← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ابن صبرة (١) أن رسول الله ﷺ قال له: (وإذا استنشقت فبالغ إلا أن تكون صائماً) أخرجه أبو داود (٢) , وغيره (٣)، وهو حديث حسن الإسناد. وصبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الباء، والله أعلم. قوله: "الثامنة: تقديم اليمين على اليسار" (٤) استثني صاحب "الحاوي" (٥) من ذلك الأذنين فإنه يمسحهما معاً، قال: "وليس في أعضاء الطهارة عضوان لا

стр. 247

تقدم اليمنى منهما على اليسرى غير الأذنين". وذكر الروياني صاحب "بحر المذهب" (١) أيضاً أنه لا يستحب التيامن فيهما لإمكان الجمع بينهما بمرة، وهكذا الخدان من الوجه. فلو كان أقطع اليد استحب له أن يبدأ بأذنه اليمنى؛ لأنه لا يمكنه مسحهما معاً، والله أعلم. قوله في استيعاب الرأس بالمسح: "فإن عسر تنحية العمامة كمَّل المسح بالمسح على العمامة" (٢) قلت: لم أجد أحداً من أصحابنا تعرض لأنه يشترط من وضع العمامة (٣) على الطهارة ما يشترط في المسح على الخفين، فيحتمل إلحاقه (٤) في ذلك بذلك، ويحتمل أن لا يلتحق به، فإن هذا نوع آخر؛ لأنه مسح وقع بدلاً عن مسح، وذلك مسح وقع بدلاً عن غسل، وههنا يجمع بمسحه على الناصية والعمامة بين الأصل والبدل، ولا يجوز مثل ذلك في المسح على الخف. وقد اشترط أحمد بن حنبل ﵁ فيها وضعها على الطهارة (٥)، غير أن من مذهبه جواز الاقتصار على مسح العمامة (٦)، والله أعلم. ذكر مسح الرقبة في السنن وقال: "لقوله ﷺ مسح الرقبة أمان من الغل" (٧) و (٨) هذا غير صحيح عند أهل الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهو من قول بعض

стр. 248

السلف (١)، وروى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (٢) عن موسى بن طلحة (٣) قال: (من مسح قفاه مع رأسه وقى الغل يوم القيامة) (٤). والشافعي لم يذكره في كتبه، والله أعلم. (وقد روينا في "السنن الكبير) (٥) عن طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جده (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على سالفته). وفي رواية: على قفاه. قلت:

стр. 249

والسالفة: هي جانب العنق من أعلاه من معلق القُرْط من الأذن إلى نقرة الترقوة (١). وفي جميع ذلك ضعف، لكنه يتقوى بعضه ببعض بعض القوة، والله أعلم" (٢). قوله: "قد استعان رسول الله ﷺ مرة ركان عليه جُبَّة كمُّها ضيَّق، فعسر عليه الإسباغ منفرداً" (٣) وهكذا ذكره شيخه (٤)، ذكر أنه استعان مرة بالمغيرة للسبب المذكور. وحديث المغيرة بن شعبة ثابت بروايات كثيرة (٥)، في بعضها ذكر السبب الذي ذكره في الاستعانة مشعراً بوجودها منه ﷺ لا لضيق الكم نفسه فحسب، فإنه استعان في غسل وجهه به، فلما انتهى إلى غسل يديه ضاقت كماه فلم يستطع أن يخرج يديه منهما فأخرجهما من أسفل الجبة وغسلهما. وقد استعان ﷺ مراراً في وضوءات متعددة: استعان بأسامة بن زيد ﵁ في حجته، عشية دَفَع من عرفة، رواه صاحبا "الصحيحين" (٦)، واستعان

стр. 250

أيضاً بالرُبيِّع بنت معوِّذ بن عفراء (١) مرة أخرى، وحديثها لم يخرِّج في الصحيح، لكنه حديث حسن رواه الشافعي ﵁ (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، وغيرهم (٥). والرُبيَّع هي (٦) بضم الراء على التصغير، والله أعلم. قوله: "السابعة عشرة: أن لا ينفض يديه لقوله ﷺ : (إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم) (٧) هذا مذكور في طريقتي خراسان والعراق (٨)، ونسبه صاحب "الشامل" إلى أبي علي الطبري (٩) صاحب كتاب "الإفصاح"، ثم قال: (وقد

стр. 251

روت ميمونة أن النبي ﷺ اغتسل وجعل ينفض يديه) (١). قلت: حديث لا تنفضوا أيديكم لا صحة له، ولم أجد له أنا في جماعة اعتنوا بالبحث أصلاً (٢)، وزاد بعض الفقهاء في آخره: (فإنها مراوح الشيطان) (٣). وحديث ميمونة حديث صحيح معروف (٤) فليعتمد عليه، والله أعلم. قوله بعد ذكر (٥) الدعاء على أعضاء الوضوء، والذكر عند الفراغ منه: "فقد وردت فيها (٦) الأخبار الدالة على كثرة فضلها (٧) قلت: أما الأدعية على

стр. 252

الأعضاء فلا يصح فيها حديث (١). وأما الذكر الذي ذكره للفَرَاغ من الوضوء فهو ملفَّق من حديثين، فقوله "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله" (٢) وارد (٣) في حديث ثابت عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فتح الله له (٤) ثمانية أبواب الجنة يدخلها من أي باب شاء) رواه مسلم في "صحيحه" (٥)، وأبو داود (٦)،

стр. 253

والنسائي (١)، وابن ماجه (٢)، وغيرهم (٣). وقوله "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (٤) ورد به حديث آخر، ليس كالأول في الصحة، وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقٍّ ثم طُبع بطَابَع، فلم يكسر إلى يوم القيامة) وهو حديث غريب ليس بالقوي، أخرجه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب "اليوم والليلة" (٥)، والله أعلم.

стр. 254

ومن الباب الثاني في الاستنجاء قوله في آداب قضاء الحاجة: "وهي سبعة عشر" (١) وقال في الدرس: "هي ستة عشر". وإذا عددت ما ذكره في الكتاب وجدتها أكثر من ذلك (٢)، وتصانيف الأصحاب متفاوتة في عددها، فمن زائد ومن ناقص. ومما لم يذكر في هذا الكتاب: تجنب قارعة الطريق في ذلك، وتجنب الكلام حالتئذٍ (٣)، وأن يقول إذا خرج من الغائط: غفرانك (٤). وهكذا الحال فيما ذكره من عدد سنن الوضوء فمما (٥) لم يذكره منها: استقبال القبلة حالة الوضوء، ذكره الإمام أبو عبد الله الحليمي (٦) قال: "لأن ذلك إذا كان مستحباً للقاعد الذي لا يشتغل بعبادة فهذا أولى" (٧). ثم إن هذه الآداب ليست بآداب كل قاضي حاجة، إذ فيها

стр. 255

ما يختص بقاضي الحاجة في الصحراء (١)، ومنها ما يختص بقاضي الحاجة في البنيان (٢)، والله أعلم. قوله: "وأن (٣) لا يستقبل الشمس والقمر" (٤) هذا يفارق مثله في القبلة في أمور أربعة: أحدها: تخصيص (٥) هذا بالاستقبال دون الاستدبار، هكذا هو في كلامهم (٦)، وفي الحديث المحتج به (٧). وما في "الشافي" لأبي العباس الجرجاني (٨) من التسوية بين استقبال الشمس واستدبارها في الكراهة، غير معروف. والمعنى

стр. 256

فيه: أن الفحش المحذور (فيه) (١) لا يوجد في الاستدبار؛ لأن استقبالهما إنما هو بوقوع شعاعهما على فرجه في تلك الحالة، ولا يوجد مثله في استدبارهما. والثاني: استواء البنيان والصحراء في كراهة (٢) ذلك، صرح به المحاملي (٣)، ووجه (٤) استوائهما فيما ذكرناه. والثالث: ثبوت التحريم في القبلة، والكراهة (٥) ههنا. والرابع: أن مستند ذلك من الحديث صحيح معروف في القبلة (٦)، وهو في الشمس والقمر ضعيف لا يعرف، روي في كتاب "المناهي" (٧) (أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس، ونهى أن يبول وفرجه باد للقمر). فثبتت الكراهة بما فيه من الإفحاش، وإن لم يثبت فيه حديث (٨)، والله أعلم.

стр. 257

قوله في تحريم استقبال القبلة واستدبارها: "إلا إذا كان في بناء" (١) هذا ليس على إطلاقه، بل إنما يجوز في البناء (٢) إذا كان متخذاً لذلك، وهو الكنيف (٣)، أو كان قريباً من الجدار بنحو ثلاثة أذرع، فلو كان في عرصة (٤) دار متباعداً عن الجدار لم يجز (٥). وليس الاعتبار عندهم (٦) في ذلك بمطلق البناء، ومطلق الساتر، وإنما الاعتبار فيه بما يستر عن أعين المصلين (٧) من الملائكة والجن كيلا يستقبلهم أو يستدبرهم بفرجه، وهذا المعنى اعتمده الأصحاب في ذلك (٨)، وقد روي عن الشعبي (٩) بإسناد

стр. 258

ضعيف (١)، وهو يقتضي (٢) فيما لو قعد مستقبلاً للقبلة قريباً من الساتر ولكن خلفه فضاء أنه لا يجوز (٣)، وقد أجازه صاحب "التهذيب" (٤)، وقد روينا عن ابن عمر ﵄ أنه أناخ راحلته، وجلس يبول إليها، فقيل له في ذلك، فقال: (إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) رواه أبو داود في "سننه" (٥). فأقول: ليس المعنى المحرَّم ما ذكره من ذكره من (٦) استقبال المصلين أو استدبارهم. وإنما المعنى فيه: أن جهة القبلة جهة معظمة، وجب تعظيمها

стр. 259

باستقبالها في الصلاة، وذلك ينافي استقبالها بالبول والغائط؛ لما فيه من الاستخفاف بها، والهتك لحرمتها (١)، فإذا استتر بالكنيف المتخذ لذلك، وإن لم يقرب من جداره، أو بساتر آخر قرب منه لم يعدّ هاتكاً لحرمتها، بل يعدُّ معظَّماً لها بتحريه الاستتار عنها بذلك، والله أعلم. قوله: "وأن لا يبول في الجحرة" (٢) هو بكسر الجيم وفتح الحاء وفي آخره تاء التأنيث جمع جُحر بضم الجيم، وهو انثقب (٣) وهو ما استدار، ويلتحق به ما استطال وهو الشق، والسَرَب. وقوله "ففيها إخبار" (٤) كان ينبغي أن يؤخر قوله هذا إلى آخرها، فإن مستند الجميع أخبار، وقد عبَّر المؤلف عن كثير منها بغير ألفاظها، وفيها ما هو ضعيف الإسناد (٥). قوله "وأن لا يستصحب شيئاً عليه اسم الله تعالى ورسوله" (٦) فقوله "ورسوله" لم نجده لغيره (٧)، ورأيت جماعة من المصنفين منهم: صاحب

стр. 260

"المهذب" (١) قد صرحوا بأن هذا الأدب مستحب، وليتهم قالوا: يجب، والله أعلم. قوله (٢): "وأن لا يدخل ذلك البيت حاسر الرأس" (٣) روينا فيه في كتاب "السنن الكبير" للبيهقي (٤) مسنداً عن عائشة ﵂ قالت: (كان النَّبي ﷺ إذا دخل الخلاء غطى رأسه). لكن إسناده ضعيف جداً (٥). قال البيهقي: (وقد روي في تغطية الرأس عند دخول الخلاء عن أبي بكر الصديق ﵁ وهو عنه صحيح، وروي عن النبي ﷺ مرسلاً) (٦)، والله أعلم. قوله: "يقول عند الدخول: أعوذ بالله من الخبث المُخْبِث" (٧) فالمخبث بضم الميم، وإسكان الخاء، وكسر الباء، هو الذي أصحابه وأعوانه خبثاً (٨)، وقد يكون المخبث الذي يعلَّم غيره الخبث (٩). والثابت في "الصحيحين" (١٠) أنه ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، والله أعلم.

стр. 261

قوله (١): "يقول عند الخروج: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى عليَّ ما ينفعني" (٢) قد روي عن طاووس (٣) عن رسول الله ﷺ مرسلاً (٤)، ولا يثبت (٥). ومعناه: أن الطعام ينقسم في المعدة إلى صفوٍ وثفلٍ، فالصفو يستحيل دماً، يثبت في عروقه، وبه قوامه. والثفل هو الفضلة المستقذرة التي يلقيها. وذكر غيره (٦) أنه يقول ما روته عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج من (الغائط قال: غفرانك). وهو حديث حسن رواه أبو داود (٧)، والترمذي (٨)، وغيرهما (٩). وما روي عن أبي ذر (أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج

стр. 262

من) (١) الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عنَّي الأذى (٢) وعافاني). أخرجه النسائي في كتاب "اليوم والليلة" (٣)، ورفعه إلى النبي ﷺ غير قوي (٤)، والصحيح أنه موقوف على أبي ذر. قوله: "وأن يُعِدَّ النبل قبل الجلوس" (٥) فقوله "يعدُّ" هو بضم الياء: أي يهيئ (٦). و"النبل" عند الأصمعي (٧) بضم النون وفتح الباء، وهي جمع نُبلة على مثال سترة وسُتر، والمحدثون يقولونها بفتح النون (٨)، وإياه ذكر الزبيدي

стр. 263

اللغوي (١)، وهي عبارة عن حجارة الاستنجاء الصغار (٢). وذكر أبو عبيد الهروي أنه من الأضداد يقال للكبار ويقال للصغار (٣). وهذا ورد في حديث رواه بعض أصحاب الغريب (٤) أن النبي ﷺ قال: (اتقوا الملاعن، وأعدوا النبل) ولم أجده ثابتاً (٥) ويغني عنه ما رواه أبو داود (٦) من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار)، والله أعلم.

стр. 264

قوله (١): "وأن يستبرئ عن البول بالتنحنح والنترة (٢) " (٣) قد روى أبو بكر بن المنذر (٤) في النترة حديثاً (٥)، وهو بالنون والتاء المثناة من فوق، وذكر صاحب "صحاح اللغة" (٦) أنه الجذب في جفوة. وقد أستحب الجذب صاحب "التهذيب" (٧). وذلك مما يخاف من إدمانه الضرر على العضو. وقد حكى القاضي الروياني، وصاحب "التتمة" (٨) أن النتر هو: الدلك (الشديد) (٩)، وقال الروياني أيضاً:

стр. 265

"هو أن يضع إصبعه على ابتداء مجرى بوله، وهو من عند حلقة الدبر، ثم يسلت (١) المجرى إلى رأس الذكر". وذكر إمام الحرمين (٢) نحو هذا. وهو حسن بالغ في الاستبراء (٣)، ولكن في لفظ النتر قصور عنه من حيث اللغة، والله أعلم. عبَّر عن نصه في القديم فقال: "ويجوز الاقتصار فيه على الحجر ما لم ينتشر عنه، ما لا ينتشر عن العامة" (٤) وإنما عبارته فيما نقله الفوراني (٥) في "الإبانة" (٦)، وغيره (٧): "ما لم (٨) ينتشر منه إلا ما ينتشر من العامة"، وهكذا عبارته في "الوجيز" (٩)، ومحصولهما واحد، وذلك أنما (١٠) ينتشر من العامة (١١) هو محل

стр. 266

الجواز، وما لا ينتشر من العامة هو محل عدم الجواز، فهما نقيضان لا يخلو المحل من أحدهما، والنقيضان أو الضدان اللذان لا يخلو المحل من أحدهما يجوز أن يعبَّر عن كل واحد منهما بنفي ضده إذ (١) يلزم من انتفاء ضده وجوده، ففي عبارته في "الوسيط" عبَّر عن صورة الجواز من المنتشر بنفي ضدها، وفي عبارته في "الوجيز" عبَّر عن صورة الجواز بذكرها بنفسها بلفظ خاص فيها. والمراد بلفظ العامة: معظم الناس، والله أعلم. قوله: "ومنهم من تأوَّل ما نقله الربيع" (٢) ذكر الفوراني (٣) أنه تأوله على ما إذا كان بين الإليتين، لا في داخل المخرج. وهذا تأويل بعيد، والله أعلم. قوله: "وقال العراقيون: لا يكفي الحجر في دم الحيض الموجب للغسل" (٤) لا يُتَوهم من هذا أن فيه خلافاً من غيرهم، فإنه لا يعرف فيه خلاف (٥). وسبب نسبته إليهم أنهم بدؤوا بذكره (٦). و (٧) كذلك قوله: "وعدُّوا الذي من النجاسات

стр. 267

النادرة" (١) لا خلاف فيه، بل المقطوع به في الكتب كونه من النجاسات النادرة (٢). وكذلك أسقط بعضهم من قوله في "الوجيز" (٣): "وقيل: إن المذي (٤) نادر". لفظة "قيل" على أن قول القائل: قيل كذا، من غير أن يذكر غيره، بمنزلة قوله: ذكر كذا، لا يستدعي كونه مختلفاً فيه، والله أعلم. قوله: "ومنهم من قَطَع بما ذكرناه، وهو المنصوص في القديم، وأوَّل هذه النصوص" (٥) أما تأويل ما نقله المزني: فهو أنه أراد بقوله: "ما لم يَعْدُ المخرج" (٦) حلقة الدبر وما حولها. فعبَّر بالمخرج عن الجميع. وتأويل نقل الربيع: "ما لم يخرج إلى ظاهر الإليتين" (٧) ما لم يخرج عن المعتاد. جعل ذلك ضابطاً لذلك على التساهل، والله أعلم. قوله: "احترزنا بالطاهر عن الروث، والعين النجسة" (٨) لا يتناول بظاهره (٩) النجس بالمجاورة، وهو داخل في ذلك (١٠)، والله أعلم.

стр. 268

قوله في المنع من الاستنجاء بالزجاج الأملس: "لأنه (١) يبسط النجاسة، فإن نقلها عن محلها تعين الماء" (٢) هذا يُصحَّف (٣) ويقرأ قوله "فإن" بالتشديد أي النقل لها يوجب استعمال الماء، وإنما صوابه فإن نقلها بحرف الشرط أي إذا استنجى بالزجاج ثم أراد أن يستنجي بالحجر نظرت: فإن نقل الزجاج النجاسة لم يجز ذلك، وتعين الماء، كان لم ينقلها جاز الاستنجاء بالحجر. بخلاف الذي ذكره قبله من الاستنجاء بنجس (٤)، فإنه يتعين فيه الماء مطلقاً من غير تفصيل (٥). فأراد الفرق في ذلك بين الاستنجائين الفاسدين، كما فعله الفوراني (٦)، وهو يحذو حذوه كثيراً، والله أعلم. قوله: "وفي التراب والحُمَمَة اختلاف نصًّ" (٧) هي الحممة بضم الحاء المهملة وفتح الميم (٨). المشكل في هذا توجه قول من أثبت قولاً في المنع (٩) في الحُمَمة الصلبة القالعة، وقول من أثبت قولاً في الجواز في الحممة المتفتتة والتراب (١٠). أما المنع في الحممة فقد روينا عن ابن مسعود قال: (قدم وفد الجنِّ على رسول الله

стр. 269

- ﷺ فقالوا: يا محمَّد أنهَ أمتك أن يستنجوا بعظم، أو روثة، أو حممة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً. قال: فنهى النبي ﷺ ) كذا أخرجه أبو داود في "سننه" (١) من بين أصحاب الكتب الستة. وأما الجواز في التراب والحممة فقد روينا مرسلاً عن طاووس عن النبي ﷺ قال: (ليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث (٢) حثيات من تراب) رواه الدارقطني في "سننه" (٣)، ولا يثبت مرفوعاً، وهو صحيح عن طاووس من قوله، والله أعلم. قوله: "والاستنجاء بيد الغير" (٤) هذا القيد على طريقة شيخه (٥) حيث قطع بجواز الاستنجاء بيد نفسه، وخطَّأ من ذكره فيه خلافاً، وقال: إنه لا حرج على المرء في تعاطي النجاسة باليد، وحرَّمه بيد غيره. وقد عكس ذلك (٦) صاحب "الحاوي" (٧) فجوَّزه (٨) بيد غيره ولم يجوِّزه (٩) بيد نفسه، والله أعلم.

стр. 270

قوله في العظم: (قال رسول الله ﷺ : إنه طعام إخوانكم من الجن) (١) هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢) من حديث ابن مسعود، والله أعلم. قوله: (قال رسول الله ﷺ : يُقبل بواحد ... الحديث) (٣) هو حديث لا يثبت، ولا يعرف في كتب الحديث (٤). وأما الحديث الذي بعده وهو قوله: "حجر للصفحة اليمنى" (٥) فهو حديث رواه سهل بن سعد الساعدي (٦) ولفظه: (أَوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجران للصفحتين، وحجر للمسربة) وليس له إلا إسناد واحد (٧)، ولكن قال الدارقطني: "إنه إسناد حسن" (٨). والمسربة:

стр. 271

هي مجرى الغائط (١). وعند هذا نقول: لا اختلاف بين الحديثين، وكلاهما يحمل على استيعاب جميع المحل بالثلاثة. وقوله: حجران للصفحتين: معناه كل واحد منهما للصفحتين (٢)، والله أعلم. وذكر (٣) ما ذكر (٤) غيره (٥) من أن الخلاف المذكور خلاف (٦) في الأحبِّ، أو خلاف في الوجوب؟، وذكر في الدرس أنه ينبغي أن يقال: من قال باستيعاب جميع المحل بكل حجر فلا يجوز عنده تخصيص كل جانب بحجر؛ فإنه أقل، ومن قال بالتخصيص جوَّز الاستيعاب؛ فإنه أعلى. وهذا الذي قاله من عنده (٧) مليح.

стр. 272

ومن الباب الثالث: في الأحداث أراد الحدث الأصغر، دون الحدث الأكبر، ففيه الباب الرابع، والله أعلم. قوله في الخارج: "طاهراً كان أو نجساً" (١) المراد نجس العين أو طاهر العين وإن كان نجساً بالمجاورة، كما إذا خرجت منه حصاة أو دودة، وبهذا مثَّله في الدرس (٢)، ولا سبيل إلى أن نفسره بالمني؛ لكونه طاهراً مطلقاً، فإنه لا يوجب الحدث الأصغر عنده (٣) على ما صرح به في آخر باب الغسل (٤)، وذلك هو المشهور خلافاً للقاضي أبي الطيِّب الطبري (٥) حيث جعله موجباً للحدثين معاً. ومن المستطرف ما بلغني عن بعض المشايخ المعروفين من أصحاب محمَّد بن يحيى من الخلافيين أنه التزم تصوير ذلك (٦) في الطاهر من حيث العين، والمجاورة، وزعم أن صورته: أن يبلع حُقَّاً (٧) مطبقاً على خاتم، ثم ينزل حتى

стр. 273

يقف عند حلقة الدبر، وينفتح ويخرج منه الخاتم ساقطاً. أو كما قال، وهذا هوش (١) عجيب، والله أعلم. قوله: "لاسترخاء الأَسْر" (٢) هو الأسْر بفتح الهمزة وإسكان السين، وهو (٣) الخلق، وقيل: موضع الغائط والبول، ويقع ذلك لصاحب الآدرة (٤)، والله أعلم. قوله: "ولا وضوء مما مسته النار، خلافاً لأحمد" (٥) هذا (٦) غير صحيح؛ إنما هو خلاف لطائفة من الصحابة والتابعين (٧)، وخلاف لداود (٨) إن اعتبرنا

стр. 274

خلافه (١). وأما خلاف أحمد فإنما هو في أكل لحم (٢) الجذور، فإنه ينقض الوضوء عنده (٣)، وهو قول قديم للشافعي (٤) ﵃ قوله: "التفريع: حيث يحكم بانتقاض الطهر، فلو كان الخارج نادراً فقولان" (٥) إنما خصَّ النادر بأن جعله تفريعاً دون عكسي الأمرين الآخرين، مع أن الأمور الثلاثة متساوية في كونها قيوداً في الأصل؛ لأنه يتفرع على عكسي الأمرين الآخرين أيضاً، فإنا إذا حكمنا بانتقاض الطهر فيما لو كان المسلك المعتاد منفتحاً، والثقبة الزائدة أسفل المعدة، والخارج معتاداً، وحكمنا بالانتقاض فيما لو كان المسلك المعتاد منسداً، والثقبة فوق المعدة، والخارج معتاداً (٦)، فلو كان الخارج منهما نادراً ففي الانتقاض (٧) قولان (٨)، والله أعلم.

стр. 275

قوله: "بغَشْية أو إغماء" (١) هما مستعملان بمعنى واحد، وكأنه أراد بالغَشْية ما قصرت مدته، وبالإغماء ما طالت مدته (٢)، أو ما يكون معه صرع من غير جنون، كما قال شيخه: "بجنون، أو صَرْعة، أو غَشْية (٣)، والله أعلم. (٤) قوله: (لما روي أن طلحة قال لرسول الله ﷺ : أمن هذا وضوء؟ وكان قد نام قاعداً، فقال: لا أَوَتضع جنبك) (٥) هذا حديث غير ثابت، ولامعروف، وقد روينا ذلك (٦) في كتاب "السنن الكبير" (٧) بإسناد ضعيف عن حذيفة بن اليمان لا عن طلحة. والمعتمد في المسألة حديث أنس قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون - أي قعوداً - ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون). رواه مسلم في "صحيحه" (٨)، وفي رواية: (على عهد رسول الله ﷺ ) (٩)، والله أعلم.

стр. 276

قوله في الآية الواردة في ملامسة النساء ولمسهن (١): "حمله الشافعي على الجسِّ باليد" (٢) هو الجَسُّ بفتح الجيم (٣)، وهذا التخصيص غير مرضي، فإن الشافعي إنَّما (٤) حمله على التقاء البشرتين، والجسَّ باليد، واحتج بقول ابن عمر ﵁: (قُبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة) (٥)، والله أعلم. قوله في طهر الملموس: "الثاني: ينتقض؛ تشوفاً إلى المعنى؛ لأنَّ الملامسة مفاعلة" (٦) هذا كلام مشكل، لم يبينه في موضع آخر، وبيانه: أنا راعينا الشهوة في ذلك لإشعار لفظ الملامسة به، والملامسة مفاعلة تقتضي استواء الجانبين، والملموس يشارك اللامس في ثوران الشهوة، فجعل لامساً في الحكم، والله أعلم. قوله: "فلكل ساقطة لاقطة" (٧) الهاء فيه للمبالغة، وهذا مثل استعملوه في غير هذا يعنون به: لكل ساقطة من الكلام لاقطة يسمعه منك فيحصيه عليك (٨)، والله أعلم.

стр. 277

قوله (١) ﷺ : (من مسَّ ذكره فليتوضأ) (٢) هذا الحديث حسن ثابت من حديث بسرة بنت صفوان (٣)، أخرجه أصحاب كتب "السنن" (٤) بأسانيد (٥)، ولم يُخرَّج في "الصحيحين".

стр. 278

قوله: "وفي معناه: من مسَّ ذكر غيره، وكذلك المرأة إذا مست فرجها" (١) تحقيق هذا: أنه يجري في الأحكام التعبدية الإلحاق بطريق لا فارق - سميناه قياساً أو لم نسمه قياساً؛ لأنه لا يتوقف على إبراز علة جامعة - وإنما يمتنع فيها قياس العلة وما يلتحق به لتوقفه على علة جامعة تفصيلاً، وذلك متعذر في التعبدي (٢)، وهذا مقرر في فنِّ أصول الفقه (٣)، والله أعلم. قوله في انتقاض الوضوء بمسَّ فرج الصغير: "قال الشيخ أبو محمَّد: هذا يدل على تحريم النظر إلى فرج الصغير، فيحمل ما روي من تقبيل رسول الله ﷺ زبيبة الحسن أو الحسين على جريانه وراء الثوب" (٤) هذا التأويل صالح لدفع الاستدلال به على عدم الانتقاض، لا للمنع (٥) من الاستدلال به على جواز النظر؛ إذ في الحديث: (كنا عند النبي ﷺ فجاء الحسن فأقبل يتمرَّغ عليه، فرفع عن قميصه وقبَّل زبيبته). مع أنه ليس فيه أنه صلى ولم يتوضأ، ثم إنه حديث ضعيف، رويناه في "السنن الكبير" (٦) عن أبي ليلى

стр. 279

الأنصاري (١) يتداوله بُطُون من ولده فيهم من لا يحتج به. والصغير فيه هو الحسن المكبَّر (٢) ﵁. وما ذكره من تحريم النظر إلى فرج الصغير فيه وجهان ذكرهما صاحب "التتمة" (٣): أحدهما: الجواز لتسامح الناس في ذلك قديماً وحديثاً، وذكر أنه الصحيح، وأن إباحة ذلك تبقى إلى أن يصير بحيث يمكنه أن يستر عورته عن الناس. وفيما عَلَّق عن شيخه القاضي حسين: القطع بأنه يجوز النظر إلى فرج الصغيرة التي لا تُشْتَهى مثل بنت سنة (٤)، وذكر مثل ذلك في فرج الصبي الصغير، والله أعلم قوله في دلالة نبات اللحية ونهود الثدي (٥): "الأظهر أن لا عبرة بهما (٦)؛ لأن ذلك لا يعدُّ نادراً على خلاف المعتاد (٧) " (٨) ووقع في بعض النسخ "لأن ذلك يعدُّ

стр. 280

نادراً" من غير حرف "لا"، وهذا مشكل غير مذكور في "البسيط" وأصله - وهو "النهاية" -، وشرحه إذا كان بحرف النفي: أن نبات (١) اللحية للأنثى، ونهود الثدي للذكر كثير، والكثير ليس بنادر ولا مخالف للعادة، فإن العادة العرفية تثبت بالتكرير (٢) والكثرة. وإذا كان بغير حرف النفي فمعناه: أن الخنثى شخص خارج عن العادة، فلا يستقيم فيه التمسك بالعادة في اللحية والثدي، فإنه تمسك بالعادة فيما لا عادة فيه. فاعلم ذلك؛ فإنه حسن رائق (٣) استضأت في بعضه بما علقته بخراسان مما عُلِّق عنه من (٤) درسه ﵀ وإيانا - والله أعلم. قوله: "ولا نظر إلى ما قيل من تفاوت عدد الأضلاع؛ فإنه (٥) لا أصل له في التشريح (٦) " (٧) وقع في بعض النسخ "الشرع" بالعين في آخره، وإنما هو التشريح بالحاء في آخره، وهو العلم بتفصيل بدن الإنسان وتركيبه - أحد (٨) أقسام علم الطبَّ - (٩). كذلك وجدته في أصل المصنف، وفيما عُلِّق عنه من (١٠) درسه، ومعنى هذا الوجه: أنه إن تساوى الجانب الأيمن منه والجانب الأيسر في عدد

стр. 281

الأضلاع فهو أنثى، وإن نقص الجانب الأيسر بضلع فهو ذكر؛ لأن الله ﵎ خلق حواء من ضلع من جانب آدم الأيسر صلى الله عليهما وسلم، فجاءت أضلاع الذكور من أولاده من الجانب الأيسر (١) ناقصة بضلع، وهذا لا أصل له (٢)، والله أعلم. قوله: "لقوله (٣) ﷺ : إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو (٤) في صلاته فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت أحدثت. فلا ينصرفنَّ حتى يسمع صوتاً، أو يجد (٥) ريحاً) (٦) هذا الحديث ثابت في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري (٧)، وفي "صحيح" (٨) مسلم من حديث أبي هريرة (٩) وليس فيه: إن الشيطان ليأتي أحدكم. ولفظه من حديث عبد الله بن زيد: (شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).

стр. 282

قوله: "فإن (١) غلب على ظنه الحدث فلا تعويل عليه؛ لأن العلامات تندر في الأحداث فلا مجال للاجتهاد فيها بخلاف النجاسات" (٢) قلت: سببه أن أسباب الأحداث إذا حلَّت فليس لها آثار تبقى في المحل تدل عليها، وليس كذلك النجاسات، فإن لها آثاراً تبقى في المحل تدل عليها (٣) لا جرم ما كان من أسباب الحدث له أمارات تدل عليه عولنا عليها كالمني ودم الحيض في حق المميزة (٤)، والله أعلم. قوله: "إذا انتهى المسافر إلى مكان وشكَّ أنه وطنه" (٥) من صوره: أن ينتهي إليه في ظلمة الليل. من جوَّز القصر في المسألتين الأخيرتين (٦)، ولم يجوَّز في المسألتين الأوليين: الجمعة والمسح (٧)، فله الفرق بأن الأمر (٨) في نية الإقامة وفي الوطن يتعلق به، فإذا كان شاكاً فيه غير متحقق له، دلَّ ذلك دلالة قوية (٩) على عدمه، فقضينا لذلك بعدمه (١٠) بخلاف انقضاء وقت الجمعة والمسح، والله أعلم.

стр. 283

فرع (١): إذا تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث ثم شك في السابق منهما فالذي ذكر أنه الصحيح هو (٢) قول ابن القاص، وجمهور الأصحاب. والصحيح خلافه، وهو أنه يجب عليه الوضوء في الصورتين سواء كان قبل طلوع الشمس متطهراً أو كان محدثاً (٣). وأما قول ابن القاص صاحب "التلخيص" ومن وافقه: أنه يحكم عليه بضد ما كان عليه قبل طلوع الشمس (٤)؛ فإن كان متطهراً قبل طلوعها فهو الآن محدث؛ لأن الطهارة المتقدمة زالت بالحدث المتأخر عن طلوعها - كان متأخراً عن الطهارة الثانية أو متقدماً عليها - ويشكُّ في زوال هذا الحدث بتأخر الطهارة الثانية عنه، والأصل بقاؤه، وهكذا يتقرر مثله فيما إذا كان قبل طلوعها محدثاً، وشبهوا ذلك بما لو (٥) أقام بيَّنة بأن له على فلان ألفاً، وأقام المُدعى عليه بيِّنةً بأنه أبرأه من ألف (٦)، فإنه يحكم (٧) ببراءته؛ لأنه (٨) ثبت أن البراءة وردت على دين واجب فأزالته، ونشكُّ هل اشتغلت ذمته بعد البراءة بدين آخر (٩)؟ فقد بان ضعفه من حيث إن

стр. 284

ذلك مُعَارَض بأنَّا قد تيقنَّا بعد طلوع الشمس طهارة، وشككنا في زوالها بتأخر الحدث الموجود بعد الطلوع (١) عنها، والأصل بقاؤها (و) (٢) لا فرق بين الحدث والطهارة، إلا أن الحدث علمناه بصفة كونه مزيلاً للطهارة، والطهارة لا نعلمها بصفة كونها مزيلة للحدث؛ لجواز أن تكون طهارةً على طهارة، وهذا لا تأثير له؛ لأن الطهارة على الطهارة مقرونة بانتفاء الحدث أيضاً، فالأصل استمرار انتفاء الحدث سواء كان انتفاؤه بتلك الطهارة أو بالطهارة التي قبلها، وهكذا إذا كان محدثاً قبل طلوعها فقد علمنا بعد طلوعها حدثاً مقروناً بانتفاء الطهارة، فالأصل استمرار انتفاء الطهارة ولا فرق كما ذكرناه، وفي هذا ما يوجب الفرق بين هذا ومسألة البراءة, لأنه لم يوجد مع سبب البراءة سبب آخر شاغل للذمة من قبض آخر أو غيره مضافاً إلى القبض المتقدم حتى يستصحب حكمه، وههنا وجد مع سبب الحدث سبب آخر موجب لزوال الحدث وهو الطهارة الثانية مضافاً إلى ما تقدم من الطهارة، فالأصل بقاء حكمها كما ذكرناه، فوضح التعارض على التساوي في استصحاب كل واحد من الطهارة والحدث الموجودين بعد طلوعها في كل واحد من الصورتين من غير ترجيح لما هو منهما ضد لما كان قبل طلوعها. وإذا تعارضا وتساويا لم يمكن الحكم بطهارته، ولا تصح الصلاة من غير طهارة محكوم بثبوتها. ولهذا قطعوا بأنه إذا لم يتذكر أنه كان قبل طلوع الشمس على طهارة أو حدث فإنه يجب عليه الوضوء (٣). فهذا (٤) الرأي الذي حققناه ضالة المحقق، ولا أحسبه يعدل عنه إذا تنبه له، واستوفى

стр. 285

النظر، وهو على ذلك غريب. وقد ذكره صاحب "الشامل" ورجحه (١)، لكن لم يوضحه كإيضاحنا له، وأحسبه تلقاه من أبي الفرج الدارمي، وكان أبو الفرج من أذكياء أصحابنا العراقيين في طبقة الشيخ أبي حامد الأسفراييني، وكان مولعاً بالتدقيق في مسائل مشكلة دقيقة، وإفرادها بالتصنيف، ووقفت له على مسائل منها، وهذه المسألة منهن، بيَّن فيها أن الصواب: إيجاب الطهارة في الصورتين، وبطلان قول صاحب "التلخيص" (٢). وبقوله (٣) قال من ذكرها بعده (٤) من الأصحاب جماهيرهم، حتى أن أبا الحسن ابن المرزبان (٥) - شيخ الشيخ أبي حامد - صار إلى أنه إن كان قبلها متطهراً فهو الآن متطهر، وإن كان محدثاً فمحدث. وهو الوجه الثاني المزيف في "الوسيط" (٦)، وغيره (٧)، ثم لما وقف على قول صاحب "التلخيص" رجع إلى قوله. ولله الحمد الأتم على ما هدانا وهو الأعلم.
следующие страницы →