← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الصندوق الخيَري لنِشر البُحوثِ وَالرسَائِل العلمية (٢٣) الدرَاسَات الفِقهيَّة (١٨) شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري ابن الصَّلاح (ت/ ٦٤٣ هـ) دراسة وتحقيق د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال المجلد الأول دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالتان علميتان مقدمتان إلى قسم الفقه بكلية الشريعة، الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور/ حمد بن حماد بن عبد العزيز الحماد، وقد قام بتحقيق الكتاب كل من: * عبد المنعم خليفة أحمد بلال، من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الصلاة، ونوقشت رسالته بتاريخ ١٧/ ٨/ ١٤١٩ هـ. * محمَّد بلال بن محمَّد أمين، من كتاب الزكاة إلى نهاية الكتاب، ونوقشت رسالته بتاريخ ٢٦/ ١١/ ١٤١٩ هـ.

стр. 3

شرح مشكل الوسيط ١

стр. 4

ح دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع الرياض ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن شرح مشكل الوسيط/ عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح؛ عبد المنعم خليفة أحمد بلال الرياض ١٤٣٢ هـ. ٤١٦؛ صفحة ١٧×٢٤ سم ردمك: ٧ - ٢١ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٥ - ٢٥ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (ج ١) ١. الفقه الشافعي أ - بلال عبد المنعم أحمد خليفة (محقق) ب. العنوان ديوي ٢٥٨.٣ - ٨٠/ ١٤٢٧ رقم الإيداع: ٨٠/ ١٤٢٧ ردمك: ٧ - ٢١ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٥ - ٢٥ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (ج ١) ساعد على نشره ليباع بسعر التكلفة س هذه الطبعة بدعم من مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية جزاهم الله خيراً جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية ص. ب ٢٧٢٦١ الرياض ١١٤١٧ هاتف: ٤٩١٤٧٧٦ - ٤٩٦٨٩٩٤ فاكس: ٤٤٥٣٢٠٣ E- mail: eshbelia@hotmail.com

стр. 5

مقدمة الناشر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فإن خدمة العلم من أفضل ما بُذلت فيه الأوقات؛ وصُرفت إليه الهمَمُ، وتضافرت فيه الجهود، تصنيفاً وتحقيقاً، ومن ثمَّ نشراً وتوزيعاً، وتوعيةً بما تشتد الحاجة للتوعية به. وبين أيدينا كتاب مهم من كتب الفقه عموماً، وكتب الفقه الشافعي خصوصاً: (شرح مشكل الوسيط)؛ فمتنه كتاب (الوسيط) معدود ضمن الكتب الخمسة التي يدور عليها الفقه الشافعي، والكتاب الذي بين أيدينا بيانٌ لما غَمُض وأشكل من هذا المتن. ثم إن مؤلفه (ابن الصلاح) ﵀ أحد كبار الأئمة المشهورين، عُرف بمكانته العلمية بين علماء عصره، وشهد له العلماء بغزارة العلم وعمق النظر ودقة التحقيق بما يجعل من كتابه مصنفاً مهماً في بابه، وإضافة نوعية لكتب التراث التي ترى النور. ولما كان أصل الكتاب رسالتين علميتين صُدرت كل رسالة منهما بمقدمة وتمهيد، فقد عمدنا لدمج المقدمتين والتمهيدين المثبتين بأصل الرسالتين مع التأليف بينهما، وحذف ما تكرر فيهما من مسائل، وأثبتنا اسم كل محقق على الجزء الذي قام بتحقيقه. أما الفهارس واختصاراً للوقت فقد اكتفينا بثبت المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات، علماً بان الرسالتين في الأصل ذيلتا بفهارس عدة، هي: (أ) فهرس الآيات القرآنية الكريمة.

стр. 6

(ب) فهرس الأحاديث النبوية الشريفة. (ج) فهرس الآثار. (د) فهرس الأعلام المترجم لهم في الكتاب. (هـ) فهرس المصطلحات والكلمات الغريبة. (و) فهرس الأماكن والبلدان. (ز) فهرس المصادر والمراجع. (ح) فهرس الموضوعات. نسأل الله أن يجازي كل من أعان على إخراج هذا الكتاب خير الجزاء، ونخص بالدعاء كلاً من فضيلة المشرف على الرسالتين، والمحققين الذيْن لم يألوا جهداً في خدمة الكتاب، فنسأل الله أن يجعل ما بذلاه في ميزان حسناتهم. والشكر موصول كذلك لكل من نبه على ملحوظة مهمة، أو تعديل يصلح من شأن الكتاب ليعم النفع به. وبالله التوفيق، والحمد لله أولاً وآخراً. اللجنة العلمية بدار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

стр. 7

تقديم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أهمية هذا الكتاب: (شرح مشكل الوسيط) ترجع إلى عدَّة أمور: أحدها: المتن الذي بُني عليه هذا الشرح، وهو كتاب (الوسيط) الذي يعد أحد كتب خمسة يدور عليها الفقه الشافعي، له مكانة هامة بين الكتب الفِقهيَّة عموماً وبين كتب الشافعية خصوصاً. الثاني: مؤلف هذا المتن: وهو أحد أذكياء العالم، الشافعي الثاني، حجة الإِسلام، مجتهد زمانه، المشهود له بالإمامة، بل عده بعضهم مجدد القرن الخامس الهجري. الثالث: مكانة مؤلف هذا الشرح (ابن الصلاح) أحد كبار الأئمة المشهورين، برع وتفوق في علوم شتى من أهمها: الفقه وأصوله تدقيقاً وتحقيقاً، والحديث روايةً ودرايةً، وشهد له العلماء المحققون بطول الباع وسعة الاطلاع، وجودة التحقيق وعمق التدقيق. مما تقدم يتبين أهمية هذا الشرح وما له من مكانة متميزة، يضاف إلى ذلك اشتماله على نقولات هامة عن كتب أئمة سبقوه كثير منها مفقود. فلا غرابة أن كثيراً من العلماء المحققين الذين جاءوا بعده نقلوا عنه واستفادوا منه. هذا وقد زاد في جمال الكتاب وكماله ما قام به الباحثان/ عبد المنعم خليفة أحمد بلال، ومحمد بلال بن محمَّد أمين، من تحقيق وتوثيق نصوصه، والتعليق عليه بما يخدمه. كما قدم له بدراسة وافية ضافية عن المؤلف والكتاب، وفي هذا كله جهد مشكور. أسأل الله العلي القدير أن يثيب الجميع، وأن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلبة العلم والباحثين وسائر المسلمين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه .. وكتبه/ أ. د. حمد بن حماد بن عبد العزيز الحماد ٢٥/ ١١ / ١٤٢٥ هـ

стр. 8

تقديم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن كتاب (شرح مشكل الوسيط) للشيخ العلامة المحدث (ابن الصلاح) أحد كبار علماء الحديث في عصره من الكتب القيمة التىِ ينبغي لطالب العلم أن يقتنيه في مكتبته للاستفادة منه، وقد اشتمل هذا الكتاب على التنبيه على ما في الوسيط من إشكال أو خطأ، سواء كان في العقيدة أو الحديث أو الفقه، أو غير ذلك، ثم بيان الصواب في ذلك، وكذلك اشتمل على الحكم على أحاديث اشتهرت عند الفقهاء بالصحة أو الضعف، وقد قام بتحقيق القسم الأول من الكتاب فضيلة الشيخ الأخ/ عبد المنعم بن خليفة بن أحمد بلال وفقه الله، وقد بذل فيه ما وسعه من جهد ووقت، حيث خرج هذا القسم بأحسن صورة من التحقيق العلمي المتقن، وبناء على ذلك فإنني أرى أنه جدير بطباعته واقتنائه، لا سيما وقد اشتمل على فوائد علمية قيمة لا تجدها في غيره، إلا بعد تعب وعناء. هذا ما ظهر لي وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه الفقير إلى الله تعالى عبد المحسن بن محمَّد بن عبد المحسن المنيف أستاذ الفرائض بكلية الشريعة وعميد البحث العلمي بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة

стр. 9

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) (٤). أما بعد: فإن الفقه من أفضل العلوم وأشرفها؛ فبه يعلم الحلال والحرام، وبه تعرف الأحكام. فمن للمستجدات من المسائل والنوازل غير الفقهاء؟ ومن لتبيين الأوامر والنواهي والحدود وضبطها غيرهم؟ ولهذا جعل النبي ﷺ علامة إرادة الله الخير للعبد الفقه في الدين فقال ﷺ : (مَن يُرِد الله به خيراً

стр. 10

يفقّهه في الدين) (١)، ولا شكَّ أن فقه الأحكام يدخل دخولاً أوليّاً فيه، بل حثَّ ﵇ على تبليغ العلم ونشره حتى يصل إلى الفقهاء (٢) فيبيِّنوا به الحلال والحرام. ومن هذا جاء سبب اختيار تحقيق هذا الكتاب ليكون موضوعاً لنيل درجة العالمية - الماجستير - من قسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإِسلاميَّة بالمدينة النبوية، ويتمثَّل سبب الاختيار في الآتي: * إبراز تراث هذه الأمة - محققاً منقحاً - حتى يرتبط آخرها بسلفها، وذلك بنشر مصنفات كبار الأئمة ومن بينها كتاب "شرح مشكل الوسيط". * قيمة الكتاب العلميَّة، وسمو مكانته بين كتب الفقه عموماً وكتب الفقه الشافعي خصوصاً هو ومتنه كتاب "الوسيط". فالوسيط أحد الكتب الخمسة التي يدور عليها الفقه الشافعي، وهذا الكتاب شرح وبيان لما غَمُض وأشكل منه، مع اعتماد من جاء بعد مؤلِفه عليه. * مكانة مؤلفه - ابن الصلاح - ورفعة شأنه، وذيوع صيته، وشهرته؛ إذ تبوأ مكانة مرموقة سامية بين علماء عصره، فقد نال علوم عصره المتنوعة، وبرع في فنون: التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، وعلوم العربيَّة، وغيرها. وقد شهد له العلماء بغزارة العلم، وعمق النظر، وطول الباع، وسعة

стр. 11

الاطلاع، ودقة التحقيق، وكمال المعرفة، كل ذلك مع العبادة، والطاعة، والنسك، والورع. وقد تم تقسيم العمل في هذا الكتاب إلى قسمين: قسم الدراسة، وقسم التحقيق.

стр. 12

أولاً القسم الدراسي ويشتمل على أربعة فصول

стр. 13

الفصل الأول: ترجمة الإِمام الغزالي وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه، ومولده هو الإِمام المشهور بحجَّة الإِسلام، زين الدين أبو حامد محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد الطوسي الغزالي الشافعي (١). فالطوسي: نسبة إلى طوس التي ولد بها، وهي ثاني مدينة في خراسان بعد نيسابور (٢). أما الغزالي: فقد اختلف في ضبطه، وهذا الاختلاف أدى إلى الاختلاف في سبب تسميته به؛ فذهب الأكثرون إلى تشديد الزاي نسبة إلى الغزَّال، أي كثير الغزل، ولقِّب به؛ لأن والده وجده كانا يغزلان الصوف (٣). وهناك من ذهب إلى أنه بتخفيف الزاي، وهؤلاء اختلفوا في سبب تسميته به على هذا الضبط،

стр. 14

فقيل: نسبة إلى غَزَالة، وهي قرية من قرى طوس (١). وقال الآخرون: منسوب إلى غزالة ابنة كعب الأحبار (٢). والأول - التشديد - هو الأشهر عند أصحاب التراجم (٣). وللإمام الغزالي لقبان: أشهرهما: حجّة الإِسلام، والآخر: زين الدين (٤). أما مولده فقد كان في طوس سنة (٤٥٠) هـ، وهذا باتفاق بين مصادر ترجمته (٥)، إلا أن ابن خلِّكان قال: وقيل سنة إحدى وخمسين (٦). المبحث الثاني: نشأته ورحلاته نشأ الغزالي في كنف والده، وكان رجلاً فقيراً صالحاً لا يأكل إلا من كسب يديه في عمل غزل الصوف، وكان مع ذلك يطوف على الفقهاء ويجالسهم، ويغشى مجالس الوعظ، وكان يدعو الله أن يرزقه ابناً فقيهاً وآخر واعظاً، فاستجاب الله دعوته (٧) فكان ابنه محمَّد من أشهر الفقهاء، وابنه أحمد من أشهر الوعَّاظ.

стр. 15

ولمَّا حضرته الوفاة عهد بولَديه إلى صديق له متصوِّف يظن به خيراً، فعلَّمهما هذا المتصوِّف الخطَّ على وصيَّة والدهما (١). فلمَّا فني ما تركه لهما أبوهما، وتعذَّرت عليهما النفقة، وجَّههما هذا المتصوِّف إلى المدرسة ليطلبا فيها العلم فتحصل لهما النفقة فيها، فكان الغزالي يقول: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" (٢). فقرأ الغزالي شيئاً من الفقه في صباه بطوس على الشيخ أحمد ابن محمَّد الراذكاني (٣). ثم رحل في طائفة من طلبة العلم إلى نيسابور، فلازم إمام الحرمين الجويني، فجدَّ واجتهد، حتى برع في المذهب، والخلاف، والجدل، والأصول، والمنطق، والفلسفة، وأحكم كل ذلك في مدَّة قريبة، وفاق أقرانه، وصار أَنْظَر أهل زمانه، وذلك في حياة شيخه إمام الحرمين، وبدأ في التصنيف والردِّ على المبطلين (٤). وبقي هكذا إلى أن توفي شيخه إمام الحرمين، فخرج حينذاك من نيسابور إلى المعسكر، وفيه كان مجلس الوزير نظام الملك، وكان مجلسه مجمع أهل العلم، فهناك ناظر، وظهر، وذاع صيته، فنال إعجاب الوزير وقبوله، فرشَّحه ليدرِّس بالمدرسة النظَّاميَّة ببغداد (٥)، فارتحل إليها (سنة ٤٨٤ هـ) فدرَّس بها (٦)، وأعجب الناس به، حتى كان مسموع الكلمة، مشهور الاسم، يضرب به المثل.

стр. 16

ثم انخلع عن ذلك كله، فأقبل على العبادة، وخرج من بغداد قاصداً بيت الله الحرام لأداء الحجِّ، وكان ذلك في ذي القعدة من سنة (٤٨٨) هـ (١)، ودخل بعد الحجِّ دمشق فلبث بها قليلاً، ثم انتقل منها إلى بيت المقدس، وأقام به مدة، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها نحواً من عشر سنين في الاعتكاف والعبادة والاجتهاد في الطاعة، وصنَّف كتابه إحياء علوم الدين وغيره في هذه الفترة (٢). ثم قصد مصر وأقام بالاسكندريَّة مدة (٣)، ثم قفل راجعاً إلى خراسان، فمرَّ ببغداد ولم يقم بها طويلاً، وقد عقد بها مجلساً للوعظ، وحدَّث بكتابه الإحياء (٤). ثم خرج منها متوجِّهاً إلى وطنه طوس، فلازم بيته مشتغلاً بالتفكر والعبادة. فلمَّا آلت الوزارة في بغداد إلى فخر الملك الحَّ عليه والتمس منه التدريس وشدَّد عليه في ذلك، فأجابه الغزالي إلى ما أراد، فقدم نيسابور فدرَّس بنظاميَّتها وجلس للإفادة (٥). ثم ترك التدريس بها، وعاد إلى بيته، واتخذ في جواره مدرسة لطلبة العلم، ورباطاً للصوفيَّة، فكان يتردد بينهما للعبادة والتدريس (٦). ثم كان خاتمة أمره إقباله على الحديث، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين وغيرهما، واستمر على هذه الحال حتى وفاته (٧).

стр. 17

المبحث الثالث: أشهر شيوخه وتلاميذه وفيه مطلبان: المطلب الأول: أشهر شيوخه درس الغزالي على عدد من المشايخ، وأفاد منهم علومه، ومن أبرزهم: * أحمد بن محمَّد الطوسي أبو حامد الراذكاني (١). * أبو سهل محمَّد بن أحمد بن عبيد الله المروزي الحفصي، توفي سنة (٤٦٥) هـ وقيل غير ذلك. (٢) * أبو علي الفضل بن محمَّد الفارمذي الخراساني الواعظ، توفي بطوس سنة (٤٧٧) هـ (٣). * أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني إمام الحرمين، توفي سنة (٤٧٨) هـ (٤). * أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي ثم الدمشقي، توفي سنة (٤٩٠) هـ (٥).

стр. 18

* أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم بن سعدويه الدهستاني الرواسي، توفي سنة ٥٠٣) هـ (١). * أبو الفتح نصر بن علي بن أحمد بن منصور بن شاذويه الطوسي الحاكمي، وغير هؤلاء (٢). المطلب الثاني: أشهر تلاميذه تتلمذ على الغزالي عدد كبير من طلبة العلم حيثما أقام، ومن ذلك: قول أبي بكر بن العربي: "كنت رأيته - أي الغزالي - ببغداد يحضر مجلسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم، يأخذون عنه العلم" (٣). فمن هؤلاء التلاميذ الذين صار لهم شأن في العلم والفضل، وانتفع بهم الناس كثيراً: * خلف بن أحمد النيسابوري (٤). * إبراهيم بن المطهَّر أبو طاهر الشباك الجرجاني، توفي سنة (٥١٣) هـ (٥). * أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بن الحمَّامي البغدادي الشافعي، توفي سنة (٥١٨) هـ (٦).

стр. 19

* أبو الحسن علي بن المُسلَّم بن محمَّد بن علي بن الفتح السُلمي الدمشقي توفي سنة (٥٣٣) هـ (١). * أبو الفتوح محمَّد بن الفضل بن محمَّد بن المعتمر الأسفراييني، توفي سنة (٥٣٨) هـ (٢). * أبو منصور سعيد بن محمَّد بن عمر بن الرزَّاز الشافعي البغدادي، توفي سنة (٥٣٩) هـ (٣). * أبو عبد الله مروان بن علي بن سلامة بن مروان الطنزي، توفي بعد سنة (٥٤٠) هـ (٤). * أبو الحسن سعد الخير بن محمَّد بن سهل بن سعد الأنصاري الأندلسي البلنسي، توفي سنة (٥٤١) هـ (٥). * أبو محمَّد عبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي المعروف بالبارباذي، توفي سنة (٥٤٢) هـ (٦). * أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن نبهان بن محرز الغنوي الرقِّي الصوفي، توفي ببغداد سنة (٥٤٣) هـ (٧).

стр. 20

* أبو بكر بن العربي المالكي المشهور محمَّد بن عبد الله بن محمَّد الأندلسي الإشبيلي, توفي سنة (٥٤٣) هـ (١). * أبو الفتح نصر الله بن منصور بن سهل الجنزي الدويني، توفي سنة (٥٤٦) هـ (٢). * أبو سعيد محمَّد بن يحيى بن منصور النيسابوري، توفي سنة (٥٤٨) هـ وقيل (٥٤٩) هـ (٣). * أبو الفتح محمَّد بن الفضل بن علي المارشكي، توفي سنة (٥٤٩) هـ (٤). * أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي بن محمَّد المندائي القاضي، توفي سنة (٥٥٢) هـ (٥). * أبو القاسم عمر بن محمَّد بن أحمد بن عكرمة الجزري الشافعي ابن البزري، توفي سنة (٥٦٠) هـ (٦). * أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله محمَّد بن علي بن عبد الله بن أحمد بن حمدان الجاواني، توفي سنة (٥٦٠) هـ (٧).

стр. 21

* أبو منصور محمَّد بن أسعد بن محمَّد بن الحسين الطوسي العطَّاري، الملقَّب بـ حَفَدة، توفي سنة (٥٧٣) هـ، وقيل غير ذلك (١). * أبو طاهر أحمد بن محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن إبراهيم السِلَفي الأصبهاني، توفي سنة (٥٧٦) هـ (٢). المبحث الرابع: مكانته العلميَّة وثناء العلماء عليه، وما أُخِذ عليه وفيه مطلبان: المطلب الأول: مكانته العلميَّة وثناء العلماء عليه لقد تبوأ الغزالي مكانة علميَّة سامية في عصره حتى عُدّ مجدّد القرن الخامس الهجري؛ حيث يقول السيوطي في أرجوزة له في عدَّ المجددين: والخامس الحبر هو الغزالي ... وعدُّه ما فيه من جدال (٣) وقد أثنى عليه العلماء، وشهدوا له بالإمامة، ومن ذلك: * قال عنه ابن النجَّار: "أبو حامد إمام الفقهاء على الإطلاق، وربَّاني الأمة بالاتفاق، ومجتهد زمانه، وعين أوانه، برع في المذهب، والأصول، والخلاف، والجدل، والمنطق، وقرأ الحكمة، والفلسفة، وفهم كلامهم، وتصدى للرد

стр. 22

عليهم، وكان شديد الذكاء قويَّ الإدراك، ذا فطنة ثاقبة، وغَوْصٍ على المعاني، حتى قيل: إنه ألَّف المنخول فرآه أبو المعالي فقال: دفنتني وأنا حيٌّ، فهلاَّ صبرت الآن؛ كتابك غطَّى على كتابي" (١). * ووصفه شيخه إمام الحرمين بأنه بحر مغدق (٢). * وقال تلميذه محمَّد بن يحيى: "الغزالي هو الشافعي الثاني" (٣). * وقال عنه الحافظ المؤرخ ابن كثير: "كان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، فساد في شبيبته حتى أنه درَّس بالنظاميَّة ببغداد وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رؤوس العلماء" (٤)، كابن عقيل وأبي الخطاب إمامي الحنابلة (٥). المطلب الثاني: ذكر بعض ما أُخِذ عليه عقد تقي الدين بن الصلاح فصلاً في طبقاته (٦) قال فيه: فصل لبيان أشياء مهمَّة أنكرت على الإِمام الغزالي في مصنَّفاته، ولم يرتضها أهل مذهبه وغيرهم من الشذوذات في متصرفاته، منها قوله في مقدمة المنطق في أول المستصفى (٧): "هذه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً".

стр. 23

وقال أبو بكر بن العربي: "شيخنا أبو حامد بَلَعَ الفلاسفة وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع" (١). وقد اعتدل فيه أحمد بن تيمية إذ قال: "والإحياء فيه فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة؛ فإن فيه مواداً فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه وقالوا مرَّضه الشفاء - يعني شفاء ابن سيناء في الفلسفة - وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم ... " (٢). ومما كان يُعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو في أثناء كلامه، قال الذهبي: "وروجع فيه فأنصف واعترف أنه ما مارسه، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه" (٣). وقال فيه الإِمام الذهبي: "الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أن لا يخطئ" ثم قال: "رحم الله أبا حامد. فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليده في الأصول" (٤).

стр. 24

المبحث الخامس: مؤلفاته لقد ترك الغزالي تراثاً ثراً من الكتب والمؤلفات، بل يعتبر من أكثر العلماء تأليفاً وتصنيفاً، بالمقارنة مع سنوات عصره التي لم تزد عن (٥٥) سنة، حتى نُقل أنه: "أُحصيت كتب الغزالي التي صنَّفها، ووزِّعت على عصره، فخُصَّ كل يوم أربعة كراريس" (١). وقد حُصرت كتبه وما نسب إليه فبلغت (٤٥٧) كتاباً ورسالة. وسوف يكتفى هنا بذكر كتبه في الفقه لبيان طول باعه وعظيم منزلته فيها، ولارتباطها بموضوع الدراسة: (١) البسيط (٢): وهو تلخيص لكتاب شيخه إمام الحرمين "نهاية المطلب في دراية المذهب" (٣) الذي قال عنه السبكي: "لم يصنَّف في المذهب مثله فيما أجزم به" (٤). وتوجد منه نسخة بقسم المخطوطات بالجامعة الإِسلاميَّة بالمدينة برقم (٧١١١). (٢) الوسيط: وسيأتي الكلام عليه تفصيلاً. (٣) الوجيز: وهو مطبوع مشهور، له نحو سبعين شرحاً (٥).

стр. 25

(٤) خلاصة المختصر ونقاوة المعتصر (١): وهو خلاصة لمختصر المزني، وتوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة السليمانيَّة بتركيا برقم (٤٤٢). وقد أنشد أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن يوسف الطرابلسي في مدح كتب الغزالي في الفقه فقال: هذَّب المذهب حبر ... أحسن الله خلاصه بـ (بسيط) و (وسيط) ... و (وجيز) و (خلاصة) (٢). المبحث السادس: وفاته اتفقت مصادر ترجمة الغزالي على أنه توفي في يوم الاثنين الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة، بعد حياة حافلة بالعلم والعمل، ودفن بطابران قصبة بلاد طوس وإحدى بلدتيها (٣).

стр. 26

الفصل الثاني: التعريف بابن الصلاح (١) وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: عصره وبيئته من الناحية السياسية والاجتماعية والعلمية حفلت الفترة التي عاش فيها ابن الصلاح (٥٧٧ - ٦٤٣) هـ بأحداث عظيمة حلَّت بالأمَّة الإِسلاميَّة، تشيب لها مفارق الولدان: فقد ظهر التتار من جهة الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، فقد قتلوا الآلاف من المسلمين، وخرَّبوا المساجد والمدارس، وسبوا النساء والصبيان، وأوسعوا البلاد بالنهب والفساد، فما دخلوا بلداً إلا قتلوا من ظفروا به من المقاتلة والرجال وكثيراً من النساء والصبيان والأطفال، وأتلفوا ما فيه بالنهب إن احتاجوا إليه، وبالحرق إن لم يحتاجوا إليه، وكانوا يأخذون الأسرى من المسلمين فيقاتلون بهم، ويحاصرون بهم، وإن لم ينصحوا في القتال قتلوهم.

стр. 27

وقد ملكوا في سنة واحدة (٦١٧ هـ) عامَّة الممالك إلا العراق والجزيرة والشام ومصر (١). وظهر من جهة الغرب الفرنج الصليبيون، وقصدوا الشام والديار المصريَّة، وتكررت غاراتهم وهجماتهم على ديار المسلمين، فملكوا بعض المدن والحصون، وقتلوا وأسروا ونهبوا وعاثوا فيما وصلوا إليه فساداً عظيماً (٢). أمّا من سلم من هاتين الطائفتين - التتار والفرنج - من المسلمين، فالسيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة على ساق (٣)، ساعد على ذلك انقسام الدولة الإِسلاميَّة إلى دويلات ومماليك صغيرة وذلك بعد ضعف الدولة العبَّاسيَّة، فكانت الحرب قائمة بين هذه المماليك من حين لآخر إشباعاً لأطماع السلاطين، وبسبب تولية الصبيان واستبداد الأمراء والوزراء بالأمر ووقوع التنافس فيما بينهم، مع انشغالهم بالشهوات وجمع الأموال فى أكثر الأوقات. أما الحالة الاجتماعية فتابعة للحالة السياسية: فإن المجتمع الإِسلامي لم يعرف الهدوء والاستقرار في هذه الفترة، فالحرب قائمة على ساق، سواء كانت مع غير المسلمين - الفرنج والتتار -، بين المسلمين أنفسهم، وما يتبع ذلك من إزهاق للأرواح، والأموال، وحصار للمدن، والتضييق على أهلها، وما يتبع ذلك من غلاء في الأسعار وإفقار للناس. وذلك كما حصل أثناء حصار الخوارزميَّة لدمشق في سنة (٦٤٣) هـ فقد نصبوا حولها المنجنيقات، وقطعت الأنهار، وغلت الأسعار، وأخيفت الطرق، وجرت بها أمور بشعة لم تر مثلها من قبل، حتى أُكلت القطط

стр. 28

والكلاب والميتات والجيف، ومات الناس في الطرقات، وعجزوا عن التغسيل والتكفين والإقبار، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار حتى أنتنت المدينة، وبيعت الأملاك بالدقيق، وبالرغم من ذلك كانت الخمور دائرة والفسق ظاهراً والمكوس بحالها (١). أما الحالة العلميَّة فقد كانت نشطة في تلك الفترة - على الرغم مما تقدَّم - فقد كان العلماء متوافرين، وكانت لهم الهيبة لدى العامة والخاصة، وكثر العلماء في شتى الفنون، وكثرت التصانيف في مختلف العلوم، ومما ساعد على نشاط الحركة العلميَّة وازدهارها: تشجيع الخلفاء والملوك للعلم والعلماء، مثل: المعظَّم عيسى ملك دمشق والشام فقد جاء في ترجمته: أنه كان ... عالماً، فاضلاً، اشتغل في الفقه على مذهب أبي حنيفة، وحفظ القرآن، وبرع في المذهب، وعَني بالجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وصنَّف فيه شرحاً كبيراً بمعاونة غيره، وحفظ المفصَّل للزمخشرى في اللغة، وكان يحبُّ العلماء، ويكرمهم، ويجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي، وقال عنه ابن كثير: وقد جمع له بين الشجاعة، والبراعة، والعلم، ومحبة أهله. أهـ (٢) وقال عنه ابن الأثير: "ونفق العلم في سوقه، وقصده العلماء من الآفاق، فأكرمهم، وأجرى عليهم الجريات الوافرة، وقرَّبهم، وكان يجالسهم ويستفيد منهم، ويفيدهم .... وسمع مسند الإِمام أحمد وأمر بترتيبه على الأبواب الفِقهيَّة". (٣)

стр. 29

ومن العلماء الذين عاشوا في هذه الفترة وأثروها بعلمهم وعملهم: * أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى (٥٠٩ - ٥٩٧) هـ. * الحافظ عبد الغني المقدسي (٥٤١ - ٦٠٠) هـ. * أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل العجلي (٥١٥ - ٦٠٠) هـ. * فخر الدين الرازي الشافعي المفسر (٥٤٤ - ٦٠٦) هـ. * الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهَّاوي الحنبلي (٥٣٦ - ٦١٢) هـ. * جمال الدين أبو محمد بن عبد الله المالكي ابن شاس (- ٦١٦) هـ. * الموفَّق بن قدامة الحنبلي (٥٤١ - ٦٢٠) هـ. * ابن الأثير أبو الحسن (٥٥٥ - ٦٣٠) هـ. * سيف الدين الآمدي (حدود ٥٥٠ - ٦٣١) هـ. * ابن الحاجب (٥٧٠ - ٦٤٦) هـ. وغيرهم كثير. وبذلك يُعرف مدى تأثر ابن الصلاح بهذه الفترة الخصبة علميَّاً، المزدهرة بالعلوم والمعرفة، بما يدعوه إلى الحرص على التحصيل، والإتقان والإجادة. المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه وولادته هو الإِمام، الحافظ، الفقيه، الأصولي، المفسِّر، الحجَّة، شيخ الإِسلام، تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي نصر النَّصْري (١)

стр. 30

الكردي الشهرزوري الأصل، الشرخاني المولد، الموصلي النشأة، الدمشقي الدار والوفاة، الشافعي المذهب، المعروف بابن الصلاح، اشتهر بنسبته إلى لقب والده: صلاح الدين عبد الرحمن. ولد سنة (٥٧٧) هـ، في بلدة شَرَخَان - بفتح الشين والراء والخاء - قرية من أعمال أربيل قريبة من شهرزور في شمالي العراق. وذكر بعض من ترجم له (١) أنَّه ولد بشهرزور. وذلك - فيما يبدو - إما لعدم شهرة شرخان، أو لقربها من شهرزور. المبحث الثالث: نشأته وأسرته نشأ تقي الدين بن الصلاح في بيت علم وصلاح؛ إذ كان والده من أجلَّة مشايخ الأكراد علماً، وفقهاً، وإفتاءً، حيث دخل بغداد وتفقَّه على أبي سعد بن أبي عصرون وغيره، وبرع، ثم سكن حلب، ودرَّس بالمدرسة الأسديَّة (٢) إلى أن مات في ذي القعدة سنة (٦١٨) هـ (٣). فَنَشَأ ولده - تقي الدين - على محبة العلم وأهله، ولا تذكر المصادر غير ذلك عن أسرته ونشأته.

стр. 31

المبحث الرابع: رحلاته واشهر شيوخه أول ما تلقى ابن الصلاح علومه كان على والده في شهرزور، وبه تفقَّه، وقد نقل عنه في بعض كتبه (١)، فكان أول شيخ له. ثم أرسله والده إلى الموصل، وهو ما يزال صغيراً لم يبلغ الحلم (٢) فاشتغل بها مدة، وفيها سمع من: * الشيخ أبي جعفر عبيد الله بن أحمد بن علي بن علي البغدادي الورَّاق الحنبلي المقرئ، المعروف بابن السمين، توفي سنة (٥٨٨) هـ (٣). * الشيخ المقرئ أبي المعالي نصر الله بن سلامة بن سالم الهيتي، المعروف بابن حَبَن، توفي سنة (٥٩٨) هـ (٤). * شيخ الشافعيَّة بالموصل عماد الدين أبي حامد محمَّد بن يونس بن محمَّد بن منعة الإربلي الموصلي، توفي سنة (٦٠٨) هـ (٥). ثم لم ترو الموصل ظمأه من العلم، فرحل عنها إلى بغداد وله بضع وعشرون سنة، فسمع فيها من:

стр. 32

* الشيخ، العالم، الفقيه، المحدِّث ضياء الدين أبي أحمد عبد الوهاب ابن سكينة البغدادي، توفي سنه (٦٠٧) هـ (١). ثم ارتحل منها إلى دنيسر - وهي بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة قرب ماردين - (٢) فسمع فيها من: * الشيخ الصالح أبي محمَّد - أو أبي إبراهيم - إسماعيل بن إبراهيم بن فارس بن مقلد السيبيُّ الأصل، البغداديُّ المولد، الدنيسريُّ الدار، الخبَّاز الأزجي، توفي سنه (٦١٤) هـ (٣). ثم انتقل منها إلى خراسان ليروي ظمأه من علم الحديث، حيث حصَّله هنالك، وقد سمع فيها من خلائق كثيرين، وكان من أبرزهم: في همدان: * أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن أبي زيد بن المعزِّم الهمذاني، توفي سنه (٦٠٩) هـ (٤). وفي نيسابور: * الشيخ الكبير المعمَّر الرحَّالة أبو القاسم، وأبو بكر، وأبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمَّد بن الفضل الفُرَاوي النيسابوري، توفي سنة (٦٠٨) هـ (٥).

стр. 33

* مسندة خراسان أمِّ المؤيَّد زينب بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الجرجانيَّة الأصل النيسابوريَّة الشَّعريَّة، توفيت سنة (٦١٥) هـ (١). * الشيخ المعمَّر مسند خراسان، الإِمام المقرئ أبو الحسن المؤيَّد بن محمَّد بن علي بن محمَّد بن أبي صالح الطوسي النيسابوري، توفي سنة (٦١٧) هـ (٢). * الإِمام المسند أبو القاسم بن أبي سعد عبد الله بن عمر بن أحمد النيسابورى ابن الصفَّار الشافعي، توفي سنة (٦١٨) هـ (٣). وفي مرو: * أبو المظفَّر عبد الرحيم بن الحافظ الكبير أبي سعد عبد الكريم بن محمَّد بن منصور السمعاني المروزي الشافعي، توفي سنة (٦١٧) هـ أو في التي بعدها (٤). ثم قفل راجعاً من خراسان، فدخل بلاد الجزيرة (٥) فسمع في حرَّان من: * الحافظ أبي محمَّد عبد القادر بن عبد الله بن عبد الرحمن الرُّهاوي، توفي سنة (٦١٢) هـ. ثم دخل الشام في حدود سنة (٦١٣) هـ، فسمع في دمشق من:

стр. 34

* الإِمام فخر الدين أبي منصور بن عساكر الدمشقي، توفي سنة (٦٢٠) هـ (١). * الإِمام موفَّق الدين أبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي، توفي سنة (٦٢٠) هـ. * العلامة أبي البركات الحسن بن عساكر الدمشقي، توفي سنة (٦٢٧) هـ (٢). وغيرهم (٣). وسمع في حلب من: * الشيخ أبي محمَّد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن الأستاذ الأسدي، توفي سنة (٦٢٣) هـ (٤). المبحث الخامس: أعماله ومناصبه بعد هذه الرحلة الواسعة في الطلب والتحصيل، بدأ الدور الثاني في حياة ابن الصلاح، وهو دور التعليم والتبليغ وإفادة الآخرين، حيث أتى بيت المقدس فدرَّس بالمدرسة الصلاحيَّة أو الناصريَّة مدَّة ليست بطويلة (٥).

стр. 35

ثم عاد إلى دمشق، فدرَّس بالمدرسة الرواحيَّة التي فوَّض مؤسسها نظرها وتدريسها إليه (١). وفي سنة (٦٢٨) هـ تولى التدريس في المدرسة الجوَّانيَّة (٢). ثمَّ لما فتحت دار الحديث الأشرفيَّة في شعبان سنة (٦٣٠) هـ، فُوِّض تدريسها إليه، فبقي شاغلاً مشيختها مدة ثلاث عشرة سنة. وفي سنة (٦٤١) هـ عندما عُزل القاضي الرفيع الجيلي وغيِّب، فوض الملك الصالح إسماعيل أمر مدارسه الأربع - العادلية، والعذراوية، والأمينية، والشامية البرانية - إلى ابن الصلاح، وجعله مشرفاً عامّاً عليها (٣). المبحث السادس: مكانته العلميَّة وثناء العلماء عليه تبوأ تقي الدين ابن الصلاح مكانة سامية بين علماء عصره، فقد برع في علوم: التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، وشهد له العلماء بغزارة العلم، وعمق النظر، وسعة الاطلاع، ودقة التحقيق، حتى كان يستشيره مشايخه فيما يُسْتَشْكَلُ من مسائل، ويعرض العدد من العلماء مؤلفاتهم عليه ويستشيرونه فيها. قال تلميذه الحافظ المؤرخ شمس الدين بن خلِّكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير، والحديث، والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل العربيَّة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسدَّدة" (٤).

стр. 36

وقال الحافظ ابن كثير عنه: "كان إماماً، بارعاً، حجة، فتبحَّر في العلوم الدينيَّة، بصيراً بالمذهب، أصوله وفروعه، له يد طولى في العربيَّة والحديث والتفسير، مع عبادة، وتهجُّد، وورع، ونسك، وتعبُّد، وملازمة للخير، على طريقة السلف في الاعتقاد، يكره طرائق الفلاسفة ويغض منها، ولا يمكِّن من قراءتها بالبلد، والملوك تطيعه في ذلك، وله فتاوٍ سديدة، وآراء رشيدة، ما عدا فتياه الثانية في استحباب صلاة الرغائب" (١). وقال الحافظ الذهبي عنه: "كان سلفياً حسن الاعتقاد، كافاً عن تأويل المتكلفين" (٢). وإذا أطلق "الشيخ" في علماء الحديث فالمراد هو، وإليه أشار الحافظ العراقي في أول ألفيته حيث قال: أو أطلقت لفظ الشيخ ما ... أريد إلا ابن الصلاح مبهما (٣) المبحث السابع: أشهر تلاميذه كان للمكانة العلميَّة، والمنزلة الرفيعة التي تبوأها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الأثر الكبير في التفاف طلبة العلم حوله، وتلقي العلوم عليه، والرحلة إليه، حتى تخرَّج عليه خلق كثير وجمٌّ غفير، من أشهرهم:

стр. 37

* شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو شامة المقدسي، المتوفَّى سنة (٦٦٥) هـ (١). * قاضي القضاة كمال الدين أبو حفص عمر بن بندار بن عمر بن علي التفليسي الشافعي، المتوفَّى سنة (٦٧٢) هـ (٢). * ظهير الدين أبو المحامد محمود بن عبيد الله بن أحمد الزنجاني، المتوفَّى سنة (٦٧٤) هـ (٣). * قاضي القضاة، الشيخ تقي الدين أبو عبد الله محمَّد بن الحسين بن رزين ابن موسى العامري الحموي الشافعي، المتوفَّى سنة (٦٨٠) هـ (٤). * شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمَّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلِّكان الإربلي الشافعي، المتوفَّى سنة (٦٨١) هـ (٥). * الإِمام، العالم، البارع جمال الدين أبو بكر محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله ابن بحمان البكري الشريشي المالكي، المتوفَّى سنة (٦٨٥) هـ (٦).

стр. 38

* الإِمام أبو حفص عمر بن يحيى بن عمر فخر الدين الكرخي، المتوفَّى سنة (٦٩٠) هـ (١). * قاضي القضاة شهاب الدين أبو عبد الله محمَّد بن أبي العباس أحمد بن خليل بن سعادة الخويي الدمشقي الشافعي، المتوفَّى سنة (٦٩٣) هـ (٢). * المسند المعمَّر الرحالة شرف الدين أحمد بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، المتوفَّى سنة (٦٩٩) هـ (٣). * صدر الدين محمَّد بن الحسن بن يوسف الأرموي الشافعي، المتوفَّى سنة (٧٠٠) هـ (٤). * الشيخ الإِمام، العالم، رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري المكي الشافعي، المتوفَّى سنة (٧٢٢) هـ (٥). المبحث الثامن: عقيدته لقد تبيَّن مما تقدم من النقول عن تلاميذه وغيرهم من العلماء والفضلاء أن الشيخ تقي الدين بن الصلاح كان حسن الاعتقاد، متَّبعاً لمذهب السلف الصالح فيه، كافَّاً عن الخوض في صفات الله، وأسمائه بالتأويل والتحريف، بل مؤمن بما جاء من عند الله ورسوله على مرادهما، كما قال الحافظ الذهبي عنه: "كان

стр. 39

متين الديانة، سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافَّاً عن الخوض في مزلاَّت الأقدام، مؤمناً بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته" (١). وكان يكره طرائق الفلسفة ويغضُّ منها، ويفتي بعدم جواز قراءتها والاشتغال بها، وكان لا يمكِّن من قراءتها بالبلد، وكانت الملوك تطيعه في ذلك (٢). المبحث التاسع: تصانيفه قال تلميذه صفي الدين المراغي عنه: "صنَّف أشياء مفيدة في الحديث وفي الفقه وفي غير ذلك، ولم يكمل من ذلك إلا اليسير، وكان حسن التصنيف مليح التنقيح" (٣). وتصانيفه المذكورة: (١) الأحاديث في فضل الإسكندريَّة وعسقلان. وهو مخطوط، منه نسخة في برلين برقم (١٣٨٩) (٤). (٢) الأحاديث الكليَّة، جمع فيها الأحاديث الجوامع التي يقال بأن مدار الدين عليها وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، وهو يشتمل على [٢٦] حديثاً (٥).

стр. 40

(٣) أدب المفتي والمستفتي: وهو مطبوع. (٤) الأمالي: وهي مخطوطة (١). (٥) تاريخ أسطوري للرسول ﷺ : مخطوط (٢). (٦) حلية الإِمام الشافعي أبي عبد الله محمَّد بن إدريس (٣)، مطبوع. (٧) الردُّ على "الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة، وبيان ما فيها من مخالفة السنن المشروعة" (٤) ردَّ فيه على العزِّ بن عبد السلام في كتابه هذا، وقد أجاز ابن الصلاح فيه هذه الصلاة وقوَّاها ونصرها، مع حكمه على الحديث الوارد فيها بالبطلان والوضع، وقد ردَّ العزُّ بن عبد السلام على ردِّه السابق، وطبعت ثلاثتها تحت عنوان "مساجلة علميَّة بين الإمامين الجليلين العزِّ بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة". (٨) شرح حديث الرحمة المسلسل بالأوليَّة: وهو عبارة عن مجلس من مجالس أماليه (٥)، قال التجيبي في برنامجه (٦): "جزء حسن عزيز الفوائد، فيه حديث الرحمة المسلسل، والكلام عليه من علوم عديدة، وهو الأول من مجالس إملائه".
следующие страницы →