Полный текст (104 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: أصلح الأديان للإنسانية عقيدة وشريعة
المؤلف: أحمد عبد الغفور عَطار
الناشر: غير معروف
سنة النشر: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م
مكة المكرَّمة (حرسها الله تعالى)
عدد الأجزاء ١
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مصدر الكتاب نسخة مصورة قام الشيخ الجليل نافع - جزاه الله خيرا - بتحويلها
وقام الفقير إلى عفو ربه الكريم القدير بتصويبه
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
стр. 2
أيُّ الأديان أصلح للإنسانية عقيدة وشريعة
واقع الوجود الإنساني يثبت أن الإسلام دين الإنسانية
عقيدة وشريعة، فمنذ ظهوره حتى اليوم وإلى قيام الساعة
وهو خير دين وأكمله، ولهذا جعله الله خاتم الأديان كما
جعل الرسول الذي بعثه به خير الرسل وأفضلهم وخاتمهم،
فلا دين غير الإسلام، ولا نبي بعد محمدٍ عليه الصلاة
والسلام.
وبراهين ذلك واضحة بشرط أن يكون العقل الذي
يتلمسها عقلاً مجرداً عن الهوى، منزهاً عن المواريث التي
تؤثر فيه.
وأكتب هذا وأنا مجرد عن الهوى، ومنزّه عن المواريث
التي تؤثر في عقلي، وأحب أن يكون لي دين من هذه
الأديان التي بين أيدينا، على أن يكون ديناً صحيحاً يحوي
العقيدة والسلوك والعاملة، يحوي المسجد والسوق والآداب
стр. 3
والأخلاق الفاضلة، ويستقبل الحياة بالتفاؤل والابتسام،
ولا يتجهم لها ولا يتشاءم، ويسيطر على الحياة والوجود
كليهما.
وبين يديّ حشدٌ من الديانات والمذاهب الاجتماعية، فما
الدين أو المذهب الذي يختاره العقل السليم والضمير
الصالح؟.
وطبيعي أن يبهون الدين المختار حاوياً العقيدة
والشريعة، لأن دين الإنسانية يجب أن يجتمع له ما يحتاج
إليه الإنسان في داخل نفسه وخارجها، حتى يكون صالحاً
للإنسانية كلها، لأنه لا يصلح لها دين يغفل أحدهما،
بل لا بد أن يجتمع له الدين والدنيا.
وعلى هذا نعرض للمذاهب والأديان المعروفة قديماً
والقائمة في العالم اليوم لنختار منها الدين الصالح للإنسانية
في كل العصور القادمة.
وطبيعي ألا نعرض من المذاهب والأديان إلا ما كان
متبوعاً من فريق كبير من بني الإنسان أو كان متبوعاً في
عصر من العصور السالفة، إذ من الجائز أن يكون في ديانة
مندثرة أو مذهب اجتماعي مبتغانا.
стр. 4
الشيوعية
وبين أيدينا وفي عصرنا الذي نعيش فيه مذهب
اجتماعي هو المذهب الماركسي أو الشيوعي الذي سيطر على
شعوب كثيرة يبعد مجموع أفرادها أكثر من بليون.
فهل تصلح الشيوعية أن تكون دين الإنسانية عقيدة
وشريعة؟.
الشيوعية، آخر مذهب اجتماعي، له حكم وسلطان ودولة
عظمى، ويدين به مئات الملايين من البشر، وتعترف بأن
مذهبها مبني على الإلحاد والكفر وإنكار وجود الله.
وعندما تنكر الشيوعية وجود الله تعلن هذا الجحود
وتفاخر به، وتحارب كل دين ومعتقد، وتبذل النكيثة في
سبيل إحلال الإلحاد محل الاعتقاد الديني، وتنشر الكفر
والإلحاد، وتعاقب على التدين، وتحْرم المتدينين من
حقوقهم المدنية، بل تحرمهم من الحقوق الطبيعية.
فهل يصلح مذهب ينكر وجود الخالق لأن يكون
مذهب الإنسانية وهو خِلْو من العقيدة الدينية؟ طبيعبى
أن يكون الجواب: لا يصلح، لأنه خلو من الروح كله.
إن الدين أو المذهب الذي يصلح للإنسانية كلها يجب
стр. 5
أن يحوي الشريعة والعقيدة معاً، ويجب أن تكون العقيدة
صحيحة وسليمة، والشريعة خيِّرة وصالحة، وقد جاهرت
الشيوعية بالكفر والإلحاد والدعوة إليهما ونشرهما، ومحاربة
كل الأديان والمتدينين.
وأي دين أو مذهب يخلو من المعتقد الديني لا يصلح
لأن يكون للإنسانية، بل لا يصلح للحكم والسيادة، لأن
الشيوعية فرضت نفسها بالقوة والإرهاب والحديد والنار،
وإذا انحسرت عن بلد فإنه يعود إلى طبيعته متديناً.
وإذا تركنا العقيدة ورضينا بالشريعة من الشيوعية
فهل تصلح لأن تكون شريعة متبعة للإنسانية أو لأمة أو
مجتمع؟.
إن أعظم مزية للإنسان الحرية: حرية المعتقد، وحرية
الفكر والرأي والقول والحركة، فهل نجد هذه الحريات في
كنف الشيوعية؟.
يجيب الواقع وهو نفسه البرهان القاطع، وجوابه:
لا وجود لأي ضرب من هذه الحريات، وأقرب مثال:
السياحة، فنحن نجد كل أبناء البلدان الحرة لا ينقطعون
ْعن السفر بالملايين، ولا نجد بينهم من الكتلة الشيوعية
غير الجواسيس والموظفين.
стр. 6
والبلدان المقدسة كالقدس ومكة والمدينة تزدحم
بقاصديهن على مدار أيام السنة من جميع أقطار العالم،
فأبناء الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام لا
تنقطع سيولهم الغزيرة المتدفقة عن المقدس الشريف،
وأبناء الإسلام من كل بلدان الأرض يهرعون بمئات
الألوف إلى مكة المكرمة - حرسها الله - للحج والعمرة،
وإلى المدينة المنورة زادها الله شرفاً وتعظيماً للزيارة.
وليس بين الملايين من الحجاج والعُمّار والزوار من
دول الكتلة الشيوعية أحد، مع أن القاصدين منها قبل
الشيوعية كانوا بعشرات الألوف.
ولا وجود للفرد في الشيوعية، فهي تحتم ذوبانه في
المجموع، ولهذا لا نجد فيها فرداً مستقلاً ولا حراً، فقد
ذوَّبته تذويباً.
والمذهب الذي يخلو من الروح خلواً تاماً، ولا إله لديه
غير المادة، وبناؤه كله قائم على أساس العنف العنيف لا
يمكن أن يكون مذهباً موصوفاً بالصحة والسلامة، بل هو
مذهب العاهات والآثام، ومذهب كهذا لا يصلح لأن
يكون مذهب الإنسانية، لأنه خال منها، ولأنه لا وجود
لصفة إنسانية فيه.
стр. 7
البراهيمية
وإذا عدنا إلى الوراء لنختار من الأديان ديناً وجدنا
في الهند (البراهمية". وغيرها من مئات الديانات، وقد
سبقت دياناتٌ الديانةَ البراهمية، مثل الفيدية التي سبقتها
ديانات، وكانت الديانات في الهند تتعايش فيما يشبه
السلام، ومن الديانات الكبيرة في القارة الهندية: البراهمية
التي ما تزال حتى اليوم، ولعل أتباعها يزيدون على ثلاثمائة
مليون.
والبراهمية منسوبة إلى براهما، وقد كان - كما تذكر
البراهمية - عدمٌ ولا وجود، ثم كان البدء بوجود ماء
وعماء، ثم طفت على سطح الماء بيضة ذهبية احتوت سر
الوجود، فخرج براهما من هذه البيضة، براهما الإله
الأعظم الذي خلق الكون، وعُمْر براهما
١٥٥.٥٢٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ سنة.
ومن معاني البراهما: الانقطاع عن الدنيا إلى العبادة
والفناء فيها، والصلاة، وهو أحد الثالوث المقدس المكون
من براهما نفسه ومن فشنو وسيفا.
وبراهما روح العالم غير المُحَسُّ به، وخالق الكون
ابتداء، وبدأت منه الآلهة، وإليه تعود، لأنه مُوجدها،
стр. 8
والروح الإنسانية شعلة من نيرانه المقدسة، وهو نفسه بدء
الخليقة.
ونسي القائلون بذلك أنما الماء سابق في الوجود لبراهما،
كما أن البيضة الذهبية سابقة على وجوده، أو ظاهرة على
خروجه منها، وعلى هذا نفَوْا عنه صفة القِدم كما نفَوْا عنه
صفة، (الأول" ونفوا عنه أيضاً صفة " الآخر " والخلود
السرمدي الأبدي الذي لا نهاية له، وزعموا أنه هو
" أجنا " إلهة النار المقدسة، لأنهم رأوه صاحب النيران
المقدسة.
وفشنو ثاني الثالوث الإلهي، وموصوف بأنه الباقي
والحافظ، ولئن كان يأتي بعد براهما فإن فشنو قد زاحمه
وانتزع منه صفة الخالق بعد أن سقطت هيبته التي انتهت
بانتهاء بدء الخلق الذي تمَّ على يديه، وانتقل منه إلى
فشنو "عملية " الخلق الثاني فالثالث وما بعد، وهو حافظ
الخلق ورازقه.
والإله سيفا ثالث الثالوث، وموصوف بأنه المبيد
المفني، وانتهى به الأمر أن صار موصوفاً بالإله العظيم.
وعندما انتقلت الديانة الهندية من الفيدية ذات
الثالوث إلى البراهمية ذات الثالوث أيضاً أصبحت قائمة
стр. 9
على المعرفة والفهم والبصيرة والإدراك والنطق، واقتضى
هذا التطور نشوء طبقة من الفقهاء والكهان تقاسموا
معرفة الأسرار وتفسير النصوص ورعاية آداب الديانة،
وطبيعي أن تكون هي وحدها الطبقة الأولى العليا، وفي
وقت متأخر عن نشوئها أطلق لفظ البراهما على كل فرد
فيها.
ويوصف براهما بأنه الإله الواحد، خالق الخلق، ولكن
هذه الوحدانية لفظ يعطل معناه وجود فشنو وسيفا،
أحدهما انتزع من براهما القدرة على الخلق الذي أعقب
بدء الخليقة وهو فشنو، والآخر سيفا موصوف بالخالق
الأعظم، وبذلك جرّد هذان الإلهان الإله الأول الأكبر من
أعظم صفاته ومزاياه.
ومن عقائد البراهمية التناسخ ووحدة الوجود، وكانت
هذه العقائد موجودة فيما سبق من الديانات مثل الفيدية،
ولهذا لا فناء للنفس أو الروح، لأنها عندما تكون مذنبة لا
تموت بموت صاحبها، بل تنتقل من جسد إلى جسد، وليس
حتما انتقالها إلى جسد آدمي، بل يجوز انتقالها إلى حيوان
أو نبات، وهذا هو عقاب الذنب، فإذا صَفَتْ الروح
سواء من أول مفارقتها صاحبها أو بعد التناسخ المتكرر
تندمج في الكل الذي لا يفنى، وهذا هو الثواب، وذلك
стр. 10
لاندماجه في " النرفانا " حيث تتساوى أرواح البشر
وأرواح الآلهة لتبقى في حالة الاندماج إلى ما لا نهاية.
وليس للنرفانا حقيقة ووجود إلا بالإسم، فهي أقرب
إلى أن تكون "لا شيء "
هذه البراهمية من ناحية العقيدة، ولم نُرد أن ندخل
بالقارئ في متاهاتها التي تنتهي بالسير إلى عالم الوهم غير
المحدود.
أما الشريعة في البراهمية فتتلخص في كلمات، إنها
انصراف عن الواقعِ وعزوف عن الدنيا.
وبدأ ظهور البراهمية في الفترة التي تقع بين القرن
الثامن والقرن السادس قبل الميلاد، وهناك ديانات
سبقتها بآلاف السنين، وأخذت الديانات البدائية تتدرج
حتى انتهت إلى الفيدية فالبراهمية فغيرها، وليس هذا
بالنسبة لكل الديانات البدائية، بل لما تطور منها، مع
بقاء كثير منها على ماكان عليه من البدائية.
ومع أن بضع مئات الملايين في القارة الهندية ما تزال
تدين بالبراهمية فإنها لا تصلح لأن تكون ديانة الإنسانية
لا من ناحية العقيدة التي تسيطر عليها الأساطير
والأوهام، ولا من ناحية الشريعة التى تمحو في النفس
стр. 11
الإنسانية دوافع العمل من أجل تعمير الأرض والتمتع
بطيبات الحياة، وتدفع بها إلى الإخلاد إلى الجمود
والخمول.
البراهمية لا تصلح للإنسانية شريعة، لأن أتباعها
أنفسهم قرّروا فقدان صلاحها قبل غيرهم، فاستبدلوا بها
قوانين الغرب وما وضع فقهاؤهم من قوانين.
والإنسان المتطور المتقدم حضارياً لا تطيب له ديانة
تُميت فيه دوافع العمل والكفاح، وتجعل عالم الغيب أو
الآخرة عالماً لا وجود له إلا في ضباب الأوهام.
وإذا كانت البراهمية غير صالحة لأن تكون دين
الإنسانية شريعة وعقيدة فإن بالقارة الهندية ديانات
أخرى مثل الجينية والبوذية نكتفي بهما عن سواهما، لأنهما
أكبر من غيرهما.
وخرج في الهند نفسها ومن أهلها على الفيدية
والبراهمية علماء وفقهاء كفروا بهما أشد الكفر، ونالوهما
بالنقد والتجريح، بل اتهموا الديانتين الكبيرتين حتى بلغ
بهم السخرية بالكهنة البراهميين أن شبهوهم بالكلاب،
стр. 12
يأخذ كل كلب بأسنانه ذيل أخيه في خط طويل هاتفاً:
لنأكل ولنشرب.
وفي بعض الأسفار إنكار لوجود الإله، وجحود بكل
ما في الديانة البراهمية، وإتهام لمؤلفي اليوبانيشاد بانهم
مرضى وحمقى ومهووسون.
وكان هناك فلاسفة ملحدون أعلنوا كفرهم
بالديانتين، وجاهروا بكفرهم وإلحادهم، وسخروا بهما أشد
السخرية، كما كان هناك فلاسفة مشّاءون يتنقلون من غابة
إلى غابة، ومن بلد إلى بلد وهم يعلنون الحرب على
الديانتين في عنف وضراوة، ووجدوا معجبين ومريدين
وتلامذة وأتباعاً وقفوا معهم على نقيض التزهيد
والتشاؤم، وأخذوا بالدعوة إلى انتهاب اللذات، وانتهاز
كل فرصة تتاح فيها المتعة واللذة، فما مضى لن يعود،
وليس هناك وحدة وجود، بل لا وجود لبراهما نفسه.
وبلغ الإلحاد والكفر بآلهة الديانتين حداً قصياً من
قبل هؤلاء الكافرين بها حتى قال بعضهم: لا فرق في
стр. 13
الحقيقة بين فشنو وأي كلب من الكلاب.
وتقوَّضت دولة الإيمان بالديانتين وآلهتهما في نفوس
ملايين من المؤمنين، وكثر عدد من كفروا بهم، وبلغَ الملايين،
وانتصر الملاحدة انتصاراً مؤزَّراً في مجال الفكر والمنطق
والمادية حتى أن الديانتين اللتين جاءتا بعد الديانتين
السابقتين قد خلتا من الإله ومن الطقوس الدينية التي
ابتدعها الكهان.
وهاتان الديانتان الملحدتان هما الجينية والبوذية
اللتان كانتا من ثمار الحرب التي شنها الملاحدة على
الديانتين السابقتين.
***
الجينية
وتنتسب الجينية إلى جينا بمعنى القهار، وسميت
الديانةُ " الجينية " لأن مؤسسها الأول قهر نفسه فأطلق
عليها ذلك الاسم، واسم المؤسس فارذامانا
"المعروف بلقب ماهافيرا " بمعنى البطل العظيم،
وهو الاسم الذي خلعه عليه أتباعه المخلصون.
وعاش ماهافيرا ما بين ٥٩٩ - ٥٢٧ قبل الميلاد،
стр. 14
وقيل: ما بين سنة ٥٤٩ - ٤٧٧ ق. م، وعاش منعماً مترفاً
في ثراء أبيه ومجده حتى فجع في والديه اللذين آثرا
الانتحار جوعاً، إذ كانا ينتميان إلى عقيدة تحبب
الانتحار الذي يحسب فيها نعمة لا تعد لها الحياة التي هي
لعنة في معتقدهم.
وخرج الابن حاقدا على المجد والثراء والنعيم والمسرة
إذ رأى غاية والديه الأليمة فتنكر للحياة نفسها، وارتدى
القشف والجوع والحرمان، وأخذ يتجول في إقليم البنغال
ينشد تطهير النفس وصفاء الروح ثلاث عشرة سنة حتى
انتهى إلى قهر نوازع نفسه، وسلطان شهواته وغرائزه.
وأعجب به الناس، ورأوْا (جينا" أي القهار بين
أيديهم يُبعث من جديد لينقذ الهند التي غرقت في أوحال
اللذات والآثام، واعتقدوا أنه "الماهافيرا" المنتظر بُعث
لينقذ الغرقى ويهدي الضالين، فالتفَّت الجماهير حوله
واتخذوه زعيمهم ورمزهم، وأطلقوا على مبادئه " الجينية "
نسبة إلى "جينا" بمعنى القهار.
بل ليست "الجينية " مبادئ وإنما ديانة، ولهذا رضي
أتباع ماهافيرا أن يحيَوْا حياة غاية في القَشَف والقسوة
والحرمان وتعذيب الجسمم والروح إلى حد لم يعرف في أي
دين.
стр. 15
فالجينية تحرم كل متعة ولذة وسرور، فأكل اللحم
حرام، وقتل كل ذي روح حرام، وكما الحرام إيذاء أي
كائن، سواء أكان إنساناً أم حيواناً أم نباتاً أم جماداً،
والزواج حرام، لأنه متعة، والمتعة محرمة، والإعجاب
بالجمال أو حبه حرام.
وأسرف أتباع الديانة الجينية في الزهد وحرمان
النفس من كل شيء يبعث اللذة أو الراحة النفسية أو
البدنية، ويجب على الجيني أن يكون أكبر من الألم
والضيق، فلا يتبرَّم بألم الجوع والظمأ والبرد والحر، وألا
يضيق أو يتضايق بلذع الحشرات، وألا يشعر بالخزي أو
العار أو الخجل من العري، ولا يتبرم من النوم على
الأرض دون فراش، فحرام النوم على فراش.
ومن الفرائض ألا يشعر بالأسى على نعيم فقده، لأنه لا
أسف ولا حزن على حرام متروك.
ويأخذ الجيني نفسه بالقسوة التي لا قسوة بعدها، فعلى
الجيني أن يضع على لهب سراجه حاجزاً يمنع اقتحام فراش
أو حشرة لئلا تحترق، ومن الفرائض ألا تدخل في فمه أو
أنفه حشرة، فهو - لهذا - يحمل بيده مروحة يذود عنهما
الحشرات والهوامّ، ومن تلك الفرائض ألا يطأ حشرة عمداً
أو غير عمد، بل لا يجوز أن يدعسها وهو لا يعلم، ولهذا
стр. 16
يحمل بيده مكنسة حين يمشي يكنس ما بين يديه حتى لا
تقع قدمه على حشرة فيقتلها أو يؤذيها.
وفرض على الجيني ألا يبكي أو يشكو أو يتأوه إذا
أصيب بما يؤلمه، بل يجب ألا يشعر بضيق من أي أذى أو
مصاب.
ويجب أن يتخلّق بالأخلاق الحسنة، ويتنزه عن كل
الآثام صغيرها وكبيرها.
وعندما يستطيع الجيني أن يخضع لدينه اثني عشر عاماً
يتبع ما رَسَم فإنه يصل إلى الدرجة العليا التي تمكنه من
قتل نفسه، فإذا استطاع أن يتنعم بالانتحار جوعاً مثل
ما فعل والدا الماهافيرا فقد أدرك النعيم.
وقد فارق كثير من زعماء الجينية الحياة على هذا
النحو، وما يزالون حتى أيامنا هذه ينعمون بهذا الانتحار،
ويبلغ عدد الجينيين حوالى المليونين في القارة الهندية.
ولا وجود في الديانة الجينية لإله، فعى لاهوت بلا إله
ولعل فيما ذكرناه في الجينية يغني عن المزيد، لأن أي
إنسان في الوجود كله من غير هؤلاء ذوي الفجائع
стр. 17
والعاهات والمصائب يرضى بأن يدخل في الجينية، ولم يؤثَر
أن أحداً من أي بلد في العالم رضي بها دينا غير أناس من
الهند.
فالجينية لا تصلح لأن تكون دين الإنسانية عقيدة
وشريعة، بل لا تصلح لأن تكون ديناً على الإطلاق لغير
أولئك القوم.
***
البوذية
والبوذية من أديان الهند، وهي كالجينية ديانة ملحدة،
لا وجود فيها لإله ولاهوتها بغير إله.
والبوذية منسوبة إلى بوذا المولود سنة ٥٦٨ قبل
الميلاد بشمال الهند من إقليم نيبال من أب حاكم، وذكروا له
من الخوارق في حمله ومولده الشيء الكثير، كما ذكروا أن
والدته توفيت بعد ولادته بسبعة أيام لئلا تعيش فتحمل
غيره.
واسم بوذا هو سدذارتا، ومعناه: الذي حقق أمله،
وأما بوذا فمعناه: المستنير، وكانت له وهو أميرٌ ابن ملك
ألقاب، وعاش كأمثاله غارقاً في المتع والنعيم والجواهر
стр. 18
والذهب والترف حتى بلغ التاسعة والعشرين حيث تغير
مجرى حياته، فقد رأى ذات مرة مريضاً وذات مرة ميتا،
وأخرى شيخاً فانياً فتأثر بما رأى، وساوره شعور لا يخلو
من التجديف.
وذات ليلة قرر أن يبحث عن الحقيقة فغادر القصر
مودِّعاً زوجه وولده، وعاش بين النساك حتى صار من
أئمتهم، ودرس أسفار الفيدا واليوبانيشاد، وغرق في
النسك والقشَف والتأمل، وانتهى إلى أعلى المراتب بين
النساك حتى صار مرشدهم، ودرس البراهمية وأطلع على
أسرارها، ولكنه لم يجد بها ما يرجو، ولم تبح له بسرِّ
الوجود والحياة، فانصرف إلى غارٍ بالبنغال، وقسا على
نفسه أشد القسوة، وتقلب في أشد ضروب الزهد والحرمان
وإذلال الجسد وإرهاق النفس، وتبعه خمسة من النساك
جعلوه إمامهم، وقضوا ست سنوات أشرفوا في نهايتها على
التلف وكادوا يهلكون.
وذاع صيت بوذا في الآفاق وهو على حاله حتى انتهى
به تعذيب الجسد وإرهاق النفس إلى حد السكون التام، لا
يتحرك، فكانت الطيور تقف عليه آمنة وكأنها تقف على
عود ثابت، بل كانت الوحوش تتحرك خلفه مطمئنة لا
تقربه بسوء، وعاش على ذلك ست سنوات دراكاً ومعه
стр. 19
خمسة النساك، إلا أنه صحا من سكونه ومن الحياة التي
حييها على جديد من الأمر، فقد أحس أن التجربة التي
خاضها لم تحقق مأمله، وصمم على الانتقال إلى حياة غير
الحياة السابقة، وحدَّث زملاءه الخمسة، فلم يستطيعوا ثَنْيَه
عن عزيمته فأخفقوا، فاتهموه بالردة والمروق، فاعتزلوه
وتركوه وغادروا المكان إلى مرج الغزال في مدينة بنارس.
أما بوذا فكان قد استرد بعض قواه ونشاطه، وانتقل
إلى شجرة جلس تحتها متربعاً، ضامّاً يديه وفخذيه وساقيه،
وعزم ألا يبارح مكانه ولا يفك حبوته ولو نخرت عظامه
وجف جلده أو يتنزل عليه نور الحكمة والمعرفة.
وما كاد سنا الفجر يشرق حتى أشرق معه نور الحقيقة
والمعرفة وأضاء قلبه وأدرك ما كان يرجو، أدرك أن
الماضي والحاضر والمستقبل كلٌّ لا يتجزأ، ويصف سر
الحياة والموت، ورحلة الروح في مختلف الأجساد حتى
تصعد إلى " النرفانا " حيث العدم العام وفناء النفس، وهما
السكينة والفناء، إنه وجود يفنى في وجود، مثل فناء
ألوان الطيف الشمسي في البياض الناصع الذي لا لون له،
ولا يمكن الوصول إلى النرفانا إلا بعد صفاء النفس
والفضاء في عالم الحس، أما تعذيب النفس والجسد
والعبادة الظاهرة فليس ذلك بسبيل إلى النرفانا.
стр. 20
لقد هبطت عليه (الاستنارة" فكان بوذا، وكثر
أتباعه، ومضى إلى مرج الغزال ببنارس يريد زملاءه
الخمسة الذين ما كادوا يرونه حتى عزموا فيما بينهم أن
يقاطعوه، وألا يكلموه، وما كاد يصل إليهم حتى هبوا
لاستقباله، فقد محت هيبته عزيمتهم المصممة، واحتفَوا
به، وأخذوا منه أول درس، فإذا النور يشرق في قلوبهم
ويفيض على وجوههم مسرة.
وبعد هذا التحول في حياة بوذا، كانت الديانة البوذية
وقوامها: أن براهما نفسه الإله الأعظم عند البراهمية
يصيبه التغير والفناء، مثله مثل أي كائن، وجحِدت
الفكرة القائلة: إن براهما يستمد وجوده من ذاته، كما
تنفي البوذية عن براهما أنه كائن روحي منزه بن شوائب
المادة، وتجحد أنه مصدر المعرفة والإلهام، ولا تؤمن بوجود
الآلهة، وتنفي عنها ما يعتقده فيها عبَّادها.
وتعتقد البوذية بالتناسخ، وهو عندها وعند أصحاب
البراهمية التي تعتقده قصاص، لأن النفس الشر يرة لا
تمضى إلى النرفانا لتفنى فيه، فلا ولادة) وإنما تمضى إلى
التناسخ الذي هو عقوبة الروح الشريرة الق تولد من
جديد لتحل في كائن آخر قد يكون إنساناَ أو حيواناً أو
نباتا أو جمادا، وهكذا كلما مات الجسد الذي حلت فيه
стр. 21
الروح حتى إذا طهرت صعدت إلى النرفانا.
وعقيدة التناسخ مردها كلما نرى إلى كفر تلك
الديانات بالبعث، أو خلوها منه وعدم تصورها للبعث
والنشور، وترى أن الجزاء عقاباً أو ثواباً حتم لضمان
العدل، فلا يصح أن يتساوى المذنب والصالح، فلا بد من
أن ينال الشرير أو الخيِّر الجزاء، ولهذا اخترعوا التناسخ
لمن استحق العقاب، والنرفانا لمن استحق الثواب.
فالعقيدة في البوذية - كما مر - ليست عقيدة بالمعنى
المعروف من كلمة العقيدة، لأن فكرة اللَه معدومة فيها،
فهي لاهوت من غير إله، وخَلْق بدون خالق.
ووجود (الكارما) أو (النرفانا) لا يودع في البوذية
العقيدة التي انتفت بانتفاء الألوهية والإله منها.
والبوذية تعترف بالواقع والمادة، ولكنها لا تحارب
المؤمنين بالآلهة، وهي مثل الجينية ثي الإلحاد.
أما من ناحية الشريعة فكل ما جاء في البوذية آداب
وأخلاق حسنة، أوامر ونواهِ تدعو إلى العمل الصالح
والقول الصادق، عمل الخير للناس، وكف الأذى عنهم،
والبعد عن تعذيب الجسد وإيلامه، والتنزه عن الكذب
والفسق والباطل كله، والتمسك بالحلال الصرف.
стр. 22
وفي البوذية آداب مرعية وأخلاق فاضلة هي مواريث
الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وتوجزها وصاياها
العشر التي جاءت في كتاب من كتبها المقدسة وهو كتاب
"سوتابيتاكا" الذي يضم مجموعة من خطب بوذا مكونة
من خمسة فصول.
وخمس الوصايا الأولى موجهة للعامة والخمس الأخرى
للخاصة، - أي الكهان - والخمس الأولى هن:
أولا - لا تزهق روح أحد.
ثانيا - لا تكذب، ولا تقل غير الحق.
ثالثا - لا تأخذ مالاً حراماً (رشوة أو سرقة)
رابعا - لا تتناول مسكراً.
خامسا - لا تُقِمْ أي صلة جنسية محرمة (لا تَزْن) .
أما الخمس التي اختص بهن الكهنة فهن:
أولا - لا تأكل في الليل طعاماً غير ناضج.
ثانيا - لا تحضر حفلة رقص أوغناء أو تمثيل.
ثالثا - لا تتزين بأي من أنواع الزينة، ولا تستعمل أي
عطر أو طيب.
رابعا - لا تتخذ أي فراش وثير.
خامسا - لا تقبل من أحد ذهباً أو فضة.
أما الخطايا التي يجب أن يتجنبها الإنسان فعشر، وهي
стр. 23
الأغلال التي تمعه من الصعود إلى النرفانا، والخطايا العشر.
هي:
١ - الشهوة
٢ - الجهل.
٣ - سوء النية.
٤ - الغرور.
٥ - الشك.
٦ - الوهم.
٧ - دنس القلب.
٨ - الكبرياء.
٩ - الأنانية.
١٠ - الشر.
وعندما يستطيع الإنسان التزام الوصايا العشر وحَطْم
الأغلال العثحر وأضاف إليها خصالاً عشراً كان من
السعداء الأخيار، وهم الذين يصعدون إلى النرفانا أو
يمضون إليه، وتلك الخصال العثحر هي:
١ - السخاء والجود.
٣ - العفو والحلم.
٣ - العفة المطلقة.
٤ - التخلص من العودة إلى الحياة.
стр. 24
٥ - الخلق الفاضل مع التفكير في العواقب.
٦ - القوة في دفع النفس إلى التسامي.
٧ - حسن القول ولينه.
٨ - حسن معاشرة الإخوان وإيثارهم على نفسه.
٩ - الإعراض عن الناس والتوجه إلى الحق.
. ا - بذل النفس في سبيل الحق مع الشوق إلى البذل.
ومع أن بوذا وصَّى ونصح وشجع على الزهد فإنه لم
يتجهم للنعيم، فقد جاءه غني واسع الغنى يستمْتيه: أنزوله
عن ثروته وجاهه وسلطانه أفضل أم عيشة الزهاد
الناسكين الذين تجردوا من الدنيا واتخذوا فراشهم الأرض
وغطاءهم السماء؟ فأجابه: " في وسع كل إنسان أن يتقلب في
نعيم الحياة الفاضلة إذا عف قلبه ولسانه ويده، وإن من لم
يستعبده الشغف إلى الثروة والحرص والكنز إذا ملكها
وأنفقها في وجوه البر والخير والصلاح فإنه يكون نعمة
وخيراً وبركة على مواطنيه ".
ومما لا شك فيه أن بوذا من الناحية الإنسانية إنسان
كبير قلَّ في الناس من يدانيه إنسانية، ومن الناحية
الاجتماعية مصلح اجتماعي أراد الخير وعمل على صلاح
المجتمع ونقائه، وكان هو نفسه آية في حسن السلوك، أما
من ناحية العقيدة فقد انتهى إلى الإلحاد، فما آمن ببراهما
стр. 25
وغيره من آلهة الناس، بل كفر بها.
وأثَّر بوذا بشخصيته وخلائقه ووصاياه ودعوته في
كثير من الشعوب والمجتمعات والأفراد منذ وجوده حتى
اليوم، فهو في الهندوكية - وهي الديانة البراهمية - من
الأخيار، بل رفعته إلى مقام الأعلياء النوادر الألىْ حلت
فيهم روح الإله " فشنو " الإله المنقذ في الديانة البراهمية،
وفيها الأقنوم الثاني من الثالوث البراهمي المقدس، وعدَّه
بعض القديسين المسيحيين النصارى قديساً عظيما.
وقال فيه شوبنهاور الفيلسوف الألاني في كتابه " العالم
إرادة وفكرة: " إن للبوذية المكانة السامية بين
الأديان ".
هذه خلاصة وافية عن بوذا والبوذية عرضناها في
أمانة، ولم نُبد فيها رأي الإسلام وإن كان الإسلام يقدر
حق القدر من أحب مكارم الأخلاق، واتصف بها دون
النظر إلى دينه، فقد كانت ابنة حاتم الطائي الجواد
الأريحي العربي الذي ذهب مثلاً في الكرم في أسر المسلمين
فطلب رسول الله ﷺ إطلاقها من الأسر
وقال ما معناه: " كان أبوها يحب مكارم الأخلاق ".
فهل تصلح البوذية لأن تكون دين الإنسانية؟
стр. 26
إن دين الإنسانية يجب أن يجتمع له المعتقد والشريعة، وطبيعي أن
يكون المعتقد سليماً والشريعة إنسانية صالحة.
وما ثم شك عندنا أن في البوذية من مكارم الأخلاق
طائفة صالحة تعد من ذخائر الإنسانية بأوامرها ونواهيها.
ومع وجود مكارم الأخلاق في البوذية فإنها لم تستوف
ما يجب أن يكون فيها من شرائع وقوانين لضمان العدل
والأمن بين الناس، وذلك نقص كبير.
وليست مجتمعات العصر الحديث كالمجتمعات السابقة
الساذجة أو التي كان كل مجتمع منها مقصوراً على نفسه،
ولم تكن مصالح الأمم متشابكة، ولهذا لا تصلح البوذية
لأن تكون دين الإنسانية شريعة وعقيدة، لأنها خالية من
وجود إله حق أو غير حق، وشريعتها مقصورة على آداب
وأخلاق لا تتسع للمعاملات وغيرها.
ومع أن البوذية هندية الأصل فإن عددهم في الهند لا
يعدو بضعة عشر مليوناً أكثرهم من بورما وسيلان، وهي
شائعة في غير الهند، مثل الصين، حيث صار بوذا نفسه
إلهاً معبوداً لدى الصينيين وأهل بورما والأقطار غير
الهندية.
صار بوذا لدى هؤلاء إلها ذا أقانيم ثلاثة، يرمزون
стр. 27
إليها بهذه الأحرف: ا. و. م، ويسمون بوذا " فو " ورأيتا
له في تايبيه عاصمة تايوان (فرموزه) تمثالاً من الذهب
ومعبداً آية في هندسة البناء والفن والجمال.
***
ولعل فيما ذكرنا من ديانات الهند غناء، فهي أعظمها
وأكثرها أتباعاً أو بروزاً، وما عداها يسري عليه ما سرى
على ما هو أعظم من ديانات الهند التي صرفنا عنها النظر
* * *
الهندوكية
وأما الهندوكية فهي البراهمية، ولها كتاب مقدس
يسمى " منوسمرتي"، يحوي قانون الهندوكية في
العبادات والمعاملات والأخلاق والحدود والعقوبات
المختلفة والحقوق وغيرها.
стр. 28
وفي " منوسمرتي " أشياء كثيرة حسنة وصالحة لأن يحكم
بها، وفيها من الآداب المرعية الطيبة وقواعد السلوك
الحسن والأصول شيء كثير يصلح لكل العصور، وفيها من
الأحكام الشرعية ما هو صالح بالنسبة للعصور التي وضعت
فيها وما بعدها.
ولكن " منوسمرتي " من ناحية العقيدة يحوي ما يدل
على أساطير وخرافات ووثنيات وشركيات، ويذكر المترجم
لفظ الجلالة ترجمة لكلمة " الإله " الأعظم عند الهندوكية،
وما أحسب أنهم يريدون، (الله" ﷻ ، فصفات الإله
الأعظم لا تمت كلها إلى الوحدانية كما نفهمها، ففي تلك
الصفات ما لا يتفق مع كمال الله ﵎، فالهندوكية
تقرر تعدد الآلهة، وهم لديها كثير، ولكن (برماتما" سيِّد
كل الآلهة، ويصفه الترجم بأنه واجب الوجود، وهو
وصف لا يصلح لغير الله ﷻ ، فالإله الهندوكي
الأعظم برماتا يحويه زمان ومكان وبدء ونهاية، ففى ترجمة
المترجم في أول الكتاب تحت عنوان " خلقة العالم " هذه
العبارات (ص ١٠ - ١١) : * ثم بدا له أن يخلق المخلوقات
من جسمه، فخلق - أولاً - الماء بالفكر، ثم ألقى فيه
بذرته ".
و"فصارت هذه البذرة بيضة ذهبية لها لمعان
стр. 29
كالشمس، وانبعث منها برماتما نفسه في صورة برهما
جد العالم كله.
و" إن الذات الأولى التي خلقها برماتما الباطن الأبدي
الذي هو حق وغير حق معاً هي برهما ".
و"أقام برهما في هذه البيضة سنة كاملة إلخ ".
والإله الأعظم (برماتما) هو برهما، وكان في البيضة
وسبقه الماء في الوجود.
وهذه الصفات لا يمكن أن يوصف بها الله سبحانه
وتعالى، وإله الهندوكية - التي هي البرهمية نفسها - المسمى
برماتما أو برهما إله وثني.
وعلى أي حال ما قلناه في البرهمية هو قولنا في
الهندوكية، لأنهما ديانة واحدة، ومع وجود " منوسمرتي "
فهي لا تصلح لأن تكون دينْ الإنسانية عقيدة وشريعة،
لأن العقيدة وثنية، ولأنه لا وجود فيها لليوم الآخر،
والنرفانا عدم أسطوري، والشريعة وثنية، وإن كان بها من
الآداب والأحكام ما هو إنساني، وتلك هي الحصة
الإنسانية المشتركة بين الديانات الوثنية والديانات السماوية
الصحيحة.
فشريعة الهندوكية غير صالحة وإن معتنقيها أدركوا
стр. 30
ذلك فلم يُحكِّموها في دنياهم ومعاملاتهم، وإذا كان أهلها لم
يحكِّموها فذلك هو الدليل على أنها غير صالحة للإنسانية.
***
ديانات الصين
وللصين ديانات لا تخرج عن ديانات البدائيين، فقد
عبدوا الأسلاف، ومظاهر الطبيعة، كما عبدوا الطواطم.
وعبدوا الشمس والقمر والنجوم والمطر والرياح والأرض
والسماء باعتبارها آلهة أخلصوا لها العبادة.
وأكبر الآلهة عندهم السماء (شانج - تي) فالسماء الإله
الأعظم، ومدبر الأكوان، ومصرف أمور العباد، وواهب
الرزق، ومصدر الخير الذي ينالهم،
والسماء - عندهم - جوهر، وهي عليم قادر فعال لا يريد،
ولا رادَّ لإرادته.
ولكن عبادة الأسلاف تسير في خط واحد مع عبادة
السماء، والصيني كالهندي عميق التدين، ولكنه يفترق عن
الهندي أن الصيني إيجابي والهندي سلبي، الصيني يُقبل
على الحياة إقبالاً، ولا يزهد فيها، وإنما يزهد في الشر، ولا
يحرِّم على نفسه الأطايب، ويكره العزلة ولا يطيقها،
стр. 31
فيربط نفسه بالناس، كما يربط نفسه بالماضي والحاضر
والمستقبل، أما الهندي فزاهد في الحياة والناس والشر.
الصيني عميق التدين، ولا يحمله عمق تدينه على
الإيمان بآلهته في كل أحواله، وما دامت أموره تسير وفق
هواه ورغباته تتحقق فإيمانه بالآلهة قوي، فإذا خاب أمله
أو أخفق مسعاه فإنه يعرف حقيقة هؤلاء الآلهة وحقيقة
المادة التي صُنعوا منها، ومهما اشتدت مصائبه فلا يُجدِّف،
وإنما يداهن الأديان كلها، أفلا يجوز أن يكون بين الآلهة
الكثيرة إله حق؟ فالاحتياط ضرورة، وليُرْض رجال كل
دين بقليل مما عنده.
لا يهم الصيني غير أمر معاشه، فهو يشغل نفسه به، أما
الآلهة فيدعها للكهنة، فهم أولى بها منه وأعرف، وما ثم ما
يمنعه من "التعبد والإيمان ما دام للعبادة متسع من وقته.
***
الكنفوشية
ولم يدَّع صيني النبوة والرسالة، وإنما قام في
الصين معلِّمون ومصلحون وهداة ودعاة، وكنفوشيوس
حكيم الصين الأكبر لم يكن إلا معلماً ومرشداً وحبهبهاً، ونجح
في دعوته نجاحاً عظيماً.
ولعل كنفوشيوس الصيني الفاذ الذي يذكر على ألسنة
стр. 32
أكثر الصينيين حتى اليوم وفيهم أبناء الديانات الأخرى
منهم، والجميع يقدُرونه، لأنه حكيم ومصلح، ولم يكن من
الكهنة واللاهوتيين، بل لم يكن من رجال الدين، وإنما
كان أديباً وداعية مصلحا.
وعرف الصين حكماء ومصلحين ومعلمين قبل
كنفوشيوس، ولكنه وحده الذي ذاع اسمه ورجح بمن
سبقوه، لأنه أراد الخير للناس كما، متخذا أسلوب الحكمة
والموعظة الحسنة، بعيداً عن تعقيد الفلاسفة والكهان،
مبتعدا عما وراء الطبيعة والميتافيزيقيات.
وولد في اليوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر سنة
٥٥١ قبل الميلاد بمدينة " شوفو، بمقاطعة "لو " المعروفة
في أيامنا هذه باسم "شانتونج" وهو من قبيلة "كونج"،
ويتكون اسمه من مقاطع ثلاثة: كونج - فو - تسى، وتسى
معناه: المعلم أو الحكيم، وهو سليل فرع ملكي، وعند
مولده كان أبوه في السبعين، ومات عندما بلغ ابنه الثالثة،
ونسجت أساطير حول مولده.
وعاش فقيراً، وتزوج في التاسعة عشرة من عمره،
واضطر أن يتقلب في عديد من الأعمال ليكسب رزقه
ورزق أسرته، فعمل راعيا وبستانياً وخازن بضائع.
стр. 33
ولما بلغ الثانية والعشرين اتخذ التعليم مهنة له، ويعلم
الطلاب تلقاء أجرة يدفعونها، أما الفقراء فما كان يأخذ
منهم أجرا، وكان يدرِّس الأدب والتاريخ والموسيقى،
وبيَّنَ سببا اختياره قائلاً: الأدب يهذب خلق الإنسان،
والتاريخ يزوده بالعظة والاعتبار، والموسيقى تعطر
حياته.
وانضم إلى طلبته أميران، ثم اصطحباه إلى العاصمة،
فوجد الفرصة مهيأة له لينمي معارفه من مكتبة القصر،
فتزود منها، وتضلع مما تحوي من المعارف الإنسانية،
واستمتع بموسيقى القصر.
ولقي في العاصمة " لاوتسى " المعلم أو الحكيم " لاو "
الذي كان أكبر حكماء عصره، ولم يرحب بكنفوشيوس،
ولكن كونفوشيوس غادره وهو سعيد، لأن ما سمع منه
اعتبره نصحاً ثميناً أفاد منه في حياته.
وكان يلقي درسه ارتجالاً، ولا يدوّن شيئاً، وكذلك
كان حتى آخر حياته، وكان يستلهم الأحداث والحوادث في
دروسه وعظاته، فرأى ذات مرة امرأة تبكي على قبر ضم
زوجها ووالده وابنها، فدهش فقالت له: إن المكان كثير
النمور وقد افترستهم، فقال لها: وما يجبرك على السكن مع
стр. 34
النمور ولا تمضين إلى مكان آمن لا نمور فيه؟
فقالت له: ولكنّ حاكمه عادل.
فنظر إلى تلامذته وكانوا كثيرين وقال لهم: اعلموا أن
الحاكم الظالم أشد من النمور فتكاً، ويستطيع الإنسان أن
يجد الأمن في غابة الوحوش ويفتقده في ظل الحكومة
الظالمة، فيصبر على الوحوش ولا يقدر أن يصبر على الظلم.
وتولى في بعض فترات حياته مناصب رفيعة، منها
القضاء، فإذا المدينة تنعم في أمن ومحبة وسلام، لأن العدل
سيطر عليها، ثم تولى وزراة الأشغال فأحال المدينة إلى
جنة، وزاد عمرانها وحضارتها، ثم تولى وزِارة العدل التي
كانت تسمى وزارة الجرائم، فإذا الجريمة تمَّحِي.
ثم ترك الأعمال الحكومية زاهداً فيها، وتفرغ للتعليم
والموعظة، حتى إذا تجاوز السبعين فجع في ابنه ثم في أحد
مريديه ثم في تلميذ من أحب تلامذته فبلغ به الألم والأسى
أقصى المدى وقال: ما للسماء تحاربني، والسماء: الإله
الأعظم.
وليست الكنفوشية ديانة، بل هي في أساسها وصايا
وعظات وآداب وأخلاق، وتتسم بالوضوح والسهولة،
стр. 35
فليس فيها تعقيد أهل الفلسفة، كما خلت من الجدل
وجفاف العلوم.
ومن أصول العقائد المقررة في البوذية الإيمان بالسماء
على اعتبارها الإله الأعظم (شانج - تي) والاعتراف بعبادة
الأسلاف، ولم تأت الكنفوشية لاقتلاع الجذور السلفية.
وليست السماء هذه التي يعرفها الناس، وإنما هي
(الشانج تي" بمعنى الإرادة أو القوة العليا المسيطرة على
العالم.
وبعد موت كونفوشيوس صارت الكنفوشية ديانة
عندما تحول كونفوشيوس إلى إله ندٍّ للسماء، وصار يعبد
عبادة لا تخرج عن عبادة الأسلاف في الديانات الوثنية.
وتعنى الكنفوشية بالواقع والإنسان، وشغلت الصينيين
عن الغيب والسحر والمجهول، والبعد عن الزهد والانقباض
والتشاؤم، فهي من الديانات التي تقوم على البساطة
والتفاؤل.
***
الطاوية
وسبقت الديانة الطاويةُ الديانةَ الكنفوشيةَ، وتنسب
إلى تاوته جنج ومعناه: كتاب الطريقة والفضيلة،
стр. 36
والطريقة هنا ليست بمعانيها المعروفة في العربية، وإنما
معناها: الإله، ومن صفاته: ليست بصورة ولا صوت،
ووجوده سابق وجود غيره، وهو أصل كل الوجودات،
وروحه سارية فيها، وبقاؤه أبدي لا يفنى.
وصبغة الطاوية حلولية، وتؤلِّه مظاهر الطبيعة
وتعبدها، كما تعبد الأسلاف، وفي الطاوية فانٍ وباقٍ،
فالفاني الإنسان، والباقي غير الفاني، وعندما يرتقي الفاني
بالحرفة التامة يمكنه الاتحاد مع الباقي والاندماج فيه،
وعندئذ يصل إلى حال " الأثيرية " التي تشبه (النرفانا"
في البرهمية.
والانتقال إلى حال "الأثيرية"، صعود إلى حيث تنعدم
فيه معرفة الماضي والحاضر، و" إلى حيث " هذه موضع
غير مادي ولا محسوس وغير معروف، ولكنها موضع ينتهي
إليه الإنسان بعد اجتيازه مرحلة الترقي إلى المعرفة الحق
ومعاناة الشعور بالاتحاد في الباقي، وبعد ذلك يصل إلى
(الأثيرية" عن طريق المعرفة الكاملة حيث ينتقل إلى
" إلى حيث " حيث لا يوجد موت ولا حياة، وتسمى هذه
الحالة الأثيرية نيبان التي تشبه " النرفانا "
الهندية، ونيبان هي مرحلة الراحة الأبدية.
ويذكر البحاثة دوان في كتابه:
(خرافات التوراة وما يماثلها في الديانات الأخرى)
стр. 37
أن الطاوية تثليث، وهذا قوله: " إن الطاويين يعبدون إلهًا مثلث
الأقانيم، وأساس الفلسفة الطاوية أن " طاو "، هو العقل
الأول الأزلي، انبثق منه واحد، ومن هذا انبثق ثالث
كان مصدر كل شيء ".
ولم تنتشر الطاوية في الصين انتشار الكنفوشية وغيرها
لما فيها من التعقيد والأسرار والكهانة، ولكن ما تزال
قائمة حتى اليوم، وقد رأيت بعض معابد الطاوية في تايوان
(فرموزه) عندما زرتها سنة ١٣٨٢ هـ (١٩٦٢ م) وأشهر
معبد طاوي رأيته معبد " شهنان، قرب (تايبيه" عاصمة
الصين الوطنية، ويضم المعبد تمثال "لو - تونغ - ين "
حيث تقمصته روح إله الطاوية كما يزعمون.
وكل ديانات الصين غير صالحة لأن تكون ديناً للإنسانية
جمعاء، فعقيدتها وثنية، والوثنية لا تصلح للإنسانية ديناً،
وليس بديانات الصين شريعة تصلح لغير الزمن الذي كانت
فيه، وقد اندثرت من الوجود، فقد استبدلت بها الصين
الشيوعية المذهب الشيوعي، والصين الوطنية شريعة الغرب.
стр. 38
الشنتو
وديانة اليابان المسماة " الشنتو " مقصورة على التوجه
إلى الأسلاف والإمبراطور الماضي بالعبادة والتقديس، وما
عدا هذا التوجه فهي خلو من الفرائض والطقوس وآداب
السلوك والشريعة، وليس بها عالم الغيب، ولهذا كله خلت
من الكهنة ورجال الدين.
وفي الشنتو عبادة الشمس، فهي آلهة لدى اليابانيينْ،
وتسمى " أميتراسو - أو ميكامي "
المعبودة حتى اليوم، وهي أعظم الآلهة اليابانية، وهيكلها
الأعظم الأقدس في " إيزي " وبه مرآة يزعمون أنها أهدتها
للأمبراطور جمو، أول إمبراطور لليابان في القرن السابع
للميلاد.
ويعتقدون أن الأمبراطور ابن السماء، لأنه سليل
الآلهة، بل سليل الإلهة الشمس، وكلمة " ميكادو " التي
يوصف بها الإمبراطور تؤدي معنى " الباب المجيد ".
ومن عقيدتهم أن إلهتهم الكبرى الشمس مسبوقة في
الوجود بآلهة تعد بالألوف، وتتكون من المخلوقات العلوية
والسفلية، ومن الأرواح والملائكة، ومن الجن والشياطين
ومظاهر الطبيعة، ولكن الإلهة الشسم انتصرت عليهم في
حرب ضروس.
ومع هذا الاعتقاد يعتقدون أن خالق الخلق غيرها،
стр. 39
وهو إله السماء المسمى عندهم "أساناجي - نوميكوتو"
الذي خلق الخلق بمعونة أخته "أسانامي - نوميكوتو"
التي تزوجها فكانت ثمرة زواجهما جزائر اليابان، وسكانها
من لقاح بذور الآلهة فهم نسلها.
ووفدت إلى اليابان من الصين البوذية في سنة ٥٣٢ م
فلم تُستَقْبَل في أول الأمر بحفاوة، لأنها جاءت إليهم بعظمة
وترف وأبهة وزينة لا عهد لهم بها، ورأوا معابدها آية في
الجمال والروعة والفخارة.
***
بوذية الصين
ولكنها عندما تركت موطنها صار بوذا نفسه إلهًا معبوداً،
حتى صار الإله الأكبر، تتبعه بوذات صغيرة هي آلهة أيضاً
في عقائد عُبّادها.
هذه ديانات الصين والتبت وكوريا والهند، فهل
تصلح لأن تكون دينَ الإنسانية عقيدة وشريعة؟.
إنها خالية من العقيدة الدينية إلا من عقائد بدائية، ثم
تحولت إلى شيء من العقائد على أيدي الأتباع، وسواء
أكانت عقيدة أم لم تكن فهي لا تصلح للإنسانية، لأنها
تفتقر إلى الأركان التى يجب أن تكون في العقائد حتى
تقوم على أسس راسخة، وهي بعد ذلك وقبله وثنية، وهى
стр. 40
في طبيعتها الأولى دين تسول وزهد وخمول وعزوف عن
الحياة وانصراف عن الكفاح، وفي طبيعتها الأخرى دين
يقبل بمعتنقه على الحياة بروح التفاؤل والكفاح دون أن
يفرض عليه من العبادات فروضاً يثاب على فعلها ويعاقب
على تركها.
أما الشريعة التي تنظم أمور الحياة وتصرِّفها وتنظم
معاملة الناس وتحكمهم حكماً يضمن الأمن والعدل
والحقوق فلا وجود لها في هذه الديانات، فلهذا نفتقد فيها
الصلاح لأن تكون دين الإنسانية عقيدة وشريعة.
***
ديانات فارس والعراق وسوريا
وظهرت ديانات في فارس والعراق وسوريا مثل
المجوسية (الزراد شتية) في فارس، ومثل الديانات السومرية
والبابلية والآشورية في العراق، والفينيقية والآرامية في
سوريا، وكلها ديانات وثنية، وقد انقرضت بعقائدها
وشرائعها، وانقراضها برهان على فقدانها الصلاح للحياة
وإن كانت الزرادشتية قائمة حق الآن في حدود ضيقة،
ومقصورة على أتباعها الذين لا يُذكرون لا هُم ولا ديانتهم.
وهذه الديانات التي نقرضت وماتت وزالت عن
الوجود ومثلها ديانات مصر وديانات التوحيد الحق مثل
следующие страницы →