← Общие книги

Общие книги · id 21527

شريعة الله يا ولدي

محمود محمد غريب

Полный текст (237 стр.). Показаны 211–237 · переход к 216.

стр. 211

حتى قال العلماءُ: إن الجسم يتغير بكامله كل ست سنوات تقريباً. إلا خلايا الأعصاب والمخ، فهي وحدها التي يولد بها الإنسان وتموت بموته. خلايا الأعصاب والمخ لا تتغير أبداً. مكارم: جهاز الأعصاب يحكم تصرفات الإنسان. وندرك به السعادة والآلام. إن هدأ هان كل شيء. وإن ثار فعلى الدنيا السلام. ومع ذلك فنحن نتلفه بأيدينا. ثم يضحك ويقول -: إذا صحا ضميري لحظة من الوقت، واستنكر علي سلوكي. فإنني أحاول خداع نفسي. أخدعها بقولي: ما دمت أُؤمن بالله. فلا يضر مع الإيمان معصية. عارف: المعصية تضر بالإيمان نفسه. فكيف لا تضر المؤمن؟. وقولك "لا يضر مع الإيمان معصية" يهدم كل القيم التي دعا إليها الإيمان. فالإيمان النظري لا وزن له عند الله.

стр. 212

وكل آيات القرآن تربط بين الإيمان والعمل الصالح. إن عشق الإيمان - بدون عمل - ينتهي بحسن الكلام عنه فقط. ثم يطوى الأمر دون نتيجة. وهذا لون الادعاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢ - ٣] . ويعجبني كلمة للأُستاذ الإمام محمد الغزالي: إن الدين منهج كامل للرقي والتهذيب، ولكن الإفادة منه لا تتم بإدارة معلومات دينية بين الألسنة والأسماع، ولا باستيعاب أحكامه في الذاكرة. فهذا التناول للدين قليل النفع، بل عديم الجدوى. وقد جاء عن أحد التابعين: كنا نستعين على حفظ أحاديث الرسول ﷺ بالعمل بها. فالمعصية تضر المؤمن ما لم يتب منها.

стр. 213

مكارم: أكثرُ من هذا يا شيخ عارف أنني كنت أقرأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] .. فأقول: ما دمت مؤمناً بالله. فلا يضرني طعام. عارف: لو صح فهمك للآية الكريمة لأصبح كل محظورٍ حلالاً على المؤمن. وهذا باطل. هذه الآية الكريمة لا نستطيع فهمها إلا إذا عرفنا سبب نزولها. وهو أن بعض الصحابة استشهد في سبيل الله وفي بطنه خمر - كان قتل قبل تحريمها - فسأل الصحابة رسول الله ﷺ عن إخوانهم: هل سينال أجر الشهداء، أم ستحول الخمر بينهم وبين الجنة؟ فنزلت الآية الكريمة تطمئنهم أن سبحانه لا يحاسب عباده على ذنب قبل أن يحرمه بالنص الصريح. لأنه لا جريمة ولا عقوبة بلا نص.

стр. 214

مكارم: أعترف أنها أوهام عشت فيها. وخدعت بها نفسي. خدعت نفسي عندما تصورت أن الخمر وسيلة للنسيان. وخدعت نفسي عندما اعتقدت أن الإيمان وحده يكفي بدون عمل أو التزام. وخدعت نفسي من قبل عندما اعتقدت أنّ (العصرية) تعني أُن أَجاري السفهاءَ. حتى لا يصفونني بالتخلف. أسأل الله أن يتوب عليّ فلا أموت وفي بطني شيء منها. عارف: قرأت في كتاب "موارد الظمآن" أن رسول الله ﷺ قال: ما من أحد يشربها فلا تقبل صلاته أربعين يوماً. ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة. فمن شرب خمر الدنيا حرمها في الآخرة. ومع عذاب الآخرة فإن الشارب لا يفلت من التأديب في الدنيا. فالنبي ﷺ جلد شارب الخمر تأدبياً له. جلده أربعين جلدة.

стр. 215

وجلده أكثر. جلد كل إنسان بما يؤدبه. فمعادن الناس تختلف. والقرآن الكريم يحدد عدد الجلدات كما فعل في حد الزنا وحدّ القذف. عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر فجلده النبي ﷺ بجريدتين نحو أربعين جلدة. وفعله أبو بكر أي جلد أربعين. فلما كان عهد عمر بن الخطاب استشار الناس. فقال عبد الرحمن بن عوف أخفُّ الحدود في الحدود ثمانون. فأمر به عمر "متفق عليه" مكارم: لماذا اقترح عبد الرحمن ﵁ ثمانين؟ عارف: لأنه إن شرب سكر. وإن سكر هذى. وإن هذى افترى، وإن افترى وقع في أعراض الناس فجلده عمر حد القذف.

стр. 216

مكارم: هل من حق الحاكم أن يزيد أو ينقص في الحدود. عارف: الإمام الشافعي ﵁ اعتبر الأربعين هي الحد. وما زاد عليها "تعذيراً" للقاضي أن يعاقب به، أو ببعضه، حسب حالة الشارب النفسية. كما أن له أن يجلد الأربعين فقط. ونحن قد أمرنا باتباع سنة النبي ﷺ . وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده. جاء في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ أُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ أَزِيدُكُمْ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ فَقَالَ عُثْمَانُ إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا فَقَالَ يَا عَلِيُّ قُمْ فَاجْلِدْهُ فَقَالَ عَلِيٌّ قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ فَقَالَ الْحَسَنُ وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قُمْ فَاجْلِدْهُ فَجَلَدَهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَالَ أَمْسِكْ ثُمَّ قَالَ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ". (رواه مسلم. ٣٢٢٠) . فالأربعون سُنّة. والثمانون سُنّة.

стр. 217

والقاضي بالخيار. المهم حدوث التأديب. والناس يختلفون في الحساسية والكرامة. فمنهم من تؤدبه الكلمة ومنهم ما لا يهذبه ضرب الحمير. مكارم: الجلد عملية بدائية. تهين كرامة الإنسان. عارف: ما هو البديل في تصورك؟. مكارم: السجن. عارف: قانون العقوبات في الإسلام مبني على المسؤولية الفردية. فلا تتحمل نفسي أخطاء نفس أُخرى. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء ١٥] وهذا هو العدل المطلق. فعندما جلد الإسلام الجاني، تحمل الجاني وحده العقوبة. أما عندما يودع في السجن فسوف يتحمل الأبرياء كثيراً من المتاعب بدون مشاركة منهم في الجريمة. مكارم: السجن له وحده.

стр. 218

عارف: وزوجته ... ماذا جنت حتى تعيش السنوات الطوال بلا زوج. مكارم: من حقها أن تطلب الطلاق. والقاضي يطلقها. عارف: طلاق زوجته يضيف إليه عقوبة لم ينص عليها "قانون العقوبات" ولم حكموا بالسجن، وخراب البيت، وضياع الأولاد. ولكن كل هذا يحدث بالفعل. فماذا جنى كل هؤلاء؟. وما ذنب الدولة التي حكمت بسجنه؟ وكم تتحمل من نفقات على السجون؟ وكم تتحمل من خسائر نظير تعطيل الطاقات المنتجة داخل السجن. مكارم: كما تتحمل نفقات التربية والتعليم في أيِّ مرحلة وهذا واجبها. عارف: لا أنكر محاولة الدولة توجيه السجناء وإصلاحهم.

стр. 219

ولكنني لا أجهل الآثار السيئة لاجتماع السجين بمحترفي الإجرام داخل السجن. فكثيراً ما يكون السجن مدرسة للانحراف. وأسألك: لماذا يعمل بعض السجناء على العودة للسجن؟. مكارم: لأنَّ الحياة تُغلق أبوابها في وجوههم. عارف: تطاردهم لعنة الجريمة - حتى بعد توبتهم!!. وُتغلق الحياة أبوابها في وجوههم. فيرون السجن أرحم. أما العقوبة في الإسلام فعقوبة تأديب، لا يتبعها مطاردة ولا لعنة. لقد جلد النبي ﷺ شارباً للخمر فلما سبَّه الناس ولعنوه، قال لهم النبي ﷺ : لا تقولوا هذا. ولكن قولوا اللهم اغفر له. اللهم ارحمه. "سبل السلام جـ ٤ ص ٢٨" وفي حادثة أُخرى قال النبي الكريم ﷺ : " لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله ". (مسند أبي يعلى. ١٦٤) .

стр. 220

فالعقوبة في الإسلام (فردية) . لا يتحمل فيها الأبرياء شيئاً من العقاب، كما أنها (وقتية) لا يتبعها لعنة المجتمع، ولا تُغلق أبواب الحياة في وجهه. بالله عليك السجن أم الجلد؟. مكارم: أمران أحلاهما مرٌّ. عارف: يا مكارم يا ولدي. كنت أدرس التعويضات التي تجب في حالة الاعتداء على النفس. فوقفت طويلاً عندما كتبه النبي ﷺ في كتابه لعمرو بن حزام من قوله ﷺ : "في العقل الدية" أي الدية كاملة. فمن اعتدى على رجل فضربه فأذهب عقله فعليه دية كاملة. لأنَّ العقل يساوي النفس. وما بقى من الإنسان بعد فقْدِ عقله فالقبر أستر له. وأرحم به من عبث السفهاء. ويحضرني أن قوماً من العرب استضافوا

стр. 221

امرأة، وسقوها خمراً، فلما عبثت الخمر بها سألتهم: أتشرب نساؤكم من هذه؟ قالوا: نعم. قالت: والله إن أحدكم لا يدري من أبوه. مكارم: الحمد لله أُمي لم تشرب خمراً. "يضحكان ... وينتهي المجلس".

стр. 222

الحل الأخير * جاءت متأخرة ... ولكنها جاءت. * ما مصير المذنب بعد تعطيل الحدود. * حيرتني يا شيخ عارف. * (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) .

стр. 223

جاءت متأخرة ... ولكنها جاءت تبحث عن نفسها ... أين هي؟ وكيف الخلاص؟ .. وماذا يمكن أن يقدم لها الشيخ؟ إن الإسلام لا يعرف (كرسي الاعتراف) . وغير الله لا يهب المغفرة للمخطئين. فكيف السبيل إلى الله؟ هي: ما جئت لأروي ذكريات الماضي. ولكن جئت ألتمس الطريق. لو كنت في بلد تقيم حدود الله لكنت (الغامدية الثانية) فآلام الجسد سعادة إذا كانت لخلاص الروح. ولو صعدت روحي إلى بارئها عند إقامة الحد لشعرت أنني شهيدة المتاب. عارف: تعطيل الحدود لا يعني تعطيل المغفرة. إن الله لا يحكم عباده بالسياط. والشريعة الإسلامية تهتم بتوبة المسلم أكثر مما تهتم بعقوبته.

стр. 224

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ ؟ [النساء ١٤٧] . لقد كان النبي ﷺ يتألم عندما يقيم الحد على مسلم. لكنه لا يملك بعد رفع الأمر إليه، أن يُعطل حدود الله. خطب النبي ﷺ فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ". (الموطأ. ١٢٩٩) . بل كان النبي ﷺ يُحاول أن يدفع الحد عن المعترف بالزنا بإسكاته عند الاعتراف الأول، لأنّه لو اعترف أربع مرات فلابد من إقامة الحد عليه. رُوي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وهو على وشك أن يصلي بالناس. فقال له: أصبتُ حدًّا يا رسول الله.

стр. 225

فأشاح النبي ﷺ بوجهه. ثم صلى بالناس. فعاد الرجل إلى رسول الله بعد الصلاة فقال له: أصبت حدًّا يا رسول الله. فقال له الرسول ﷺ : ألست صليت معنا؟ قال بلى يا رسول الله. قال فإنّ الله قد غفر لك. "المحلى لابن حزم. وإعلام الموقعين. فالشريعة الإسلامية فرضت العقوبات لتأديب الخارجين على الجماعة العابثين بأمنها. فإن تابوا فقد اهتدوا. لقد اختلف العلماء في مغفرة ذنب من أُقيم عليه الحد. هل عقوبة الدنيا تُسقط عنه عقوبة الآخرة أم لا؟. ولكنهم لم يختلفوا في شأن التائب. يقينا منهم أن التوبة تُسقط عقوبة الآخرة. وهي التي جئت لتسألين عنها. وإذا كان الزنا جريمة، والسرقة جريمة، فإن استعمال القوة في الزنا والسرقة ينقلهما إلى

стр. 226

باب آخر في العقوبات. ينقلهما إلى باب (الحِرَابة) (١) ويوقع الإسلام أقصى العقوبات على الفاعل. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣] .

стр. 227

فاستعمال القوة في الجرائم يضاعف العقوبة. ومع ذلك فالقرآن الكريم لم يُغلق باب التوبة في وجه المذنبين. قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] . ولكن شرط التوبة الوحيد أن يتوبوا قبل أن تصل يد الحاكم (١) جاء في حديث

стр. 228

الإمام علي بن أبي طالب ﵁ أنّ عاملة بالبصرة كتب إليه أن حارثة بن زيد حارب الله ورسوله. فكتب إليه الإمام: أن حارثة بن زيد قد تاب. قبل أن تقدر عليه. فلا تتعرض له إلا بخير. (بدائع الصنائع جـ ٧ ص ٩٦) . فإذا كان القرآن الكريم يُصرِّح بقبول توبة قاطع الطريق. فكيف لا يقبل الله توبتك!!. إن التوبة تجبُّ ما قبلها. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ". (رواه مسلم. ٤٩٣٦) . هي: الأمل في الله كبير. ولكنني جئت متأخِّرة. عارف: ولكنك جئت والعبرة بالخواتيم. هي: كنت أتمنى التوبة من قريب

стр. 229

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧] وأنا لم أكن جاهلة بحكم ما أفعل. ولم أَتب من قريب. عارف: (الجهالة) في الآية الكريمة معناها الضلالة. وسواءٌ طال الوقت أم قصر تعتبر من قريب ما لم تبلغ الروح الحلقوم. قال ﷺ "إِنَّ اللَّهَ لَيَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ". (رواه ابن ماجة. ٤٢٤٣) . فكل من تاب قبل الدخول في سكرات الموت ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٧] هي: أراك تُيسِّر لي الطريق. مع أنك إن أغلقت بابك - كما فعل غيرك - فلن أرجع للمعصية حسبي الندم الذي أعيش فيه. عارف: (النَّدَمُ تَوْبَةٌ) رواه ابن ماجة. ٤٢٤٢ -) . "ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره منه" (رواه الحاكم. ٧٧٥٤) عن عائشة ﵂.

стр. 230

هي: كلّ مكانٍ في المدينة التي عشت فيها شهد استهتاري ومعصيتي. ليتني أملك أن أدخل كلّ بيت من هذه البيوت وأسجد لله تائبة. لعلّ رحمة ربِّي حين يقسمها تأْتي على حسب العصيان في القسم عارف: لا داعي للطواف في البيوت. فإذا تاب العبد أنسى الله حفظته ذنبه، وأنسى جوارحه، وأنسى البقاع التي عصى الله عليها حتى يلقي الله وليس عليه شاهد. (رواه الأصفهاني) . هي: والله يا شيخ عارف. كانت هذه الفرصة ستضيع مني، فأخسر بضياعها الدنيا والآخرة. لقد نجوت من حادث سيارة مات فيها صاحبها قبل أن يغتسل من الجنابة. وشعرت أن الله أعطاني فرصة للمتاب لن أَضيِّعها.

стр. 231

عارف: "إن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة" رواه الحاكم. ٧٧١٠) . عن جابر عن النبي ﷺ . هي: فرحت بنجاتي كثيراً. وبتوبتي أكثر. عارف: الله أشد فرحاً منك بتوبتك. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ". (رواه مسلم. ٤٩٣٢) . هي: لماذا لا نسعى إلى الله بمثل هذا الشوق!! أُعاهد الله على توبة لو رجعت بعدها للمعاصي أُحرم الجنة

стр. 232

عارف: لا تضيقي رحمة الله الواسعة. فالله لا يملُّ المغفرة. حسبك - اليوم - صدق العزم. لأَنَّ التائب من الذنب وهو مُصرّ عليه كالمستهزئ بربه. واتركي غداً لله. فالله - سبحانه - لا يُغلق بابه أمام تائب. عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ ". (رواه البخاري. ٦٩٥٣) . إن الله لا يملُّ الرحمة.

стр. 233

مادام العبد صادق العزم عند توبته. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم ٣٢] . فالله سبحانه علّل سعة مغفرته تجذبنا، والمادة تحبسنا عن إدراك الكمال. والله سبحانه يمد يده إلينا لينقذنا. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣] . إنّ الطين يغالبنا لولا أن الله سبحانه يمد إلينا يد الخير دائماً. "إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" "رواه مسلم. ٤٩٥٤) . "وخطؤنا أننا نعلق التوبة على أُمنية يلدها الغيب

стр. 234

وتأجيل التوبة طريق إلى انحدار شديد" "جدد حياتك للإمام محمد الغزالي". هي: والأموال التي جمعتها. عارف: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به. هي: سألت أحد الصالحين فقال: أحرقيها. عارف: إجابة لا تتفق مع واقعية الشريعة "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ". (رواه البخاري. ٢٢٣١) . هي: أَتصدقّ بها؟. عارف: إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وحدث أن سرق رجل تفاحة ثم تصدق بها. فقال له أحد العلماء: لماذا فعلت هذا؟ فقال: سرقتها فكتبت عليَّ معصية. وتصدقت بها فكتب لي عشر حسنات. فاستفدت تسع حسنات فقال له: سرقتها

стр. 235

فكتبت عليك معصية. وتصدقت بها فلم يقبلها الله منك. لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. هي: أتركه للبنك. عارف: أَعَنْتي بذلك جهة أعلن الله الحرب عليها. لأن هذه البنوك ربوية والله سبحانه قد أعلن الحرب على المرابين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨ - ٢٧٩] . ومن أعان عدوك فقد حاربك. هي: حيرتني يا شيخ عارف. إن أكلتها.. فلحمي ينبت من حرام. إن أحرقتها.. فالله كره إضاعة المال. إن تصدقت بها.. فالله طيب لا يقبل إلا طيباً. إن تركتها للبنك.. أعنت جهة أعلن الله الحرب عليها. فما الحل؟!!

стр. 236

عارف: ما ذكرته لك هو ما أجمع عليه سلف الأمة، ولكن العلماء في عصرنا أفتوا في مثل هذه الأموال، وفي فوائد البنوك الربويَّة، بجواز أن يفعل بها صاحبها فعلاً يفيد الإسلام، وينفع المسلمين، ولا يملكه شخص بعينه. كبناء دار للعجزة والأيتام، أو مستشفى، أو دفعها للمجاهدين. لا أقول لك إنَّها صدقة جارية. ولكن أقول: هذا هو الحلُّ الوحيد. فإن عرفتي غيره أهدى منه فافعلي. هي: قال لي بعض الصالحين: يحرم دخولها والصلاة فيها مردودة. عارف: سندخل مرة ثانية في الطريق المسدود. نفذي هذا المشروع. فالمال الذي تملكينه سيئة. وتوجيهه إلى الخير يجعلك ممن قال الله فيهم:

стр. 237

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨] فأموالك سيئات. والبناء الخيريُّ عملٌ صالحٌ. فلا حرج على فضل الله أن يحوِّل سيئاتِك إلى حسناتٍ. هذا هو الحلُّ الأخيرُ. تَمَّ الكتابُ، وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ.