Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
المطلب الثاني حكم إطلاق النص على الظاهر
لقد أطلق بعض العلماء - كالإمام الشافعي كما حكي عنه - اسم
النص على الظاهر، وهو: اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في
أحدهما أظهر.
وهذا لا مانع منه من جهة اللغة؛ وذلك لأن النص عند بعض أهل
اللغة هو: الظهور، ومنه قول العرب: " نصت الظبية رأسها " إذا
رفعته وأظهرته، ومنه تسمية الكرسي الذي تجلس عليه العروس:
منصة؛ لأنها تظهر عليه.
ولكن الأقرب إلى الصواب والأوجه هو: عدم إطلاق النص على
الظاهر، فالنص له حدُّه الخاص به وهو: " اللفظ الذي يفيد معناه
بنفسه من غير احتمال "، والظاهر - أيضا - له حده الذي سيأتي
ذكره.
دليل ذلك:
أننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما
على خلاف الأصل:
الأمر الأول: الترادف بيانه:
أنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن لهذين اللفظين
وهما: " النص " و " الظاهر " معنى واحد، وهو معنى الظاهر،
стр. 1122
وهو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، وهذا هو الترادف
الذي هو على خلاف الأصل.
الأمر الثاني: الاشتراك، بيانه:
أنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين
هو في أحدهما أظهرْ هما: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك،
والاشتراك خلاف الأصل.
وذلك لأن الأصل هو: أن يكون للفظ معنى واحد، وأن يكون
للمعنى لفظ واحد.
***
المطلب الثالث
حكم النص
أن يصير المكلَّف إلى معناه، وأن يعمل بالحكم الذي دلَّ عليه ولا
يتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فهنا يترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.
стр. 1123
المبحث الثاني في الظاهر
ويشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريفه.
المطلب الثاني: حكم الظاهر.
المطلب الثالث: في التأويل.
стр. 1124
المطلب الأول
تعريف الظاهر
أولاً: الظاهر لغة: هو الشاخص المرتفع، والواضح المنكشف،
ويطلق لغة على خلاف الباطن، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)
ثانياً: الظاهر اصطلاحا: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في
أحدهما أظهر.
معناه إجمالاً:
أن الظاهر هو: اللفظ الذي فهم منه السامع معنيين، ولكن رجح
أحد هذين المعنيين، دون الآخر.
محترزات التعريف:
قولنا: " الذي يحتمل معنيين " أخرج النص؛ حيث إن النص هو
اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط - كما سبق -.
وقولنا: " هو في أحدهما أظهر " أخرج المجمل؛ لأن المجمل
هو: اللفظ الذي. احتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر، أي:
اللفظ المتردد بين معنيين على السواء كالقرء.
стр. 1125
المطلب الثاني
حكم الظاهر
أن يصيرِ السامع إلى معناه الظاهر له، والراجح عنده، فيجب
العمل بما دلّ عليه من الأحكام، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح
والظاهر إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو
نسخه.
стр. 1126
المطلب الثالث في التأويل
ويشمل على مسائل:
المسألة الأولى: في مناسبة ذكره هنا.
المسألة الثانية: في تعريفه.
المسألة الثالثة: في أنواعه.
المسألة الرابعة: في شروط التأويل.
المسألة الخامسة: في أقسام دليل التأويل.
المسألة السادسة: حكم التأويل.
المسألة السابعة: في تطبيقات على التأويلات الصحيحة والمقبولة.
المسألة الثامنة: في تطبيقات على التأويلات الضعيفة والبعيدة.
стр. 1127
المسألة الأولى: في مناسبة ذكر التأويل هنا:
إننا قلنا في حكم الظاهر: إنه يجب العمل بالمعنى الظاهر
والراجح، ولا يجوز العمل بالمعنى المرجوح إلا بتأويل صحيح يسوغِّ
ترك المعنى الراجح والعمل بالمعنى المرجوح، وليس كل تأويل يقبل،
بل إن التأويل له تعريف خاص، وشروط وتقييدات قد ذكرها العلماء
لا بد من معرفتها لذلك عقدنا لبيان ذلك هذا المطلب.
***
المسألة الثانية: في تعريف التأويل:
أولاً: التأويل لغة مأخوذ من آل، يؤول، أي: رجع،
والتأويل آخر الأمر، وعاقبته، يقال: إلى أي شيء مآل هذا الأمر،
أي: مصيره وعقباه، ويقال: تأول فلان الآية الفلانية، أي: نظر
ما يؤول إليه معناها.
ئانيا: التأويل اصطلاحا هو: حمل اللفظ على غير مدلوله
الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده.
معناه إجمالاً: أن يكون اللفظ يحتمل معنيين: معنى راجح،
ومعنى مرجوح، فثبت لدى المجتهد دليل يعضد ويقوي المعنى
المرجوح، فيحمل المجتهد اللفظ على المعنى المرجوح ويعمل بذلك،
ولا يعمل بالمعنى الذي دلَّ عليه الظاهر؛ لأنه صار مرجوحا، وهذا
هو التأويل الصحيح.
محترزات التعريف:
عبارة: " حمل اللفظ على غير مدلوله، أخرجت اللفظ الذى
يحمل على نفس مدلوله، فإن هذا لا يسمى تأويلاً.
стр. 1128
وعبارة: " الظاهر منه " أخرجت اللفظ المشترك؛ حيث إنه يحمل
على أحد معنييه، فإن هذا لا يسمى تاويلاً.
وعبارة: " مع احتماله له " أخرجت اللفظ إذا صرف عن معناه
الظاهر إلى معنى لا يحتمله أصلاً، فإن هذا لا يكون تأويلاً صحيحاً.
وعبارة: " بدليل يعضده " أخرجت اللفظ الذي صرفناه عن معناه
الظاهر إلى معنى مرجوح من غير دليل، فإن هذا لا يكون تأويلاً
صحيحاً.
***
المسألة الثالثة: في أنواعه:
يتنوع التأويل إلى ثلاثة أنواع، ويختلف الدليل باختلاف النوع.
النوع الأول: التأويل القريب، وهو: ما إذا كان المعنى المأول
إليه اللفظ قريباً جدا، فهذا يكفيه أدنى دليل.
مثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ، فإن القيام إلى الصلاة - في هذه الآية -
مصروف عن معناه الظاهر إلى معنى آخر قريب محتمل، وهو:
العزم على أداء الصلاة، أي: إذا عزمتم على أداء الصلاة، والذي
رجح هذا الاحتمال: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلَّفين بعد
الشروع في الصلاة؛ لأن الوضوء شرط لصحتها، والشرط يوجد
قبل المشروط، وهو معنى قريب يتبادر فهمه إلى أي سامع.
النوع الثاني: التأويل البعيد، وهو ما إذا كان المعنى المأول إليه
اللفظ بعيداً جداً، فهذا يحتاج إلى دليل في غاية القوة.
مثاله: قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
стр. 1129
فقد أول بعضهم ذلك بأن المراد مسح الرجلين بدلا من
غسلهما، وقد استدل هو على هذا التأويل بقراءة الجر في قوله:
(وأرجلكم) ، وأن ذلك كان عطفا على قوله: (برءوسكم)
فقالوا ذلك نظراً إلى تلك القراءة، ولكن ما ثبت من الأحاديث
الصحيحة التي أمرت بغسل الرجلين وما ثبت في اللغة جعل هذا
التأويل بعيد جداً، وستأتي أمثلة كثيرة على التأويلات البعيدة في
المسألة الثامنة إن شاء اللَّه.
النوع الثالث: وهو ما إذا كان المعنى المأول إليه متوسطا، فهذا
يحتاج إلى دليل متوسط في القوة.
فإن قلت: ما حدود هذه الأنواع، وكيف تُعلَم؟
أقول: إن الفقيه المجتهد هو الذي يعين ذلك، فإن له دوراً وأثراً
كبيراً في اعتبار هذه المراتب، وتوضيح حدودها.
المسألة الرابعة: في شروط التأويل:
لا يقبل التأويل ويعمل به إلا إذا توفر فيه الشروط التالية:
الشرط الأول: أن يكون المتأول من أهل الاجتهاد، واشترطنا
ذلك؛ لئلا يأتي من لا علم عنده - أو عنده ولكنه لم يبلغ درجة
الاجتهاد - فيقوم بتأويل النصوص الشرعية على حسب علمه
القاصر، أو على الهوى والتشهي فيضل ويُضل.
الشرط الثاني: أن يكون المعنى الذي أول إليه اللفظ من المعاني
التي يحتملها اللفظ بأن يكون اللفظ ظاهراً فيما صرف عنه محتملاٌ لما
صرف إليه.
стр. 1130
الشرط الثالث: أن يقوم التأويل على دليل صحيح يدل دلالة
واضحة وصريحة على صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره.
الشرط الرابع: أن يظهر المتأول ما اشترط في الثاني والثالث،
أي: أن يذكر المتأول المعنى المرجوح الذي أول إليه اللفظ، وأن يذكر
ْالدليل الذي عضد ذلك المعنى المرجوح وقواه حتى قدم على الظاهر
والراجح، وإن لم يبين ذلك كان كل ما ادعاه مجرد دعوى لا يقبل.
***
المسألة الخامسة: أقسام دليل التأويل:
لقد قلنا في الشرط الثالث: أن يقوم التأويل على دليل صحيح
يدل دلالة واضحة على صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره، والدليل
هذا على أقسام:
القسم الأول: نص ظاهر آخر.
أي: أن الدليل الصارف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد
يكون نصا آخر.
مثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) ، فإن لفظ
"الدم " عام وشامل للدم المسفوح وغير المسفوح، وهو المعنى الظاهر
من اللفظ.
ولكن صرف هذا اللفظ من ظاهره وهو العموم بنص ظاهر آخر،
وهو قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) ، فخصصت هذه الآية
الثانية الآية الأولى، وذلك لأنها قد بيَّنت أن الدم المحرم هو الدم
المسفوح.
стр. 1131
القسم الثاني: القرينة، أي: أن الدليل الصارف عن المعنى
الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون قرينة.
والقرينة نوعان:
النوع الأول: قرينة منفصلة مثل: المسلم من أهل الجهاد لو جاء
بمشرك، فادَّعى المشرك أنه أمنه، وأنكر المسلم ذلك وادعى بأنه
أسره، فهل يقبل قول المسلم أو الكافر؟
اختلف في ذلك:
فقيل: إنه يقبل قول المسلم على كل حال.
وقيل: إنه لا يقبل إلا ببينة.
والصحيح: أن القول هو قول من ظاهر الحال صدقه، فإن كان
الكافر أظهر قوة وبطشا وفروسية وإقداما من المسلم، فإنه يقبل قوله؛
لأن هذه الصفات قرينة جعلتنا نقدم قوله، مع أن قول المسلم أرجح
لعدالته وإسلامه، وقول الكافر مرجوح، لكن هذه القرينة المنفصلة
- وهي الصفات التي اتصف بها الكافر - عضدت قول الكافر حتى
صار أقوى من قول المسلم الراجح.
النوع الثاني: القرينة المتصلة بالظاهر المراد تأويله مثل: قول
الإمام الشافعي: إن الواهب لا يحرم عليه الرجوع فيما وهب
مستدلاً بظاهر قوله ﷺ :
"العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه "،
حيث إن الكلب لم يحرم عليه الرجوع في قيئه،
فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم؛ لأن الظاهر من
التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه مع احتمال أن يفترقا من
بعض الوجوه احتمالاً قوياً.
فحينئذ ضعف جانب من قال بعدم جواز رجوع الواهب فيما
стр. 1132
وهب - كالإمام أحمد - لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف قواه
بالقرينة المتصلة بالنص الظاهر، وهي قوله - في أول الحديث -:
"ليس لنا مثل السوء.. العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في
قيئه "، وهو دليل قوي، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور،
وهو دليل الاهتمام به، فأفاد ذلك لغة وعرفا: أن الرجوع في الهبة
مثل السوء، وقد نفأه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع
يحرم إثباته، فلزم من ذلك عدم جواز الرجوع في الهبة.
القسم الثالث: القياس الصحيح الراجح، أي: أن الدليل
الصارف عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون قياسا راجحا
مثل: أن الشارع ذكر في كفارة الظهار والصيام " الإطعام "، ولكنه
لم يذكر تلك الكفارة في " القتل الخطأ "، وترك ذلك ظاهر في
عدم وجوبه؛ لأنه لو كان واجبا لذكره، كما ذكر تحرير الرقبة،
والصيام، ويمكن إثبات الإطعام في كفارة القتل الخطأ؛ قياسا على
إثباته في كفارة الظهار والصيام، والجامع: أن الكفارات حقوق لله
تعالى، وحكم الامتثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات
تنبيه على إثباته في كفارة القتل، هذا على مذهب من يرى جواز
القياس في الكفارات، وذكرت ذلك مفصلاً في كتابي " إثبات
العقوبات بالقياس ".
القسم الرابع: حكمة التشريع، أي: أن الدليل الصارف عن
المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح قد يكون حكمة التشريع والمقاصد
الشرعية مثل: قوله ﷺ :
"في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة"،
فإن ظاهر هذا: أنه لا يجزئ عن الأربعين شاة إلا إخراج
شاة بعينها، ولكن جمهور الحنفية قد أولو ذلك، وقالوا: يجوز
إخراج قيمة الشاة ويجزئ ذلك، وعللوا ذلك بقولهم: إن حكمة
стр. 1133
التشريع نفع الفقير، ونفع الفقير يتحقق بالقيمة، بل قد تكون القيمة
أنفع للفقير من إعطائه عين الشاة.
***
المسألة السادسة: حكم التأويل:
التأويل مقبول معمول به إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل العلماء
في كل عصر من عهد الصحابة ﵃ إلى زماننا هذا
عاملين به من غير أن ينكر عليهم أحد.
***
المسألة السابعة: تطبيقات على التأويلات الصحيحة والمقبولة:
أمثلة ذلك كثيرة تكاد لا تحصى، ومنها:
المثال الأول: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) ، فقد أوله العلماء إلى أن المراد: العزم على أداء
الصلاة، وقد سبق بيانه.
المثال الثاني: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدم) ، فقد
أوله العلماء إلى أن المراد: الدم المسفوح فقط هو المحرم، وقد سبق
بيانه.
المثال الثالث: قوله ﷺ :
"يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود "،
فقد أوله جمهور العلماء إلى أن مرور هذه المذكورات لا تبطل الصلاة،
وقالوا: إن المراد بالقطع - هنا - نقص الصلاة
لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، أي: أن المراد
بالقطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد
الصلاة، ومن الأدلة على هذا التأويل: أن ابن عباس - وهو أحد
стр. 1134
رواة أحاديث قطع الصلاة بذلك - روي عنه أنه حمل ذلك على
الكراهة.
المثال الرابع: قوله ﷺ :
"إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما "،
فقد أوَّله كثير من العلماء على أن معناه: أنه رجعت
عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره، فليس المراد ظاهره وهو: أنه
يكفر؛ ودليل ذلك: أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا،
وكذا قوله لأخيه: يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام.
المثال الخامس: قوله ﷺ :
" لا يدخل الجنة نمام "،
فقد تأوله كثير من العلماء إلى أن المراد: لا يدخل الجنة دخول الفائزين.
المسألة الثامنة: تطبيقات على التأويلات البعيدة والفاسد والضعيفة:
إن التأويل يختلف باختلاف المجتهدين، فقد يقوم مجتهد بتأويل
بعض النصوص ويصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى له مرجوح،
ولكن تأويل هذا المجتهد، وإن كان ممكناً ومحتملاً فقد تجتمع قرائن
تدل على فساده، وإليك أمثلة على ذلك:
المثال الأول: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) .
فإن بعض الحنفية قد أولوا هذا إلى أن الخمس يعطى القريب
المحتاج، وعلى ذلك فإنه يحرم من ليس بمحتاج من ذوي القربى.
وهذا التأويل بعيد جداً؛ لأن الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى
كل ذوي القربى بلام التمليك، فهم يستحقون الخمس بالقرابة فقط،
стр. 1135
فتكون علَّة الاستحقاق هى: القرابة فقط؛ حيث إنها مناسبة
للاستحقاق إظهاراً لشرفها، فتخصيص المأوِّل أن المستحق هو:
القريب المحتاج هذا تخصيص للعموم بلا دليل، وفيه ترك لما ظهر
من كون القرابة هي العِلَّة في الاستحقاق، ووضع الحاجة المسكوت
عنها علَّة، وهذا بعيد جَداً.
المثال الثاني: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين) ، فقد أول بعضهم ذلك بأن المراد مسح الرجلين بدلاً من
غسلهما، محتجاً بقراءة الجر في قوله: (وأرجلِكم) نظراً لكونه
معطوفاً على قوله: (برءوسكم) ، وهذا تأويل بعيد كما بيناه فيما
سبق - في النوع الثاني من أنواع التأويل -.
المثال الثالث: قول النبي ﷺ لغيلان بن سلمة الثقفي - حيث أسلم على عشرة نسوة -:
" امسك أربعا وفارق من سواهن ".
فقد أوَّل الحنفية ذلك بأن المراد: ابتدئ زواج أربع منهن إن كان
الزواج بعقد واحد، وفارق سائرهن بأن لا تبتدئ العقد عليهن،
وأمسك الأوائل منهن إن كان الزواج مرتبا بعقد لكل منهن، وفارق
سائرهن، أي: الأواخر، فيكون الحكم عند الحنفية على هذا
التأويل: أنه إن نكحهن معاً فليس له إمساك واحدة منهن، وإن
نكحهن متفرقات: فإنه يمسك أربعا من الأوائل، ودليلهم على هذا
التأويل: القياس؛ حيث قاسوا العقد على النسوة قبل الإسلام على
العقد عليهن بعد الإسلام، وأنه ليس بعض النسوة أوْلى بالإمساك من
بعض.
وهذا التأويل بعيد جداً؛ لأن الحديث ظاهر في استدامه النكاح
للأربع بدون عقد مطلقاً، ويتمسك بهذا الظاهر؛ حيث وجدت
وجوه تدل على هذا الظاهر، وهي كما يلي:
стр. 1136
الوجه الأول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ " الإمساك " إنما هو
استدامة عقد النكاح والاستمرار عليه، دون التجديد.
الوجه الثاني: أن الشارع قد فوَّض الإمساك والفراق إلى خيرة
الزوج، مما يدل على أن المراد الاستمرار في النكاح على ما هو
عليه، فلو كان المراد هو: ابتداء النكاح - كما قالوا - لما جعل
الاختيار كله لغيلان، لوقوع الفراق بنفس الإسلام، وتوقف النكاح
على رضا الزوجة.
الوجه الثالث: أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر
النبي ﷺ بالإمساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصورة المذكورة.
الوجه الرابع: أنه لو كان المراد هو: ابتداء النكاح - كما قالوا -
لذكر شروط النكاح؛ لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان - عن وقت الحاجة؛ حيث إن غيلان جديد عهد بالإسلام في هذه القصة، فهو بحاجة إلى بيان شروط النكاح، وما يجوز وما لا يجوز فيه لا سيما في أمر
فيه استحلال فروج، وضبط للأنساب، ولكنه لم يذكر شيئاً من
ذلك، مما يدل على أن المراد هو ما دلَّ عليه ظاهر الحديث وهو:
استدامة النكاح.
فصار التمسك بظاهر الحديث - بعد توفر تلك الأوجه - أقوى من
التمسك بالتأويل المستدل عليه بالقياس الذي ذكره الحنفية.
المثال الرابع: قوله ﷺ
" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل "،
فالظاهر من هذا: اشتراط النية لجميع أنواع الصوم: وهي
صيام الفرض، وصيام القضاء، وصيام النذر، وصيام الكفارة،
وصيام التطوع إلا أن صيام التطوع خرج بحديث عائشة ﵂ حيث قالت:
стр. 1137
دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ذات يوم فقال: " هل عندكم من شيء؟ "
فقلنا: لا، فقال: " فإني إذن صائم "، ثم أتانا يوما آخر فقلنا:
يا رسول اللَّه، أهدي إلينا حيس، فقال: " أرنيه فقد أصبحت
صائماً " فأكل، فلا تشترط النية - لذلك - لصيام التطوع، هذا ما
ذهب إليه جمهور العلماء.
ولكن الحنفية أولوا ذلك وقالوا: إن المراد هو: اشتراط النية
لصوم قضاء رمضان، وصوم النذر المطلق، وصوم الكفارة؛ نظراً
لكونها غير متعينة، فتحتاج إلى نية تعين ذلك، أما الصوم المعين
- كصوم رمضان والنذر المعين، فلا تشترط فيه النية؛ لوجود التعيين.
وهذا التأويل بعيد جداً؛ لوجوه:
الأول: أنه ورد في الحديث صيغة عموم وهي: النكرة في سياق
النفي، حيث قال: " لا صيام "، فهي عامة لكل صيام، وعلى
هذا لا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على إخراجه كصيام التطوع.
الثاني: أن المتبادر من لفظ " صيام "، إنما هو الصيام الأصلي
المتخاطب به في اللغات وهو الفرض، دون ما كان وجوبه بعارض
ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر المطلق.
الثالث: أن حمل ذلك على صيام القضاء، والنذر المطلق وهو
نادر، وإخراج الأصل الغالب يعتبر إلغازاً في القول، ولهذا فإن
السيد لو قال لعبده: " من دخل داري من أقاربي فأكرمه "، ثم
أكرم العبد جميع أقاربه، فلامه السيد، وقال: إنما أردت أقاربي من
النسب، دون أقاربي من السبب، فإن هذا اللوم لا يقبل، ويكون
تصرف العبد موافقاً للغة، فيكون كلام السيد منكراً مستبعداً.
المثال الخامس: قوله ﷺ :
"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ".
стр. 1138
فالظاهر من هذا النص هو: اشتراط الولي في النكاح مطلقا،
وهو مذهب جمهور العلماء.
ولكن الحنفية - وهم القائلون: إنه لا يشترط ذلك، فالمرأة تزوج
نفسها - قد أوَّلوا هذا الحديث بأن المراد بالمرأة هنا: هي الأمة؛
حيث إنه لا يجوز لها أن تزوج نفسها، بل أمرها بيد سيدها.
فقيل لهم: إنه ورد في آخر الحديث عبارة: " فلها المهر بما
استحل من فرجها "، فهذه العبارة تبطل هذا التأويل؛ لأنه معلوم
أن الأَمَة لا تملك شيئاً؛ لأنها وما تملك لسيدها.
فقالوا: إذن يُحمل الحديث على المرأة المكاتبة - وهي التي اشترت
نفسها من سيدها - وقالوا ذلك لأن المكاتبة فيها شوبا من الحرية،
فيكون مهرها لها كالحرة، وشوبا من الرق فلا تستقل بتزويج نفسها.
وهذا التأويل بعيد وضعيف جداً للأوجه التالية:
الوجه الأول: أن الحديث ورد فيه صيغة من صيغ العموم المتفق
عليها، وهي: " أي " المؤكدة بـ " ما " مما يجعل العموم قويا،
فيكون الولي مشترطا في النكاح في جميع نساء العالم - وهو
الظاهر -، فكيف يحمل هذا العموم على النادر والشاذ من النساء،
وهي المكاتبة؟!
الوجه الثاني: أنه لم ينقل ألينا أن الصحابة أو واحداً منهم، فهم
من هذا الحديث أن المقصود: المكاتبة فقط، ولو نقل لبلغنا، ولكن
لم يصلنا شيء من ذلك مما يجعلنا نقطع بأن هذا الفهم شاذ.
الوجه الثالث: أن فهم اشتراط الولي لجميع النساء من هذا
الحديث هو الموافق للغة العربية، أما فهم أن المراد من هذا الحديث
стр. 1139
هي: المكاتبة فقط، فهو فهم شاذ، ويوصف هذا بالجهل باللغة
العربية.
فلو قال رجل لغيره: " أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما "،
فإن كل أحد يفهم أن المراد جميع النساء بدون استثناء، ولا يفهم أن
المراد هي: المكاتبة فقط.
ولو قال المتكلم: " أردت بذلك الكلام المكاتبة " لنسب إلى
الجهل باللغة العربية، وأنه اصطلح على ذلك بنفسه دون غيره.
ولو أخرج المكاتبة عن ذلك، فلما سئل عن ذلك قال: " ما
خطرت ببالي " لا يمكن أن ينكر عليه أحد، نظراً لشذوذها؛ لأن
العادة اقتضت ألا تخطر الشواذ ببال الإنسان.
فهذه الأوجه دلَّت على أن الحديث يحمل على ظاهره وهو:
اشتراط الولي في النكاح في جميع نساء العالم دون تخصيص، وأن
من أوَّل الحديث إلى غير ذلك فتأويله فاسد.
стр. 1140
المبحث الثالث في المجمل
وبشتمل على المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريفه.
المطلب الثاني: أسباب الإجمال.
المطلب الثالث: دخول الإجمال في الأفعال.
المطلب الرابم: حكم المجمل.
المطلب الخامس: نصوص اختلف في كونها مجملة.
المطلب السادس: هل يجوز بقاء الجمل بدون بيان بعد وفاة النبي ﷺ ؟
المطلب السابم: في المبيِّن، والمبيَّن، والبيان.
стр. 1141
المطلب الأول
تعريف المجمل
أولاً: المجمل لغة: المجموع، ومنه يقال: " أجملت الشيء
إجمالاً ": جمعته من غير تفصيل.
ويطلق لغة - أيضاً - على الخلط، ويطلق على المبهم، ويطلق
على المحصل، ومنه قولهم: " جملت الشيء " إذا حصلته.
ثانيا: المجمل اصطلاحا هو: ما له دلالة على معنيين لا مزية
لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه.
بيان التعريف:
قولنا: " ما له دلالة " ليعم الأدلة القولية، والفعلية.
وعبارة: " على معنيين " أخرجت النص؛ لأنه لا يدل إلا على
معنى واحد كما سبق.
وعبارة: " لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه " أخرجت
الظاهر وهو: دلالة اللفظ على معنيين هو في أحدهما أظهر كما
سبق.
стр. 1142
المطلب الثاني
أسباب الإجمال
يرد الإجمال لأسباب كثيرة، من أهمها:
السبب الأول: الاشتراك في اللفظ المفرد - عند القائلين بامتناع
تعميمه -.
واللفظ المشترك قد يكون بين معنيين مختلفين مثل لفظ " العين "،
فإنه متردد بين معان كثيرة، فهي تطلق على الشمس، وعين الإرواء،
والذهب، وغيرها.
وقد يكون اللفظ مشتركا بين معنيين متضادين مثل لفظ: " القرء "
فإنه متردد بين " الحيض " و " الطهر "، ولفظ " الشفق " فإنه متردد
بين " البياض " و " الحمر: ".
السبب الثاني: الاشتراك في اللفظ المركب مثل قوله تعالى:
(أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) ، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك
بين أن يكون " الزوج "، وهو رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد في
أصح الروايتين عنه.
أو يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وهو رأي الإمام
مالك.
السبب الثالث: الاشتراك في الحرف، أي: لم يتضح المراد من
الحرف مثل حرف " مِنْ " فهي مترددة بين أن تكون للتبعيض، أو
تكون لابتداء الغاية في قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)
стр. 1143
، فلفظ " من " مترددة بين أن تكون لابتداء الغاية، فيكون
معناها: ابتدئوا المسح من الصعيد، وبين أن تكون للتبعيض فيكون
المعنى: امسحوا وجوهكم ببعض الصعيد.
وكذلك " الواو " في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون) مترددة بين أن تكون عاطفة، فيكون الراسخون في العلم
يعلمون تأويل الآيات على حسب علمهم، وبين أن تكون للابتداء،
فيكون اللَّه هو المتفرد بعلم التأويل، وقد فصلت ذلك في
موضوع " المحكم والمتشابه من القرآن الكريم " فارجع إليه.
السبب الرابع: التصريف في اللفظ، والتصريف هو العلم الذي
تُعرف به أحوال أبنية الكلام مثل لفظ " المختار "، فإن هذا اللفظ
متردد بين من وقع عليه الاختيار وبين من وقع منه الاختيار، أي:
أنك إذا سمعت عبارة " زيد المختار "، فلا تدري هل زيد هو الذي
اختار فيكون فاعلاً، أو زيد هو الذي أختير فيكون مفعولاً به.
السبب الخامس: التردد في مرجع وعود الضمير مثل ما روي عن
النبي ﷺ أنه قال: " لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره "
فإن الضمير في عبارة: " جداره " يحتمل أن يعود إلى الغارز فيكون
المعنى: لا يمنعه جاره أن يفعل ذلك في جدار نفسه، ويحتمل أن
يعود الضمير إلى الجار الآخر فيكون المعنى: لا يمنعه جاره أن يغرز
خشبة في جدار ذلك الجار، وهو ما رجحه أكثر العلماء لقول أبي
هريرة: " ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم "
ولو كان الضمير عائداً إلى الغارز نفسه لما ذكر ذلك.
السبب السادس: التخصيص بالمجهول، مثل إذا قيل: " اقتلوا
المشركين إلا بعضهم "، وذلك لأن العام إذا خص بمجهول يصير
الباقي محتملاً، فكان مجملاً.
стр. 1144
المطلب الثالث
دخول الإجمال في الأفعال
الإجمال كما يكون في اللفظ، فإنه يكون في الفعل - وقد
أشرت إلى ذلك في تعريف الإجمال - مثال ذلك: أن يفعل الرسول ﷺ فعلاً يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه ﷺ : " أنه جمع بين الصلاتين في السفر "، فإن هذا مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون
الآخر إلا بدليل.
стр. 1145
المطلب الرابع حكم المجمل
اللفظ المجمل: يجب أن نتوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى
يأتي دليل خارجي يدل على أن المراد هو أحد المعنيين، وذلك لأن
اللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو:
إما أن يراد كل واحد منهما معا، وهذا باطل؛ لأنه يستحيل أن
نعمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر.
وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل؛ لأنه يؤدي إلى
خلو اللفظ عن المعنى، وهذا لا يتكلم به العقلاء.
وإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر وهو الصحيح، لكننا لا
نعرف المعنى المراد - من هذين المعنيين - إلا بدليل خارجي.
стр. 1146
المطلب الخامس
نصوص اختلف في كونها مجملة
النص الأول: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم)
اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن هذا النص لا إجمال فيه، وهو مذهب
جمهور العلماء.
واختلف أصحاب هذا المذهب هل هو ظاهر في مسح جميع
الرأس أو مسح بعضه؛ على قولين:
فقيل: إن هذا النص ظاهر في مسح بعض الرأس، وهو مذهب
كثير من العلماء.
وهو الحق؛ لأن الباء في اللغة أصل في الإلصاق، وعرف
الاستعمال قد اقتضى إلصاق المسح باللمس فقط مع قطع النظر عن
الكل والبعض، ولهذا لو قال قائل لغيره: " امسح يدك بالمنديل "
لا يفهم أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع
المنديل، بل إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه، فيخرج عن العهدة إذا
فعل أحدهما.
وقيل: إن هذا النص ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب
بعض العلماء.
دليل هذا القول:
أن الباء في اللغة أصل في الإلصاق، وقد دخلت على المسح
стр. 1147
وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله، لا بعضه، ولهذا لا
يقال لبعض الرأس رأس فاقتضى ذلك مسح جميعه لغة.
جوابه:
إن هذا وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة غير أن
عرف الاستعمال الذي ذكرناه في دليلنا قد طرأ على الوضع اللغوي
وخصصه.
المذهب الثاني: أن هذا النص مجمل، وهو مذهب جمهور
الحنفية.
دليل هذا المذهب:
أنه يتطرق إليه احتمالان وهما: " احتمال مسح جميع الرأس ".
وثانيهما: " احتمال مسح بعضه "، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر، فكان مجملاً.
جوابه:
إن القول بالإجمال لا وجه له؛ لأننا إن نظرنا إلى عرف
الاستعمال فهو ظاهر في مسح بعض الرأس وهو الحق - كما قلنا -
وإن نظرنا إلى الوضع اللغوي الأصلي فهو ظاهر في مسح جميع
الرأس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إنه على المذهب الأول - وهو أنه لا
إجمال فيه - يجوز العمل بما يقتضيه النص حال سماعنا له، أما
على المذهب الثاني فلا يجوز العمل به، إلا إذا دلَّت قرينة على أن
أحد المعنيين هو الصحيح.
стр. 1148
النص الثاني: قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) ،
و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله: (أحل لكم الطيبات) ، وما
شابه تلك الآيات قد اختلف العلماء فيها، هل فيها إجمال؛ على
مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال فيها، بل هي مبينة، وهذا يقال في
كل تحريم أو تحليل يضاف إلى الأعيان مثل تلك الآيات السابقة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي، لما ثبت من
عرف أهل اللغة من أن تحريم أو تحليل كل عين فإنه ينظر فيها إلى ما
هي معدة له، بيان ذلك:
أنه لو قال قائل: " حرمت عليك هذا الطعام " أو " حرمت
عليك هذه الجارية "، فإنه لا يتبادر إلى فهم أي عارف باللغة إلا
تحريم الأكل، وتحريم الوطء - فقط - والأصل في كل ما يتبادر إلى
الفهم أن يكون حقيقة إما بالوضع الأصلي، أو بعرف الاستعمال،
والإجمال ينتفي بكل واحد منهما، ولهذا فإن الإجمال منتف عند
قول القائل: " رأيت دابة "؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه ذوات الأربع
بعرف الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الأصلي.
المذهب الثاني: أن فيها إجمال.
وهو مذهب بعض الحنفية كأبي الحسن الكرخي، وبعض
الشافعية، وبعض الحنابلة كأبي يعلى.
دليل هذا المذهب:
أن الأعيان لا تتصف بالتحريم - مثلاً -، وإنما يحرم فعل ما
يتعلق بالعين، أي: أن تحريم الأعيان لا يصح، وإنما الذي يحرم
стр. 1149
أفعالنا في العين، وليس لأفعالنا ذكر في اللفظ، فلا نعلم ما هو
المحرم على الحقيقة في الآيتين السابقتين؛ أهو وطء الأم، أو
اللمس، أو النظر إليها؛ ولا نعلم ما هو المحرم من الميتة أهو الأكل،
أو اللمس، أو النظر، أو البيع؛ فلا نعلم - حقيقة - المراد من
التحريم والاحتمالات متعددة ومتساوية عند السامع، ولا بد من تقدير
فعل، وليس بعضها أوْلى من بعض، ولا مرجح لأحدها فكان
اللفظ مجملاً.
جوابه:
إن القول بالإجمال لا وجه له؛ لأن عرف الاستعمال دلَّنا على أن
المراد من تحريم الميتة هو الأكل، والمراد من تحريم الأم هو وطئها،
فيكون هو المتبادر إلى الذهن؛ لما قلناه في الاستدلال من أن أهل
اللغة قد تعارفوا على أن تحريم أو تحليل كل عين ينظر فيها إلى ما هي
معدة له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وتعليل ذلك قد سبق في النص الأول.
النص الثالث: قوله ﷺ :
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
قد اختلف العلماء هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال فيه، بل هو مبين، حيث إن المراد
به: رفع حكم الخطأ، ورفع حكم النسيان.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الصواب؛ لأنه إما أن يحمل
على رفع صورة الخطأ وصورة النسيان وحقيقتهما، أو يحمل على
رفع حكم الخطأ وحكم النسيان، ولا يمكن حمله على غيرهما.
стр. 1150
أما الأول - وهو حمل اللفظ على رفع صورة الخطأ والنسيان
وحقيقتهما - فهو ظاهر البطلان؛ حيث إن صورتهما وحقيقتهما
واقعتان كثيراً من الناس، فلو قلنا بأن صورتهما مرتفعتان للزم من
ذلك مخالفة الواقع، ويكون - حينئذ - كذبا، والرسول ﷺ ينزه ويجل من أن يتكلم بكلام يخالف الواقع.
فإذا ثبت بطلان الأول ثبت الثاني وهو: أنه يُحمل الحديث على
نفي ورفع حكم الخطأ وحكم النسيان، لا نفي ورفع صورتهما.
المذهب الثاني: أن في هذا النص إجمالاً.
وهو مذهب أبي الحسين البصري، وأبي عبد اللَّه البصري.
دليل هذا المذهب:
أن المراد نفي حكم الخطأ والنسبان، وعند ذلك فإما أن يضمر نفي
جميع أحكام النسيان، والخطأ، أو بعضها.
والأول - وهو نفي جميع الأحكام - لا يمكن؛ لأن الإضمار
على خلاف الأصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من
تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به
الضرورة، وهو بعض الأحكام، ثم إن ذلك الحكم المضمر لا يمكن
القوِل بتعيينه؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير
معين، وإذا كان كذلك فهو مجمل.
جوابه:
لا نسلم إضمار نفي جميع الأحكام في الحديث، بل نفي بعض
الأحكام، بيانه:
أن الحديث ليس بعام في جميع أحكامه من ضمان المتلفات،
стр. 1151
ولزوم قضاء العبادة وغير ذلك، بل هو خاص فى نفي ورفع المؤاخذة
والعقاب، وهذا أخذناه من عرف الاستعمال عند أهل اللغة؛ فإنه لو
قال. السيد لعبده: " رفعت عنك الخطأ والنسيان "، فإن العارف
باللغة عند سماعه بذلك لا يتردد في أن مراده من ذلك: رفع
المؤاخذة والعقاب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وتعليل ذلك هو ما ذكرناه في بيان نوع
الخلاف في النص الأول.
مسألة: خلاف الجمهور هل الحكم - في الحديث السابق - عام
وشامل أو هو خاص؛ على قولين:
القول الأول: أن الحكم المرفوع والمنفي في الحديث هو حكم
خاص، وهو: الإثم والمؤاخذة - فقط -، وليس المراد هو نفي
جميع أحكام الخطأ والنسيان، فلا يدخل ضمان المتلفات، ولا
يدخل قضاء العبادات.
قال بذلك كثير من المحققين منهم الغزالي، والآمدي.
وهو الحق عندي؛ لأن الحكم المرفوع ليس على إطلاقه، بل
الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا
اللفظ؛ حيث إن العارف بعرف أهل اللغة قبل ورود الشرع لا
يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول "لسيد لعبده: (رفعت عنك الخطأ
والنسيان " في أن مراده من ذلك: رفع المؤاخذة والعقاب، فكذلك
هذا الحديث - وهو قوله ﷺ :
" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "،
فإن العارف بعرف أهل اللغة عند سماعه لذلك، فإنه لا يتردد في أن
مراده: رفع المؤاخذة والعقاب؛ قياسا على قوله تعالى:
стр. 1152
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) ، فإنا
لم نجعل ذلك عاما، بل إن المحرم في الآية الأولى: الأكل فقط،
والمحرم في الآية الثانية: الوطء فقط، وهذا أخذناه من عرف
الاستعمال - كما سبق - مع أنه لا بد من إضمار فعل في الآيتين،
فكذلك قوله ﷺ :
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "
لا بد من إضمار حكم يضاف الرفع إليه كالفعل، ثم ينزل على ما يقتضيه
عرف الاستعمال قبل الشرع وهو: المؤاخذة والعقاب.
اعتراض على ذلك:
قال معترض: إن المرفوع - كما أقررتم - هو حكم خاص وهو:
الإثم والعقاب، فيلزم على هذا رفع دخول ضمان المتلفات فليرتفع؛
لأنه يُعتبر من جملة المؤاخذات والعقوبات.
جوابه:
يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: إنا لا نُسَلِّمُ أن الضمان من حيث هو ضمان
عقوبة، ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وهما ليسا أهلاً
للعقوبة، وكذلك يجب الضمان على المضطر في المخمصة إذا ممل
مال غيره، مع أن الأكل واجب عليه حفظا لنفسه، والواجب لا
عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف
الكفار فأصاب مسلما مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه.
الجواب الثاني: نسلم لكم أن الضمان عقاب، لكن عموم اللفظ
قد خصص بعرف الاستعمال على نفي عقاب خاص وهو: نفي
الإثم وعقاب الآخرة، وذلك أقرب الى الصواب من القول
بالعموم.
стр. 1153
القول الثاني: أن الحكم المرفوع والمنفي في الحديث هو: جميع
أحكام الخطأ والنسيان، وهذا شامل للإثم، والعقاب، والضمان،
والقضاء، وهو قول بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، وبعض
الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لا بد من تقدير لفظ " حكم " في الحديث،
فتكون العبارة - بعد التقدير -: " رفع عن أمتي حكم الخطأ
والنسيان "، فيكون اسم منكر أضيف إلى معرفة وهو: " حكم
الخطأ "، وهذه صيغة من صيغ العموم، وهذا يقتضي رفع جميع
أحكام الخطأ والنسيان، فيترتب على ذلك: أن من ترك عبادة خطأ
أو نسيانا، أو إكراها لا يأثم بتركها ولا يعاقب، ولا يلزم قضاؤها،
ومن أتلف خطأ، أو نسيانا لا يأثم بذلك ولا يضمنه.
جوابه:
أنا نوافقكم على أن عبارة: " حكم الخطأ والنسيان " تفيد العموم
لوجود صيغة من صيغ العموم، ولكن هذا العموم قد خُصص
بعرف استعمال أهل اللغة، حيث إن العارف بعرف أهل اللغة
يخصصه برفع الإثم والعقاب، والعرف من المخصصات المعروفة،
وقد سبق بيان ذلك.
الدليل الثاني: أن الشارع لو أراد نفي ورفع المؤاخذة والعقاب
والإثم فقط، لترتب على ذلك إبطال فائدة تخصيص الأُمَّة بالرفع
والنفي الوارد في الحديث؛ حيث إن الرسول ﷺ قال: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان "،
فقوله: " عن أمتي " يقتضي اختصاصها بهذه الرخصة، أي: أنا لو قلنا: إن النفي والرفع حكم مختص
стр. 1154
بالإثم - فقط - فإنه لا يكون لهذه الأُمَّة مزية تميزت لها من غيرهما
في ذلك؛ لأن الناسي غير مكلف في الشرائع السابقة، فثبت: أن
المرفوع: الإثم، والضمان، ونحوهما.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ هذا، حيث إن الأُمَّة الإسلامية قد تميزت واختصت
بعفو الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وإسقاط الإثم والعقوبة
عن ذلك كله، وهذه الميزة لا توجد في الأمم السابقة، ويدل على
ذلك ما يلي:
الأول: هذا الحديث، حيث إن ورود قوله: " عن أمتي " يفيد
أن غيرها ليست كذلك.
الثاني: أن قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ،
وقوله تعالى: " قد فعلت " في الحديث القدسي، يدل دلالة
واضحة على أن المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا،
لأنه لو كانت المؤاخذة مرفوعة عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى
ذلك الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله سبحانه: " قد فعلت "
فظاهر الامتنان أنه خاص بنا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي قد أثر في بعض الفروع؛ حيث إنه يترتب
على القول الأول - وهو: أن الحكم المرفوع خاص وهو: المؤاخذة
والعقاب فقط - أن الناسي والمخطئ يضمن ما أتلفه من أملاك
الآخرين، ويقضي ما فاته من العبادات.
أما على القول الثاني - وهو: أن الحكم المرفوع عام لجميع
стр. 1155
أحكام الخطأ والنسيان - فإن الناسي، والمخطئ لا يضمن ما أتلفه من
أملاك الآخرين، ولا يلزمه قضاء الفوائت من العبادات.
النص الرابع: قوله ﷺ :
" لا صلاة إلا بطهور "، و " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "،
و" لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل "،
و" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل "، و " لا وضوء لمن لم يذكر
اسم اللَّه عليه "، ونحو ذلك،
قد اختلف في ذلك هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال في هذه النصوص وما شابهها.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأنه إما أن يكون للشارع في هذه الأسماء
عرف، أو لا.
فإن كان الأول - وهو: أن الشارع له في هذه الأسماء عرف -
فإنه يجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، فيكون لفظه منزلا على
نفي الحقيقة الشرعية، وهذا لا إجمال فيه؛ لأن نفي الحقيقة الشرعية
ممكن، وإن كان مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي، فإذا
جاءنا مثل هذه الأسماء - كالصوم، والصلاة، والوضوء،
والنكاح - فإنه يجب حملها على حقيقتها الشرعية، فإذا اختل ركن
أو شرط فإله يصح نفيه حقيقة؛ لأن الشرعي هو التام الأركان
والشروط، ولهذا قال النبي ﷺ للمسيء في صلاته:
" ارجع فصل فإنك لم تصل "،
وإذا كانت الحقيقة هي المراد نفيها فلا يحتاج نفيها
لإضمار حكم، فلا إجمال.
وإن كان الثاني - وهو: أنه لا عرف للشارع في هذه الأسماء -
стр. 1156
فإنها تنزل على الوضع اللغوي، وحينئذٍ لا إجمال فيها أيضا؛ لأن
اللفظ ظاهر بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه
الأسماء والألفاظ بأن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق
الوجود، إنما هو نفي فائدته وجدواه ومنفعته، ومن ذلك قولهم:
"لا علم إلا ما نفع "، و " لا كلام إلا ما أفاد "، و " لا حكم إلا
لله "، و " لا بلد إلا بسلطان "، فيقال ذلك وإن كان العلم غير النافع
يُسمى علماً، والكلام غير المفيد يُسمى كلاماً، والحكم لغير الله
يسمى حكماً، والبلد بغير سلطان يسمى بلداً، لكن نفي ذلك - في
الأمثلة السابقة - لعدم فائدة العلم غير النافع، ولعدم فائدة الكلام،
ولعدم صحة الحكم لغير اللَّه، ولعدم فائدة البلد بدون سلطان؛
حيث إنه لا فائدة من الحياة فيه.
فكذلك هنا يحمل النفي في قوله: " لا صلاة إلا بطهور " على
نفي الصحة؛ لانتفاء فائدة الصلاة بغير طهور.
فالصلاة بلا طهور، والنكاح بلا ولي، والصلاة بدون فاتحة
الكتاب، ونحو ذلك لا تفيد شيئاً، فانتفت صحتها، نظراً لانتفاء
فائدتها.
يؤيد ذلك: أن هذا هو الظاهر؛ لأنه أقرب إلى موافقة دلالة
اللفظ على النفي، لأنه إذا قال: " لا صلاة إلا بكذا " مثلاً، فقد
دلَّ بدلالة المطابقة على نفي أصل الفعل، ودلَّ على صفته - وهي
الصحة - بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة تعين
العمل بدلالة الالتزام، تقليلاً لمخالفة الدليل.
المذهب الثاني: أن هذه النصوص مجملة.
وهو مذهب كثير من الحنفية، واختاره القاضي أبو بكر، وأبو
عبد اللَّه البصري، وأكثر المعتزلة.
стр. 1157
دليل هذا المذهب:
أنه لا يمكن حمل هذا اللفظ على نفي صورة الفعل، وهو
الصلاة، والصوم، والنكاح، وغير ذلك - مما ورد في الأحاديث
السابقة - وذلك لأن صورة الصلاة مثلاً يمكن إيجادها بغير طهور
كصلاة المحدث، كذلك صورة النكاح والصوم والوضوء يمكن
إيجادها بدون توفر شرطها، فلو نفي ذلك لكان خلفا.
فتعين أن المراد بالنفي هنا: نفي الحكم، أي: نفي حكم الصلاة،
ونفي حكم الصوم، ونفي حكم النكاح، وهكذا.
والحكم متعدد ومتنوع إلى أنواع هي: " الصحة "، و " الإجزاء"،
و" الكمال "، فلا نعلم هل المراد: لا صلاة صحيحة، أو لا صلاة
مجزئة، أو لا صلاة كاملة، وهي متساوية عندنا، فلا حكم بأوْلى
من حكم، ولا مرجح لأحدها، فيكون اللفظ متردداً بينهما
بالتساوي، فيكون مجملاً.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ وجود إجمال في تلك النصوص؛ لأنا إن نظرنا إلى
عرف الشارع في هذه الأسماء، فهو ظاهر في نفي الحقيقة الشرعية،
وهو ممكن - كما قلنا سابقا -.
وإن نظرنا إلى الوضع اللغوي فهو ظاهر في نفي الفائدة والجدوى
والمنفعة، وذلك بسبب عرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع،
فيكون المراد هو: نفي الصحة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، وتعليل دلك هو ما ذكرناه في بيان نوع الخلاف
في النص الأول.
стр. 1158
النص الخامس: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
اختلف فيه هل فيه إجمال أو لا؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا إجمال فيه لا من جهة " اليد "، ولا من
جهة "القطع ".
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن لفظ " اليد " تطلق على الكل حقيقة،
ويذكر لفظ " اليد " للبعض عن طريق المجاز، وعلى هذا: لا تكون
دلالة " اليد " على الكل مساوية لدلالتها على البعض.
وكذلك لفظ " القطع " يطلق حقيقة على إبانة الشيء عما كان
متصلاً به، فإذا أضيف القطع إلى " اليد "، وكان مسمى اليد حقيقة
في جملتها إلى الكوع، فإنه يجب حمله على إبانة مسمى " اليد "
وهو جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن
بعض لا يكون حقيقة، بل تجوزاً.
المذهب الثاني: أن هذا النص فيه إجمال، حيث إن لفظ " اليد "
ولفظ " القطع " قد دخلهما الإجمال، وهو مذهب بعض الحنفية.
دليل هذا المذهب:
قالوا في بيان الإجمال في هذين اللفظين: إن لفظ " اليد " يطلق
على كل اليد إلى المنكب، ويطلق على اليد إلى المرفق، ويطلق
على اليد إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر،
فكان لفظ " اليد " مجملاً.
وكذلك لفظ " القطع " يطلق على إبانة العضو من العضو، وعلى
стр. 1159
شق الجلد من العضو بالجرح من غير إبانة للعضو، فكان لفظ
"القطع "مجملاً.
جوابه:
أنا قد بيَّنَّا أن إطلاق لفظ " اليد " على كل اليد إلى المنكب هو
الإطلاق الحقيقي وهو الأصل، أما إطلاق اليد على بعض اليد فهو
إطلاق مجازي، وهو "خلاف الأصل.
أما القطع فإنه يطلق على " الإبانة " حقيقة، وإطلاق القطع على
الشق إطلاق مجازي؛ لأن مجرد شق الجلد لا يحقق القطع المعروف
وهو فصل عضو عن عضو.
стр. 1160
المطلب السادس
هل يجوز بقاء المجمل بدون بيان بعد وفاة ﷺ -؟
قلنا - فيما سبق -: إن حكم المجمل: التوقف حتى يرد البيان،
فهل يجوز بقاؤه بدون بيان؛ لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: التفصيل بين ما يتعلق به حكم تكليفي فلا يجوز،
وغيره فيجوز، وهو الصواب.
فإن كان المجمل يتعلق به حكم تكليفي لم يجز بقاؤه مجملاً؛ لأن
تأخير بيانه تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.
أما إذا لم يتعلق به حكم تكليفي: فإنه يجوز بقاؤه مجملاً؛ لعدم
وجود ضرورة تدعو إلى بيانه.
المذهب الثاني: يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقا.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه لا يترتب على فرض بقاء المجمل محال عقلاً، فكان جائزاً.
جوابه:
لا نسلم ذلك، فإن بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان
عن وقت الحاجة، وهذا غير جائز اتفاقا - كما سيأتي بيانه -.
المذهب الثالث: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقا.
وهو مذهب كثير من العلماء.
следующие страницы →