← Общие книги

Общие книги · id 21527

شريعة الله يا ولدي

محمود محمد غريب

Полный текст (237 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ . خامساً: أوجب على الشهود تحمل الشهادة. قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي لا يمتنعوا عن تحمل الشهادة عند كتابة العقد. ضياء: الشهود يأبون التحمل خوفاً من تكاليف الأداء في ساحة القضاء، إذا لزم الأمر. عارف: ألزم الله المتعاقدين دفع أي ضرر يقع على الكاتب أو الشهود ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ . فأي ضرر يقع عليهما بسبب تحمل الكتابو، أو تحمل الشهادة، يجب على المدعي أن يتحمله. واعتبر القرآن الكريم وقوع الضرر بالكاتب أو الشهود لوناً من الفسوق قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ .

стр. 177

وقد دعا الإمام القرطبي إلى تعيين جماعة من المسلمين، يقومون بتحمل الشهادة في مثل هذه العقود. ويرفعونها إلى القضاء عند الحاجة ويُصرف لهم راتب من بيت مال المسلمين. وهذا هو المعمول به في (الشهر العقاري) (والكاتب العدل) الآن في بعض البلاد العربية. سادساً: أوجب على المسلم أداء الشهادة أمام القضاء. وتبليغها بأمانة. لأن شهادة الزور هدم للعدل. وضياع للحقوق. قال تعالى: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء ١٣٥] .

стр. 178

وقد مدح القرآن عباد الرحمن فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] . ضياء: حكم القرآن كل شيء. حتى لا يترك ثغرة للمتلاعبين. ولكن البيع والشراء يصعب فيه كتابة العقود وتوثيقها. عارف: استثنت الآية الكريمة ديون البيع والشراء من وجوب الأشهاد والتوثيق. لأن البيع والشراء يقتضي السرعة، واشتراط التوثيق في كل مرة يُوقع التاجر في حرج، ربما يدفعه إلى منع البيع بأجل. فيقع المستهلك في حرج. قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ . وقد أخذت القوانين الوضعية بهذا المبدأ. واعتبرت "دفتر المبيعات" وثيقة قانونية يمكن للتاجر أن يثبت بها دعواه.

стр. 179

ضياء: مازال بعض الناس بخير يا شيخ عارف. عارف: والقرآن لم ينف هذا. فقد جعل التعامل مع الناس ثلاث درجات. درجة أوجب فيها الكتابة. سواءٌ في ذلك العقود الموثقة، أو الكتابة في مذكرة خاصة ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ فغن تعذرت الكتابة فقد شرع القرآن الرهن. توثيقاً للدين قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وللرهن أحكام في كتب الفقه (١) . الدرجة

стр. 180

الثالثة. التعامل بالثقة بين المسلمين. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾

стр. 181

وتقوى الله حصن من الخيانة. ضياء: الآية الكريمة رسمت منهجاً متكاملاً لصيانة الحقوق. ولكن موضوع شهادة المرأة يحتاج إلى بعض التوضيح. عارف: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ تضل - هنا - بمعنى تنسى. وقد حدث أن وقفت امرأة للإدلاء بشهادتها، ووقفت الأُخرى تلقنها ما تقول. فاعترض القاضي وأمرها بالسكوت. فقال له ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فسكت القاضي. وللوقوف أمام القضاء رهبة. فناسب أن تستعين المرأة بأُختها في مجلس القضاء. يا ضياء ... الإسلام يحترم التخصصات. ففي الأُمور التي تخصص فيها الرجل. شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين. وفي الأمور التي

стр. 182

تخصصت فيها المرأة شهادة المرأة تعدل شهادة الرجل. ففي سورة النور جاء حكم "اللعان" وفيه أن ارجل يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وفي مقام دفاع المرأة عن نفسها، وردها لشهادة الزوج تقسم المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩٦] . فالمرأة تقسم نفس العدد في هذا المقام. بل إن شهادة المرأة قد تصل في تخصصها إلى أكثر من ذلك. فقد تعدل شهادة رجلين ويأخذ القضاءُ بشهادتها وحدها وعلماءُ المذهب الحنفي يأخذون بشهادة القابلة وحدها إذا أخبرت بأن الجنين ولد حياً ثم مات ويرتبون على ذلك أحكاماً في الميراث.

стр. 183

ضياء: لم أفهم المسألة. عارف: حدث في بغداد أن انقلبت سيارة. مات فيها الزوج والزوجة قبل وصول عربة الإسعاف ولم ينج سوى الخادمة وعند توزيع التركة توقف الحكم على شهادة الخادمة وحدها. فعندما شهدت أن الزوجة ماتت بعد زوجها بعدى دقائق. حكم القضاءُ بأنّ الزوج قد مات، وترك زوجته على قيد الحياة. لعدة دقائق. فحكم للزوجة بنصيبها من زوجها، ثم ماتت بعده. فورثت أُسرتها نصيبها. صفاء: أخذ القضاء بشهادتها وحدها لعدم وجود غيرها. عارف: وقد يحدث أن تتعارض شهادة المرأة مع شهادة الرجال. فيأخذ القضاء بشهادة المرأة. فلو شهد أربعة من الرجال على امرأة بكر بالزنا. ثم قررت امرأة واحدة بأن الفتاة لم تزل بكراً، تقبل

стр. 184

شهادة المرأة الواحدة، وتسقط العقوبة عن المرأة المتهمة. فلا التأْنيث في اسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال يا صفاء ... إن الله سبحانه خلق الزوجين الذكر والأُنثى. ولكل إنسان دوره في الحياة ورسالته. ولم يختلف عاقلان في أنّ الرجل أقوى على التحمل والأداءِ من المرأة. ضياء: يقولون: إن الرجل هو المسؤول عن ذلك، لأنّه حبس المرأة على طول العصور فضعفت. عارف: "يضحك ويقول: إذن الديك هو المسؤول أيضاً عن ضعف الدجاجة". يا ضياء: علماءُ الخلايا يقررون أنّ كلّ خلية في الرجل تختلف تماماً عن خلية المرأة. والمرأة تتمتع بأُنوثتها أكثر مما

стр. 185

تتمتع بقوتها لو كانت بطلة في كمال الأجسام. ضياء: أنساني الحديث أن أُبلغك تحيات صاحب (معمل الطحين) الذي كنت أعمل فيه ببغداد فهو يعرفك. عارف: "يخفض رأسه، ويدور بها خواطر السنوات الطوال، ويسأل: "أكنت تعمل عند الحاج رشيد؟ الآن اطمأن قلبي عليك. فهذا الرجل لا يضام من جاوره. كنت دائماً أقول الأُمة العربية أُمة كريمة، وشعب العراق شعب أصيل. والحاج رشيد وحده يكفي دليلاً على ذلك. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ استودعكم الله.

стр. 186

اللقاء السابع في هذا اللقاء * منفعة بين إثمين. * سر الإنسان كعِرضه. * الهضم شيء آخر. * دلالة الاجتناب أوسع. * اجلدوا الصائم أولاً. * ما ذنب هؤلاء؟. * هل تضر مع الإيمان معصية؟. * نحو منهج للعلاج.

стр. 187

لم يستطع مكارم أن يعيش في الجامعة منطوياً على نفسه كما كان في القرية , فالعاصمة ... والاختلاط ... وصعوبة السكن ... فرضت عليه الانطلاق ... وحتى يجاري من حوله، بدأ الطريق طريقاً شائكاً ... أوله زجاجات "البيرة" وآخره الخمر وأقراص المخدرات. سار في الطريق المنحدرة تشده جاذبية الخطيئة. وعلى الأرض بدأ يجني الحصاد. مكارم: قلَّ مالي. وانصرف الأخيار من حولي. وتراكمت علي الديون. لولا راتب زوجتي، وبقية من الحياء تمنعني من أخذه، لتعسرت في ثمن الطعام. لعل هذا أمر سهل. ولكن الطامة الكبرى هي عجزي عن حفظ سر نفسي، فضلاً عن أسرار

стр. 188

الآخرين. أصبحت أجود بأخص أسراري بلا ثمن والسر كالعرض تماماً. إذا لم يحفظه صاحبه يعبث به الآخرون. وكلما حاصرتني المشكلة، زاد تناولي للأقراص. أبحث عن النسيان، وغيري يعتبر النسيان مشكلة. عارف: النسيان نعمة من الله. لولاه لتزاحمت المشكلات في أذهاننا فنصاب بالجنون. ولكنك يا مكارم أخطأت الطريق، وعالجت الداء بالداءِ. الهروب من المشكلة لا يعني حلها. ولا يعين عليه. لماذا لم تكن جاداً، وتحاول حل المشكلة بنفسك. يا مكارم ... إن تخدير العقل انتحار لشخصية الإنسان الداخلية. والإنسان بعقله وقلبه. أما الجسد فمجرد صندوق لحفظ الجوهرة. مكارم: جئت أبحث عن الحل. وأطلب العلاج.

стр. 189

عارف: رغبتك في العلاج هي أول الطريق. ومنهج الشريعة الإسلامية هو العلاج الوحيد. لقد نجح في علاج أُمة مخمورة. بكلمات من هدي الله. والناس بحاجة إلى هدي الله كحاجتهم إلى رزقه. يا مكارم ... إن الشريعة الإسلامية حرمت الخمر على مراحل. تدريباً للناس على الامتناع. وأول هذه المراحل هي ترسيخ العقيدة في قلوبهم. مما أكسب الأوامر والنواهي الشرعية قداسة في النفوس، جعلتها تلتزم بأوامر الله. وتجتنب نواهيه. مكارم: هذا هو السبب في الحقيقة. لقد خسر العالم كثيراً عندما عاش بمعزل عن هدي الله. ذكر اللواء محمود شيت خطاب: أنّ خسائر الولايات المتحدة على المدنين بلغتْ ستة وخمسين ألف مليون دولار عام ١٩٧٨

стр. 190

ومع ذلك تضاعف عدد المدمنين عشرين مرة عن عددهم عام ١٩٦٤. عارف: أحسنت يا مكارم. بعد أن استقرت العقيدة، بدأ القرآن رحلة التشريع. وقد جاء التحريم للخمر على مراحل - كما قلت لك - فمنذ العهد المكي قابل القرآن بين السَكَر وبين الرزق الحسن. والمقابلة تقتضي المغايرة. فالسَكَر ليس رزقاً حسناً. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل ٦٧] . كان هذا في مكة.. وبدأت النفوس تتعفف عنها. مع أنها لم تُحرم بعدُ. وفي المدينة نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة ٢١٩] . وأدرك الصحابة أن

стр. 191

القرآن الكريم وضع منافع الخمر المادية بين إثمين. ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير﴾ ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ولا خير في منفعة مادية محاطة بإثمين. فالدنيا لا تُغني عن الآخرة. ومرت الأيام.. وبدأت النفوس مرحلة الشك في منفعة الخمر. وشاء الله أن يصلي أحد الصحابة ويقرأ في صلاته: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [أول الكافرون] . قرأها بدون (لا) قرأها أعبد ما تعبدون "فنزل تحريم الصلاة وهم سكارى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣] القرآن ينهاهم عن الصلاة وهم سكارى. ولم ينههم عن السكر. فدفعهم الحرص على الصلاة إلى ترك السكر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]

стр. 192

مكارم: امتنعوا عن الشرب، مع أن الآية الكريمة لم تنههم عنه - هذا والله هو سلطان العقيدة في النفوس. عارف: الصلاة - كما تعرف - موزعة من الفجر إلى العشاء فلا وقت للسكر سوى الليل. وبعضهم ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ لأنهم كانوا ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وهؤلاء امتنعوا عن الخمر قبل تحريمها. لقد هيأهم القرآن نفسياً قبل أن يحرمها عليهم. فلما تنازع صحابيان في مجلس سمر، وقد لعبت الخمر برؤوسهم فتسابا. تضرع عمر إلى ربه أن يُنزل على النبي ﷺ بياناً شافياً في الخمر. فنزلت كلمة الله الخاتمة بالتحريم المطلق.

стр. 193

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة ٩٠ - ٩٢] لما سألهم القرآن ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالوا انتهينا يا رب. هذه كلمة الله الأخيرة في موضوع الخمر. مكارم: لماذا لم يُصرح القرآن بلفظ التحريم؟ عارف: كلمة ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أليست تصريحاً بالتحريم؟. مكارم: أعني كلمة ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ . عارف: الأمر بالاجتناب لا يستعمله القرآن إلا في النهي عن الأُمور الكبيرة.

стр. 194

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر ١٧] ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج ٣٠] فكلمة ﴿اجْتَنِبُوا﴾ ومشتقاتها لا يستعملها القرآن إلا في النهي عن الأُمور الكبيرة. لأنّ الاجتنباب يفيد التحريم وزيادة. فلة قلت لزوجتك لا تكلمي أخاك. ثم دخلت عليها فوجدتها تجلس معه ولا تكلمه. فقد استجابت لأمرك. أما لو طلبت منها اجتنابه فليس من حقها أن تجلس معه فضلاً عن مكالمته ... بدون تشيبه ولله المثل الأعلى - الأمر باجتنباب الخمر يعني عدم شربها وبيعها والجلوس مع شاربها.

стр. 195

عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ. (رواه أحمد. ١٢٠) وروى أن عمر بن عبد العزيز أمر بجلد جماعة شربوا الخمر. فقيل له: إن فيهم فلاناً، وقد كان صائماً , فقال عمر ابدؤوا به الجلد. أما سمعتم قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠] . فالأمر بالاجتناب. يتسع ليشمل شربها والجلوس مع شاربها. وعصرها، وبيعها، وأكل ثمنها، وغير ذلك مما لا تتسع له كلمة التحريم. مكارم: أعتقد أنَّ رسوخ العقيدة في قلوب المؤمنين هو الذي هيأهم للالتزام.

стр. 196

فاستطاعت كلمات القرآن أن تفعل ما عجز الغرب وأمريكا عن فعله. عارف: رسوخ العقيدة. وسلامة منهج التشريع أمران لا يمكن الفصل بينهما. وقد قمت بدراسة علمية حاولت فيها أن أتعرف على الحكمة من التدرج في تحريم الخمر. وخرجت من دراستي بنتيجة إيجابية أرجو أن يستفيد منها من يأتي بعدي. وحسبي أنني دللته على الطريق؟ في عام ١٩٦٤ اكتشف بعض العلماء أن المخ مزود بخلايا قابلة لاستقبال المواد المُخدرة كالمورفين. وأثار هذا الاكتشاف تساؤلات كثيرة في ذهن العلماء. من هذه التساؤلات: لماذا خلقت هذه الخلايا في مخ الحيوان؟ وما دور هذه الخلايا عند المدمنين للمخدرات؟ وهل يمكن أن تكون هذه الخلايا معطلة عند غير المدمنين؟ تساؤلات كثيرة.

стр. 197

دفعت العلماء إلى الدراسة المعملية الجادة، التي أوصلتهم إلى اكتشاف سر عجيب. فبعد أعوام من الدراسة المتواصلة اكتشفوا أن المخ به خلايا تفرز مادة مهدئة تعمل على تسكين آلام الجسم الداخلية. فالمخ ينتج مادة مهدئة للآلام. وتقوم خلاياه باستقبال هذه المادة والإفادة منها. توازن داخلي عجيب. جعل العلماء يقولون: سيأتي اليوم الذي لا يُسمح فيه ببيع المخ من رأس الذبيحة لأنَّ شركات الأدوية ستحصل على المخ الحيواني لاستخراج هذه المادة منه. كما تقوم الغدة النخامية بفرز مثل هذه المادة لتسكين الآلام. معامل تخدير بداخل الجسد. لأنّ الحيوان لا يجد من يشكو له آلامه.

стр. 198

مكارم: أي مادة هذه يا شيخ عارف؟ عارف: أطلق عليها العلماءُ اسم "بيتا أندورفين". مكارم: يعني - مسكن داخلي. عارف: سبحان الله - الجسم عالم متكامل. وتوازن عجيب. مكارم: ما دام الأمر هكذا. فالمخدرات تقلل من إنتاج الجسم الداخلي لهذه المادة. عارف: كلما زادت الجرعة الخارجية قبل إنتاج الجسم الداخلي، حتى تتوقف الغدد تماماً عن إنتاج "البيتا أندورفين" في حالة الإدمان. مكارم: لعل هذا هو السبب في الانهيار الذي يصيب المدمن إذا امتنع عن التعاطي مرة واحدة؟. عارف: لست طبيباً حتى أقطع في هذه الأمور. ولكنني أتتبع كل ما ينشر في هذه المجالات. وأُناقش الأطباء المتخصصين. وأعرف أن الطب الآن

стр. 199

يمكنه أن يثير خلايا الفصِّ الأمامي في المخ (بمرور تيار كهربائي مستمر ضعيف) فيقوم المخ بفرز مادة "الأندورفين" أو المسكن الداخلي - كما قلت لك - المهم لأنَّ تعاطي المخدرات يقلل نم إنتاج الجسم لمادة "البيتا أندورفين" حتى يتوقف الإنتاج الداخلي تماماً في حالات الإدمان. فإذا رغب المدمن في العلاج فعليه أن ينقص من كل قرص (ربع قرص) مثلاً - فسوف تبدأ خلايا المخ في الإنتاج لتعوض النقص. وبعد أُسبوع أو شهر ينقص الكمية (ربع قرص آخر) وهكذا فإن لاجسم سيقوم بتعويض النقص الخارجي، حتى تستعيد الخلايا نشاطها. ويستغنى الجسم عن المخدر كيوم خلقه الله. ولعل هذا هو السبب في تحريم الخمر على مراحل. يا مكارم.. لقد عالج القرآن أُمة

стр. 200

مدمنة بكلمات من وحي الله. مازالت تُقرأ على أسماعنا. بينما فشل العالم (في عصر الفضاء* في وضع علاج للمشكلة. أحد الغربيين دخل مصحة لعلاج المدمنيين. وقضى بها عدة أشهر، ويوم خروجه منها أقام أصدقاؤه حفلاً بمناسبة شفائه من الإدمان، وقام هذا الرجل بشرب الخمر معهم ابتهاجاً بهذه المناسبة. أما عن سلفنا فقد اشترى أحد الصحابة قافلة من خمر الشام، ولما وصل بها إلى المدينة لبيعها، علم أن الله حرم الخمر. فأناخ الجمال وسكب ما عليها من خمور. "تدخل شيماءُ وتخبر والداها بأن جهاز التليفزيون تعطل وهي تريد مشاهدة أفلام كرتون" فسأل عارف ضيفه: هل تعرف أحداً يجيد إصلاح هذا الجهاز؟

стр. 201

مكارم: توكيل الشركة المنتجة للجهاز أفضل. عارف: أحسنت.. منتج الجهاز أعلم بسره، وأقدر على إصلاحه. والله سبحانه أقدر على هداية خلقه - ولله المثل الأعلى - يا مكارم ... الإسلام هو التوكيل الوحيد في الأرض القادر على إصلاح الناس ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف ١٧] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٨٥] . مكارم: إن العالم جرب كل وسيلة فلم يخفف من شقائه لماذا لا يُجرب الإسلام؟! عارف: لأنَّ واقع الأُمة الإسلامية اليوم لا يجلي عظمة الإسلام للجاهلين به. بل ربما يسيء واقعهم إلى الإسلام نفسه. وأذكر أن أحد علماء الغرب أسلم وهو في بلده. ثم زار بعض بلاد المسلمين

стр. 202

فقال: الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أرى المسلمين. مكارم: الإسلام نور، ومن يغمض عينيه دون النور يُضير بعينيه، ولا يضير النور. بقى عندي كثير من التساؤلات التي يثيرها من كنت أجلس معهم من السكارى. يقولون: إن المشروبات التي يشربونها اليوم تختلف عن الخمر الذي حرمه القرآن. عارف: الخمر كل ما خامر العقل وغيبه. وكل ما أسكر كثيره فقليله حرام. يذكرني كلامهم هذا بما رواه عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ إنه قال: "يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ". (رواه ابن ماجة. ٣٣٧٦) وفي رواية أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا". (رواه ابن ماجة. ٣٣٧٥)

стр. 203

فتغيير الأسماء لا يعني تغيير الحكم. فكل مسكر خمر. روت عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". (رواه الترمذي. ١٧٨٩) . والْفَرَقُ كيل معروف بالمدينة. والإمام الشوكاني يقول: المراد بالفَرَق وملء الكف التمثيل، فالتحريم يشمل مقدار القطرة الواحدة ونحوها.. مكارم: بعضهم لا يسكر حتى شرب قنطاراً. عارف: هؤلاء تسممت أجسامهم. والأصل في السكر وعدمه الرجل العادي. مكارم: بعضهم يتداوى بها. أو على الأقل يدعي هذا. عارف: الشفاءُ بما مظنون. والتحريم متيقن.

стр. 204

والمظنون لا يدفع المتيقن. فتاوى الإمام عبد الحليم محمود يا مكارم ... إن الخمر لم يتعين للتداوي. فالعلم كل يوم يكشف جديداً في علم الدواء. وما سمعنا عن طبيب وصف الخمر لمريضه أبداً. ولكن السكارى من الناس يصفونها للمرضى. ويقولون: اسألْ مُجرب. ولا تسأل طبيباً. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٢٧] . الخمر داءٌ ... فكيف تتصور أنه دواءٌ؟! مكارم: الخمر يساعد على الهضم مثلاً ... ومع هذا فهناك أدوية بديلة تساعد على الهضم. عارف: لماذا لا تأكل المقدار الذي تطيقه المعدة فقط؟ الرسول ﷺ كان ينصح دائماً: بقوله ثلث لطعامك. وثلث لشرابك. وثلث لنَفَسك.

стр. 205

وشعور شارب الخمر بسرعة الهضم خداع. الذي يحدث أن الخمر يسبب احتقاناً في جدار المعدة، فيقوم جدار المعدة بفرز مقدار من المخاط ليحمي نفسه من القرحة. وتحاول المعدة طرد كل ما فيها من طعام في أسرع وقت. بدون أن يستفيد منه الجسم. وهذا الطرد السريع هو الذي يتوهمه شارب الخمر سرعة هضم. "راجع اليد الطبي للدكتور كيلوج" فالشعور بالهضم خداع. وخطورتها على جدار المعدة حقيقة ثابتة. مكارم: والشعور بالدفء خداع أيضاً؟. عارف: يا مكارم حرارة الجسم ثابتة - كما تعلم - فإذا تعرض الإنسان للبرد الشديد فإن أعضاء الجسم الظاهرة كالأطراف مثلاً يمكن أن نجلب لها الدفء أما الأعضاء الداخلية فلا نستطيع إدفاءها. لذلك ...

стр. 206

يقوم الجسم بتضييق الأوردة التي تحمل الدم إلى الأطراف. وتوسيع الأوردة التي تحمل الدم داخل الجسم، ليضمن تدفئة. الأعضاء الداخلية. والخمر يُحدث عكس ما يريده الله. فهو يوسع الأوردة المتجهة بالدم إلى الأطراف. فتشعر بالدفء بينما يقل الدفء الداخلي بدون أن تشعر فالله يريد إدفاء المخ. والخمر تدفئ الأطراف على حساب المخ وبقية الأعضاء الداخلية الأُخرى. مكارم: أنا أتألم من البرد إذا أصاب يدي. عارف: كل عضو يمكن أن ندفئه بلبس الصوف مثلاً ومع ذلك يؤدي وظيفته. إلا العين لو حاولنا إدفاءها فسوف تتعطل وظيفتها. من أجل ذلك جعل الله جلد العين لا يحس البرد، ولا يتأثر به. مكارم: إن الله نظم جسم الإنسان تنظيماً عجيباً.

стр. 207

عارف: والخمر تهدم نظام الله في جسم الإنسان. مكارم: إن بعض المرضى يشربونها لتسكين آلامهم فقط مدة العلاج. عارف: مشكلة هؤلاء أن آلام تبرأ بالعلاج، ويظل الجسم يطلب بعد ذلك يتطلب الخمر أو المخدر، لأنها خالطت الدم. مكارم: دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ عارف: أجل.. هي الداءُ. وليست الدواء. وهذا ما قاله المعصوم ﷺ عندما سأله طارق بن سويد عن الخمر يصنعها للدواء. عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ أَوْ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهَا دَوَاءٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا وَلَكِنَّهَا دَاءٌ" (رواه أبو داوود. ٣٣٧٥) . عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: نَبَذْتُ نَبِيذًا فِى كُوزٍ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَغْلِى فَقَالَ مَا هَذَا قُلْتُ اشْتَكَتِ ابْنَةٌ لِى فَنَعَتُّ لَهَا هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. (رواه البيهقي. ٢٠١٧١)

стр. 208

مكارم: الحمد لله - قد امتنعت عن الخمر فلن أشربها إلا في المناسبات فقط. عارف: أبو النواس تاب على يد أحد الصالحين. وعاهده ألا يشرب الخمر إلا في حالتين فقط. إذا كان مسروراً، أو كان حزيناً , فكانت النتجة أنه شربها يوماً لأنه مكروب. وشربها في اليوم الثاني لأنَّ الله قد فرج كربه، وهكذا لا تخلو حياة الناس من الفرح والحزن. مكارم: لعل الأقراص المخدرة أقل حرمة وضرراً. عارف: "يهزُّ رأسه ويقرأ: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ؟ مكارم: يبتسم ويقول: لا خير فيهم ولا في قوم تُبع. عارف: لا خير في الخمر ولا في المخدر. احضر كتاب

стр. 209

"سبل السلام للصنعاني" يفتح الجزءُ الرابع ص ١٣٢١ ويقرأُ: كل ما أسكر من أي شيء، وإن لم يكن مشروباً، فهو حرام. كالحشيش والأفيون، لأنها تُحدث في الجسم ما يُحدثه الخمر من الطرب والنشوة. وإذا سلمنا بعدم حدوث السكر فهي مُفترة. وقد روى أبو داود: أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتٍّر. وقال العلامة العراقي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخور في الأعضاء. والإمام ابن تيمية قال عن المخدر: إنه شر من الخمر من بعض الوجوه، لأنه يصعب الفطام عنه، أي التخلص منه. مكارم: كنت أسأل من أجل الذين تجمعني بهم مجالس الشراب أُريد إقناعهم.

стр. 210

عارف: لا أمل في العلاج ما دمت تجلس معهم. فتأثيرهم عليك أخطر من دعوتك لإصلاحهم. جدد حياتك. وحاول أن تُنقض الكمية التي تتعاطاها بالتدريج، ليقوم الجسم بفرز "بيتا أندورفين" - كما قلت لك - وكلما مرَّ أُسبوع أنقصت الكمية، حتى تنشط الغدد الداخلية، وتستغنى عن هذا البلاء - إن شاء الله. لقد عالجت قبلك بهذا المنهج ثلاثة من الشباب. عادوا اليوم إلى رشدهم والحمد لله. مكارم: اطمئن. ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢] . عارف: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء ٧٠] . مكارم: كرمهم بالعقل الذي نحاول قتله. عارف: كلّ خلية في جسم الإنسان تموت وينشأ غيرها،

стр. 211

حتى قال العلماءُ: إن الجسم يتغير بكامله كل ست سنوات تقريباً. إلا خلايا الأعصاب والمخ، فهي وحدها التي يولد بها الإنسان وتموت بموته. خلايا الأعصاب والمخ لا تتغير أبداً. مكارم: جهاز الأعصاب يحكم تصرفات الإنسان. وندرك به السعادة والآلام. إن هدأ هان كل شيء. وإن ثار فعلى الدنيا السلام. ومع ذلك فنحن نتلفه بأيدينا. ثم يضحك ويقول -: إذا صحا ضميري لحظة من الوقت، واستنكر علي سلوكي. فإنني أحاول خداع نفسي. أخدعها بقولي: ما دمت أُؤمن بالله. فلا يضر مع الإيمان معصية. عارف: المعصية تضر بالإيمان نفسه. فكيف لا تضر المؤمن؟. وقولك "لا يضر مع الإيمان معصية" يهدم كل القيم التي دعا إليها الإيمان. فالإيمان النظري لا وزن له عند الله.

стр. 212

وكل آيات القرآن تربط بين الإيمان والعمل الصالح. إن عشق الإيمان - بدون عمل - ينتهي بحسن الكلام عنه فقط. ثم يطوى الأمر دون نتيجة. وهذا لون الادعاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢ - ٣] . ويعجبني كلمة للأُستاذ الإمام محمد الغزالي: إن الدين منهج كامل للرقي والتهذيب، ولكن الإفادة منه لا تتم بإدارة معلومات دينية بين الألسنة والأسماع، ولا باستيعاب أحكامه في الذاكرة. فهذا التناول للدين قليل النفع، بل عديم الجدوى. وقد جاء عن أحد التابعين: كنا نستعين على حفظ أحاديث الرسول ﷺ بالعمل بها. فالمعصية تضر المؤمن ما لم يتب منها.

стр. 213

مكارم: أكثرُ من هذا يا شيخ عارف أنني كنت أقرأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] .. فأقول: ما دمت مؤمناً بالله. فلا يضرني طعام. عارف: لو صح فهمك للآية الكريمة لأصبح كل محظورٍ حلالاً على المؤمن. وهذا باطل. هذه الآية الكريمة لا نستطيع فهمها إلا إذا عرفنا سبب نزولها. وهو أن بعض الصحابة استشهد في سبيل الله وفي بطنه خمر - كان قتل قبل تحريمها - فسأل الصحابة رسول الله ﷺ عن إخوانهم: هل سينال أجر الشهداء، أم ستحول الخمر بينهم وبين الجنة؟ فنزلت الآية الكريمة تطمئنهم أن سبحانه لا يحاسب عباده على ذنب قبل أن يحرمه بالنص الصريح. لأنه لا جريمة ولا عقوبة بلا نص.

стр. 214

مكارم: أعترف أنها أوهام عشت فيها. وخدعت بها نفسي. خدعت نفسي عندما تصورت أن الخمر وسيلة للنسيان. وخدعت نفسي عندما اعتقدت أن الإيمان وحده يكفي بدون عمل أو التزام. وخدعت نفسي من قبل عندما اعتقدت أنّ (العصرية) تعني أُن أَجاري السفهاءَ. حتى لا يصفونني بالتخلف. أسأل الله أن يتوب عليّ فلا أموت وفي بطني شيء منها. عارف: قرأت في كتاب "موارد الظمآن" أن رسول الله ﷺ قال: ما من أحد يشربها فلا تقبل صلاته أربعين يوماً. ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة. فمن شرب خمر الدنيا حرمها في الآخرة. ومع عذاب الآخرة فإن الشارب لا يفلت من التأديب في الدنيا. فالنبي ﷺ جلد شارب الخمر تأدبياً له. جلده أربعين جلدة.

стр. 215

وجلده أكثر. جلد كل إنسان بما يؤدبه. فمعادن الناس تختلف. والقرآن الكريم يحدد عدد الجلدات كما فعل في حد الزنا وحدّ القذف. عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر فجلده النبي ﷺ بجريدتين نحو أربعين جلدة. وفعله أبو بكر أي جلد أربعين. فلما كان عهد عمر بن الخطاب استشار الناس. فقال عبد الرحمن بن عوف أخفُّ الحدود في الحدود ثمانون. فأمر به عمر "متفق عليه" مكارم: لماذا اقترح عبد الرحمن ﵁ ثمانين؟ عارف: لأنه إن شرب سكر. وإن سكر هذى. وإن هذى افترى، وإن افترى وقع في أعراض الناس فجلده عمر حد القذف.
следующие страницы →