شاكر: أي كتاب عالج هذه القضية يا شيخ عارف؟.
عارف: "الانصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف" للبطليوس.
"بداية المجتهد لابن رشد.
وقد كتب في هذا الموضوع الدكتور مصطفى الزلمي.
والدكتور محمد أبو الفتح البيانوني.
وأستاذنا الدكتور عبد الكريم زيدان، وأُستاذنا الشيخ محمد الغزالي في كتابه "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين".
يا أبنائي: لا تخدعكم دعوة بعض المعاصرين، التي تهدف إلى ترك فقه المذاهب باسم (اللامذهبية) أو باسم (السلفية) فإن السلفية - كما صورها - فضيلة الشيخ محمد الغزالي - هي دعوة إلى الإيمان السهل السائغ البعيد عن التقعر، البرئ من المماحكات، وليست السلفية قنطرة لترويج بعض الآراء، أو حبالاً ينصبها بعض البله في المجتمع لاصطياد الأغرار
стр. 72
شاكر: إن شاء الله موعد محاضرتك عقب صلاة الجمعة ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾
عارف: قبلت الدعوة، وسأحضر بتوفيق الله.
ولكنني أُحب أن أُؤكد بينكم بعض القضايا، قبل أن أنساها.
أولاً: لابد من دراسة الإسلام على يد أُستاذ فاهم، لأنَّ الدراسة بغير أُستاذ كالتداوي بغير طبيب خطرها أقرب من نفعها.
ودور الأُستاذ أن يعطي كل قضية حجمها الذي تستحقه من الدارسة.
وذلك حتى لا ينشغل الشباب بقضايا فرعية عن الجوهر، أو ينشغلوا بالنوافل عن مستقبل لا إله إلا الله.
يا أبنائي: إن عقيدة (لا إله إلا الله) في خطر، والإسلام يُذبح في كثير من بلاد العالم.
والمسلمون في غفلة، يناقشون فضل السواك على معجون الأسنان.
стр. 73
وابن عطاء الله السكندري يقول: من عبادة الهوى التي نهانا الله عنها، أن ننشغل بالنوافل عن الواجبات، فما أقبح أن ينتقل مصاب إلى المستشفى، فينشغل الطبيب بتصفيف شعره، عن إنقاذ حياته.
ثانياً: عليكم أن تتلقوا الخلافات الفقهية بعقولكم لا بعواطفكم، والدليل هو دائرة التحكيم بين رأي وآخر ونحن لا ندعي العصمة للأئمة.
والخلافات الفقهية ظاهرة صحية، أنها أمدت الأمة بثروة تشريعية وسعت الأُمة طوال القرون الماضية.
أما التعصب الفقهي فهو خيبة في العقول، وهو سبب الشقاق.
إن بعض الشباب يعتب على أئمتنا بسبب حدوث الخلافات، مع أن القرآن الكريم حكى لنا قصة نبيين اجتهدا - في قضية واحدة -
стр. 74
فأصاب أحدهما الحكم وهو سليمان ﵇ ومع ذلك فقد امتدح القرآن داوود ﵇ ولم يُنقص من قدره.
قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٧٨، ٧٩] .
فالأنبياء اجتهدوا، واختلفوا، ومع ذلك فقد مدحهم القرآن.
أليس هذا يرفع الملام عن أئمتنا؟
ثالثاً: مسألة لمس المرأة ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء، مسألة شبع العلماء من دراستها، ولا داعي أبداً لتجديد هذه الخلافات.
فمعظم الأحاديث الصحيحة تؤكد عدم نقض الوضوء بلمس المرأة،
стр. 75
من ذلك قول السيدة عائشة: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ورجلاي في قبلته.
فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي.
والحديث متفق عليه.
أما إذا صاحب اللمس شهوة، فجميع الأئمة يوجبون إعادة الوضوء.
رابعاً: مسألة القنوت في صلاة الصبح، سنة في أيام الحرب والشدائد، فقد كان النبي ﷺ يدعو في كل صلاته أيام الشدائد.
أما في غيرها فيجوز الدعاءُ، ويجوز الترك.
وقرأت للشيخ السيد سابق بعد أن ذكر أدلة المذهبين (١) في القنوت، قال: هذا من الاختلاف المباح الذي يستوي فيه الفعل والترك.
فإذا كان الدعاءُ سنة فإن وحدة الأُمة فرض.
واجتهاد إمام ليس حجة على إمام آخر.
стр. 76
فقد حدث أن لقى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً فسأله عمر: ماذا صنعت؟.
قال الرجل: قضى علي بن أبي طالب بكذا.
عمر: لو كنت أنا القاضي لقصيت بكذا.
قال الرجل: فما منعك والأمر إليك؟
قال عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة النبي ﷺ لفعلت.
ولكنني أردك إلى رأي - أي اجتهاد مني والرأي مشترك.
فعمر لم يقبل أن يرد اجتهاد الإمام علي باجتهاد مثله لأنَّ اجتهاد إمام ليس حجة على مجتهد آخر.
ولكن عندما يخالف الاجتهاد نصاً، فلا اجتهاد مع نص.
(ينظر الشيخ إلى ساعته ويقول: سامحكم الله، لقد أشرقت الشمس، والحاج راضي يريد أن يُغلق باب المسجد ليستريح) .
ويخرج الجميع على أمل اللقاء يوم الجمعة إن شاء الله.
стр. 77
الفصل الثاني
اختلاف الأئمة
امتلأ المسجد بالشباب الذين امتدوا إلى الشوارع المجاورة لمسجد القرية، بينما جلست الأخوات فوق البيوت يسمعن المحاضرة.
واستفتح الشيخ بالذي هو خير، ثم بدأ الحديث.
عارف: أقدم للمحاضرة بعض النقاط الهامة، التي توفر علينا كثيراً من الوقت.
أولاً: عصم الله هذه الأُمة عندما حدد القرآن كل جزئيات العقيدة، قلم تختلف الأُمة في عقيدتها.
أكرم الله هذه الأُمة، عندما جعل الشريعة الإسلامية قسمين.
стр. 78
* قسم إلهي: حدده القرآن بالنص - الذي لا يقبل التأويل - كتحريم الربا، والسرقة، والزنا أو إباحة الطيبات، وبيان الفرائض.
وهذا الجانب لم تختلف فيه الأُمة.
وحكمه حكم العقيدة، ومُنكره كافر.
* وقسم اجتهادي: جعل الله نصوصه قابلة للاجتهاد، وتعدد الفهم.
وذلك ليتسع عطاءُ الشريعة، لأنَّ نصوصها محددة، ومشكلات الناس لا نهائية، وهذا جانب من جوانب عظمة الشريعة.
ثانياً: أجمعت الأُمة على أن القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ هما أصل الشريعة.
ولم تختلف الأُمة إلا في السند الذي وصلتنا السنة عن طريقه.
فمن الأئمة من قبل سنداً وعمل به، ومنهم من رفض
стр. 79
هذا السند ولم يعمل بمتنه.
لعدم الثقة في رجاله.
وهذه مسألة تخضع لعلم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وتاريخ الرجال (١) .
ولكن الذي أُؤكده الآن، أن أحداً من الأئمة لم يتعمد رفض حديث صحيح، فإن وُجد لواحد منهم قولاً يخالف حديثاً صحيحاً، فلابد من عذر له، في عدم الأخذ بهذا الحديث.
وذلك كضعف السند الذي وصل به هذا الحديث عند هذا الإمام.
مع أن الحديث نفسه قد يصل إماماً آخر بسند أقوى فيقبله.
أو بسبب اقتناع الإمام بحديث أقوى سنداً من الحديث الأول , فيأخذ بالأقوى.
وقد يتعارض الحديث مع ظاهر
стр. 80
آية قرآنية، فيشك الإمام في سند الحديث، فيأخذ بالآية، ويُؤول الحديث.
عماد: نرجو أن يسوق الشيخ لنا مثالاً لذلك.
الشيخ: النماذج كثيرة.
من ذلك مثلاً ما روى أن النبي ﷺ نهى عن القصاص، إذا قتل مسلم كافراً.
روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال أن النبي ﷺ قال: لا يُقتل مسلم بكافر.
واعتمد جمهور كبير من العلماء هذا الحديث، فاستثنى الكفار وأهل الكتاب من عموم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فأفتوا بعدم القصاص من المسلم إذا قتل ذمياً.
فالعلماءُ اعتبروا هذا الحديث مُخصصاً لعموم الآية الكريمة.
ولكنَّ أبا حنيفة عمل بالآية الكريمة - التي تسوي بين كل
стр. 81
القتلى المقيمين في دار الإسلام، لحُرمة دم أهل الكتاب، ولأَنّ لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فالقصاص يتفق مع روح المساواة، التي امتازت بها الشريعة الإسلامية.
ثائر: لكن الحديث الذي ذكرته صحيح، فكيف يهمل أبو حنيفة هذا الحديث مع صحته؟!
عارف: أبو حنيفة لا يستطيع أن يرفض الحديث، إذا ثبتت صحته.
ولكنه أوَّله بأن المراد من الكافر في هذا الحديث - هو الذي لا عهد له مع الدولة الإسلامية.
أو المراد بالكافر هنا غير الذي ثبتت بالأحاديث الصحيحة أن لهم ما لنا من حقوق، وعليه ما علينا من واجبات.
فجميع الأئمة إذا سلم لديهم الحديث فهو مذهبهم.
وإذا تعارض الحديث مع حديث آخر أقوى منه، أو مع ظاهر
стр. 82
آية قرآنية، فإن الأئمة يجتهدون في محاولة الوصول إلى الرأي الصحيح.
ثالثاًَ: لم يدع أحد من الأئمة لنفسه العصمة.
ولم تدَّعِ الأُمة العصمة لأَئمتها (١) ، فكل إنسان يؤخذ منه، ويرد عليه، إلا المعصوم ﷺ وهذه القاعدة تؤكد أن الخلافات الفقهية شيء والتعصب الفقهي شيء آخر.
فالخلافات الفقهية ظاهرة صحية لهذه الأُمة، وقد أَسهمت في توسيع الثروة التشريعية، لهذه الأُمة.
أما التعصب الفقهي، فظاهرة مرضية، ابتليت بها الأُمة، ونماها بعض الحكام على طول التاريخ، بقصد شغل الناس عن مساوئهم، وتسهيلاً لقيادتهم.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ .
стр. 83
وحسب التعصب الفقهي بلاء على الأُمة، أنه كان سبباً في دخول القوانين الفرنسية، إلى الدولة الإسلامية، عندما طلب سلاطين الخلافة العثمانية من بعض العلماء أن يُقنن الشريعة الإسلامية ليسهل الأخذ منها والحكم بها.
ولكن الذي حدث أن كل فقيه تعصب لمذهبه، وأصر أن يُؤخذ منه وحده، وأن يحكم بمذهبه فقط.
مما جعل السلطان يلجأُ إلى القانون الفرنسي، وقد صدق فيهم قول الشاعر:
المستجير بعمرو عند كُربته ...
كالمستجير من الرمضاءِ بالنار
كما أن التعصب الفقهي، شغل كثيراً من العلماءِ عن متابعة القضايا الفكرية المعاصرة، ومستقبل الإسلام في البلاد، لقد أخذ الإلحاد عدداً من
стр. 84
الجمهوريات الإسلامية، وفتن أهلها، ومن قبل سلب الصليبيون بلاد الأندلس - عروس بلاد الإسلام، وسرقوا ٨٠% من عقيدة بلاد الفليبين الإسلامية، وأحرق اليهود بيت المقدس، كل هذا بلاء حل بالمسلمين، وناهيكم بالغزو الفكري لبلادنا، فالغزو العسكري أهون خطراً من الغزو الفكري، إن الاستعمار مهما عاش في بلد فلابد أن يرحل، أما الغزو الفكري فيجند أبناء البلاد أنفسهم لحماية مصالح العدو، والتنصّل عن دينهم وتراثهم، كل هذا يحدث والمسلمون يشغلون أنفسهم بالجدل في فروع لا يضرهم أن يعملوا بأي رأي فيها.
وبعضهم يبحث عن بعض الخلافات القديمة - المتطفلة على العقيدة الإسلامية - والتي قبرها الزمن، ويحاول إحياءها، ويدفع وحدة الأُمة وتماسكها ثمناً لهذا
стр. 85
البلاء وكل ما أرجوه من الدعاة المخلصين الكرام أن يحددوا حجم القضية التي يدعون الناس لها، ويعطونها من الجهد بمقدار حجمها في دين الله.
وشغل الناس ببعض القضايا الفرعية، وتفرغ بعض الدعاة لدراستها، والرد على منكريها، وإثارتها في كل واد، يأتي على حساب قضايا أخرى متساوية معها في الحجم، أو على حساب قضايا كبيرة لا يسع المسلمون جهلها.
إن التيارات العالمية اليوم تجري بريح عاصف، ضد سفينة الإسلام.
فاليهودية العالمية تملك أمرين لا يضرها أن تفقد ما سواهما.
تملك البنوك العالمية، والإعلام العالمي.
والصليبية العالمية اليوم لا تدخر وسعاً في الترويج لحملات التبشير، التي لا تستهدف تغيير هوية الشباب المسلم، بقدر ما تستهدف تفريغه من الإسلام، أما الآفة الكبرى، في عصر
стр. 86
الناس هذا فهي الشيوعية العالمية، وهي ذئب يلبس جلد حمل، فإذا دخل الحظيرة، فعل بالقطيع ما يريد.
ولا يتسع المجال للحديث عن الدعوات الفرعية، التي يمولها ويُنميها الثلاثي السابق الذكر.
والتي دخلت بلاد محمد ﷺ في غفلة حراس الحق.
كل هذا ...
وحضرات المسلمين يُجدون في مناقشة: أيهما أفضل ...
أن نلتزم بالنص فنترك تسيد الرسول ﷺ في الأذان، أم نلتزم بالأدب، فنسيده ﷺ أيهما أفضل السواك، أم معجون الأسنان، هل تصح صلاة الصبح خلف إمام لا يقنت؟ وهل هبة الثواب للميت تصل أو لا تصل؟ وما مدى خطورة بناءِ المحراب في قبلة المسجد على عقيدة المسلمين.
وأيهما أفضل: التسبيح على اليد، أم على المسبحة.
سامح الله المسلمين لقد ناموا في النور،
стр. 87
بينما استيقط غيرهم في الظلام، وجد في السير أبنائي وإخواني تلاميذ القرآن: لقد أطلت في المقدمة، لأضع أيديكم على أبعاد المشكلة وخطرها.
والآن أحدثكم عن الأسباب التي ساعدت على اختلاف الفقهاء.
وأقترح أن نستمع إلى الحاج راضي يرتل بعض آيات القرآن لنُجدد نشاطنا (يقرأ الشيخ راضي مطلع سورة الحجرات إلى قوله تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ثم يقرأ (فَثبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) ثم يختم قراءته.
عماد: يا حاج راضي الآية (فتبينوا) وأنت قرأتها (فتثبتوا) بالثاء.
عارف: هما قراءتان قرأ بهما النبي ﷺ والقراءات المتعددة توسع معاني القرآن.
ولها دخل في مسألة اختلاف الفقهاء لقد قرأ النبي ﷺ قوله تعالى
стр. 88
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ١٥] قرأ النبي ﷺ (وأرجلَكم بالنصب) عطفاً على (اغسلوا وجوهكم) وقرأها بالجرّ (١) عطفاً على ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فأخذ جمهور علماء الأُمة بقراءة النصب فأوجبوا غسل الرجلين في الوضوء واستدلوا على ذلك بما رواه عبد الله بن عمرو فقد قال: تخلف النبي ﷺ عنا في سفر، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر.
فجعلنا نتوضأُ، ونمسح على أرجلنا - (عملاً بقراءة الجر) فنادى رسول الله ﷺ بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار.
قالها ثلاثاً.
(رواه البخاري ومسلم) .
стр. 89
شاكر: لكن رواية الجر صحيحة أيضاً، لأنَّ النبي ﷺ قرأ بها.
عارف: اعتبر الجمهور رواية الجر خاصة بالمسح على الخفين.
لأن النبي ﷺ مسح عليهما (١) .
стр. 90
والذي يعنينا هنا هو أن القراءات الثابتة عن النبي ﷺ ، لها دخل في اختلاف الفقهاء.
(يتقدم الشيخ راضي بكوب من الحليب الدافئ، للشيخ عارف، قائلاً: أنت تحلب ونحن نشرب)
عارف: كذبت عليك أن تسقني ماءً، يا شيخ راضي.
راضي: العفو يا شيخ عارف.
أنت لم تكذب أبداً والحمد لله (يضحك الشيخ عارف ويقول:
عارف: كلمة كذبت عليك، لها معنيان.
كذبت عليك بمعنى قلت غير الصدق.
وكذبت عليك بمعنى (أوجبت عليك) أن تسقني، فكلمة كذب لها معنيان.
وعمر بن الخطاب ﵁ يقول: كذب عليكم الحج.
وكذب عليكم العمرة، وكذب عليكم الجهاد.
ثلاث سفرات كذبن عليكم - يعني وجبن عليكم.
стр. 91
وهذا باب واسع في اللغة العربية، اسمه باب المشترك اللفظي
راضي: العلم واسع يا شيخ عارف.
فأنا لم أسمع عن كذب بمعنى وجب إلا الآن.
عارف: كثير من كلمات اللغة العربية لها معنيان متقابلان من ذلك كلمة ظننت فإنها تأتي بمعنى شككت في الأمر، وتأتي بمعنى تيقنت من الأمر، قال تعالى في مدح المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ فكلمة يظنون بمعني يتيقنون.
قال السيوطي أي الذين يتيقنون من لقاء الله.
حيث لا يذهب وهم عاقل أن الله يمدح قوماً بالشك في لقاء الله.
فالقرآن الكريم عندما حدد العدة للمطلقة قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] .
وكلمة (قُرْءٍ) في اللغة العربية لها معنيان (قُرْءٌ) بمعنى الحيض.
(وقُرءٌ) بمعنى الطهر
стр. 92
من الحيض.
وشواهد اللغة العربية كثيرة في ذلك فالشاعر وصف رجلاً ينزف دمه قال: له قُرءٌ كقرء الحائض.
فالقرءُ هنا بمعنى الحيض.
وشاعر آخر أراد مدح أحد المجاهدين أشاد بترفعه عن رغباته، وابتعاده عن نسائه، في أيام طهرهن، من أجل الحصول على النصر فقال:
أفي كل عام أَنت جاشم غزوة ...
تشدّ لأَقصاها عزيم عزائك
مورثة عزا وفي الحيّ رفعة ...
بما ضاع فيها في قرُوُءِ نسائك
فالقرءُ هنا بمعنى الطهارة من الحيض.
فالكلمة مشتركة بين معنيين متقابلين.
مما سبب اختلاف الأئمة في تحديد مدة العدة.
وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
فأي لوم على الأئمة في اختلافهم
стр. 93
واللغة العربية لغة القرآن - لها دخل في هذا الاختلاف، كما أن للقراءات دخل كبير (١) فيه ونشأ عن هذا التشديد صحة الحديث عند بعض الأئمة، فأخذ به.
وعدم صحته عند بعضهم، فأخذ بحديث آخر أقوى منه سنداً، ودائرة الخلاف هي الأحاديث التي لم تبلغ حدّ التواتر.
فأبة حنيفة - مثلاً - مع تشدده في البحث عن صحة الحديث، كان يحسن الظن بالناس.
فإذا روى رجل مستور الحال حديثاً، فإن الإمام يقبل روايته، لحسن ظنه بالناس - من ناحية - ولأَنّ
стр. 94
الأصل في المسلم أنه ثقة - من ناحية أخرى بينما لم يقبل تلميذه (محمد بن الحسن) أحاديث الرجل المستور الحال، الذي لم يتيقن من صلاحه، ويتحقق من عدالته، وذلك للاحتياط في أحكام الشريعة (١) ومن ذلك أيضاً أنّ الإمام مالك ﵁ أعتبر عمل أهل المدينة مصدراً من مصادر الشريعة الإسلامية.
وقد خالف في هذا الإمام (الليث بن سعد - إمام مصر) .
ومن يقرأ الرسالة المطولة التي كتبها الليث بن سعد وأرسلها إلى الإمام مالك - في هذا الشأن - يدرك أدب العلماء الرفيع، مع ما بينهم من اختلاف في الرأي (٢) وهناك علوم واسعة، وكتب مطولة ذكرت هذه القضية.
стр. 95
ولا أحب أن أوسع في هذا الموضوع، حرصاً على وقتكم (١) .
وأُوكد لكم ما بدأت به الحديث، من أن صدر هذه الأُمة تلقي الخلافات الفقهية بعقله.
فلم تتفرق كلمتهم.
أما نحن فقد تلقيناها بقلوبنا وعواطفنا.
وقد حفظ كل مجتهد لأخيه حقه في حرية الاجتهاد.
فعندما عرض الخليفة المنصور على الإمام مالك أن يعمم مذهبه على جميع البلاد، لم يقبل الإمام مالك احتراماً لاجتهاد بقية الأئمة رضوان الله عليهم، وأذكر يا أبنائي كلمة للعلامة الدهلوى قال:
стр. 96
كان صحابة النبي ﷺ والتابعون، ومن بعدهم منهم من يقرأ البسملة في الصلاة، ومنهم من لا يقرأ.
منهم من يقنت في الصبح، ومنهم من لا يقنت.
ومنهم من يعيد الصلاة التي صُليّت بالتيمم، ومنهم من لا يعيد.
ومع ذلك كان بعضهم يصلي خلف بعض.
وكان بعضهم يحترم اجتهاد بعض.
فقد صلى الإمام الشافعي ﵁ صلاة الصبح في بغداد، فترك دعاء القنوت، فلما سئل عن ذلك قال: احتراماً لصاحب هذا القبر يعني (أبا حنيفة) .
وسئل الإمام أبو يوسف: هل تُصلي خلف الإمام مالك إذا سال منه دم، ولم يتوضأ؟ فقال أبو يوسف: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك؟!
وذلك لأنَّ خروج الدم يبطل الوضوء عند أبي يوسف، ولا يُبطله عند الإمام مالك.
стр. 97
ثائر: كان يمكن للسُنة المطهرة أن تنهي هذا الخلاف.
ويفصل فيه النبي ﷺ .
عارف: يا ثائر يا ولدي.
الأحاديث الشريفة اختفلت طرقها، التي وصلتنا بها (السند) وقد تشدد بعض الأئمة في نقد تاريخ الرجال، الذين نقلوا إليهم الأحاديث، حتى لا يأخذوا دين الله إلا من مصادره الموثوقة ...
يا أبنائي.
هذه لمحة سريعة عن أسباب اختلاف الفقهاء، وأهم أسبابها، وإذا كان بعض الأغبياء أساء تصويرها، وحاول أن يفرق الأمة، فإن المنصفين في الشرق والغرب من المسلمين وغير المسلمين قد أدركوا عظمة هذا الاختلاف فالإمام ابن تيمية بعد أن تكلم عن اختلاف الفقهاء قال: بهذا العقل المتفتح، والقلب المتسامح، ندرس ما وقع من الأئمة من خلاف، لنرفع عنهم الملام.
ثم خلفت خلوفٌ تحاول هدم
стр. 98
القمم العلمية، وتلتمس لها الأخطاء من بعيد.
وتريد أن تجعل الإسلام بلا تاريخ علمي، ولا مفكرين كبار، وحين تنظر إلى هذه الخلوف المسعورة، تدرك مزيجاً من الجهل والكبر، لا يستحق إلا المقت والإذلال، هؤلاء هم الذين يُشوهون سيرة الأئمة.
وإذا كان رأي ابن تيمية هو رفع الملام عن الأئمة، فقد شهدت جامعات باريس مؤتمراً في كلية الحقوق سنة ١٩٥١ أكد هذا المؤتمر أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة لا يماري فيها، كما أكد هذا المؤتمر عظمة الدور الذي أداه اختلاف الفقهاء المسلمين في تنمية الثروة الفقهية.
وجاء في القرارات التي اتخذها هذا المؤتمر.
أن اختلاف المذاهب الفقهية، في الشريعة الإسلامية، ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات.
وأوصى المؤتمر بوضع معجم للفقه
стр. 99
الإسلامي، يسهَل الرجوع إلى المصادر الفقهية، ليكون موسوعة للفقه الإسلامي، تعرض فيه الشريعة بطريقة تتلاءم أسلوبياً مع التطور المعاصر.
أشكركم على حسن سماعكم وأفتح الباب للمناقشة وأرجو أن يجمع الله كلمتكم، ويوحد صفكم.
بعد المحاضرة قام الشباب يصافح بعضه بعضاً، ويعتذر بعضهم للآخر عما بدا منه من جفاءٍ.
стр. 100
اللقاء الرابع
في هذا اللقاء
* الذين يتطوعون بتيسير الزنا.
* هل ألسنة الناس أقلام الحق دائماً؟
* قبر الجرائم الأخلاقية أفضل.
* لو كنت سترته بثوبك كان خيراً لك.
* لا توثقوه بالحبال.
* أوَّلُه سفاحٌ وآخره نكاحٌ.
стр. 101
لم تعرف القرية فتاة في طهرها، وحسن سيرتها، مما دعا طلاب الغفاف أن يتقدموا لخطبتها.
وفي زحام الركب تسرَّب "حلاق الفضيلة" - آسف - حلاق النساء - صاحب "الكوافير" الجديد بالقرية.
تقدم لخطبتها.
فحالت سيرته الشائنة بينه وبين ما يريد.
ولأول مرة يرى نفسه أمام امرأة من طراز خاص.
أمام امرأة لن تسمح لمثله أن يكشف غطاء رأسها ليعبث بشعرها.
فضلاً عن السماح له أن يعبث بما تحت هذا الشعر، من عقل صنعه الإسلام.
هاجت سموم الحرمان في نفسه - تنسج من
خياله الكليل ما يبرر رفض الأسرة له.
وصادف افتراؤه أحقاد المتردّدات على محله.
فتلقوا كل فرية بالقبول.
وأشاعوا بها أحقادهم.
وفي الظلام تنشط الخفافيش.
стр. 102
علاء: لعلك ما يدور على ألسنة الناس في القرية.
عارف: غياب الشريعة عن سلوك الناس هو سبب متاعبهم.
علاء: أَلسِنَةْ الناس أَقلام الحق.
عارف: أي ناس؟ وأي حق؟ أتعني أن ألسنة الناس أَقلام الحق عندما تكلموا عن مريم البتول، فطهّر القرآن سيرتها ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٤٢] .
أم تعني أن أَلسنة الناس أقلام الحق عندما وقعوا في حديث الإفك المفتري على السيدة عائشة، فبرّأَها الله مما قالوا ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور ١١] .
علاء: أيّ خير في حديث الإفك؟
عارف: عرف المسلمون من دفاع القرآن الكريم عن
стр. 103
عائشة ﵂ منزلتها الكريمة عند الله.
فقد أثبت الله براءتها في عشر سور من القرآن.
يا علاء ...
إن ألسنة الناس عندما تخوض في الأعراض هي حبائل الشيطان.
وليست أقلام الحق.
وكثير منهم يُمهّد للجرائم الأخلاقية، وهو يتصور أنه يستنكر الفاحشة بكلامه.
علاء: ماذا تعني؟ أَيأتي الخيرُ بالشر؟.
عارف: أَي خير؟!
علاء: استنكار الفاحشة.
عارف: هل يستطيع شاب - مهما بلغ فسقه - أن يطرق الأبواب المستورة ويراود نساءها على الفاحشة؟
علاء: بالطبع لا ...
عارف: ولكن عندما يجلس أحدهم مُتطوعاً يخوض في أعراض الناس، فسوف يدلّ بحديثه هذا كل
стр. 104
راغب في الفاحشة على صيده.
أن هذا الغبيّ يتطوع بتذليل أَشدَّ العقبات للزنا
وهي البحث عن الفريسة في مجتمع مستور.
فإذا وقع الزنا بسبب حديثه، فهو شريك في الإثم: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت ١٣] أثقالهم ...
في رمي المحصنات، وكشف ستر الله.
وأثقالاً مع أثقالهم..
إذا تمّ الزنا بسبب دلالتهم.
على بيوت الفاجرات.
روت السيدة عائشة أن رسول الله ﷺ قال أتدرون ما أربى الربا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال فإن أربي الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم.
ثم قرأ قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٥٨]
стр. 105
إن الله يحب أن تقبر الجرائم الأخلاقية في مكانها.
لأن إشاعتها كثيراً ما تنقل المرأة من الانحراف إلى الاحتراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور ١٩] .
علاء: عذاب الآخرة هو النار، فما عذابهم في الدنيا؟
عارف: يُطالب بأربعة شهداءٍ يُؤيدون دعواه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور ٤] .
علاء: سبحان الله ...
يحاول أن يأتي بأربعة شهداء ليدفع الجلد عن نفسه.
لقد أصبح في قفص الاتهام.
عارف: وبعد الجلد لن يخرج من قفص الاتهام لأنه
стр. 106
سيظل ما بقى من عمره متهماً، ومردود الشهادة أمام القضاء وأما الناس ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
علاء: قد يكون صادقاً.
عارف: فليأتنا بأربعة شهداء.
علاء: الجرائم التي تحدث في الطريق العام يصعب أن نقيم عليها أربعة شهداء.
فكيف بالزنا الذي لا يحدث إلا من وراء جدار؟.
عارف: القتل يثبت بشهادة اثنين فقط.
أما الزنا فلابد من أربعة شهداء: قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] .
يا علاء يا ولدي ...
ذكر ابن قدامة في كتابه المغني: أن عدم إكمال
стр. 107
الشهود أربعة يوجب جلد الشهود.
استدل على ذلك بما فعله عمر بن الخطاب ﵁ عندما جلد "أبا بكر بن مسروح" وأصحابه في قضية المغيرة بن شعبة.
فقد جلدهم عمر عندما شهد ثلاثة، وتراجع الرابع - وهو زياد بن عبيدة ولم يشهد.
(القصة بتمامها في تاريخ الأُمم والمسلوك للطبري حـ ٤ ص ٢٠٦) .
علاء: مجرد اكتمال الشهود أربعة هل يوجب إقامة الحدّ؟.
عارف: لابد أن يناقش القاضي الشهود.
حتى يقتنع بصدقهم.
علاء: فإذا رأى القاضي بنفسه الزنا، هل يجلدهم بعلمه؟.
عارف: يصبح القاضي في حكم المبلغ ويطلب منه أربعة شهداء.
جاء في مسند الإمام أحمد: أن أبا بكر
стр. 108
الصديق ﵁ قال لو رأيت أحداً على حدٍ من حدود الله ما أخذته، حتى يكون معي غيري.
(أي شهود) .
علاء: هذا ما نسميه اليوم "حيادية القضاء" وأسألك يا شيخ عارف: حديث القرية عنها، ألا يُعتبر دليلاً، على الأقلّ يمنعني من إتمام لازواج بها؟
فما بيننا مجرد خطبة.
عارف: لا ياعلاء ...
فقد قال ﷺ "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ فُلَانَةَ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهَا الرِّيبَةُ فِي مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا".
(رواه ابن ماجة. ٢٥٤٩) .
فمع ظهور الريب في منطقتها ...
وهيأتها ...
والذين يدخلون عليها مع كل هذا لم يحكم النبي ﷺ عليها.
(إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أما خطيبتك فلم يظهر
стр. 109
منها سوى الإيمان والتقوى.
إن الأحكام الكبيرة لا تُؤخذ في ثورة الغضب.
ولا تُبنى على الشبهات.
روى عن عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ".
(رواه الترمذي. ١٣٤٤) .
علاء: ماذا المراد بالشبهات؟.
عارف: ليس كل من جمع على دعواه أربعة شهداء لابد أن تُقبل دعواه، وأن نقيم الحد بشهادتهم.
يا علاء إن الحد - في موضوع الزنا - حد صارم.
جلد مائة جلدة لغير المتزوج، ورجم حتى الموت للمتزوج.
ولا تنس ما يلحق أُسرتها بعد ذلك من عار.
لذلك شدد الإسلام في قبول الدعوة ما لم يُشدد في أي دعوة أُخرى.
فلابد أن يناقش
стр. 110
القاضي شهود الإثبات.
وأي اختلاف بينهم في الشهادة تُرد شهادتهم، كاختلافهم في تحديد المكان الذي حدث فيه الزنا، أو الزمان الذي حدث فيه.
ولابد أن يعترف الشهود بمشاهدتهم لعورة الرجل والمرأة بما يثبت تمام الزنا.
فعندما شهد ثلاثة أمام عمر بن الخطاب بتمام الزنا، وقال الرابع: ﴿ايت منظراً قبيحاً، وسمعت نَفَساً عالياً.
وما أَدري أَخالطها أو لا.
رد عمر شهادته.
وأمر بجلد الثلاثة "البلاذرى: فتوح البلدان" فإذا علمت يا علاء إن النبي ﷺ قَالَ:
"لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ".
(رواه مسلم. ٥١٢)
علمت أنّ إتمام الشهادة أَمرٌ صعب.
إنّ الله يحب أن تقبر الجرائم الأخلاقية في مكانها
"وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
(رواه البخاري.٤٨٦٧)