بل يجب القطع بزوال التغيُّر سواء كان بالطعم أو اللون أو الرائحة؛ لأن التراب قد انفصل عن الماء فلن يكون ساترًا لتغيره، فعلم اختصاص الخلاف بحالة التكدُّر. ثمَّ إن تكدُّرَه يستر التغيُّر الكائن في الطعم أو اللون لا محالة، فتعين أن يكون محل الخلاف ما إذا كان التغيُّر بالرائحة والماء متكدر بالتراب (١)، فإذا لم تدرك الرائحة فهل يقضى بزوالها ثم بطهارته؟ لأن الظاهر زوالها، أو لا يقضى بزوالها؛ لجواز بقائها واستتارها برائحة التراب؟ لأن له رائحة، والأصل بقاؤها، فهذا الذي فيه القولان المذكوران. وإنما لم يجر (٢) القولان فيما إذا صفا الماء؛ لأن رائحة التراب لا تبلغ إلى أن (٣) تستر (٤) بعد انفصاله عن الماء فاعلم ذلك، والله أعلم. قوله في مقدار القلتين: "و (٥) الأقصد (٦) ما ارتضاه (٧) القفال وصاحب الكافي:

стр. 154

أنه ثلاثمائة منًا (١)؛ لأنه مأخوذ من استقلال البعير، وبعير العرب يكون ضعيفًا لا يحمل أكثر من مائة وستين منًا، فتحطُّ عنه عشرة أمناء للراوية والحبال" (٢) هذا كلام غير مرضي ولا يصح قوله "إن ذلك مأخوذ من استقلال البعير"، بل من المعلوم أن القلة سميت قلة لأنها تقل بالأيدي ونحو ذلك (٣)، أي تحمل من غير تخصيص للبعير، وهي عند العرب عبارة عن الجرَّة الكبيرة أو شبهها نحو الجُب (٤) وقد فسرها الثقة (٥) من رواة هذا الحديث (٦) بقلال كبار كانت بالمدينة تسمى قلال هجر، وهجر ههنا قرية بقرب المدينة لا هجر المعروفة عند البحرين (٧)، وتفسير الحديث من راويه يقبل وإن لم يسنده إلى رسول الله ﷺ ، وكانت معلومة المقدار عندهم كالمكايل، ولولا ذلك لم يقدر بها الشارع ﷺ . ثم

стр. 155

إنه احتيج (١) إلى التقدير بغيرها لفنائها، أو غير ذلك، فقدَّرت بقرب الحجاز، وهي كبار معروفة عندهم، فذكر ابن جريج (٢) - وهو أحد أكابر المتقدمين من علماء الحجاز - أن القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا (٣)، فاحتاط الشافعي ﵁ وعنهم - وقدر القلتين بخمس قرب منها، وجعل الشيء فيه نصفًا؛ ليستوعب جميع ما يحتمله لفظ الشيء في مثله (٤)، ثم احتاج من تباعد من الحجاز إلى تقدير تلك القرب بالأرطال، فاتفق أصحاب الشافعي، وأصحاب أحمد على تقدير كل قربة منها بمائة رطل بالرطل العراقي (٥)، وفي

стр. 156

"الشامل" (١) لابن الصباغ (٢) نسبة تقدير القربة بمائة رطل إلى الشافعي نفسه، ولم أجد ذلك في كلام الشافعي (٣) ومنصوصاته، وغيره صرح بأن ذلك كان من أصحابه (٤). فالقلتان إذًا على مذهب الشافعي وأصحابه خمسمائة رطل بالعراقي سوى من شذَّ منهم فقال: إنهما (٥) ألف رطل (٦)، أو (قال) (٧): ستمائة رطل (٨)، وذكر القاضي حسين في (٩) طريقته عن المهندسين أن مقدار القلتين من

стр. 157

الماء على الأرض المتساوية: ذراع وربع في ذراع وربع في عمق ذراع وربع (١)، فاعلم ذلك؛ فإن فيه من تحقيق أمر القلتين رغائب عزيزة مهمة، والله أعلم. قوله: "ويعبر العرب" كذا وقع بلفظ الواحد في البعير (٢) ولفظ الجمع في العرب وفيه عجمة (٣). وقوله: "للراوية والحِبَال" يتضمن كون الراوية قلة، وذلك غير صحيح ولا يعرف ذلك في اللغة أصلاً. ثم إن الراوية في لسان العرب عبارة عن الدابة التي تحمل الماء، واستعمالها فيما تحمل فيه الماء منسوب إلى العامة، وهو محتمل على وجه الاستعارة (٤)، والله أعلم. والمنا (٥) بالتخفيف على وزن العصا أفصح من المنِّ (٦)، والله أعلم. وصاحب "الكافي" المذكور هو أبو عبد الله الزبيري (٧) من قدماء الأصحاب العراقيين في الطبقة الثالثة. والقفال ههنا وحيث يذكر في "الوسيط" ونحوه هو

стр. 158

أبو بكر عبد الله بن أحمد القفَّال المروزي إمام المراوزة في الطبقة الخامسة أو السادسة، وهو القفال الصغير, والقفال الكبير هو: أبو بكر محمَّد بن علي الشاشي، وقلَّ ما يأتي ذكره في هذه الكتب، وإذا ذكر قيِّد بالشاشي (١)، والله أعلم. وصاحب "التقريب" المذكور هو ابن القفال الشاشي، واسمه القاسم أبو الحسن (٢)، جليل القدر صاحب طريقة في المذهب، وكتابه "التقريب" كبير شروح "مختصر المزني" (٣)، وربما أُعتقد أنه كتاب "التقريب" للإمام سليم بن أيوب الرازي (٤) وليس به، والله أعلم. قول (٥) ابن جريج: "رأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا" (٦) تحتمل "أو" فيه التردد والشك كما ذكره في الكتاب، وتحتمل التقسيم كما في "أو" من

стр. 159

آية المحاربة (١)، أي أنها كانت منقسمة فمنها ما تسع قربتين، ومنها ما تسع قربتين وشيئًا، والله أعلم. تقدير النقصان على قول القائل بالتقريب بأرطال معلومة تَشَوُّف إلى التحديد كما ذكره (٢)، ولكنه تحديد آخر غير التحديد الذي نفاه القائل بالتقريب، فإن الذي نفاه هو التحديد بخمسمائة رطل، والعبارة المفصحة عما اختاره في ضبط النقصان أن نقول: إذا كان الناقص بحيث يغيِّره من الزعفران أو غيره ما لا يغيِّر مثله (٣) القدر الكامل فهو (٤) دون القلتين، وإذا كان الناقص بحيث لا يغيِّره إلا ما يغيِّر مثله القدر الكامل فليس دون القلتين المعتبرتين، والله أعلم. قوله في النجاسة الجامدة الواقعة في قلتين: "القول الجديد: أنه لا يجوز الاغتراف إلا مما بعد عنها بقلتين" (٥) كان ينبغي أن لا يقتصر في تصوير المسألة على قلتين، بل يقول أكثر من قلتين؛ حتى يتصور الاغتراف مما بعد عنها بقلتين، فكأنه أراد في قلتين فصاعدًا، غير أن في العبارة كزازة (٦). ثم إن القلتين المجتنبتين نجستان على هذا القول فيما ذكره صاحب "التهذيب" (٧)، وصاحب

стр. 160

الكتاب في درسه له، وصرح به شيخه وقال: "لو كان الماء قلتين بلا مزيد كان (١) نجسًا على هذا القول" (٢). وكلام صاحب "الحاوي" (٣)، وصاحب "المهذب" (٤)، وغيرهما (٥) وكأنهم الأكثرون يقتضي أن ذلك طاهر مُنِعَ من استعماله لقربه من النجاسة، وعن بعض المعلقين عن الشيخ أبي محمَّد الجويني أن الخلاف إنما هو في جواز الاستعمال ولا خلاف في الطهارة (٦). والوجهان كلاهما ضعيفان، والقول بالتنجيس أضعفهما لمصادمته قوله ﷺ : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) (٧)، والله أعلم. والقول القديم: أنه لا يجب التباعد عن النجاسة (٨)، وذكر الشيخ أبو علي السنجي (٩) في "شرحه للتلخيص" أنه قوله في "اختلاف الأحاديث". فعلى هذا

стр. 161

هو أيضًا أحد القولين في الجديد؛ فإن كتاب "اختلاف الحديث (١) " من كتبه الجديدة. ثم إن فيما عُلِّق عن صاحب الكتاب في تدريسه له أنه على هذا القول لا يجب التباعد إلا عن حريم (٢) النجاسة وما تغير شكله بسبب النجاسة، وذلك هو المذكور في متن الكتاب في فصل الماء الجاري حيث يقول: "وهذا الحريم مجتنب (٣) في الماء الراكد أيضًا" (٤) وهذا غير معدود من المذهب (٥)، وإنما هو شيء جرَّ إليه جري الخاطر السريع حالة (٦) التأليف والتفريع، أو نحو هذا، والذي ذكره أئمة المذهب ومنهم الشيخ أبو محمَّد الجويني في كتابه "المحيط" (٧)، وولده في كتابه "النهاية" (٨)، والشيخ أبو علي السنجي (٩)، وصاحب "التتمة" (١٠)، وصاحب

стр. 162

"التهذيب" (١)، وصاحب "الحاوي" (٢)، وصاحب "الشامل" (٣)، ومن لا تحصيه من الخراسانيين والعراقيين، على اختلاف عباراتهم: أنه (٤) على القول بعدم وجوب التباعد، لا يجتنب شيء منه، بل له الاغتراف من أي موضع شاء منه (٥)، وهكذا ذكره (٦) هو في "البسيط" (٧) فقطع فيه بأن الراكد (٨) لا حريم له يجتنب، وأن الجاري يجتنب حريمه على المذهب، وفرق بينهما بأن الراكد لا حركة له حتى ينفصل البعض (٩) عن البعض في الحكم، والله أعلم. قوله في كيفية التباعد: "ينبغي أن يتباعد قدرًا لو حسب مثله في العمق وسائر الجوانب كان قلتين" (١٠) (فقوله: "وسائر الجوانب") (١١) كلام موهم، وإنما هو جانب العرض فحسب، إذ المعتبر في ذلك الطول والعرض والعمق فحسب من

стр. 163

صوب المغترف، وذلك مصرح به في "البسيط" (١)، و"النهاية" (٢)، وغيرهما (٣)، وليس لك أن تجعل ذلك مصيرًا منه إلى وجه ليس في هذه الطريقة - ذكره صاحب "التتمة" (٤) - وهو أنه لا يعتبر القلتان من صوب المغترف فحسب، بل من جميع جوانب النجاسة، فإن هذا الكلام إنما هو في جوانب الماء وأبعاده لا في جوانب النجاسة، وبيان كيفية التباعد واعتبار الأبعاد الثلاثة فيه كما (٥) سبق بكشف إشكاله الإمام القفال قرأت (٦) ذلك بخط تلميذه أبي محمَّد الجويني عنه (٧)، وذكر أنه سأل عن تحقيق ذلك جماعة منهم الشيخ أبو بكر الأودني (٨)، والشيخ أبو عبد الله الخضري وجارا فيه أبا يعقوب الأبيوردي (٩)، فما استقرت آراؤهم فيه على شيء (١٠).

стр. 164

قوله في البئر التي يقع فيها فأرة ويتمعط (١) شعرها: "فالطريق أن يستقى الماء (٢) بدلاء على الولاء إلى أن ينزف (٣) مثل جمَّة البئر مرة، أو مرتين، أو مرات استظهارًا" (٤) جمَّة البئر: بفتح الجيم وتشديد الميم: ما اجتمع فيها (٥) من الماء (٦)، والولاء بكسر الواو والمد: التوالي والتواصل (٧)، وفسره صاحب "النهاية" (٨): بأن تتابع الدلاء بحيث لا تسكن جمَّة البئر عن تحركها (٩) بالدلو الأولى حتى تلحقها الثانية ثم هكذا فهكذا حتى ينزح مثل جمَّة البئر، قال: "والاستظهار عندي أن ينزح مثل "ماء" (١٠) البئر مرارًا". فإذا قوله في "الوسيط": "مرة" بيان للمشروط، وقوله: "أو مرات استظهارًا" بيان للمستحب، وقوله "استظهارًا" يتعلق بالمرتين والمرات، وصرَّح في "البسيط" (١١) بما فسرناه، وقد اقتصر في بعض النسخ على ذكر "مرة"، وفي بعضها "مرة أو مرتين" دون مرات، وفي بعضها جميعهن (١٢). وهذا الماء

стр. 165

عند كثرته وعدم تغيره طاهر يمتنع استعماله (١)، فلو استقى منه في دلو، ونظر فلم يجد فيه شيئًا من المتنجس جاز له استعماله. ثم إن الظاهر أنَّا إذا قلنا بطهارة الشعر فلا منع، ولكن ذكر عنه فيما عُلِّق عنه في تدريسه "للوسيط" طرده ذلك وإن قلنا بطهارة الشعر، وعلَّل: بأنَّ الشعر يتمعط ملتصقًا به شيء من جلد الفأرة ولحمها، وذلك نجس لا محالة (٢). وقال في الدرس: "وأما جدران البئر (٣) وأطرافها فإنها تتنجس (٤) بما في الدلاء حالة النزح فلتغسل". ثمَّ إن قلنا: الغسالة (٥) طاهرة (٦) فلا بأس، وإن قلنا: نجسة فلتنزح تلك الغسالة، وإن شاءَ شاءٍ بحث جدران البئر وأخرج ذلك التراب، والله أعلم. الجريات جمع جرية بكسر الجيم (٧)، وهي ههنا اسم لقطعة جارية من الماء (٨).

стр. 166

قوله (١): "وما على يمينها وشمالها وسمتها إلى العمق فيه طريقان: منهم من قطع بالطهارة، ومنهم من خرَّج على قولي التباعد" (٢) هذا (٣) ليس على إطلاقه، وشرحه: أن حريم النجاسة - وهو ما يلامس النجاسة، وينعطف عليها، ويلتف بها، ويتغير شكل جريانه (٤) بها - نجس قطعًا على المذهب (٥)، وما زاد على ذلك مما على يمينها وشمالها إلى حافتي النهر (٦) وما في سَمْتِها إلى (٧) العمق فذلك الذي فيه الطريقان: منهم (٨) من قطع بطهارته؛ لأنه متفاصل عنها كتفاصل ما فوقها وما أمامها، ومنهم من جعل جميع ذلك ماء واحدًا كالراكد، فإن كان دون القلتين فهو نجس، وإن كان أكثر من قلتين خُرِّج على قولي التباعد (٩)، والله أعلم.

стр. 167

الجدول (١): النهر الصغير (٢)، والله أعلم. قطع في النجاسة المائعة الواقعة في الماء الجاري من غير تغيير (٣) بأنها لا تنجسه كان كان قليلاً؛ لأن الأولين كانوا يتوضؤون من الأنهار الصغيرة أسفل من المستنجين منها (٤)، واحتج به في الدرس على صحة أختياره لمذهب مالك في أن الماء مطلقًا (٥) لا ينجس إلا بالتغير (٦)، وادعى أنه نقض على مذهبنا، وأنه بالمصير إلى مذهب مالك يتخلص من مناقضات وتخبيطات تلزمنا في مذهبنا. ولما ارتقى ﵀ وإيانا - في ذلك مرتقى لم يكن له ارتقاؤه، لم تستقر قدمه عليه، ولم يستقم نقله ولا دليله، فالذي عليه جمهور أئمة المذهب ونقلته (٧) التسوية بين الجاري والراكد في الفرق بين القليل والكثير عملاً بعموم الخبر (٨). ونقل صاحب "التلخيص" (٩)

стр. 168

وغيره (١) قولاً قديمًا أن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير، ولكن من غير فرق بين النجاسة المائعة والجامدة، واختاره بعض الأصحاب (٢) احتجاجًا بأن الماء الجاري وارد على النجاسة فلم ينجس المزال به النجاسة، وما احتج به من أمر الأولين لا يسلَّم له (٣)؛ فإنه (٤) تخمين لا يعضده نقل يعتمد، والله أعلم. الفرق الذي ذكره هو (٥) وشيخه (٦) بين الأنهار المعتدلة والأنهار العظيمة، بعيد لم يذكره الأكثرون (٧)، والله أعلم. قوله: "وهذا الحريم مجتنب في الماء الراكد" (٨) غير صحيح على المذهب، وقد بينت ذلك في فصل الراكد (٩)، وإنما الحريم المذكور المجتنب مخصوص

стр. 169

بالجاري (١)؛ لأنه متفاصل الأجزاء (٢) فينجس حريم النجاسة منه (٣) لملاقاته إياها من غير أن يحصل فيه كثرة دافعة لتفاصله، وأما الراكد فليس فيه إلا التباعد بقلتين على قول، وجواز الاغتراف من أي موضع شاء على القول الآخر الصحيح (٤)، والله أعلم. فرع (٥): الحوض الذي ينصبُّ في وسطه ماء يجري فيه ويمر، وطرفاه (٦) راكدان، إذا وقعت نحاسة في الجاري منه، فحكمه على ما سبق: فينجس من الجاري حريمها، ولا ينجس الراكد على طريقة من لم يوجب التباعد منها، بل قطع بطهارة ما وراء حريمها؛ إذ الراكد مما وراء حريمها. وقوله: "إذا لم نوجب التباعد (٧) وإن كان الجاري قليلاً" (٨) محمول على هذه الطريقة، وهي الطريقة الأولى، وينبغي على الطريقة الثانية الجاعلة ما على (٩) يمين النجاسة وشمالها إلى حافتي النهر وإلى العمق شيئًا واحدًا كماء راكد، أن تعتبر الجرية التي فيها النجاسة مع ما يحاذيها من الراكدين إلى حافتي الحوض

стр. 170

وإلى العمق، فإن لم يبلغ الجميع قلتين فالجميع نجس، وإن كان أكثر من قلتين فعلى الخلاف كما سبق (١). وأما إذا وقعت النجاسة في الراكد وهو أقل من القلتين فهو نجس، و (٢) الماء الجاري يلاقي في جريانه ماءً نجسًا فهو كنجاسة واقفة يلاصقها الماء الجاري منحدرًا، فقياس ما تمهد من القاعدة أن يحكم بنجاسة ما يماسُّ الراكد ويلاقيه من الجاري وهو الحريم، وما زاد على ذلك فهو على (٣) الطريقة الأولى طاهر، وعلى الطريقة الثانية إن كان قليلاً فنجس، وإن كان كثيرًا فعلى قولي التباعد. وأما قول صاحب الكتاب: "فإن كان يختلط به ما يغيّره لو خالف (٤) لونه فينجِّسه" (٥) فلا أراه يستقيم، وهو منفلت عن رابطة القاعدة؛ فإنه فرضه مختلطًا به فيجب أن يعتبر بنفسه ولا يقدر بغيره؛ لأن المانع من نجاسة الجاري تفاصله وعدم اختلاطه، فإذا كان مختلطًا به نجس إن كان دون القلتين كماء نجس وقع في ماء قليل، وأيضًا فالماء النجس إذا وقع فيما لا يتنجَّس إلا بالتغير كالماء الكثير فليس كالبول الموافق للماء في صفائه في أنه يعتبر بغيره، ويقدر فيه أنه لو خالفه هل كان يغيره؟ فتأمل ذلك (٦)، والله أعلم.

стр. 171

ثم إنه قسَّم النجاسة إلى حكمية وعينية (١)، أما الحكمية فهي: التي لا يشاهد لها عين، ولا يُحَسُّ لها طعم، ولا لون، ولا رائحة. والعينية نقيض ذلك (٢)، وهذا أجود وأليق بكلام (٣) صاحب الكتاب، من قول صاحب "النهاية" (٤): "العينية: التي يشاهد عينها، والحكمية: التي لا يشاهد عينها"، والله أعلم. قوله: "وإن بقي اللون بعد الحتِّ والقرص، فمعفو عنه" (٥) فالحتُّ هو الحكُّ، والقرص هو تقطيعه وقلعه بالظفر (٦). ثم إن ظاهر كلامه مشعر (٧) بأن ذلك شرط، وقد قاله غيره (٨) وهو الصحيح (٩)، والله أعلم.

стр. 172

ثم إن المحل يحكم بطهارته أو يبقى نجسًا ويعفى عنه كدم البراغيث؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب التتمة (١) وغيره (٢)، والله أعلم. قوله: "وإن بقيت الرائحة فوجهان" (٣) وإنما هما قولان معروفان (٤)، والله أعلم. قوله: "ويستحب الاستظهار بغسلة ثانية وثالثة" (٥) فالاستظهار بالظاء المعجمة وهو الاستعانة (٦)، وقد أبعد من قال: تجوز قراءته بالطاء المهملة ومعناه طلب الطهارة (٧)، والله أعلم. قوله في الوجهين في وجوب عصر الثوب: "يبتنيان على أن الغسالة طاهرة أو نجسة" (٨) فيه إشكال من جهة أن طهارة الغسالة مقطوع بها ما دامت مترددة على

стр. 173

المحل غير متغيرة (١)، وإنما الخلاف بعد انفصالها (٢)، وفي "نهاية المطلب" (٣) هذا البناء محكي عن الشيخ أبي علي السنجي موجهًا: بأنَّا إذا حكمنا بنجاسة الغسالة بعد الانفصال فهي نجسة ما دامت على المحل، فإن عصرت فالبلل الباقي بعد العصر المعتاد طاهرٌ. قلت: وهذا بعيد يأباه النقل والدليل؛ فإن الغسالة قبل انفصالها طاهرة وفاقًا، مقطوع بذلك في طريقتي العراق وخراسان (٤)، وفي "الحاوي" (٥) نقل الوفاق فيه، وفي "التهذيب" (٦) وغيره (٧) القطع به، وقد وجدته منصوصًا عليه للشافعي في كتابه "كتاب اختلاف

стр. 174

الحديث" (١) قال فيه: "إذا ورد الماء على النجاسة لم (٢) ينجس؛ لأنا لو قلنا: ينجس. لم يطهر الثوب". ثم إنه يمكن أن يوجه هذا البناء بأن المقصود من الغسل إهدار النجاسة عن المحل، وإنما يحصل ذلك بالعصر فوجب، ثم لا يتوجه ذلك على الحكم بطهارة الغسالة؛ فإنه لو أعادها إلى المحل بعد انفصالها لم يمتنع (٣)، فيتعين ابتناؤه على الحكم بنجاستها، والله أعلم. ابن سريج (٤) قضى بأن الثوب النجس إذا أورده على الماء القليل على قصد غسله أجزأ؛ لأن الأصل نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة، واستثنى للحاجة ما إذا كانت ملاقاته إياها على جهة الغسل، وكما تنصرف الملاقاة إلى جهة الغسل بكونها على هيئة الغسل بأن يكون الماء واردًا، فكذلك تنصرف إلى جهة الغسل بقصد الغسل مع كون الماء مورودًا، والمقصود من الغسل إزالة أثرها واستهلاكها، وذلك حاصل في هذه الصورة أيضًا. فتوسَّع ابن سريج في الطرق المحصِّلة لهذا المقصود بزيادته (٥) هذا الطريق، وزاد عليه طريقًا آخر ليس

стр. 175

معتادًا في الغسل فأنزله منزلة الغسل، وهو مكاثرة الماء النجس بما يُصَبُّ عليه من الماء الطهور فجعله كالغسل له وحكم بطهارته (١)، فهذا وجه قول صاحب الكتاب فيه. "وزاد" (٢)، وأيضًا ففي "النهاية" (٣) عن ابن سريج أنه قال: "يطهر الماءان إذا قصد به الغسل". فإذًا ذلك زيادة منه في القول بتأثير القصد في ذلك، وأما قول المصنف: "إن ذلك منه بناءً على أن غسالة النجاسة طاهرة" فإنما هو بناء على أن العصر لا يجب بناء على أن الغسالة طاهرة على الوجه الذي سبق إيضاحه (٤)، والله أعلم. وأما قضاء ابن سريج بأنه لو وقع الثوب النجس في ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب (٥)؛ فلأنه معترف بالفرق بين الوارد والمورود، وإنما ألحق المورود بالوارد حيث يوجد القصد ولم يوجد ههنا، ومن ظن به من هذا كونه اشترط النية في إزالة النجاسة فقد غلط عليه، وإنما اعتبر القصد فيما إذا كان الماء

стр. 176

مورودًا لتنصرف الملاقاة بالقصد إلى جهة الغسل، وليس في ذلك اعتبار منه للقصد إذا كان الماء واردًا (١)، والله أعلم. قوله في نجاسة الأرض: "فإن كانت جامدة فطهارتها برفع عينها" (٢) كان ينبغي أن يقول يابسة؛ فإن الجامدة قد تكون رطبة فلا يكفي رفع عينها (٣)، والله أعلم. قوله ﷺ : (صبُّوا عليه) (٤) ذنوبًا من ماء) (٥) حديث (٦) ثابت في "الصحيحين" (٧) رواه أنس بن مالك وغيره (٨). والذَنوب بفتح الذال: الدلو العظيمة (٩) الملأى ماءً (١٠).

стр. 177

وقال ابن السكيت (١): "هي التي فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة ذَنوب"، والله أعلم. قوله: "ولا تفريع على هذا القول" (٢) ثم إنه فرَّع عليه عقيبه (٣)، ففهم منه أنه أراد بقوله "لا تفريع عليه" أنه لا ينبني عليه حكم ولا عمل به (٤)، والله أعلم. ذكر حديث لبابة بنت الحارث (٥) عن رسول الله ﷺ : (إنما يغسل من بول الصبية ويرش على (٦) بول الغلام) (٧) ولبابة هذه بضم اللام وبباء موحدة

стр. 178

مكررة، وهي أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب. وهذا الفرق بين البولين قد رويناه (١) في "سنن أبي داود السجستاني" (٢)، و"السنن الكبير" للبيهقي (٣)، وغيرهما (٤)، وبعضها يزيد على بعض، فرويناه من حديث لبابة، وأبي السمح مولى النبي ﷺ وخادمه (٥)، وعلي ابن أبي طالب (٦)، وأم سلمة (٧) رضي الله

стр. 179

عنهم - وفي بعضها (ما لم يطعم) لكن موقوفًا على علي وأم سلمة (١)، فهو حديث حسن يحتج به، وإن لم يلتحق بدرجة الحديث الموسوم بالصحيح. إلا أن التردد المذكور في "الوسيط" بين الحسن والحسين (٢) ليس في حديث لبابة، بل فيه الجزم بالحسين بلفظ التصغير، والترديد بينهما هو في حديث أبي السمح. وقد ثبت في "الصحيحين" (٣) في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن (٤) (أنها جاءت النبي ﷺ بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال عليه، فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه عليه ولم يغسله). قوله (٥) في "الوسيط": "ومنهم من قاس الصبية عليه. وهو غلط لمخالفة النص" (٦) هذا غير مرضي من جهتين: إحداهما (٧): إيراده إياه وجهًا لبعض

стр. 180

الأصحاب، وهو القول المنصوص عليه للشافعي (١). والثانية: إنزاله إياه بمنزلة الغلط، وهو يرتفع عن (٢) ذلك ارتفاعًا، وذلك أن الشافعي ﵁ نصَّ على جواز الرش على بول الغلام مستدلاً بالسنة فيه، ثم قال: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية". هذا ما نقله المزني في "مختصره" (٣)، ونقل صاحب "جمع الجوامع من كتب الشافعي ومنصوصاته" (٤) نصَّه على جواز الرش على بول الصبي قبل أن يطعم، وأنه احتج فيه بحديث أم قيس بنت محصن، ثم قال: "ولا يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية أكلت الطعام أو لم تأكل كان أحب إليَّ احتياطًا، وإن رشَّ ما لم تأكل الطعام أجزأ إن شاء الله تعالى". ولم ينقل عنه غير هذا، فذكر الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي أن أحاديث الفرق بينهما كأنها لم تثبت عند الشافعي ﵁ وإلى مثل ذلك ذهب البخاري ومسلم حيث لم يودعا شيئًا منها كتابيهما، إلا أن البخاري استحسن حديث أبو السمح. (٥) قلت: فالفرق بينهما إذًا كأنه قول مخرَّج لا منصوص، ومع ذلك لا يذكر كثير من المصنفين غيره، ولا يقوى ما يذكر من (٦) الفروق بينهما من حيث المعنى، ومن أجودها: أن بول الذكر أرق، وبول الأنثى أثخن، وألصق بالمحل. وللمسوي بينهما أن يقول: الاجتزاء
следующие страницы →