← Общие книги

Общие книги · id 21527

شريعة الله يا ولدي

محمود محمد غريب

Полный текст (237 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عارف: هناك أمور يجب على الرجل فيها أن ينتظر انتهاء عدة زوجته المطلقة، قبل أن يتزوج غيرها. ومن ذلك: أن يطلق المرأة ليتزوج أختها، أو عمتها، أو خالتها، وكذلك إذا جمع الرجل في عصمته أربع نساء، ثم طلق واحدة، ليتزوج غيرها. لابد من انتظار العدة. لأن الزوجية تعتبر قائمة طول مدة العدة. حتى لو مات أحد الزوجين في مدة العدّة يرثه الآخر. وائل: لكن القرآن الكريم حرّم الجمع بين المرأة وأُختها فقط. قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ عارف: الرسول ﷺ بيّن حكم العمة والخالة. قياساً على تحريم الأُخت. راجع عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري جـ ٢٠ ص ١٠٥. كما حرّم كلّ قرابة النسب للأُخت من الرضاعة، قياساً

стр. 37

على الأُخت الشقيقة فقال ﷺ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. جميل: نلاحظ أنّ السنة المطهرة قيدت المطلق من القرآن الكريم. فالقرآن بعد أن بيّن المحرمات من النساء. قال القرآن الكريم: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٤٢] بهذا الإطلاق الذي يشمل كلّ امرأة غير المحرمات فجاءت السنة، وبينت أن الإطلاق في الآية الكريمة مُقيد بالحديث الذي بيّن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. فالسنة تُقيّد مطلق القرآن. (١)

стр. 38

عارف: تقييد السنة لمطلق القرآن الكريم، نوع نم البيان الذي كلف الله النبي به في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] . وكما أنّ السنة تقيد ما أطلقه القرآن فهي أيضاً تُفضّل ما أجمله القرآن. فالقرآن أخبرنا الناس وقال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي". (رواه البخاري. ٥٩٥) والقرآن أوجب الحج على المسلمين. والرسول ﷺ حجّ أمام الناس ثم قال: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ". (رواه أحمد. ١٤٥١١) وبين نصاب الزكاة، والمقدار الواجب فيها، وغير ذلك من فروع الدين التي لم تُعرف إلا بالسنة. يا وائل: إن النبي ﷺ بيّن بقوله، وفعله وإقراره، جميع أُصول الدين وفروعه.

стр. 39

جهاد: عندما أدرس أفعال الرسول ﷺ أشعر بأن عظمته تتجلى في تطابق أفعاله مع كل ما أمر به. ولعل هذا السبب في أن أقرب الناس منه، وأطلعهم على سلوكه الخاص، هم أكثر الناس إيماناً به، وتعظيماً لقدره ﷺ لقد قالت عائشة - عن يقين - كان خلقه القرآن. جميل: بل يزيد الأمر على ما تفضلت به يا جهاد. لقد كان النبي ﷺ ينهى أصحابه عن صوم الوصال، ومع ذلك كان يصومه هو. وأسقط الله عنه وجوب القسمة في المبيت بين نسائه. قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب ٥١] ، ومع ذلك ظل النبي على المساواة بينهن في القسمة، وكان يعتذر إلى الله ويقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ"

стр. 40

(رواه أبو داوود. ١٨٢٢) (١) . جهاد: هناك أمر آخر يجدر أن نشير إليه. كل حاكم أعلى أو ملك يقسَّم تصرفاته إلى قسمين، قسم يسمح لأجهزة الإعلام أن تقترب منه، وأن تجليه للناس، وللتاريخ. وقسم يعتبره من أسراره، وأسرار بيته، لا يذاع. ولكن الدارس للفقه الإسلامي، يرى أن أخصّ أسرار النبي ﷺ حتى ما يحدث في فرشاه، يُعتبر تشريعاً. وائل: أُلاحظ إن الشيخ لا يتكلم. عارف: سكوتي عن الحديث إقرار منيّ بصحة ما تقولون. وقد اعتبر العلماءُ إقرار الرسول ﷺ جزءُ

стр. 41

من دلالة سنته. فالسنة قول وعمل وإقرار. قال الإمام الشاطبي: وأما الإقرار فمحمله على أن لا حرج في الفعل الذي رآه ﵇ فأقره، أو سمع فأقره - كسماع النبي ﷺ لعائشة وهي تعلم المرأة كيف تتطهر، سمعها ثم سكت. فعُلم أنّ سكوته إقرار لها. وفي عمرة القضاء، أنشد ابن رواحة الشعر في المسجد الحرام بين يدي النبي ﷺ فأنكر عليه عمر بن الخطاب، وقال له: بين يدي النبي ﷺ ، وفي حرم الله، تقول الشعر؟! فقال له النبي ﷺ : خل منه يا عمر. فلهى أسرع فيهم من نفح النبل. أخرجه النسائي. ومن إقراره مع عدم المشاركة في الفعل. رؤيته لمن يأكل لحم الضب على مأدبته، ومع ذلك لم ينهه النبي، ولم يأكل

стр. 42

معه. فالسنة قول، وعمل، وإقرار. كما أن النبي ﷺ فسرّ من القرآن ما لا يمكن أن نقبل مثله إلا من المعصوم ﷺ كتفسيره لقول الله تعالى على بني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة ٥٨] فسرها النبي الكريم ﷺ : بأنهم دخلوا يزحفون على أوراكهم. (البخاري) وقالوا (حنطة) بدل كلمة (حطة) . (١) . فتفسير النبي للقرآن أقرب إلى الوحي، منه إلى مُجرد فهم القرآن. وائل: هذا الحوار الجيد عن دور السنة في القرآن الكريم، فهمت منه أن السنة تُقيّد مطلق القرآن وتشرح مجمله، وتفسر غامضه. فلماذا يحاول

стр. 43

بعض المنتسبين للإسلام عزلها عن التشريع. عارف: الدعوة إلى عزل السنة دعوة قديمة. تستهدف الإسلام، أو العبث بتفسيره بلا ضوابط. فقد ظهرت في التناريخ جماعة أطلقوا على أنفسهم (القرآنيون) وقد تصدى للرد عليهم الإمام السيوطي في كتابه "مفتاح الجنة في الاحتجتج بالسنة وقد أكد هذا الكتاب أن السنة وحي من الله للنبي، كما أن القرآن وحي. قال ﷺ " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ "رواه أحمد. ١٦٥٤٦) . وجاء في كتاب "مفتاح الجنة" (١) أن النبي ﷺ عُرضت عليه قضية فقال: والذي نفسي بيده لأَقضين بينكم بكتاب الله، ثم قضى بينهم بما أراه الله من الحكمة (متفق عليه) فالسنة وحي. ولكنها وحي بالمعنى دون الألفاظ.

стр. 44

وائل: نُسلم يا شيخ عارف أن كل ما خرج من فم النبي ﷺ وحي. ولكن القرآن قطعيُّ الثبوت، والسنة ظنية الثبوت، فكيف تقيِّد السنة ما أطلقه القرآن؟. عارف: يذكرني سؤالك ها بحوار بين الإمام الشافعي، وأحد خصومه. الخصم: القرآن قطعي الثبوت، والسنة ظنية الثبوت. فكيف نأخذ حكماً ظنيّ الثبوت، ونضعه مع أحكام القرآن، وهي قطعية الثبوت؟. الشافعي: "يشير إلى رجل بجواره، ويسأل خصمه" هل هذا الرجل معصوم الدم؟. الخصم: نعم. الشافعي: وهل المال الذي في يده ملك له؟. الخصم: نعم.

стр. 45

الشافعي: ماذا يحدث لو شهد شاهدان عليه، بأنه قتل رجلاًَ، وسرق ماله؟. الخصم: يحكم بإعدامه، ومصادرة ما في يده من مال. الشافعي: هل يمكن أن يكذب الشاهدان؟. الخصم: يجوز. الشافعي: إذن قد تذهب العصمة لدمه - وهي قطعية الثبوت، بشهادة شاهدين، مع أن شهادتهما ظنية الثبوت. ونحن نتحرى في راوي الحديث، أكثر مما نتحرى عن الشهود في جريمة القتل. فقد تقبل شهادة الرجل في ساحة القضاء. ولا تقبل روايته لحديث الرسول ﷺ . جميل: رضى الله عن الإمام الشافعي فقد أوجز وأفاد. وأذكر أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله: لا تحدثنا إلا بالقرآن، فقال مطرف: والله ما نريد

стр. 46

بالقرآن بديلاً. ولكننا نريد من هو أعلم منّا بالقرآن وهو النبي ﷺ . عارف: يا وائل.. لقد أخذت الأُمة القرآن من فم النبي ﷺ فليس بدعاً من الأمر، أن تأخذ أحكامها من سنته. فالسنة ليست شارحة للقرآن فحسب، ولكنها أنشأَت أحكاماً مستقلة، لم ترد في القرآن وسندها القآني الوحيد هو قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧] من ذلك حكم الزاني المحصن، فقد حكم النبي عليه بالرجم. وبقى هذا الحكم موضع قبول الأُمة، مع أنه لم يرد في القرآن الكريم. وائل: لكن النبي ﷺ بشر، يجوز عليه ما يجوز على البشر فكيف نأخذ كل ما يصدر عنه؟ عارف: النبي ﷺ بشر يوحى إليه، والله سبحانه يراقب

стр. 47

كل تصرفات النبي ﷺ . واجتهاداته، فإذا صدر عنه أمر خلاف الأولى، نبّهه القرآن إلى الأفضل. إن جعل الله على قلوب الأنبياء حراسة مشددة. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن ٢٧] . جميل: وما مهمة هذا الرصد؟ عارف: مهمة الرصد هي حفظ قلوب الأنبياء من الوساوس، وعقولهم من الزيغ، وذاكرتهم من النسيان في مجال التبليغ. وائل: هل كل ما ينطق به النبي يعتبر تشريعاً. عارف: الله يهديك يا وائل. ماذا تقصد؟ وائل: "يضحكة ويقول والله أريد الحقيقة. يا شيخ عارف. وما أريد غيرها.

стр. 48

عارف: النبي ﷺ فرق بين ما يصدر عن بشريته وما يصدر عن نبوته. فالذي يصدر عن نبوته، لابد من اتباعه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧] . جميل: وكيف نفرق بين ما يصدر عن بشرية الرسول ﷺ ، وما يصدر عن نبوته؟ عارف: يا أستاذ جميل ... الوحي له طبيعة خاصة، يدركها من يتذوق الإسلام - وأنت منهم - إن شاء الله. ومجال ما يصدر عن نبوة الرسول ﷺ هو الأُمور التي لا دخل للعقل فيها. كمسائل العقيدة ومعرفة ما وراء الطبيعة، وأُصول التشريع، والعبادات، وأُصول الأخلاق. كل هذه قضايا تخضع للوحي، ولا مجال للعقل فيها هذا هو جانب النبوة، وكل ما جاء عنه في هذا المجال فهو موضع قبول الأُمة.

стр. 49

وائل: فماذا عن جانب البشرية؟ عارف: أما الجانب الذي يصدر عن بشرية الرسول ﷺ ، فمجاله ميادين الحياة كحديثه في الزراعة، وتخطيطه للحرب. وفصله بين الناس، ومساومته في البيع. أنه معلوم يا وائل أن النبي ﷺ لم يبعثه الله ليعلمنا كيف نزرع، أو كيف نُعمر الأرض. جميل: لقد جاء النبي ليعلمنا كيف نزرع الخير في حياتنا، وكيف نُعمر قلوبنا بالإيمان، وكيف نحارب الشيطان.. عارف: يا وائل ... المسائل التي استشار النبي ﷺ فيها أصحابه مثل اختيار موقع الجنود في بدر وأسرى المعركة، والخروج للجهاد في أُحد، كل هذه من مسائل بشرية الرسول ﷺ , لأنها لو كانت وحياًَ - صادراً

стр. 50

عن نبوته - ما جرؤ أحد أن يبدى فيها رأياً بجوار الوحي. لأنه الله نهى المسلمين عن إبداء الرأي والاقتراحات في جانب النبوة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات ١] . ومدح الله المؤمنين فقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء ٢٧] ، فالمؤمنون لا يقترحون على الله، في مسائل الوحي فالأُمور التي استشار النبي ﷺ فيها أصحابه، هي من الأُمور التي تصدر عن بشريته. ثانياً: نهى النبي ﷺ أصحابه عن تأبير النخل - أي تلقيح النخل - فلما اشتكى الصحابة من عدم نضج التمر، قال النبي الكريم: أنتم أعلم بأمر دنياكم. فمسألة زراعة النخيل ليست من تخصص الوحي. إنها من أُمور البشرية.

стр. 51

وائل: هذا الحديث فرصة لبعض المنحرفين يقول: إن الناس أحرار في كل شئون دنياهم , فلهم أن يضعوا أحكاماً للزراعة والتجارة، ويقولون: نحن أعلم بأُمور دنيانا. عارف: يا وائل: طريقة الزراعة شيء، وأحكام الزراعة شيء آخر. فطريقة الزراعة من اختصاص المهندس الزراعي. أما أحكام الزراعة فمن اختصاص القضاء الإسلامي والخلط بين الأمرين غباءٌ منهم. ثالثاً: الحكم بين الناس، بعد سماع حجة كل واحد منهم مسألة، تصدر من جاني البشرية أيضاً فالرسول ﷺ كان يستمع لحجة كل خصم، ويُرجّح بينهما ثم يحكم. روت أم سلمة: أن النبي ﷺ قال لرجلين اختصما إليه: إنما أنا بشر".

стр. 52

وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن - أي أقوى - بحجته من الآخر فأقضي له فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقضي له بقطعة من النار. (البخاري كتاب الأحكام) ومعلوم يا وائل ... أن الفصل بين الناس عمل قضائي. يخضع لبشريته ﷺ فهو يسمع حجج الخصمين ثم يحكم. أما التشريع القضائي فمن خصائص الوحي، والنبي فيه مبلغ معصوم فالحكم بقطع يد السارق هذا تشريع. فهم من خصائص الوحي. والحكم على شخص ما بأنه سرق، هذا تطبيق، يخضع لبشريته ﷺ . جميل: أعتقد أن الله يراقب قضاء النبي ﷺ ، ويعصمه من الخطأ. عارف: هذا صحيح. وقد حدث أن سرق أحد المنافقين

стр. 53

درعاً وأودعه عند يهودي، فلما ضبط الدرع عند اليهودي، أنكر المنافق السرقة، وعجز اليهودي عن تبرئة نفسه. وكاد النبي ﷺ أن يحكم على اليهودي بقطع يده. ولكن الله أنزل قرآناً يبرئ اليهودي، ويفضح المنافق. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥] . فالله سبحانه قد راقب قضاء النبي ﷺ حتى لا يحكم بغير العدل المطلق. هذه بعض القضايا التي تصدر عن بشرية الرسول ﷺ . ومن الجانب البشري أيضاً في حياته ﷺ مساومته في البيع والشراء. فقد فهم الصحابة أن ما يطلب النبي ﷺ شراءه، أو ما يرغب في بيعه يُعدّ من الأُمور التي لا دخل للوحي فيها. فقد طلب

стр. 54

النبي ﷺ من جابر بن عبد الله أن يبيع له جمله، فاعتذر لأنه ليس عنده جمل آخر. ومع ذلك لم يعتبر الرسول ﷺ امتناعه عن البيع معصية. وطلب النبي ﷺ من سلمة بن الأكوع أن يهبه فتاة أسرها من قريش فامتنع لحسن المرأة وجمالها , ثم لقيه الرسول ﷺ في اليوم الثاني فطلبها منه، فقال سلمة: هي لك يا رسول الله. فأخذها الرسول ﷺ ، وبعث إلى مكة، ففدى بها ناساً من اسرى المسلمين كانوا بمكة. فالرسول ﷺ لم يعتبر امتناع جابر عن البيع، وسلمة عن الهبة، معصية. لأنّ البيع، وفداء الأسرى، من أمور الدنيا، وليست من أمور الدين. (والحديثان بتمامهما في صحيح مسلم) . وائل: مادامت السنة النبوية بهذه الأهمية، فلماذا لم يكتبها صحابة النبي ﷺ ؟

стр. 55

عارف: النبي ﷺ نهى صحابته عن كتابة السنة، حتى يتفرغوا لكتابة القرآن. وأنت تعرف قلة الصحابة الذين كانوا يجيدون الكتابة، وقلة وسائل الكتابة في عهد النبي ﷺ . جميل: ولعل النبي ﷺ خاف من اختلاط القرآن بالسنة، عند الأجيال القادمة، فنهاهم عن كتابة السنة، حتى يتمكن القرآن من نفوسهم، وبعدها لا حرج عليهم أن يكتبوها. عارف: الأصل في الحفظ عند الأُمة العربية يومها هو الحفظ في الصدور. وقد قال ابن شهاب: والله ما دخل شيء قط ونسيته. وقد عزم عمر بن الخطاب على كتابة السنة، بعد أن فرغ من كتابة القرآن. ولكنه عدل عن ها وقال: إني كنت أريد أن أكتب السنة، ولكني ذكرت قوماً

стр. 56

قبلكم كتبوا كتباً ثم انكبوا عليها، وتركوا كتاب الله. وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً. هشام: يا أبي أنا أذكر أن بعض صحابة النبي ﷺ ، كتب لنفسه مجموعة من الأحاديث التي سمعها من النبي ﷺ . وائل: في أي مصدر قرأت هذا يا هشام؟. هشام: في كتاب (جامع بيان العلم) لابن عبد البر. وكتاب (تقييد العلم) للخطيب. وائل: سأرجع إلى هذين المرجعين إن شاء الله لأنَّ الشيخ عارف عودني قراءة المصادر. عارف: عندنا اليوم كبد وسمك، فتناولوا معنا طعام العشاء. وائل: كبد وسمك؟ هذا الطعام يذكرني بسؤال. السمك الميت.. كيف يجوز أكله، والقرآن يحرم علينا أكل الميت؟.

стр. 57

عارف: يا وائل ... النبي ﷺ استثنى من الميت السمك والجارد واستثنى من الدم (الكبد والطحال) فهذا من باب تقييد السنة لمطلق القرآن. ومن يقل: إن القرآن يغنينا عن السنة. فقد حرم على نفسه الكبد والسمك. وائل: حبي للكبد والسمك، سيزيذني اهتماماً بدراسة السنة. يضحك الجميع - ونتركهم وهم يتناولون العشاءَ، وإلى لقاءٍ.

стр. 58

اللقاء الثالث في هذا اللقاء: * أدركوا هؤلاء الشباب. * من الاعتماد إلى الاجتهاد. * التلقي بالعقل، والتلقي بالقلب. * نحو سلفية صحيحة. * اختلاف لا يضر. * إذا عرف السبب. * الاختلاف الفقهي لا التعصب الفقهي. * السواك ... ومعجون الأسنان. * هل تصلي خلف الإمام مالك؟ * من أجل صاحب هذا القبر.

стр. 59

الفصل الأول اختلاف الأئمة بعد صلاة الفجر، جلس الشيخ عارف، مع بعض الشباب، يتجاذبون أطراف الحديث. وجلس معهم الشيخ شاكر الذي عُيّن إماماً جديداً للمسجد. شاكر: لقد عزمت على تقديم استقالتي، أو أطلب نقلي من القرية. لقد أصبح الشباب يُعدّد الجماعة في المسجد أثناء الصلاة، ويعمل على تفريق القرية باسم الدين. عارف: ما هي الأسباب في تصورك يا شاكر؟. شاكر: يقولون: إن مذهبي حنفي. المذهب الحنفي

стр. 60

لا يحكم بنقض الوضوء عند لمس المرأة ولا قنت في صلاة الصبح. عارف: توقع يا شيخ شاكر كثيراً من هذه المتاعب، لأنَّ طريق الدعوة إلى الله لم يُفرش بالورود. ومسألة الاختلافات الفقهية يجب أن يفهما الشباب فهماً صحيحاً. الخلافات الفقهية يا شاكر دليل على نضج هذه الأُمة، وحرية فكرها. والنبي ﷺ قد ربى صحابته على الاجتهاد فيما لا نص فيه، لينقلهم من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الاجتهاد. فقد ثبت في صحيح السنة، أن النبي ﷺ عندما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: كيف تقضي بين الناس؟ قال بكتاب الله. قال فإن لم تجد؟ قال: بسنة نبيه، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي - فقال

стр. 61

النبي الكريم ﷺ : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يُرضي الله ورسوله، والخلاف الفقهي والحمد لله في الفروع فقط. ويجب ألا يكون سبباً في التفرق في الدين، أو يؤدي إلى خصومة أو بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه، في مسائل الخلاف، في ظل الحب في الله، والتعاون في الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجرّ ذلك إلى المراء المذموم، أو التعصب. (١) ثائر: الاجتهاد بطبيعته يُولّد الخلافات، والخلافات تولد الفرقة. عارف: يا ثائر الخلافات الفقهية غير التعصب الفقهي. الاجتهاد لابد منه، لأنَّ النصوص الشرعية متناهية، ومشكلات الناس غير متناهية. فلابد

стр. 62

من الاجتهاد لسدّ حاجات الأُمة، فيما يُستجد من مشكلات. وما يتسع من رقعة الجولة، وواجبنا أن نتلقي الخلافات الفقهية بعقولنا، لا بقلوبنا. لأن تلقي الخلافات الفقهية بالقلب يُؤدي إلى الفُرقة. راضي: يا شيخ عارف الله يكرمك. نحن الآن في مسجد القرية، ولسنا في الجامعة. ما هو الفرق بين التلقي بالعقل، والتلقي بالقلب؟. عارف: يا حاج راضي ... من تلقى الخلافات الفقهية بعقله حاول أن يبحث عن دليل لكل رأي وقارن بين الأدلة، وعند ذلك يأخذ بالرأي الأقوى دليلاً. أما من تلقاها بقلبه أي بعاطفته فقد يكتفي بأن إمامه - الذي يحبه - قال كذا. فلابد أنه صادق، فيسلم بصحته، ويغلق عقله عن كلام غيره من الأئمة، وكل واحد يُؤخذ من

стр. 63

كلامه ويُردّ عليه، إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه فمن تلقى الخلافات الفقهية بقلبه يعرف الحق بالرجال. ومن يتلقالها بعقله يعرف الرجال بالحق. عماد: هل اختلف صحابة النبي ﷺ عندما اجتهدوا؟ راضي: (متعجباً) كيف يختلف أصحاب النبي ﷺ ، وفيهم النبي؟! عارف: قلت لكم إن النبي ﷺ رباهم على الاجتهاد ليخرجوا من دور الاعتماد، إلى دور الاجتهاد، وذلك ليتهيأ كل صحابي لحمل الرسالة، في قطر من الأقطارز وكان النبي ﷺ يُقرّ نتائج اجتهادهم. ووعد المجتهد إن أخطأ بأجر اجتهاده وإن أصاب فله أجران. روى البخاري عن ابن عمر. والبيهقي في سننه. أن رسول الله ﷺ -

стр. 64

عندما انتهى من غزوة الأحزاب، أراد أن يُؤَدَّب يهود بني قريظة على خيانتهم، فقال للصحابة: عزمت عليكم لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. فغربت الشمس قبل أن يأتوها. فقالت طائفة من المسلمين ... إن النبي لم يُرد أن تَدَعُوا الصلاة. فقاموا لصلاة العصر، ثم واصلوا السير. وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة النبي ﷺ ، وما علينا من إثم. فلم يصلزا حتى وصلوا. يقول الإمام ابن تيمية: فصلت طائفة إيماناً واحتساباً. وتركت طائفو إيماناً واحتساباً. فأقرّ النبي ﷺ الاجتهادين. سراج: هذه الطائفة احترمت ظاهر النص وعملت به. والأُخرى احترمت روح النص، وعملت به. عارف: أحسنت يا سراج. وقد ذكر أُستاذنا الشيخ

стр. 65

محمد أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الفقهية) . ذكر أن عمرو ابن العاص ﵁ كان في سفر فأصابه ما يوجب الاغتسال فلم يستطيع، فتيمم وصلى، ثم اغتسل فلم يُعد الصلاة. بينما حدث مثل هذا لجماعة آخرين، فأعادوا الصلاة بعد الإغتسال. فلما علم النبي ﷺ بذلك، أقرّ الاجتهادين. لأنّ الأول أصاب عندما لم يُعد الصلاة، لأنَّ الصلاة بالتيمم تكفي. والثاني احتاط لدينه، وأعاد الصلاة. ثائر: كلامك مقنع يا فضيلة الشيخ. ولكن ما رأيك لو تركنا فقه المذاهب، وأخذنا ديننا من أحاديث الرسول ﷺ ، لنريح أنفسنا من الخلافات. عارف: هل تتصور يا ثائر أن أئمة المسلمين - رضوان الله عليهم - لم يدرسوا أحاديث رسول الله ﷺ -

стр. 66

ولم يأخذوا الأحكام منها؟ يا ولدي: أخاف أن تخدعك بعض الدعوات المعاصرة، الداعية إلى نكران فضل الأئمة، والخروج عليهم، فإن بعض الشباب يفهم من الحديث المروي فهماً مُعيناً، فإذا خالفه غيره قال له: لقد خالفت رسول الله ﷺ . لا يا ولدي. إن الحديث الواحد يصلنا بروايات عديدة. والرواية الواحدة كلما تعمقنا في دراستها، جادت علينا بعطاءٍ جديد. وأئمة المسلمين كانوا علماء بالحديث، ناقدين للسند، عارفين بالرجال الذين يروون الحديث، لقد ألف الإمام مالك كتابه (الموطأ في الحديث) والإمام أحمد بن حنبل له (مسنده) في الحديث والإمام الشافعي ييؤكد كتابه (الأُم) على علمية واسعة بالحديث، وفهم عميق للسند. وكان الإمام الشافعي يُعلق بعض المسائل فلا يُفتي فيها

стр. 67

انتظاراً للتيقن من صحة السند للحديث. إيماناً منه بأمانة الفتوى. وقد ألف الإمام النووي رسالة سماها (المنحة فيما علق الشافعي القول فيه على الصحة) وهذا يؤكد علم الشافعي بالحديث، واحترامه له. والإمام الأعظم أبو حنيفة كان من أشد الرجال حرصاً على صحة الحديث الذي يأخذ به، وكان تلميذه محمد بن الحسن أشد منه في هذا الميدان. ثائر: أبو حنيفة كان يُقدم الاجتهاد على حديث الاحاد والاجتهاد عمل عقل غير معصوم، وحديث الآحاد فيه رائحة الوحي والنبوة، وإن لم نقطع بصحته. عارف: يا ثائر يا ولدي.. القياس هو نقل حكم شرعي ثابت، لقضية مشابهة. فليس فيه من عمل العقل البشري إلا الصفة الجامعة بين القضيتين.

стр. 68

وإذا كانت ترى في الحديث الضعيف رائحة الصحة، فإن أبا حنيفة كان يرى فيه ملامح الوضع، والكذب على رسول الله ﷺ . يا ثائر يا ولدي أعجبتني كلمة للأستاذ الإمام محمد الغزالي يقول فيها: (إن نقد الأئمة لا يتصدى له إلا من قارب مستواهم على الأقل، وكان نقده بياناً للحق، كما وقر في نفسه، دون أن يجعل الحق حكراً على فهمه هو، ودون أن يحرم عباد الله الصالحين أجورهم على ما اجتهدوا، أخطأُوا أم أصابوا. ثم يقول فضيلته: وقد درست الحصيلة الأخيرة لجهود هؤلاء الذين يتطاولون على فقه الأئمة فوجدتها تشكيلة من فقه المذاهب القديمة، أساسها التلفيق، ورأيت أحكاماً جديدة يدعي من بلغوها أنها الدين، وهي لا تزيد

стр. 69

على أنها آراءٌ لأصحابها، تخضع لقانون الخطأ والصواب يؤجرون عليها - إن شاء الله - أصابوا أم أخطأُوا. ومشكلة هؤلاء أنهم يفهمون من الأثر (الحديث) المروي فهماً ما، فإذا خالفهم غيرهم قالوا له: خالفت رسول الله. مع أن فهمهم قد يكون شراً مستطيراً على السنة وصاحبها، والدين ومستقبله، فمن حق أولي الألباب من العلماء أن يأخذوا على أيديهم، ويُحذروا الناس منهم (١) . فأئمة المسلمين يا ثائر كانوا علماء بالحديث الشريف، ومنه استمدوا أُصول اجتهادهم. وقد أجمعت الأُمة على أن الأئمة ﵃ لم يتعمدوا مخالفة لنص قرآني ولا لحديث صحيح، فإن وُجِد لواحد منهم رأي

стр. 70

يخالف حديثاً صحيحاً، فلابد من عر له في عدم الأخذ بهذا الحديث. وذلك كضعف سند الحديث عند هذا الإمام، أو ثبوت حديث أقوى منه سنداً، فيأخذ الإمام بالحديث الأقوى، أو تعارض الحديث مع ظاهر آية قرآنية، فيأخذ الإمام بالآية القرآنية، ويؤول الحديث (١) . راضي: أجلس بينكم ولا أكاد أفهم شيئاً يا شيخ عارف. شاكر: نحن بحاجة إلى محاضرة طويلة، يشرح فيها الشيخ عارف هذه القضية بإسهاب. لأن الشباب بحاجة إلى من يبصره بحقائق الإسلام. عارف: اقرأ انت يا شيخ شاكر، فوقتك أوسع، وأنت شاب مثلهم، وإن اختلفوا معك، فهم يُحبونك والحمد لله.

стр. 71

شاكر: أي كتاب عالج هذه القضية يا شيخ عارف؟. عارف: "الانصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف" للبطليوس. "بداية المجتهد لابن رشد. وقد كتب في هذا الموضوع الدكتور مصطفى الزلمي. والدكتور محمد أبو الفتح البيانوني. وأستاذنا الدكتور عبد الكريم زيدان، وأُستاذنا الشيخ محمد الغزالي في كتابه "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين". يا أبنائي: لا تخدعكم دعوة بعض المعاصرين، التي تهدف إلى ترك فقه المذاهب باسم (اللامذهبية) أو باسم (السلفية) فإن السلفية - كما صورها - فضيلة الشيخ محمد الغزالي - هي دعوة إلى الإيمان السهل السائغ البعيد عن التقعر، البرئ من المماحكات، وليست السلفية قنطرة لترويج بعض الآراء، أو حبالاً ينصبها بعض البله في المجتمع لاصطياد الأغرار

стр. 72

شاكر: إن شاء الله موعد محاضرتك عقب صلاة الجمعة ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ عارف: قبلت الدعوة، وسأحضر بتوفيق الله. ولكنني أُحب أن أُؤكد بينكم بعض القضايا، قبل أن أنساها. أولاً: لابد من دراسة الإسلام على يد أُستاذ فاهم، لأنَّ الدراسة بغير أُستاذ كالتداوي بغير طبيب خطرها أقرب من نفعها. ودور الأُستاذ أن يعطي كل قضية حجمها الذي تستحقه من الدارسة. وذلك حتى لا ينشغل الشباب بقضايا فرعية عن الجوهر، أو ينشغلوا بالنوافل عن مستقبل لا إله إلا الله. يا أبنائي: إن عقيدة (لا إله إلا الله) في خطر، والإسلام يُذبح في كثير من بلاد العالم. والمسلمون في غفلة، يناقشون فضل السواك على معجون الأسنان.

стр. 73

وابن عطاء الله السكندري يقول: من عبادة الهوى التي نهانا الله عنها، أن ننشغل بالنوافل عن الواجبات، فما أقبح أن ينتقل مصاب إلى المستشفى، فينشغل الطبيب بتصفيف شعره، عن إنقاذ حياته. ثانياً: عليكم أن تتلقوا الخلافات الفقهية بعقولكم لا بعواطفكم، والدليل هو دائرة التحكيم بين رأي وآخر ونحن لا ندعي العصمة للأئمة. والخلافات الفقهية ظاهرة صحية، أنها أمدت الأمة بثروة تشريعية وسعت الأُمة طوال القرون الماضية. أما التعصب الفقهي فهو خيبة في العقول، وهو سبب الشقاق. إن بعض الشباب يعتب على أئمتنا بسبب حدوث الخلافات، مع أن القرآن الكريم حكى لنا قصة نبيين اجتهدا - في قضية واحدة -

стр. 74

فأصاب أحدهما الحكم وهو سليمان ﵇ ومع ذلك فقد امتدح القرآن داوود ﵇ ولم يُنقص من قدره. قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٧٨، ٧٩] . فالأنبياء اجتهدوا، واختلفوا، ومع ذلك فقد مدحهم القرآن. أليس هذا يرفع الملام عن أئمتنا؟ ثالثاً: مسألة لمس المرأة ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء، مسألة شبع العلماء من دراستها، ولا داعي أبداً لتجديد هذه الخلافات. فمعظم الأحاديث الصحيحة تؤكد عدم نقض الوضوء بلمس المرأة،

стр. 75

من ذلك قول السيدة عائشة: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ورجلاي في قبلته. فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي. والحديث متفق عليه. أما إذا صاحب اللمس شهوة، فجميع الأئمة يوجبون إعادة الوضوء. رابعاً: مسألة القنوت في صلاة الصبح، سنة في أيام الحرب والشدائد، فقد كان النبي ﷺ يدعو في كل صلاته أيام الشدائد. أما في غيرها فيجوز الدعاءُ، ويجوز الترك. وقرأت للشيخ السيد سابق بعد أن ذكر أدلة المذهبين (١) في القنوت، قال: هذا من الاختلاف المباح الذي يستوي فيه الفعل والترك. فإذا كان الدعاءُ سنة فإن وحدة الأُمة فرض. واجتهاد إمام ليس حجة على إمام آخر.
следующие страницы →