← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأضلاع فهو أنثى، وإن نقص الجانب الأيسر بضلع فهو ذكر؛ لأن الله ﵎ خلق حواء من ضلع من جانب آدم الأيسر صلى الله عليهما وسلم، فجاءت أضلاع الذكور من أولاده من الجانب الأيسر (١) ناقصة بضلع، وهذا لا أصل له (٢)، والله أعلم. قوله: "لقوله (٣) ﷺ : إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو (٤) في صلاته فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت أحدثت. فلا ينصرفنَّ حتى يسمع صوتاً، أو يجد (٥) ريحاً) (٦) هذا الحديث ثابت في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري (٧)، وفي "صحيح" (٨) مسلم من حديث أبي هريرة (٩) وليس فيه: إن الشيطان ليأتي أحدكم. ولفظه من حديث عبد الله بن زيد: (شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).

стр. 282

قوله: "فإن (١) غلب على ظنه الحدث فلا تعويل عليه؛ لأن العلامات تندر في الأحداث فلا مجال للاجتهاد فيها بخلاف النجاسات" (٢) قلت: سببه أن أسباب الأحداث إذا حلَّت فليس لها آثار تبقى في المحل تدل عليها، وليس كذلك النجاسات، فإن لها آثاراً تبقى في المحل تدل عليها (٣) لا جرم ما كان من أسباب الحدث له أمارات تدل عليه عولنا عليها كالمني ودم الحيض في حق المميزة (٤)، والله أعلم. قوله: "إذا انتهى المسافر إلى مكان وشكَّ أنه وطنه" (٥) من صوره: أن ينتهي إليه في ظلمة الليل. من جوَّز القصر في المسألتين الأخيرتين (٦)، ولم يجوَّز في المسألتين الأوليين: الجمعة والمسح (٧)، فله الفرق بأن الأمر (٨) في نية الإقامة وفي الوطن يتعلق به، فإذا كان شاكاً فيه غير متحقق له، دلَّ ذلك دلالة قوية (٩) على عدمه، فقضينا لذلك بعدمه (١٠) بخلاف انقضاء وقت الجمعة والمسح، والله أعلم.

стр. 283

فرع (١): إذا تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث ثم شك في السابق منهما فالذي ذكر أنه الصحيح هو (٢) قول ابن القاص، وجمهور الأصحاب. والصحيح خلافه، وهو أنه يجب عليه الوضوء في الصورتين سواء كان قبل طلوع الشمس متطهراً أو كان محدثاً (٣). وأما قول ابن القاص صاحب "التلخيص" ومن وافقه: أنه يحكم عليه بضد ما كان عليه قبل طلوع الشمس (٤)؛ فإن كان متطهراً قبل طلوعها فهو الآن محدث؛ لأن الطهارة المتقدمة زالت بالحدث المتأخر عن طلوعها - كان متأخراً عن الطهارة الثانية أو متقدماً عليها - ويشكُّ في زوال هذا الحدث بتأخر الطهارة الثانية عنه، والأصل بقاؤه، وهكذا يتقرر مثله فيما إذا كان قبل طلوعها محدثاً، وشبهوا ذلك بما لو (٥) أقام بيَّنة بأن له على فلان ألفاً، وأقام المُدعى عليه بيِّنةً بأنه أبرأه من ألف (٦)، فإنه يحكم (٧) ببراءته؛ لأنه (٨) ثبت أن البراءة وردت على دين واجب فأزالته، ونشكُّ هل اشتغلت ذمته بعد البراءة بدين آخر (٩)؟ فقد بان ضعفه من حيث إن

стр. 284

ذلك مُعَارَض بأنَّا قد تيقنَّا بعد طلوع الشمس طهارة، وشككنا في زوالها بتأخر الحدث الموجود بعد الطلوع (١) عنها، والأصل بقاؤها (و) (٢) لا فرق بين الحدث والطهارة، إلا أن الحدث علمناه بصفة كونه مزيلاً للطهارة، والطهارة لا نعلمها بصفة كونها مزيلة للحدث؛ لجواز أن تكون طهارةً على طهارة، وهذا لا تأثير له؛ لأن الطهارة على الطهارة مقرونة بانتفاء الحدث أيضاً، فالأصل استمرار انتفاء الحدث سواء كان انتفاؤه بتلك الطهارة أو بالطهارة التي قبلها، وهكذا إذا كان محدثاً قبل طلوعها فقد علمنا بعد طلوعها حدثاً مقروناً بانتفاء الطهارة، فالأصل استمرار انتفاء الطهارة ولا فرق كما ذكرناه، وفي هذا ما يوجب الفرق بين هذا ومسألة البراءة, لأنه لم يوجد مع سبب البراءة سبب آخر شاغل للذمة من قبض آخر أو غيره مضافاً إلى القبض المتقدم حتى يستصحب حكمه، وههنا وجد مع سبب الحدث سبب آخر موجب لزوال الحدث وهو الطهارة الثانية مضافاً إلى ما تقدم من الطهارة، فالأصل بقاء حكمها كما ذكرناه، فوضح التعارض على التساوي في استصحاب كل واحد من الطهارة والحدث الموجودين بعد طلوعها في كل واحد من الصورتين من غير ترجيح لما هو منهما ضد لما كان قبل طلوعها. وإذا تعارضا وتساويا لم يمكن الحكم بطهارته، ولا تصح الصلاة من غير طهارة محكوم بثبوتها. ولهذا قطعوا بأنه إذا لم يتذكر أنه كان قبل طلوع الشمس على طهارة أو حدث فإنه يجب عليه الوضوء (٣). فهذا (٤) الرأي الذي حققناه ضالة المحقق، ولا أحسبه يعدل عنه إذا تنبه له، واستوفى

стр. 285

النظر، وهو على ذلك غريب. وقد ذكره صاحب "الشامل" ورجحه (١)، لكن لم يوضحه كإيضاحنا له، وأحسبه تلقاه من أبي الفرج الدارمي، وكان أبو الفرج من أذكياء أصحابنا العراقيين في طبقة الشيخ أبي حامد الأسفراييني، وكان مولعاً بالتدقيق في مسائل مشكلة دقيقة، وإفرادها بالتصنيف، ووقفت له على مسائل منها، وهذه المسألة منهن، بيَّن فيها أن الصواب: إيجاب الطهارة في الصورتين، وبطلان قول صاحب "التلخيص" (٢). وبقوله (٣) قال من ذكرها بعده (٤) من الأصحاب جماهيرهم، حتى أن أبا الحسن ابن المرزبان (٥) - شيخ الشيخ أبي حامد - صار إلى أنه إن كان قبلها متطهراً فهو الآن متطهر، وإن كان محدثاً فمحدث. وهو الوجه الثاني المزيف في "الوسيط" (٦)، وغيره (٧)، ثم لما وقف على قول صاحب "التلخيص" رجع إلى قوله. ولله الحمد الأتم على ما هدانا وهو الأعلم.

стр. 286

ما ذكره من الوجهين (١) في مسَّ المحدث صندوق المصحف والغلاف والخريطة (٢) مخصوص بما هو مصنوع من ذلك للمصحف ومهيأ له، ويمسه والمصحف فيه (٣)، والله أعلم. قوله في الحائض: "وحكى أبو ثور (٤) عن أبي عبد الله أنه كان لا يحرم عليها القراءة (٥)، إما لحاجة التعليم، وإما (٦) خيفةً من النسيان" (٧) هذا يوهم نسبة قوله "لحاجة التعليم أو لخيفة النسيان" إلى أبي عبد الله، ويوهم الترديد في ذلك على جهة الشكِّ (٨)، وليس الأمر على ذلك، حكى شيخه (٩) أن أبا ثور حكى عن أبي عبد الله أنه كان لا يحرَّم قراءة القرآن على الحائض. فجعله بعض

стр. 287

الأصحاب قولاً للشافعي، ثم فرَّع عَليه (١) هؤلاء: فقال قائلون: يختص بالمعلمة لضرورة الاكتساب. وقال آخرون: يعمُّ النسوة (٢)، والله أعلم. قوله: "لا بأس للجنب أن يجامع، ويأكل، ويشرب. ولكن يستحب أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل فرجه عند الجماع، فقد ورد فيه حديث" (٣) ثبت عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يأكل، أو ينام وهو جنب توضأ). أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤)، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم أهله من الليل ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً). أخرجه مسلم (٥)، وفي "سنن أبي داود" (٦) عن

стр. 288

عمار بن ياسر (أن النَّبي ﷺ رخَّص للجنب إذا أكل، أو شرب، أو نام أن يتوضأ). ثم إنه (١) ترك مسألة النوم والعناية بها عند نَقَلَة المذهب أكثر (٢)، وقد نصَّ الشافعي ﵁ في البويطي (٣) على أنه يكره له أن ينام حتى يتوضأ. روي (٤) عن عمر أنه قال: (يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد). رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" (٥). فقول المصنف "فقد ورد فيه حديث" عائد إلى (٦) الجماع، وقد ورد في الجميع أحاديث كما ذكرنا. وكلامه يوهم الاقتصار في الجماع على غسل الفرج، وليس كذلك، بل معه استحباب الوضوء كما سبق في الحديث، واستحبابه مذكور في "البسيط" (٧)، و"النهاية" (٨)، وغيرهما (٩). وكذلك غسل الفرج مع الوضوء مستحب في

стр. 289

الأكل، والشرب، فالجميع مستحب إذاً في الجميع (١)، والله أعلم. قوله: "روي أن رجلاً سلَّم على رسول الله ﷺ وكان جنباً، فضرب يده على الجدار، ثم أجاب تعظيماً للسلام ... إلى آخر ما ذكره" (٢) هذا قد ذكره شيخه (٣)، ولا أعرفه معروفًا في نقل المذهب، لكن الحديث ثابت في "الصحيحين" (٤)، وغيرهما (٥) من حديث أبو الجهم بن الحارث (٦) عن رسول الله ﷺ ، إلا أني لم أجد لقوله: "وكان جنباً" صحة (٧)، وفي رواية الشافعي ﵁ إشعار بأن حدثه ﷺ كان من البول (٨)، والله أعلم.

стр. 290

قوله: "وفضل ماء الجنب طاهر، وهو الذي مسه الجنب، والحائض، والمحدث خلافاً لأحمد" (١) هذا غير صحيح، وأحمد قاطع بطهارته (٢)، وإنما خالف في طهوريته في رواية عنه: أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بما أفضلته المرأة إذا خلت به (٣). قوله (٤): "وهو الذي مسه الجنب والحائض" كلام عجيب، وكأنه أراد أولاً بقوله: وفضل ماء الجنب: وغيره؛ فإن (٥) في (٦) أمهات الكتب باباً ترجمته هكذا (٧)، أو أراد بقوله "والحائض": وكذا ما مسه الحائض والمحدث، ويصح أن يقرأ قوله: والحائض (٨) والمحدث، بالجر (٩) عطفاً على الجنب في قوله "ماء الجنب" أي وماء الحائض، لكنه بعيد عن أسلوب كلامه، والله أعلم.

стр. 291

ومن الباب الرابع في الغسل أنكر بعض من صنف في غلط العامة والخاصة على الفقهاء قولهم في هذا (باب) (١): الغُسل بضم الغين، وزعم أن الصواب فيه: الغَسل بفتح الغين، وأن الغُسل بضم الغين إنما هو الماء الذي يغتسل به (٢). وليس كما قال، بل هو بالضم مشترك بين الماء الذي يغتسل به وبين فعل الاغتسال الذي يعم البدن (٣). وقد حققت هذا فيما أمليته من "شرح مشكل المهذب"، والله أعلم. قوله في الولادة بغير نفاس: "الأصحُّ وجوب الغسل؛ لأنه إذا وجب بخروج الماء وهو أصل الولد فبأن (٤) يجب بنفس الولد أولى" (٥) هكذا قال ذلك (٦) شيخه (٧)، ولا يكاد يتقرر، وعلله هو في الدرس: بأن الولد لا يكاد ينفك عن لوث يخرج معه من الرحم، وكل ما خرج من الرحم من لوث فموجب للغسل. وهذا قريب، والله أعلم. الحديث في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (٨) ثابت في الصحيح من حديث أبي

стр. 292

هريرة (١)، وعائشة (٢) ﵄. وأما باللفظ المذكور ههنا فغير مذكور فيهما (٣)، وكأنها أفصحت ﵂ بهذا الإفصاح لكون الصحابة اختلفوا (٤) في ذلك، فأرادت التأكيد، مع أنها أمهم، وجاءها أبو موسى الأشعري (٥) عند اختلافهم (٦) يسألها عن ذلك فقال: (أنا أستحييك، فقالت: لا (٧) تستحي أن تسألني عن شيء كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك إنما أنا أمك) (٨)، والله أعلم.

стр. 293

قوله: "وكذلك إذا أولج في فرج ميتة، أو بهيمة، أو في غير المأتى ولا ختان فيه (١) فقوله: "ولا ختان فيه" (٢) غير راجع إلى فرج الميتة، بل إلى غير ذلك مما ذكره مما لا ختان فيه، والله أعلم. ثم (٣) إن (٤) الفرق بين المني والمذي والودي (٥) من المشكلات التي تعم بلوى المكلفين بها (٦)، وإذا كنا نشرح ما يخصُّ من مشكل (٧) هذا الكتاب فما يعمُّه وغيره أولى بذلك، وقد جمعت في ذلك كلام جماعة من الأئمة، ودخل كلامهم بعضه (٨) في بعض. أما المني فصفته: أنه من الرجل في حال الصحة أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج منه بشهوة وتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج استعقب فتوراً، ورائحته كرائحة طلع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العجين. ووجدت في "تعليق" الشيخ أبي محمَّد الكرُّوني الأصبهاني (٩) وهو في طبقة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بخط المعلق عنه: أنه

стр. 294

يشبه رائحته أيضاً رائحة القصيل (١). وهذا حسن غريب. وفي "مجموع" المحاملي (٢)، و"التهذيب" (٣)، وغيرهما (٤): أنه (٥) إذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض. هذه صفاته وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يستقل بإثبات كونه منيَّاً من خواص صفاته التي بينتها، وذلك بأن يمرض فيصير منيُّه رقيقاً أصفراً، أو يسترخي وعاء المني فيسيل من غيرالتذاذ وشهوة، أو يستكثر من الجماع فيحمرُّ كماء اللحم، وربما خرج دماً عبيطاً، وفي "تعليق" أبي محمَّد الأصبهاني المذكور: أنه في الشتاء يكون أبيض ثخيناً، وفي الصيف يكون رقيقًا (٦). ثم إن من صفاته المذكورة ما يشاركه فيها غيره كالثخانة، والبياض، يشاركه الودي فيهما، ومنها ما لا يشاركه فيها غيره (٧) فهي خواصه التي عليها الاعتماد في معرفته وهي ثلاث: إحداها (٨): الخروج بالشهوة مع الفتور عقيبه. الثانية (٩): الرائحة التي تشبه رائحة الطلع و (١٠) العجين كما سبق. الثالثة: الخروج بتزريق (١١) ودفق في دفعات. فكل (١٢) واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه

стр. 295

منيَّاً، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم نحكم بكونه منيَّاً، وغلب على الظن أنه ليس منيَّاً. هذا كله في مني الرجل، أما مني المرأة فهو أصفر رقيق (١)، ولا يكفي ذلك في معرفته؛ فإنه لا يختص به، وفي هذا الكتاب (٢)، وفي "النهاية" (٣) أنه لا خاصية له إلا التلذذ، وفتور شهوتها عقيب خروجه (٤) فلا يعرف إلا بذلك. وذكره القاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "البحر" (٥): أن رائحته أيضاً مثل رائحة مني الرجل (٦). فعلى هذا له خاصيتان يعرف بواحدة منهما أيتهما (٧) كانت. وما ذكره بعض شارحي (٨) "الوجيز" (٩) من قوله: ما ذكره الأكثرون تصريحاً وتعريضاً (١٠) التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث. فليس كما قال وهذه تصانيفهم! والله أعلم. وأما المذي: فهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند شهوة لا بشهوة، ولا دفق، ولا يستعقب خروجه فتوراً. وقد (١١) قيل: إنه لا يحس بخروجه (١٢)، والله أعلم.

стр. 296

وأما الودي: فهو يخرج عقيب البول (١)، هذا هو المشهور في تعريفه، وقد روي ذلك عن (٢) ابن مسعود ﵁ (٣). وفي كتاب "التقريب" لابن القفال (٤): "أنه يخرج عقيب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة". وفي "نهاية المطلب" (٥) أنه يخرج في الغالب عند حمل الشيء الثقيل. والأقاويل متقاربة؛ فإنه إذا كانت الطبيعة منه مستمسكة جهد نفسه عند قضاء الحاجة فالتحق في ذلك (٦) بالحامل للشيء الثقيل (٧). وأما لونه فقد ذكروا أنه أبيض ثخين (٨). وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد و"الشامل" (٩): أنه كدر ثخين. وفي "أمالي" (١٠) الشيخ أبي الفرج السرخسي (١١) من الخراسانيين: "أنه الماء الأبيض الثخين، الذي يخرج على أَثَر

стр. 297

البول قطرة أو قطرتين، يشبه المني في اللون (١)، ولا يشبهه في الرائحة". وهذا حسن. ثم إنه بالدال المهملة، ومن قاله بالذال المعجمة فقد غَلِطَ عند أهل اللغة، وأغرب بعض أهل المغرب فحكاه وجهاً فيه (٢)، وهو غير مقبول منه (٣)، والله أعلم. قوله: "لما روي أن أم سليم (٤) جدة أنس بن مالك" (٥) هذا غلط تَسَلْسَل (٦)، وتوارد عليه أبو بكر الصيدلاني (٧)، ثم إمام الحرمين (٨)، ثم تلميذه صاحبنا هذا (٩)، ثم تلميذه محمَّد بن يحيى (١٠). فلا خلاف بين أهل الحديث، وأهل المعرفة

стр. 298

بالصحابة وبالأنساب (١): أن أم سليم أم أنس بن مالك لا جدته (٢)، وفي "الصحيحين" (٣) الإفصاح بذلك، و (٤) لكن من أعرض عن علم الحديث، مع ارتباط العلوم به وقع في أمثال (٥) هذا، وما هو أصعب منه من التمسك بالحديث الضعيف، واطراح الصحيح، وإن ارتفعت في علمه منزلته، وأسأل الله عفوه وفضله آمين. قوله: "فقالت عائشة في رواية أخرى: إن أم سلمة - أم المؤمنين - قالت: ذلك" (٦) والروايتان في "الصحيح" (٧) باختلاف في اللفظ. وقوله ﷺ : (فَمِمَّ الشبه). في جواب إنكارها احتلام المرأة ورؤيتها الماء منها (٨)، وَجْهُهُ: أنها أنكرت ذلك بإنكارها مائها من أصله، والله أعلم.

стр. 299

و (تربت يمينك): قلت: معناه في الأصل: افتقرت، ثم استعملوه غير (١) مريدين وقوع ذلك، بل مبالغةً في إيقاظ المخاطب لما ذُكِر ليتيقظ له وتشتد (٢) عنايته به؛ لأن بشاعة اللفظ توجب ذلك (٣). قوله: "وأقل واجبه أمران" (٤) وجهه: أن أصله (٥) الأقل الذي هو واجبه أمران (٦)، ثم أضاف الأقل إلى الواجب لكونه أعم منه لا عرف في بابه (٧)، والله أعلم. قوله: "لقوله ﷺ : (بلُّوا الشعر وأنقوا البشرة؛ فإن تحت كل شعرة جنابة) " (٨) هذا حديث ضعيف مروي من حديث ابن سيرين (٩) عن أبي هريرة، وقد

стр. 300

أخرجه الترمذي (١) معترفاً بضعفه، والله أعلم. الوضوء المذكور في سنن الغسل (٢)، لم أجد (٣) في مبسوط ولا مختصر لأحد من أصحابنا تعرضاً لنية هذا الوضوء، إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوري (٤) نزيل دمشق، وهو جدُّ ابن الشهرزوري الدمشقي (٥) لأمه, فإنه قال في مختصره

стр. 301

الموسوم بـ "البلغة": "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بنية الغسل" (١). وأنا أقول: إن كان جنباً من غير حدث أصغر فالأمر على ما ذكره، وأما إذا كان جنباً محدثاً كما هو الغالب فينبغي أن ينوي بوضوئه هذا رفع الحدث الأصغر؛ أما على القول بإيجاب الجمع بين الوضوء والغسل فظاهر؛ لأنه لا يشرع وضوءان (٢)، فيجعل هذا الوضوء ذلك الوضوء الواجب، وأما على القول بالتداخل؛ فلأنه إذا نوى بهذا الوضوء رفع الحدث كان فيه خروج من الخلاف (٣)، والله أعلم. قوله: "وهل يؤخر غسل الرجلين في وضوئه إلى آخر الغسل؟ فيه قولان لاختلاف الروايتين عن فعل رسول الله ﷺ " (٤) المراد بالروايتين: رواية عائشة، ورواية ميمونة ﵄. أما رواية عائشة ففيها أنه توضأ ﷺ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه (٥). وهذا ظاهره (٦) يقتضي تمام الوضوء، وتقديم غسل قدمه في وضوئه. وأما رواية ميمونة ففيها أنه توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه أيضاً، لكن فيها بعد ذكر افاضة الماء عليه أنه تنحى فغسل رجليه (٧). وقد كان يمكن أن يحمل هذا على موافقة (٨) الأول على معنى أنه غسل

стр. 302

رجليه آخراً لا تتمة للوضوء، بل لكونه مغتسلاً على الأرض فأفاض على رجليه بعد فراغه إزالة للطين عنهما، لولا أن في رواية (١) من روايات حديث ميمونة رواها البخاري (٢): (ثم توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه، ثم أفاض عليه الماء (٣) ثم نحَّى قدميه فغسلهما). وهذا صريح. قلت: ففي أحد القولين يتأول ظاهر حديث عائشة (على تقديم أكثر الوضوء على الإفاضة، بدلالة أن حديث ميمونة ورد بلفظ حديث عائشة) (٤) وبان بهذه الرواية الصريحة أن المراد به تقديم أكثر الوضوء على الإفاضة من غير غسل القدمين. ووجه القول (٥) الآخر: أنا نحمل الرواية المصرِّحة عن ميمونة بتأخير (٦) غسل القدمين على أن ذلك جرى مرة أو نحوها إبانة لجوازه وتخفيفاً؛ من أجل أنه كان يغلب منه الاغتسال على الأرض فيحتاج إلى إعادة (٧) غسل القدمين، فاكتفى بمرة، وكان الغالب منه ﷺ إتمام الوضوء قبل الإفاضة، وإعادة غسل القدمين بعد الفراغ أخذاً بالأكمل، والدلالة عليه ورود (٨) أكثر الأحاديث عن عائشة (٩) وميمونة بتقديم وضوء الصلاة على الإفاضة، ووضوء الصلاة لا يكون إلا

стр. 303

بغسل الرجلين، وفي كثير منها حتى في رواية (١) عن عائشة لمسلم (في) (٢) "صحيحه" (٣) إعادة ذكر غسل الرجلين بعد الفراغ، فتكون الروايات الكثيرة واردة بالأفضل الغالب منه ﷺ ، ورواية ميمونة المصرَّحة بالتأخير واردة بالجائز، وقد تكون ميمونة شاهدت منه ﷺ الأمرين، فروت هذا مرة، وهذا مرة، فلا يثبت إذاً بحديثها استحباب التأخير، بل جوازه، فافهم ذلك فإنه من المشكل جداً، ولم أرَ لهم تعرضاً لحَلَّه، والله أعلم. قوله: "والأظهر أن تجديد الغسل لا يستحب، فإنه لا ينضبط بخلاف الوضوء" (٤) معناه: أنه ينتشر ولا ينضبط زمانه؛ فإنه ينتهي (٥) إلى ناقض قد لا يوجد فيودي إلى تجديده لكل صلاة، ويصير بحيث لا يشبه التجديد، ويلتحق بالمستأنف لبعد العهد بالمُجَدَد، بخلاف الوضوء فإنه سينتهي (٦) سريعاً إلى ناقض، ويخرج عن كونه تجديداً (٧). واستدل شيخه (٨): بأنه لم يَرِد فيه ما ورد في تجديد الوضوء، ولم يُؤثر عن السلف الصالحين. والله أعلم.

стр. 304

قوله في الحائض: "يستحب لها أن تستعمل فرصة من مسك، إماطة للرائحة" (١) هي الفِرصة بكسر الفاء وصاد (٢) مهملة (٣). وقوله: "من مسك" هو بكسر الميم (٤) وهو الطيب المعروف، هذا هو المشهور في الرواية في الحديث الصحيح الوارد بذلك (٥)، وغيره (٦). والفرصة: القطعة من كل شيء، قاله أبو العباس ثعلب (٧) , وغيره (٨). وقيل الفرصة: سُك معجون بالمسك، كان عند نساء أهل (٩) المدينة، والسُك بضم السين: نوع من الطيب، فإذا كان فيه مسك سمي فرصة (١٠).

стр. 305

وعلى هذا فقوله "من مسك" زيادة في البيان. وجاء في بعض روايات الحديث الصحيحة (١) (فرصة ممسكة) وهو مشعر بذلك. وورد في كتاب عبد الرزاق (٢) مفسراً في الحديث أنه يعني بالفرصة: المسك. فقوى هذا القول بذلك فيما يرجع إلى تفسير الحديث لا في مراد الفقهاء من ذلك (٣)، والله أعلم.

стр. 306

ومن كتاب التيمم الحديث الذي ذكره (١) رواه (٢) أبو داود (٣)، وغيره (٤) من حديث أبي ذر فيمن يجنب عند عدم الماء أن رسول الله ﷺ قال (٥): (يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك). قد روى بغير هذا اللفظ (٦)، وهو على هذا الوجه قال على أصل في الباب يشكل إثباته وهو: أن التيمم لا يرفع الحدث (٧)؛ لأن وجدان الماء ليس من الأسباب الموجبة للغسل والطهارة، والله أعلم. قوله: "أن يتحقق عدم الماء حواليه" (٨) صورته: أن يكون في بعض رمال البوادي التي يُقْطع فيها من حيث مجاري العادات أن لا ماء فيها، والله أعلم.

стр. 307

الضبط الذي ذكره في مكان الطلب (١)، جاء به إمام الحرمين من عنده (٢). وشرحه: أن يطلب الماء حواليه إلى حيث لو استغاث برفقته للحقه غوثهم على القرب مع (٣) ما هم عليه (٤) من تشاغلهم بأشغالهم، وذلك يختلف باختلاف الأماكن صعوداً وهبوطاً، و (٥) باختلاف أحوال الرفقة، ونحو ذلك، ثم إنه أتى به في "الوسيط" (٦)، وغيره (٧) مطلقاً، وذلك (٨) يوهم إيجاب التردد إلى حد يلحقه الغوث مطلقاً، وذلك من المغلطات في المذهب، الحادثات من كتبه، وذلك أنه إذا كان في فضاء مستوٍ من الأرض يتسرَّح الطرف فيه، لا حائل فيه يمنع من نفوذ البصر من أكمة (٩)، ووهدة (١٠)، وغيرهما فالطلب الواجب فيه (١١) أن ينظر يمينه وشماله، وأمامه ووراءه من غير أن يزايل موضعه ويتردد، لا إلى

стр. 308

حيث يلحقه الغوث ولا غيره، هذا هو المنصوص (١) للشافعي (٢) ﵁ المنقول في كتاب "جمع الجوامع في منصوصاته" (٣)، وفي غيره (٤)، ورأيته (٥) مقطوعاً به في غير واحد من مصنفات الأصحاب (٦)، وشيخه الذي من تصرفه بتحديد التردد بمحل الغوث لم يقله في هذه الحالة، بل مخصوصاً (٧) بالمكان غير المستوي (٨)، والله أعلم. والمتحصَّل مما ذكره: أنه (٩) إذا تيقن وجود الماء في حد القرب لزمه طلبه .. إلى آخر ما ذكره (١٠): أنه (١١) يلحظ في القرب من حيث مسافة المكان: ما يتردد إليه

стр. 309

المسافر للرعي والاحتطاب، ومن حيث الزمان: مصادفة الماء في وقت الصلاة. فإن اجتمع الأمران: بأن كان على مسافة الرعي، ويلقاه (١) في الوقت فهو قريب يلزمه السعي إليه بلا خلاف، وإن انتفى الأمران بأن كان فوق مسافة الرعي، ولا يلقاه في الوقت فبعيد لا يلزمه السعي إليه بلا خلاف، وإن كان بين الرتبتين: أي بأن (٢) كان فوق مسافة الرعي، ويلقاه في الوقت ففي وجوب السعي إليه القولان المذكوران. هذا مراده بما بين الرتبتين، وقد (٣) يتحقق ما بين الرتبتين على العكس: بأن يكون الماء قريباً من حيث المكان، بعيداً من حيث الوقت والزمان، وفي ذلك أيضاً قولان، وهذا هو (٤) ما ذكره بعد هذا (٥) في الحالة الرابعة فيما لو لاح للمسافر ماء على حدِّ القرب، ولو اشتغل به لخرج الوقت قبل وصوله إليه (٦). ثم اعلم أن اعتبار مسافة الرعي والاحتطاب في حد القرب من تصرفات شيخه الإمام أبي المعالي (٧)، لم أجده لغيره بعد بحثي عنه من مدة طويلة (٨)، والمنصوص المعروف الذي قطع به غيره اعتبار القرب بالوقت في هذا الماء الذي علم مكانه: فما أمكن وصوله إليه في الوقت فهو قريب يلزمه طلبه، وما لا فلا (٩). فجعلوا هذا الطلب مخالفاً للطلب فيما إذا لم

стр. 310

يعلم وجود الماء، في أن ذلك أخف؛ لكون المطلوب غيرموثوق بالظفر به. وألجأه إلى تصرفه المذكور (١) النص الذي نقله (٢): "أن الماء إذا كان قدام المسافر على صوب مقصده، وهو سائر نحوه، ويعلم أنه ينتهي إليه قبل انقضاء الوقت إن لم يعقه عائق، فالتيمم جائز له (٣) في أول الوقت". وإن من الأصحاب من سوّى في هذا بين أن يكون الماء قدامه، وأن يكون على يمين المنزل أو (٤) يساره (٥). فأحوج الإمام ذلك إلى أن يحمل هذا على ما إذا كان هذا الماء منه ليس على مسافة الطلب، التي يلزم المسافر طلبه منها حيث يتوهم الماء حواليه، بل فوق تلك المسافة، إذ لا بدَّ من فرق (٦) بين المتوهم والمستيقن، فرأى ضبط ذلك بمسافة الرعي والاحتطاب. فتحصل من ذلك في حد القرب في الاء المستيقن مذهبان: أحدهما: التحديد بالوقت. والثاني: التحديد بمسافة المكان - مسافة الرعي - وهذا مذهب ضعيف مخترع، لم يكن (٧) لصاحب الكتاب أن يجعل كلامه مداراً عليه؛ فإنه ناشئ من المصير إلى إثبات قول: إن المسافر النازل في منزل يعلم وجود الماء منه بحيث (٨) ينتهي إليه في الوقت لا يلزمه طلبٌ (٩)

стр. 311

ويتيمم، وتأويله على ما إذا كان فوق مسافة الطلب، ولا يصح ذلك؛ فإنه (١) متلقىً من نصِّه في المسافر السائر لا النازل. وفي السائر ورد حديث ابن عمر ﵄ المذكور (٢)، وقد رواه مالك (٣)، والشافعي (٤)، وغيرهما (٥) بنحوٍ من لفظه في الكتاب، وبينهما فرق وهو: أن السائر لا يعد تاركاً لطلب (٦) الماء الذي يسير إليه، والنازل يعدُّ تاركاً لطلب الماء الموجود في جانب من جوانب (٧) منزله (٨). وقد نقل صاحب "التهذيب" (٩) في السائر: أن المذهب التيمم له مع كونه على ثقة من وصوله (في طريقه) (١٠) إلى الماء (١١) قبل خروج الوقت لحديث ابن عمر، وعن (١٢) "الإملاء" (١٣): أنه لا يجوز ذلك، والله أعلم.

стр. 312

ثم إن هذا أول موضع من الكتاب جرى فيه ذكر قولين بالنقل والتخريج (١) فلنشرح ذلك قائلين: إذا نصَّ الشافعي في مسألة على حكم، ونصَّ في مسألة أخرى تماثلها على حكم آخر يخالفه، ونظر الأصحاب فلم يجدوا بينهما فرقاً، فإنهم يسوُّون بينهما فيخرِّجون ما نصَّ عليه من الحكم في هذه في تلك، وما نصَّ عليه في تلك (٢) في هذه معتمدين في (٣) التسوية بينهما على عدم الفارق بينهما، غيرمتوقفين على علَّة جامعة بينهما، كما يفعله المجتهد في (٤): قياس لا فارق في منصوص الشارع، فيحصل عند ذلك في كل (٥) واحدة من المسألتين قولان: بالنقل والتخريج، ثم جائز أن يُراد به أنَّ في كل مسألة منهما قولاً منقولاً (٦) عن الشافعي وقولاً مخرَّجاً، وجائز أن يُراد به أنه صار في كل مسألة بنقل المنصوص من صاحبتها، والتخريج فيها قولان، وبهذا يشعر قولهم: فمن الأصحاب من نقل وخرَّج وجعلهما على قولين. وأكثر ذلك ما تكلف فيه بعض الأصحاب فرقاً بين المسألتين، فقرر النصين قرارهما ولم يخرِّج فكان فيها (٧) طريقتان (٨). ثم إن القول المخرج هل ينسب إلى الشافعي ﵁ فيه كلام ذكرناه في كتاب "الفتوى" (٩) - وهو الكتاب الفرد الذي لا عوض عنه للفقيه - والله أعلم.

стр. 313

قوله: "إن (١) تيقن وجود الماء قبل مضيَّ الوقت" (٢) هذا (٣) اليقين راجع (٤) إلى نفس الماء، أي هو معلوم الوجود بمجاري العادات كماء (٥) الفرات ودجلة. قوله (٦): "وإن توقعه بظنِّ غالب" (٧) فقوله "غالب" صفة لازمة للظن، فهي للبيان، لا للاحتراز (٨)، وذلك كماء الغدران (٩) عقيب المطر، والله أعلم. المقيم الحاضر (١٠) إنما لم يجز له التيمم مع وجود الماء إذا تنبه من غفلة، أو نوم، أو نحو ذلك، وكان بحيث لو تيمم أدرك الوقت، ولو اشتغل بالوضوء فاته الوقت، بخلاف ما لو لاح للمسافر ماء قريب، ولو اشتغل به (١١) لفات

стр. 314

الوقت فإنه يتيمم على أحد القولين كما ذكره (١). وفرَّق بينهما (٢) في الدرس: بأن السفر يكثر فيه مثل هذا، فتثبت الرخصة فيه، بخلاف الحضر، والله أعلم. ما ذكره من أنه يعصى بهبته الماء بعد دخول الوقت من غير غرض للمتهب (٣)، يوهم إطلاقه أنه لا يعصي إذا كان للمتهب فيه غرض؛ إن (٤) كان مثل غرض الواهب أو دونه، بأن كان غرضه طهارة مثل طهارته أو دونها، وهذا قد يوجَّه بما ذكره شيخه (٥) من قوله: "لو كان محتاجاً فهو أولى بمائه، وله أن يؤثر رفيقه على نفسه، فإن الإيثار من شيم الصالحين". ولكن ليس الأمر فيه على ذلك؛ فإن هذا كان أطلقه فمراده منه: ما إذا كان عطشاناً، ورفيقه عطشاناً، فله إيثار رفيقه بمائه، فإنه قد قال بعد قوله هذا بنحو ورقة (٦): "لو كان للرجل ماء فهو أولى بمائه من كل محدث، وليس له أن يؤثر محدثاً على (٧) نفسه

стр. 315

ويتيمم (١)؛ فإن الإيثار إنما يسوغ في حظوظ الأنفس والمهج، لا فيما يتعلق بالقرب والعبادات". ذكر هذا في مسألة: "الجماعة المحتاجين (٢) ينتهون إلى ماء مباح فمن يكون أولى به؟ ". وهكذا ذكره صاحب الكتاب نحو ذلك في هذه المسألة (٣) فلنقطع إذاً بأن غرض المتَّهِب الذي تجوز الهبة من أجله غرض العطش ونحوه مما يدفع فيه بالماء التلف. وذكر الإمام في (٤) مسألة الماء المباح (٥): أن الأصحاب أجروا فيها تفاصيل الصور الآتية في مسألة الماء المأمور بدفعه إلى أولى الناس به (٦)، ونسبهم إلى الغلط في ذلك وتبعه هو على ذلك في "البسيط" (٧) ذهاباً إلى أن الصواب قسمة الماء بينهم على السواء لتساويهم في سبب الملك، وعدم تأثير زيادة الحاجة في ذلك. والانتصار للأصحاب: أنهم لم يملِّكوا الماء بمجرد الانتهاء إليه قبل الأخذ، وإنما ثبت لهم حق التملك، فيستحب لأحدهم الإعراض عن التملك لمن هو أولى منه (٨)، والله أعلم.

стр. 316

ثم إنه (١) ذكر السبب الثاني للعجز: أن يخاف على نفسه أو ماله (٢). ثم ذكر أن فيه مسألتين: إحداهما: لو وهب منه الماء. والثانية: لو بيع منه بغبن (٣). ولقائل أن يقول: أين (٤) هذا من ذلك؟ وجوابه: أن تقدير الكلام: السبب الثاني: أن يكون الماء حاضراً، ولكن يحول بينه وبينه حائل، ومن الحائل (٥) أن يكون مملوكاً لغيره، فلو وهبه منه، أو باعه منه، فالحكم فيه ما ذكره (٦) إلى آخره، والله أعلم. قوله: "وفي قدر ثمن المثل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قدر أجرة نقل الماء (٧)، فيه تعرف الرغبة فيه، وإن كان مملوكاً على الأصح، وهذا أعدل الوجوه" (٨) في هذا إشارة منه إلى أن هذا الوجه أصح، وصرَّح بأنه الأصح في "الوجيز" (٩)، وخالف بذلك (١٠) جمهور المصنفين (١١)، وهو وإن كان أعدل من وجه، ففيه

стр. 317

اضطراب من وجه (١) وليت شعري ماذا (٢) يقول فيما (٣) إذا بعدت المسافة التي نقل منها، بحيث لا يلزمه السعي إليها إذا تيقن الماء فيها، ولا بذل أجرة لمن ينقل إليه الماء منها، وقد لا يكون منقولًا نقلاً لمثله أجرة كما إذا كان قد تناوله مالكه (٤) من غدير انتهى إليه، والله أعلم. قوله في الوجه الثاني: "يعتبر بحالة السلامة واتساع الماء" (٥) أي في ذلك المكان الذي عدمه فيه مشتريه، والله أعلم (٦). قوله: "وتوقع عطش الرفيق في المآل فيه نظر" (٧) تبع في هذا التردد شيخه (٨) وقد قطع غيرهما بأن الرفيق والبهيمة في ذلك كنفسه فيتيمم (٩)، والله أعلم. (قوله) (١٠): "قال (١١) الشافعي ﵀: لو كان معه ماء فمات، ورفقاؤه محتاجون (١٢) إليه لعطشهم، يمَّموه وشربوا الماء، وصرفوا ثمنه إلى

стр. 318

ورثته؛ لأن مثل الماء لا قيمة له في (١) ذلك الموضع" (٢) عبارته هذه حاملة على اعتقاد (٣) أن الشافعي صرَّح بأنه لا يجب مثل الماء، بل قيمته، وليس كذلك، وإنما قال الشافعي: "ويؤدون الثمن في ميراث الميت" (٤). وهذه العلة ليست في كلامه، فاختلف أصحابه، فمنهم من قال: أراد بالثمن: المثل؛ لأن الماء مثلي فلا يترك فيه قاعدة ضمان (٥) المثليات. ومنهم من قال: أراد به القيمة (٦) وهو الذي ذكره (٧) وعلَّله صاحب الكتاب، والله أعلم. قوله في نسيان الماء في رحله: "وفيه قوله قديم كما في (٨) نسيان الفاتحة، وترتيب الوضوء ناسياً" (٩) هكذا وقع بسقوط كلمة "الترك"، وإنما هو: و (١٠) ترك ترتيب الوضوء ناسياً (١١)، والله أعلم.

стр. 319

ذكر من الأمراض ما يلتبس (١) فذكر (٢) المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه فوت الروح، وذكر ما يخاف معه مرضاً مخوفًا، والفرق بينهما: أن في الأول نفس استعمال الماء يحصل منه الموت. وفي الثاني: بينهما واسطة؛ فيحصل من الاستعمال مرض، ومن ذلك المرض الموت. وذكر شدة الضنى أو بطء البرء (٣) ففي بعض النسخ بالواو، وفي بعضها بـ أو. فشدة الضنى: تشتمل على زيادة النحافة، والضعف، وشدة الوجع. وبطء البرء هو تأخر (٤) العافية، وإن لم يزدد مقدار المرض (٥)، والله أعلم. قوله: "على عضو ظاهر" (٦) الظاهر أن "الظاهر" هو (٧): ما يبدو في حالة المهنة غالباً كالوجه واليدين (٨)، والله أعلم. الخلاف الذي ذكره في تقدير مدة المسح على الجبيرة (٩) شاذ ذكره بعض الخراسانيين (١٠)، وقد ذكره الفوراني (١١)، وإمام الحرمين (١٢). ثم ذكر الإمام أن

стр. 320

الخلاف مخصوص بما إذا أمكن رفع الجبيرة ووضعها من غير خلل يعود إلى العضو، فأما إذا كان رفعها يخلُّ بالعضو فلا خلاف أنه لا يجب رفعها (١)، وإنما الخلاف فيه إذا كان يتأتَّى النزع فيه والرفع بعد انقضاء كل يوم وليلة، وإن كان يتأتَّى النزع في كل وقت من غير خلل فلا يجوز المسح، ويجب غسل ما تحتها. قلت: إذا (٢) تأملت هذا وجدت حاصله رافعاً للخلاف (٣) في التوقيت. ثم إن اقتصاره مع الفوراني على ذكر اليوم والليلة في ذلك في أثناء الكلام مشعر بأنه لا يفترق بالسفر (٤) والحضر (٥)؛ لأن سببه المرض. ولا اعتماد على ما ذكره بعض الشارحين (٦) من أنه في السفر الطويل يتأقت على القول بالتأقيت بثلاثة (٧) أيام ولياليهن، من حيث النقل، وإن كان (٨) محتملاً من حيث المعنى، وكأنه شُبِّه عليه، والله أعلم. قوله: "وهل يلزمه إلقاء اللصوق عند إمكانه؟ فيه تردد للأصحاب. وينقدح عليه التردد في وجوب لبس الخف على من وجد من الماء ما يكفيه لو مسح، ولا يكفيه لو غسل (٩) ... إلى آخره" (١٠) هذا نقله عن شيخه (١١)،
следующие страницы →