← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21525

شرح مشكل الوسيط

ابن الصلاح

Полный текст (1 940 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والذهب حرام على ذكور أمتي وحلٌّ لإناثهم) رويناه من حديث عقبة (بن عامر) (١)، وغيره (٢)، وهو ثابت حسن، والله أعلم. قوله: "أرخص لحمزة (في الحرير) (٣) ولم يخصَّص" (٤) المعروف ما في "الصحيحين" (٥)، وغيرهما (٦) من حديث أنس (أن رسول الله ﷺ أرخص

стр. 737

لعبد الرحمن ابن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما. وفي رواية أخرى في "الصحيحين" (١) في السفر. وأمّا ذكر (٢) حمزة في ذلك فوهم، والله أعلم. واستدلاله بأنّه (٣) مطلق من غير تخصيص. يقال عليه: قد عرف في الأصول أن التمسك بعموم الأفعال ووقائع الأعيان لا يصح (٤)، مثل جمع رسول الله ﷺ في السفر (٥)، وقضى بالشفعة فيما لم يقسم (٦)، وذلك لأنها لا تقع إلا على وجه واحد معيَّن (٧)، وإن كان لفظ الناقل مطلقاً. وجواب هذا - والله أعلم - أن التمسك ههنا واقع بإطلاق إذنه ﷺ في اللبس لحكة من غير فصل بين حالة السفر وحالة الحضر، فيكون تمسُّكاً بعموم قول لا فعل، نعم يبطل هذا من

стр. 738

وجه آخر وهو: أن الإطلاق منتف لثبوت التقييد بالسفر في الرواية الأخرى (١) الصحيحة على ما بيَّناه، فالصحيح إذاً اشتراط السفر، والله أعلم. قوله في تأخير التبكير في عيد الفطر: "ليتسع تفرقة الصدقات" (٢) يعني صدقة الفطر خاصة. إذا كان المسجد واسعاً بغير مكة (٣)، فالأصحُّ أن المسجد أولى من الصحراء (٤)، والله أعلم. قوله: "نودي: الصلاة جامعة" (٥) بالنصب فيهما على الإغراء في الأول، وعلى الحال في الثاني، والله أعلم. قوله: "يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (٦) هذا قول الأكثر (٧)، ومن أصحابنا (٨) من قال: "يقول: لا إله إلا

стр. 739

الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير"، وقال أبوا (١) نصر - ابن الصبَّاغ (٢)، والبندنيجي الأخير (٣) -: "إنَّ (٤) قال ما اعتاده الناس فحسن وهو: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمَّد النبي (الأمِّي) (٥) و (على) (٦) آله وسلَّم تسليماً كثيراً"، قلت: الأمر في ذلك واسع، وفي ذكر الصلاة على (٧) النبي ﷺ نظر، ووجدته في "المستظهري" (٨) من غير ذكر الصلاة وهو الجيِّد (٩). وهذا الذكر

стр. 740

لا يكون عقيب السابعة والخامسة، ولا قبل الأولى من الركعة الأولى (١)، وأمّا قبل الأولى من الركعة الثانية فقد قال الإمام أبو المعالي في "نهاية المطلب" (٢): "وتخلل التسبيح بين التكبيرة التي ارتفع بها وبين التكبيرات التي يفتتحها، ثم كذلك بين كل تكبيرتين". وهذا لم أجده لغيره، ولا ذكره صاحبه الغزالي، وفي النفس منه حزازة والله المسؤول. قوله: "يكبِّر قبل الخطبة الأولى" (٣) هذا حكم منه بأن التكبيرات ليست من نفس الخطبة بل قبلها، وقد صرَّح به غير (٤) واحد، ونقله الشيخ أبو حامد الأسفراييني (٥) عن ظاهر كلام الشافعي، وقد راجعت أنا نصوص الشافعي في "جمع (٦) الجوامع" (٧) فوجدته ﵁ قد (٨) روى قول عبيد الله بن عبد الله (٩) بن عتبة (١٠): "السنة

стр. 741

أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة بتسع تكبيرات تترى، لا يفصل بينهما بكلام (١)، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية، فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى، لا يفصل بينهما بكلام، ثم يخطب". قال الشافعي: "ونقول بقول عبيد الله". وقال بعد كلام: "وإن أدخل بين التكبير (الحمد (٢) والتهليل) كان حسناً، ولا ينقص من عدد التكبير شيئاً، ويفصل بين خطبته وتكبيره". ثم نقل (٣) ذلك عن أبي هريرة، وعن عمر بن عبد العزيز ﵄ وفي الذي عن أبي هريرة أنه يكبِّر أكثر من خمسين تكبيرة (٤) في فصول الخطبة بين ظهري الكلام. فهذا فيه فوائد منها: أمر الموالاة والفصل، وقد ذكره غير واحد من العراقيين، والخراسانيين، وفيهم المصنِّف في "البسيط" (٥)، وصاحب "الحاوي" (٦) ونقل النصَّ اختصاراً. ومنها: أن صاحب "المستظهري". قال: " (في) (٧) أنها قبل الخطبة نظر" (٨). وربما توهم أنّه يعضده قول من قال - كقول صاحب "المهذَّب" -: "إنّه يستفتح الخطبة بالتكبيرات" (٩). بناءً على أن (١٠) استفتاحها بها يدل على أنّها

стр. 742

منها، وفيما نقلناه من (١) النصِّ ما يدفع ذلك وهو قوله: يفتتحها بها ثم يخطب. وهذا لأن افتتاح الشيء قد يكون بما هو من مقدماته لا من نفسه، ألا تراه ﷺ جعل الطهارة مفتاح الصلاة (٢) وليست منها. قوله: "على مثال الركعتين" (٣) أي أن في الركعة (٤) الأولى تسعاً بتكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية سبعاً بتكبيرة الارتفاع وتكبيرة الركوع، هذا معناه صرَّح به شيخه (٥)، وليس (٦) كما فسره من شرح "الوجيز" (٧) من أن معناه (٨) أن التفاوت بين التسعة والسبعة كقدر التفاوت بين السبعة والخمسة، والله أعلم. قوله: "كان رسول الله ﷺ يخرج من طريق، ويعود من طريق" (٩) رواه البخاري في "صحيحه" (١٠) من حديث جابر ﵁.

стр. 743

قوله (١): "إنّه كان يحذر مكائد المنافقين" (٢) أي لئلا يُعرف طريقه لو لم يخالف فيه فيرصدوه، ويتمكنوا من المكروه به؛ لانتشار الخلق في هذا اليوم. وفيه وجه آخر: أنّه كان يقصد بذلك غيظ المنافقين. وفيه نحو (٣) عشرة أوجه (٤)، قيل: إنَّ أشبهها أنّه كان يفعله لئلا يكثر الزحام فتجتمع الناس على طريقه على تقدير أن تعرف طريقه في الرجوع وأنّها الأولى؛ لأنّه روي في حديث ابن عمر: "لئلا يكثر الزحام" (٥). قوله: "أطول الطريقين؛ لأنّه قربة" (٦) أي و (٧) الانصراف ليس بقربة كما صرَّح به شيخه (٨)، وغيره (٩)، وليس بصحيح؛ لأنّه يثاب على رجوعه كما في الرجوع من المسجد، والمعنى فيه ظاهر، وفيما رواه أبيُّ بن كعب

стр. 744

من حديث الرجل الذي آثر بُعْد منزله من المسجد كيما يكتب (١) أثره وخطاه، ورجوعه إلى أهله، وإقباله وإدباره أن النبي ﷺ قال له: (أنطاك الله ذلك كله) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢). إذا لم يعلم السبب فقد سلَّم أبو إسحاق القائل "بأنه لا (٣) يستحب لمن لم يشاركه" (٤) أنه يستحب. وقول ابن أبي هريرة: "إنه يستحب لمن لم (٥) يشاركه" (٦)، هو الأصحُّ (٧)، كما في الرمل والاضطباع في الطواف، ولا يبطل بأن يقال: هذا إثبات للحكم (٨) مع انتفاء المعنى الذي هو سببه؛ لأنا نجعل سببه المعنى الناشئ من الإقتداء به ﷺ كالتيمُّن به مثلاً، فهو إثبات للحكم مع انتفاء سببه الأول، لا مع انتفاء سبب (ما) (٩) مطلقاً، والله أعلم.

стр. 745

في تكبير الأضحى (١): يكبِّر عقيب (٢) الصلاة التي عندها الانتهاء على كل (٣) قول، والقول بأنّه من الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيَّام التشريق هو الأصحُّ، وهو ظاهر المذهب (٤)، ويعتضد بتكبير الحجيج فإن المحاملي قال (٥): "إن الأمر في تكبيرهم على هذا قولاً واحداً" (٦). ونقله إمام الحرمين عن العراقيين، وقطع به فيما يرجع إلى (٧) الابتداء، وتردد فيه في الانتهاء (٨). وظاهر أمره أنه لم يعلم أن منصوص الشافعي ابتداءً وانتهاءً على ما قالوه، وهو في "جمع الجوامع من المنصوصات" (٩)، وإنما كان الحاجُّ على ذلك لأنهم يُلبُّون (١٠)

стр. 746

فيما قبل ذلك. والقول الثالث وهو أنها (١) من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيَّام التشريق اختاره (٢) ابن سريج (٣)، ومذهب أحمد (٤)، قال أبو بكر الصيدلاني والقاضي الرويانى (٥): "والعمل عليه (٦) في الأمصار". قوله: "ولم يتعرَّض في هذا النصَّ للآخر" (٧) هكذا هو في كتاب شيخه (٨)، ووقع في "المهذَّب" (٩)، وغيره (١٠) التعرُّض للآخر على هذا القول وأنه الصبح (١١) من آخر أيَّام التشريق، من غير تصريح بأن ذلك عن (١٢) نقل أو تخريج، ثم وجدته في "الحاوي" (١٣): "قال الشافعي ﵁: يبتدئ من بعد المغرب إلى بعد صلاة الصبح". وهذا نقل، والله أعلم.

стр. 747

قوله: "كما اختلفوا في أن (١) التكبيرات المرسلة ليلتي (٢) العيدين هل تستحب عقيب الصلوات؟ " (٣) هذا سهو منشأه (٤) - والله أعلم -: إما سبق القلم، أو تغيير من الناقل، والصواب: ليلة العيد بلا تثنية؛ لأن (٥) التشبيه وقع بالخلاف في التكبيرات المقيَّدة ليلة عيد الفطر (٦). أما ليلة عيد النحر فلا يتصور فيها خلاف في التكبير المقيَّد عند من جعلها من هذه الأيَّام. ثم إن لفظه في أن المرسلة هل تستحب عقيب الصلوات (٧)؟ يستنكر من حيث إن ذلك تقييد، والتقييد لا يوجد في المرسل، ويعتذر عنه بأن المراد: هل يستحب مثلها عقيب الصلوات (٨)؟. ثم إرسال التكبير (٩) في أيَّام استحباب التكبيرات المقيَّدة في عيد النحر بعيد (١٠)، والله أعلم. قوله في التكبير خلف الصلوات المقضيَّة في هذه الأيَّام: "هل هو مقضي أو مؤدى؟ فيه قولان (١١) " (١٢) الظاهر فيه أنهما قولان مخرَّجان؛ فإنهما من تصرُّف

стр. 748

الأصحاب في نقل شيخه (١)، وغيره (٢)، وهما مخرَّجان من القولين في النوافل (٣)؛ لأن مأخذهما: أن (٤) النظر إلى الوقت حتى يكبِّر فيها، أو إلى أنه شعار ظاهر في هذه الأيَّام فيختصُّ (٥) بالظاهر منها من الصلوات حتى لا يكبِّر في النوافل. وهذا يقتضي (٦) إجراء الخلاف فيما نحن بصدده، إن (٧) قلنا: يكبَّر هناك فهو ههنا إذاً، وإن قلنا: لا (٨) فتكبيره ههنا (٩) ليس نظراً إلى الوقت بل يكون قضاءً للتكبير الفائت في وقته تبعاً للصلاة المقضيَّة ويظهر من هذا ما ذكره آخراً، وهو أنه لا يكبِّر على هذا القول فيما يقضي (١٠) من صلوات غير هذه الأيَّام (١١)؛ لأنه لم يكن فيها تكبير حتى يقضى عند فواته بقضائها. والأصحُّ أنه يكبِّر عقيب

стр. 749

كل صلاة مفعولة في أيَّام التكبير، فيدخل في ذلك النوافل والفوائت كلها، ويكون التكبير خلف فوائت هذه الأيَّام أداءً لا قضاءً (١)، والله أعلم. إذا كبَّر الإمام على خلاف اعتقاد المقتدي، بأن كبَّر يوم عرفة مثلاً، والمقتدي يرى أن مبتدأه بعده، هل يوافق بسبب القدوة؟ وهكذا لو كان بالعكس فهل يوافق في الترك؟ فيه الخلاف الذي ذكره (٢). والأصحُّ أنه يتبع اعتقاد نفسه (٣). وأما التكبيرات التي في نفس الصلاة فهي كالقنوت قطعاً، يتبع الإمام في الجميع على خلاف اعتقاده فعلاً وتركاً، هذه طريقته (٤)، والله أعلم. قال: "ثم (٥) يقول بعده: كبيراً" (٦) لفظ الشافعي (٧)، وغير (٨) واحد من أصحابه (٩): "وإن زاد فقال: الله أكبر كبيراً ... إلى آخره فحسن". وهذا هو الذي

стр. 750

ينبغي في هذا؛ لأن هذه الزيادة دون الثلاث الأول (١) في المرتبة استحباباً ومستنداً، فالثلاث منقولة (٢) في ذلك دون ما بعدها، ولكن لمّا وردت في الحجِّ (٣) كانت زيادتها ههنا لمن يريد الزيادة أحسن من غيرها. وقوله "يقول بعده: كبيراً" يمكن التوفيق بينه وبين النصَّ بأن يقال: قول الشافعي في الزيادة فقال: الله أكبر، حكاية منه للتكبيرة (٤) الثالثة أعادها لئلا يفرد "كبيراً" بالذكر مع أنه لا يستقل لكونه من تتمة الثالثة، وهذا حسن عايص (٥)، وقد قال شيخه الإمام: "ذكر الصيدلاني عن الشافعي أنه كان يرى أن يقول بعد التكبيرات الثلاث (٦): كبيراً ... إلى آخره" (٧)، فنسبه إلى الشافعي، وأراه أخذه من المأخذ الذي ذكرته، والله أعلم. إذا فاتت صلاة العيدين في قضائها أربعة أقوال (٨) هذا على (٩) القول الصحيح في أنها لا تعتبر فيها شرائط الجمعة (١٠)، أما إذا قلنا (١١) باعتبارها فلا تقضى على

стр. 751

ما صرَّح هو (به) (١) في "البسيط" (٢)، وشيخه في "النهاية" (٣) قولاً واحداً كالجمعة، وأصحُّ الأقوال أنها تقضى أبداً (٤)، والله أعلم. قوله: "ولكن يوم الحادي والثلاثين (٥) إن فات يوم الثلاثين" (٦) أي أنها تقضى في اليومين إن قضاها في الثلاثين فذاك، وإلا ففي الحادي والثلاثين؛ "لأنه يحتمل هذا اليوم الأداء" (٧) أي قد يكون يوم عيد بأن يكون شهر الصوم تاماً، والمعنى فيه (٨) أنه لا يكون حينئذٍ (قد) (٩) أقيم هذا الشعار الظاهر في غير أوانه حتى يلزم منه شنعة ظاهرة، ترك السنة أهون منها (١٠). قوله: "وقد سبق نظيره في النوافل" (١١) أما (١٢) الأول والرابع فبأعيانهما (١٣)، وإطلاق النظير عليهما (١٤) هو التحقيق لحصول التغاير بتعدد المحلين، وأما الثاني

стр. 752

والثالث فلا وجود لهما هناك ولا لنظيرهما على التحقيق، لكن مراده ما هو نظير من حيث التشبيه الظاهري، وذلك هو الوجه الذي قيل فيه هنالك: إنه يتقيَّد قضاء نافلة كل صلاة بما قبل وقت الصلاة الأخرى. وهكذا الوجه الآخر: إنه يقضى فائت النهار بالنهار، وفائت الليل بالليل؛ فإن هذا نظيره في أنه تقييد للقضاء بوقت دون وقت، فهذا وجهه من حيث التنظير (١). وأما وجهه من حيث التقرير: فلكون (٢) ذلك يشتمل على رعاية المعهود في هذا الشعار الظاهر، ويبعد مما يوقع في سمعه لا يعرف الثاني (٣) كنهها، وتخصيص الشهر مع أنه شهر العيد يشتمل على بعض هذا (٤) وإن لم يشتمل على كله، وهذا يقتضي أن لا يطرد هذان في المصلي منفرداً، وقد قال الإمام أبو المعالي: "إن الظاهر ذلك" (٥). قوله: "أما (٦) إذا شهدوا بهلال شوال بعد الغروب من يوم الثلاثين لم يصغ إليهم؛ لأنه لا فائدة إلا ترك صلاة العيد" (٧) هذا تعليل شيخه في "نهاية المطلب" (٨) وقال في آخره: "إذا سقطت فائدة الشهادة لم نصغ إليها، وجعلنا وجودها كعدمها". اعلم أن هذا مشكل يوقع - إلا من عصمه الله - في وهمين:

стр. 753

أحدهما: اعتقاد بطلان الشهادة، وعدم قبولها (١) رأساً، وهذا لا سبيل إليه؛ فإنه لا سبيل إلى نفي الأحكام المتعلقة بأول شوال بيمين، أو نذر، أو عتق يعلق، وطلاق، وغير ذلك بعد قيام البيِّنة العادلة على استهلال الشهر (٢). الثاني: يوهم كون عدم الإصغاء لكون المقتضي (٣) إلى ترك صلاة العيد لا يثبت على تجرده، وبانفراده بالبيِّنة، ولا تسمع فيه الشهادة، وأحسب (٤) الإمام الغزالي لم يسلم من (٥) هذا؛ من حيث إنه (٦) وصل كلامه هذا في "البسيط" (٧) بأن قال: "وهذا شعار ظاهر لا يجوز الإخلال به ما أمكن، فلا يصغى (٨) ". وهذا أيضاً فاسد جداً؛ لأن ترك صلاة العيد: إما من الأمور المحذورة وإما من غير المحذورة (٩) وكل ذلك مما يثبت أسبابه بالبيِّنة، ولا ترد فيه شهادة الشهود مهما كان المقتضي (١٠) إليه مما يدرك ويعلم، فهو كسائر ما يشهد به من غير فرق. وأيضاً فتقدير قبول (١١) الشهادة لا يترك الصلاة على القول بشرعيَّة قضائها وهو

стр. 754

الصحيح (١)، وإنما تصير مقضيَّة فحسب، فأيُّ مانع من قبول الشهادة في ذلك؟ وكيف يلزم الإخلال الذي ادَّعى أنه نفى قبولها خوفاً منه؟ وفساد هذا من الأمور التي ينتهي ظهورها إلى أن يعتري المحتجَّ لها وقفة حيرة؛ لتزاحم وجوه حجاجها، وتسابقها إلى الذهن. وبعد هذا فالذي وقع عليه خاتم البحث في تصحيح هذا الكلام وتوضيحه: أن يحمل مطلقه على مقيَّد يصحُّ به، وأن يردَّ أصله إلى ما اعتمد عليه صاحب المذهب الشافعي ﵁ من قوله ﷺ فيما رواه هو (٢)، وغيره (٣) من حديث عائشة ﵂: (الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحُّون، وعرفة يوم تعرفون) ورواه أبو داود (٤) بإسناد جيَّد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم (٥) يوم تضحُّون، وكل عرفة موقف) بأن يقال: المنفي من الإصغاء إلى هذه الشهادة مخصوص بما يقتضيه من ترك صلاة العيد، فلا تقبل فيه (٦) هذه الشهادة بالنسبة

стр. 755

إلى صلاة العيد، ولا يصغى إليها في أمرها، ولا ينتهض ذلك في نفسه مصححاً لها؛ لأنه لا فائدة تحته؛ لأن فائدته ترك صلاة العيد، وهي لا تصير متروكة بذلك (١)، أي لا يتبيَّن أنها تركت في وقتها حتى إن فعلت كانت قضاءً مختلفاً في شرعيته (٢)؛ لأن وقتها الغد، وإن بان أنه اليوم الثاني؛ لأن يوم العيد ليس عبارة عن أول يوم من شوال، بل هو عبارة عن أول يوم يفطر فيه الناس؛ بدليل الحديث الذي ذكرناه، فإنه ليس يمكن حمل قوله (الفطر يوم تفطرون) على الإفطار نفسه؛ فإنه لا فائدة في ذكره، فيبقى أن معناه: عيد الفطر يوم تفطرون، ويسمى عيد الفطر فطراً، كما تسمى صلاة الظهر ظهراً مثلاً (٣)، والأمر في هذا كما (٤) في التعريف فإنه تابع لفعلهم، لا للثابت (٥) في نفس الأمر، فلو عرَّفوا اليوم العاشر وقع موقعه، وكان يوم عرفة في حقهم. فإن قلت: فيما ذكرته جواب عن الإيهام الأول أيضاً؛ لأن الشهادة إذا لم تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد لزم بطلانها مطلقاً؛ لأنهم ما أنشأوها إلا لذلك؟ قلت: هذا غلط؛ لأنهم شهدوا بالهلال نفسه فحسب، وليس للشهود التعرُّض لفوائد ما يشهدون به وآثاره، ولو تعرَّضوا لذلك للغي (٦) تعرُّضهم، ولم يؤثَّر على ما لا يخفى، والله أعلم بالصواب، وإليه اللجأ (٧) في العصمة والثواب.

стр. 756

قوله فيما إذا ثبت أنه يوم العيد في آخر النهار وجهان: أحدهما: المبادرة أولى. والثاني: التأخر إلى غدٍ أولى. ينظر في الثاني إلى نسبة وقت القضاء للأداء (١). هو نسبة بالنون أي أن الغد له انتساب إلى الأداء من حيث إنه قد يكون وقت أداء فيما إذا وقع العيد فيه، ولا نقرر هذه النسبة بالشَّبه الحاصل بكونها مفعولة أول النهار. ومن قرأه تشبَّه بالتاء والشين المثلثة ثم الباء المشدَّدة فقد صحَّف (٢)، وهو من حيث المعنى غير مستقيم من وجوه: الأول: أن القائل الأول يعارضه بمثله فيقول: فعلها بعد الزوال يشبه الأداء من حيث وقوعه في يوم (٣) العيد، ففي كل واحد منهما مشابهة للأداء ليست في الآخر فيتعارضان. وأما ترجيح الأول بالمبادرة فللثاني أن يعارضه فيُرجِّح (٤) بأن الاجتماع في غد أمكن وأيسر. وإن كان لا خلاف على (٥) ما قاله الإمام أبو المعالي إنه (٦) إذا شقَّ جمع الناس فضحوة الغد أولى (٧).

стр. 757

قوله: "فإن الغلط ممكن" (١) أي في الهلال لا في شهادة من شهد، وقوله "ممكن" أحسن منه أن يقول: كثير، كما (٢) قاله في موضع آخر (٣). قوله (٤): "لا يمكن تفويته" (٥) هذا يظهر توجيهه على قولنا (٦): إن صلاة العيد لا تقضى، فيظهر تشبيهها (٧) بالغلط في الوقوف بعرفة. وأما إذا قلنا: تقضى، فيضعف توجيهه ومع ذلك فيقال فيه: إخراج هذا الشعار عن وقته المعهود محذور، وهذا الوجه مخصوص بما إذا كانوا معذورين، أما إذا تعمدوا إخراجها عن وقتها فهي فائتة قطعاً كما في الوقوف. ثم إنَّ (٨) الأصحَّ أنها قضاء ويبادر إليه في بقيَّة النهار (٩). قال فيما إذا لم يعدَّلوا إلا ليلاً: "ففي فوات الصلاة وجهان" (١٠) وفي "بسيطه" (١١)، وكتاب شيخه (١٢): قولان: الثاني: يعتضد بما إذا عُدِّلوا قبل

стр. 758

طلوع الشمس؛ فإنه لا خلاف أنها أداء غير فائتة، ولا نظر إلى وقت الشهادة، لكن للأول (١) أن يفرِّق بأن التعديل هناك جرى بعد دخول وقت الصلاة، وبعد أن شُرع فعلها أداء، بخلاف هذا، والصحيح هو الأول (٢)، والله أعلم. قوله في ترك أهل القرى القريبة صلاة الجمعة: "القياس أنه لا يجوز، وقال العراقيون: الصحيح الجواز" (٣) هذا وجه نقله هو وشيخه (٤) عن العراقيين، فلا ينبغي أن يتوهم من تأخيره ذكر العراقيين أنهم لم يذكروا وجهاً في المنع، فإنه قد أشار إلى ذلك بقوله عنهم "الصحيح الجواز". والقول بجواز ترك الجمعة هو الصحيح (٥)، وهو مذهب الشافعي ﵁ نصَّ عليه في الجديد (٦)، والقديم (٧) واحتجَّ له (٨). وحديث أبي هريرة الذي ذكره في الكتاب (٩) مخرَّج في "سنن أبي داود" (١٠) ولفظه أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 759

(قد (١) اجتمع (٢) في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من (٣) الجمعة (٤) وإنا مجمِّعون) وفي غيره (فمن أحبَّ أن يشهد معنا الجمعة فليفعل، ومن أحبَّ أن ينصرف فليفعل) (٥)، والحديث المرفوع في ذلك عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة ﵁ وغيره (٦) مطلق، وتخصيصه بأهل السواد يروى (٧) فيه من وجه ضعيف (٨)، ولكن صحَّ عن عثمان من قوله، روى البخاري عنه (٩) أنه خطب في مثله وقال: (فمن (١٠) أحبَّ من أهل العوالي ...) وذكر مثله. وروى الشافعي

стр. 760

- ﵁ عن عمر بن عبد العزيز عن رسول الله ﷺ في مثله مرسلاً (١) وأنه قال: (فمن أحبَّ من أهل العالية (٢)) وهي في سواد المدينة (٣) - حرسها الله تعالى. وبعد هذا فقول الغزالي ﵀ وإيَّانا - "روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يرخَّص لأهل السواد في مثل هذا اليوم في الانصراف" رواية منه للرواية الضعيفة، ويحتمل أن يكون رواية منه لحاصل حديث أبي هريرة على المعنى من حيث إن المطلق منه (٤) خُصَّص بقول عثمان المنتشر من غير (٥) نكير، واستجاز ذلك بقوله: "إن رسول الله ﷺ كان ... " ولو قال: روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ ... إلى آخره، لما ساغ له إلا أن يكون قد روي بهذا اللفظ؛ لأنه تغيير، ولا يجوز مثله ولا على مذهب من يجيز (٦) الرواية بالمعنى، والله أعلم. على أن (٧) ما أتى به مع هذا مستكره (٨)، وكان الأولى به مجانبة أمثاله لما فيه من الإيهام وقلة من يفهم الفرق بينهما، والله أعلم.

стр. 761

ومن باب الخسوف المشهور بين الفقهاء أن الخسوف مخصوص بالقمر، والكسوف مخصوص بالشمس (١)، والأشهر بين أهل اللغة (٢) خلافه، وأنهما مستعملان (٣) فيهما جميعاً، ولهم أقاويل وأشبهها وأصحها أنهما يستعملان فيهما على معنى واحد (٤). والمعروف بين الفقهاء قد نقله أيضاً غير واحد من أهل الشأن، وقال صاحب "الصحاح" منهم: الأفصح في الشمس الكسوف، وفي القمر الخسوف (٥). ومن أهل اللغة من فرَّق بينهما من وجه آخر فقال: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه (٦). ما ذكره من حديث الخسوف (٧) صحيح متفق على صحته من رواية جماعة (٨) من الصحابة منهم: عائشة، وابن عمر، وابن عباس،

стр. 762

وأبي (١) موسى، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم (٢)، ولفظه في الكتاب قريب من لفظ (٣) رواية أبي مسعود الأنصاري. قوله (٤): "لا يخسفان" هو بفتح الياء، وقد منعوا من أن يقال بالضم (٥). قوله: "فلو تمادى الخسوف جاز أن يريد ثالثاً ورابعاً على أحد الوجهين؛ إذ روى (٦) أحمد بن حنبل أن الركوع في كل ركعة ثلاث، فليحمل على صورة التمادي (٧)، والقياس المنع ان لم يصحّ الخبر" (٨) أما نسبة ذلك إلى أحمد بن حنبل فلا يرتضيه أهل الحديث؛ فإن أحمد وغيره من حفاظ الحديث مشتركون في روايته (٩)، والمعتاد في مثل ذلك أن يضاف إلى من تفرد بروايته، وهو في هذا

стр. 763

الحديث فوق أحمد وطبقته، وهو عبيد بن عمير (١) المتفرد به عن عائشة ﵂، أو عبد الملك بن أبي سليمان (٢) المتفرد به من حديث جابر. وأما قوله "القياس المنع إن لم يصح الخبر" فلا يخفى أن القياس المنع صحَّ الخبر أو لم يصحّ (٣)، فإذاً فيه محذوف تقديره: فالقياس المنع، فيمنع منه إن لم يصحّ الخبر. ثم إنَّ هذا الخبر قد اختلفوا في صحته فصححه مسلم وأخرجه في "صحيحه" من حديث عائشة وجابر، وكذلك صحَّح ما تفرد به حبيب ابن أبي ثابت (٤) في حديث ابن عباس (أنه ﷺ صلاها ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات) (٥)، فمن أصحابنا من ذهب أيضاً إلى تصحيح هذه الأخبار جميعاً، وأنه ﷺ صلاّها

стр. 764

مرات مرة بركوعين في كل ركعة، ومرة بثلاث ركوعات في كل ركعة، ومرة بأربع ركوعات، وأن الجميع جائز، وأنه ﷺ كان يزيد في الركوع عند تمادي الخسوف، ذهب (١) إلى ذلك جماعة من أئمتنا الجامعين بين الفقه والحديث منهم: ابن خزيمة (٢)، وصاحبه أبو بكر ابن إسحاق الصبغي (٣)، ثم أبو سليمان الخطابي (٤)، ثم قيل: إنه على هذا الوجه لا تختصُّ الزيادة بما ذكر، بل يجوز أكثر من أربع على حسب (٥) تمادي الخسوف، وهو مذهب إسحاق بن راهويه (٦). وأما مذهب الشافعي (٧) والبخاري صاحب "الصحيح" (٨) في ذلك فهو الترجيح والقول بالركوعين في كل ركعة فقط؛ لأن ذلك أصحُّ إسناداً، وأوثق

стр. 765

رجالاً، وأكثر (١) عدداً، مع أن كل ذلك راجع إلى حكاية صلاة واحدة وهي صلاته ﷺ في الخسوف الواقع يوم مات ابنه إبراهيم ﷺ وعليه (٢). ومقتضى هذا أن يكون المذهب (٣) أن لا تُستأنف صلاة أخرى عند تمادي الخسوف، وأن لا يقتصر على ركوع واحد عند سرعة الانجلاء (٤)، والله أعلم. يستحب (٥) أن يقول في اعتداله من كل ركوع: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد (٦). ورد به نصُّ الحديث المتفق على صحته (٧)، ونصَّ عليه الشافعي ﵁ (٨).

стр. 766

هذا الذي قاله من التقدير بالسور الأربع (١) رواية (٢) البويطي (٣)، وابن أبي الجارود (٤) عن الشافعي، ورواية غيرهما عنه هو المشهور (٥)، وهو ما في "المهذَّب" (٦): أن في القومة الأولى: سورة البقرة أو قدرها إن كان لا يحفظها، وفي الثانية: بقدر مائتي آية من البقرة، وفي الثالثة: خمسون ومائة آية، وفي الرابعة: بقدر مائة آية. ورواية البويطي وابن أبي الجارود تقارب هذا، وأنا أنقلها على نصِّها من "الجمع لمنصوصات الشافعي ﵁" (٧) لما فيها من الفوائد قال: "يقول في القيام الأول نحواً من سورة البقرة، ثم يركع نحواً من قراءته، ويقرأ في القيام الثاني نحواً من آل عمران، ثم يركع نحواً من قراءته، ويقيم في

стр. 767

كل سجدة نحواً مما أقام في ركوعه، ثم يقرأ في القيام الأول في الركعة الثانية نحواً من سورة النساء، ثم يركع نحواً من قراءته، ثم يقرأ في القيام الثاني من الركعة الثانية (١) نحواً من سورة المائدة، ثم يركع نحواً من قراءته، ثم يرفع (٢)، ثم يخرُّ ساجداً، فيسجد سجدتين يقيم في كل سجدة نحواً مما أقام في ركوعه). فهذا منقول على الاتفاق، وما فيه من مساواة كل ركوع لما قبله من (٣) القراءة لم أجد لأحد من الأصحاب موافقته، ولا في الركوع الثاني، مع اختلافهم الكثير فيه (٤)، إلا أني وجدت بخطَّ الشيخ الوالد ﵀ حكاية قول كذلك. وما ذكره المؤلف في الركوعات (٥) هو نصُّ الشافعي (٦) المشهور (٧) إلا الركوع الثاني فإنه لم يقدَّر تسبيحه، (وقال) (٨): "يسبِّح بقدر ما يلي الركوع الأول". واختلف الأصحاب في مقداره على خمسة أوجه: أحدها: ما في الكتاب وهو ثمانون آية، و (٩) هو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني من العراقيين، وصاحب

стр. 768

"التقريب" من الخراسانيين (١)، والمراد بالآيات في هذا وما ذُكِر (٢) معه الآيات (٣) المقتصدة (٤). والثاني: تسعون آية بالتاء المثناة في أوله، وقد عُزي (٥) إلى الشيخ أبي حامد (٦). والثالث: بقدر خمس وثمانين آية، وهو قول سليم الرازي (٧). والرابع: بقدر (٨) سبعين آية، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو (٩) إسحاق (١٠) ولا ينبغي أن يستبعد؛ فإنه يوافق نقل الربيع عنه (١١) أنه يسبِّح بقدر ثلثي الركوع الأول. والسبعون ثلثان على التقريب، وصير إليه دون التحقيق لما فيه من الكسر، وهو مستكره فيما مبناه على التقريب. و (١٢) الخامس: بقدر الركوع

стр. 769

الأول، قاله أبو حفص الأبهري (١) صاحب كتاب "الهداية" (٢)، رأيته بأبهر (٣)، وهو غريب في غريب (٤). قوله: "وأما السجدات فلا يطوَّلها. ونقل البويطي عنه أنها على قدر الركوع الذي قبله. ولا خلاف أن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل" (٥) هذا يتضمن أن الصحيح عنده أنه لا يطوِّلها من حيث إنه أفتى به أولاً، وذلك هو المشهور في نقل المذهب (٦). والقول بتطويلها ينسب إلى أبي العباس ابن سريج (٧)، وقد قال صاحب "المهذَّب": "ليس بشيء؛ لأن الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر، ولو كان قد أطال لنقل" (٨). وهذا عجب (٩)! أما الشافعي ﵁ فقد راجعت كتاب البويطي فوجدت نقله لذلك فيه حقاً، وقد سبق نقلنا لذلك من

стр. 770

"جمع الجوامع لمنصوصات الشافعي"، ونقل الترمذي ذلك (١) في كتابه عن الشافعي (٢). وأما الخبر فيه (٣) عن رسول الله ﷺ فثابت متفق على صحته، إذ في "الصحيحين" (٤) من حديث أبي موسى الأشعري في ذلك عنه ﷺ : (فقام يصلي أطول قيام وركوع وسجود رأيته يفعله في صلاته) وفي "الصحيحين" (٥)، أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٦) في صفة صلاته ﷺ فقالت عائشة: (ما ركعت ركوعاً (قطٌّ) (٧)، ولا سجدت سجوداً قطٌّ كان أطول منه). وفي رواية النسائي (٨): فكانت عائشة تقول: (ما سجد رسول الله ﷺ سجوداً، ولا ركع ركوعاً أطول منه). وفي "صحيح البخاري" (٩) من حديث أسماء بنت الصدِّيق ﵂: (ثم سجد فأطال السجود (ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود) (١٠))، وذكرت مثل ذلك في الركعة الثانية. وفي "صحيح مسلم" (١١) من

стр. 771

حديث جابر بن عبد الله: (وركوعه (نحواً) (١) من سجوده). وفي "سنن أبي داود" (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعنهم: (ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، قال: ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك). وفي "سنن النسائي" عنه (٣) نحو ذلك (٤) قال: (سجد فأطال السجود، ثم رفع رأسه وجلس (٥) فأطال الجلوس، ثم سجد فأطال السجود، وقال: وصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الأولى). وقد أخرج ابن خزيمة حديث عبد الله بن عمرو في "صحيحه" (٦). إذا عرفت ذلك عرفت أن الصحيح خلاف ما صححوه، بل يتجه أن يقال: لا قول للشافعي غير القول بتطويل السجود؛ لما عرف عنه من إيصائه (٧) بأن الحديث إذا صحَّ على خلاف قوله فليترك قوله وليعمل بالحديث فإن مذهبه الحديث. ثم إن صاحب "التهذيب" قال: "هل يطيل السجود؟ فيه قولان: أحدهما: يطيل كالركوع: والسجود (٨) الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني" (٩). وهذا أحسن من الإطلاق الذي في كتاب البويطي: أنه نحو الركوع الذي قبله.

стр. 772

وأما قطعه بأن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل (١). فإنه يأباه ما ذكرناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وهو أعلم. قال (٢): "يستحب أن يخطب خطبتين كما في صلاة العيد، إلا أنه لا يجهر في الكسوف، ويجهر في الخسوف" (٣) هذا مشكل والاستثناء راجع إلى ما تضمنه الإطلاق من أن ما ذكر من كيفية الصلاة يعمُّ (٤) صلاة الكسوف والخسوف فكأنه قال: وتستوي صلاة الخسوف وصلاة (٥) الكسوف إلا في الجهر، وقد أفصح عن هذا في "البسيط" (٦). ثم إن الرواية قد اختلفت عن رسول الله ﷺ في الجهر والإسرار في كسوف الشمس (٧)، ومن روى الجهر أكثر فلذلك رجَّحناه (٨)، والله أعلم.

стр. 773

قوله (١): "و (٢) الجماعة فيهما (٣) مسنونة" (٤) يجوز أن يجعل معطوفاً على الاستثناء، أي: وإلا في أن الجماعة فيهما (٥) مسنونة قولاً واحداً، بخلاف صلاة العيد، فإن في إلحاقها بالجمعة في اشتراط الجماعة خلافاً سبق، وهذا على طريقة من قطع هنا (٦) بنفي الاشتراط (٧). ومن أصحابنا من طرد ذلك الخلاف في الخسوفين (٨)، فعلى هذا يجعل كلاماً مستأنفاً واقتصاراً منه على الأصحَّ. (الأصح) (٩) في المسبوق المدرك للركوع الثاني أنه لا يكون مدركًا (١٠)؛ لأنه مع أنه تعدى بالرخصة عن موضعها إلى ما لا تشبهه، يوقع (١١) في خبط وتغيير

стр. 774

لنظم الصلاة المعهودة، فإنه إذا بقي عليه قومة وركوع فحسب فيلزم في التدارك أحد محذورين: إما أن يقعد عن اعتداله من الركوع ويتشهد ويسلَّم؛ لأن السجود (١) أتى به، ووقع محسوباً له كما قبله، وإما أن يعود ويسجد مرَّة أخرى، وكل واحد منهما تغيير لنظم هذه (٢) الصلاة، والله أعلم. قوله: "في جنح (الليل) (٣) " (٤) هو بكسر الجيم وضمه أي طائفة منه (٥). قوله: (٦): "لأن الليل باق، وسلطان القمر في جميعه" هذا كلام الأصحاب (٧)، وليس ينثلج الصدر به، ولعل تحقيقه - والله أعلم -: أن بقاء (٨) الليل الذي هو مظنة سلطانه - مع أن الأصل بقاء الخسوف في نفسه - يوجب بقاء شرعية الصلاة، كما إذا غطَّاه غيم، بخلاف ما إذا طلعت الشمس في الخسوف، أو غربت في الكسوف فإن ذلك كزوال الكسوف بالانجلاء؛ من حيث إن القمر الخاسف أو الشمس الكاسفة مجموع يتركب من ذات ووصف،

стр. 775

فكما يعدم المجموع بانتفاء الوصف الذي هو الكسوف، يعدم بانتفاء الذات (١) التي هي القمر أو الشمس، وفي زوال محلهما من ليل ونهار (٢) زوالهما؛ لأن وجود الشيء إنما يكون في محله، وذات الشمس وإن بقيت بعد الغروب على الجملة فلم تبق على الوجه الذي (٣) كانت باعتباره شمساً؛ لأن الشمس نور خاصِّيته إضاءة ما بين الخافقين، فلا يبقى مع انتفائها شمساً، وإن بقي شمساً فلا يبقى شمساً يصلى لكسوفه؛ لأن الصلاة مخصوصة بخسوف ما يضيء هذا العالم، لما (٤) لا يخفى من تأثيره في اقتضاء الفزع والالتجاء عند فقدانه. إذا ظهر ذلك ففي ما إذا غاب القمر في الليل لم يثبت زوال الخسوف بواحد من الطريقين (٥) بخلاف الباقي. قوله فيما إذا غاب القمر خاسفاً بعد طلوع الصبح: "الجديد: أنه لا يفوت" (٦) فيه إشارة إلى أن الصحيح أنها لا تفوت (٧)، والله أعلم. الأصحُّ من القولين فيما إذا اجتمع صلاة العيد وصلاة الكسوف ولم يخف فوات العيد (٨): أن (٩) يبدأ بصلاة الكسوف (١٠)، والله أعلم.
следующие страницы →