← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

من اللغة إلى الشرع - فإن تلك الأسماء تحمل على الحقيقة الشرعية، دون اللغوية، ويكون المعنى واضحا لا إجمال فيه، لأن العادة: أن كل متكلم يُحمل لفظه على عرفه، فتلك الألفاظ - أعني: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - تحمل على المقصود والمراد الشرعي، فنحمل لفظ " الصلاة " على الصلاة الشرعية، ولفظ " الزكاة " على الزكاة الشرعية وهكذا، ولا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة وذلك لأن عرف الشارع جار على بيان الأحكام الشرعية، دون الحقائق اللغوية. أما على المذهب الثالث - وهو: أن تلك الأسماء باقية على دلالتها اللغوية، ولكن زاد عليها الشارع بعض الشروط والقيود - فإن تلك الأسماء تحمل على المعنى اللغوي، ولا يجوز العدول عنها إلى الشرعية إلا بقرينة، وهذا قياس هذا المذهب، وهو مذهب القاضي أبي بكر. ولكن بعض العلماء نقل عنه أن هذه الألفاظ - أعني الصلاة والزكاة ونحوها - مجملة، وهو مذهب بعض العلماء كالقاضي أبي يعلى، وبعض الشافعية، وبناء على القول بالإجمال تأثرت بعض المسائل، ومن ذلك: ١ - قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) اختلف في المراد به هل هو المعنى الشرعي، أو المعنى اللغوي؟ فذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بالنكاح هنا هو: المعنى الشرعي، وهو: العقد؛ لأن النكاح حقيقة شرعية، ولفظ المشرع يجب أن يحمل على معناه الشرعي، ولذا فإنه لو زنى الأب بامرأة، فإن ذلك لا يوجب حرمة المصاهرة.

стр. 1087

وذهب آخرون إلى أن المراد بالنكاح هنا هو المعنى اللغوي، وهو: الوطء، فيكون المعنى لا تطؤا ما وطأها الأب بزنى أو غيره، ولذا فإن من زنى بها الأب فهي موطوءة له. ٢ - قوله ﷺ : "توضئوا مما مست النار " اختلف في المراد به، هل هو الوضوء الشرعي، أو الوضوء اللغوي؟ فمنهم من قال: إنه يحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حمل لفظ المشرع على عرفه أقوى، ومنهم من قال: يحمل على المعنى اللغوي، ومنهم من قال: إنه مجمل لوجود الاحتمالين، فلا يحمل إلا بقرينة. ٣ - قوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة " اختلف في ذلك هل المراد به: أن الطواف كالصلاة حكما في الافتقار للطهارة، فيكون المراد بالصلاة: الصلاة الشرعية، أو أن الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.

стр. 1088

المبحث الثاني في المجاز ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف المجاز. المطلب الثاني: هل المجاز واقع في اللغة؟ المطلب الثالث: أنواع العلاقة في المجاز. المطلب الرابع: هل النقصان يعتبر من المجاز؟ المطلب الخامس: أسباب العدول إلى المجاز. المطلب السادس: بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز. المطلب السابع: هل المجاز يستلزم الحقيقة؟ المطلب الثامن: اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازاً، والذي لا يكون. المطلب التاسع: بيان أن المجاز خلاف الأصل. المطلب العاشر: طرق معرفة الحقيقة من المجاز. المطلب الحادي عشر: بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فإنه يُحمل على الحقيقة. المطلب الثاني عشر: بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال، فإن اللفظ يُحمل عليه.

стр. 1089

المطلب الأول في تعريف المجاز أولاً: المجاز لغة مأخوذ من الجواز، وهو: العبور والانتقال من موضع إلى موضع آخر، يقال: " جزت المكان " أي: عبرته وانتقلت منه إلى مكان آخر، فالمجاز هو اللفظ الجائز من شيء إلى شيء آخر تشبيها بالجسم المنتقل من موضع إلى آخر. ثانيا: المجاز اصطلاحا هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي لعلاقة. بيان هذا التعريف: قولنا: " اللفظ ": جنس يشمل المستعمل وغير المستعمل، وهو المهمل. قولنا: " المستعمل " أخرج اللفظ المهمل. قولنا: " في غير موضوعه الأصلي " أخرج الحقيقة، فإن استعمال اللفظ فيها فيما وضع له أصلاً كما سبق. قولنا: " لعلاقة " هذا بيان لشرط المجاز؛ حيث إن شرط المجاز الأساسي هو: وجود العلاقة وهي: المشابهة الحاصلة بين المعنى الأول والمعنى الثاني، بحيث ينتقل الذهن بواسطتها عن محل المجاز إلى الحقيقة، فيفهم المعنى المجازي باعتبار ثبوت الصفة له كإطلاق "الأسد " على الرجل الشجاع للاشتراك في صفة الشجاعة؛ إذ لها فيه ظهور ومزيد اختصاص، فينتقل - الذهن منه إلى هذه الصفة.

стр. 1090

ولو لم توجد علاقة بين المعنيين لكان الوضع بالنسبة إلى المعنى الثاني أولى، فيكون حقيقة فيهما، ويكون اللفظ مشتركا، لا مجازاً. وسمي مجازاً؛ لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعا منهم كتسمية الرجل الشجاع أسداً، وتسمية البليد حماراً، وهكذا.

стр. 1091

المطلب الثاني هل المجاز واقع في اللغة ؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المجاز واقع في اللغة العربية، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ لأن اللغة العربية لغة فصيحة، والمجاز لا ينافي الفصاحة، بل ربما كان المجاز أبلغ من الحقيقة - كما سيأتي ذكره في أسباب العدول إلى المجاز - وقد ورد ووقع المجاز في لغة العرب كثيراً -: فقد استعمل العرب لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، والحمار للرجل البليد، والبحر للعالم، وقولهم: " قامت الحرب على ساق "، وقال الصلتان العبدي: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي فإن هذا البيت قد جمع بين المجاز اللغوي، والمجاز العقلي؛ حيث إن لفظ " الصغير " قد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن المراد به: الذي كان صغيراً فهو مجاز مرسل باعتبار ما كان، وقد أسند الشاعر فيه الإشابة والإفناء إلى الزمن مع أن الذي يشيب ويفني هو الله تعالى، وبذلك يكون الفعل قد أسند إلى غير ما هو له لعلاقة السببية باعتبار أن الزمن هو السبب في المشيب، والفناء، فكان مجازاً عقلياً.

стр. 1092

المذهب الثاني: أنه لا مجاز فى اللغة العربية، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. دليل هذا المذهب: أن المجاز فيه إلباس المقصود بغير المقصود، فلا يفهم السامع من اللفظ ما أراده المتكلم منه، وهذا ينافي المقصود من اللغة؛ لأن المقصود منها: إفادة الألفاظ لما تستعمل فيه من المعاني، فيكون المجاز ممنوعاً. وعليه: فلا يقع في اللغة. جوابه: أنا نقول: لا مجاز بلا قرينة صرفت اللفظ من الحقيقة إلى المجاز، أما مع وجود القرينة فلا إلباس ولا إيهام؛ لأن السامع يفهم المقصود من اللفظ بواسطة تلك القرينة. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن أبا إسحاق لا ينكر استعمال الأسد للشجاع، وأمثال ذلك، ولكنه يشترط في ذلك القرينة ويُسميه حقيقة. إذن الخلاف في التسمية والعبارة.

стр. 1093

المطلب الثالث أنواع العلاقة في المجاز لقد قلنا: إن شرط المجاز هو وجود العلاقة، وان لم توجد العلاقة لجاز التجوز عن كل معنى لكل لفظ، ولكان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر، ويكون اللفظ مشتركا لا مجازاً. وأنواع العلاقة كثيرة، وإليك أهمها: النوع الأول: السببية، وهو إطلاق السبب على المسبب، وهو أقسام: ١ - السبب القابلي: نحو قولهم: " سال الوادي "، والمراد: سال الماء في الوادي،، لكن لما كان الوادي سببا قابلاً لسيلان الماء فيه صار الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه. ٢ - السبب الفاعلي كقولهم: " نزل السحاب " أي: المطر، فإن السحاب في العرف سبب فاعلي، لكن فاعليته باعتبار العادة، حيث إن الفاعل حقيقة هو اللَّه تعالى. ٣ - السبب الصوري كتسمية اليد قدرة؛ حيث إن القدرة سبب صوري لليد، فإن اليد الخالية عن القدرة بمثابة ما لا وجود له بالفعل. ٤ - السبب الغائي كتسمية العنب خمراً، قال تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) . النوع الثاني: المسببية، وهو؛ إطلاق المسبب على السبب،

стр. 1094

كتسمية المرض الشديد بالموت، وذلك لأن المرض الشديد عادة يؤدي إلى الهلاك والموت. الئوع الثالث: المشابهة: بأن يسمى الشيء باسم مشابهه في صفة ظاهرة مثل: تسمية الرجل الشجاع بالأسد، وسمّي المجاز الذي باعتبار المشابهة بالاستعارة؛ لأن الشجاع - مثلاً - لما أشبه الأسد في المعنى أو الصورة استعرنا له اسمه، فكسوناه إياه. النوع الرابع: المجاورة، بأن يسمى الشيء باسم مجاوره مثل: إطلاق " الراوية " على القربة، والراوية في الأصل اسم للجمل الذي يحمل تلك القربة، ولكنه أطلق على القربة لمجاورتها له. الئوع الخامس: المضادة بأن يسمى الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ، فقد أطلق على الجزاء سيئة مع أنه عدل؛ لكونها ضدها. النوع السادس: إطلاق اسم الشيء كله على ما أعد له مثل قولهم: " الزوجة محللة "، ومعروف أن المحلل هو وطئها فقط، أما قتلها أو تعذيبها فهو حرام. الئوع السابع: النقصان بأن يذكر المضاف إليه، ويراد به مجموع المضاف مع المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، فإنه مجاز بالنقصان؛ لأن القرية موضوعة للمكان المخصوص، فأطلقت وأريد بها أهل القرية، فحذف المضاف - وهو أهل - وأقيم المضاف إليه - وهو القرية - مقامه. النوع الثامن: الكلية بأن يطلق الجزء والمراد الكل مثل قولهم: " أنا أملك رأسين من الغنم "، فأطلق الجزء وهو: الرأس، وأراد جميع الجسم.

стр. 1095

النوع التاسع: الجزئية بأن يطلق الكل والمراد الجزء، كقوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) ، فقد أطلق الكل، وهي الأصابع على الجزء، وهو الأنامل منها فقط؛ لأن العادة أن الإنسان لا يدخل أصبعه في أذنه. النوع العاشر: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه مثل تسمية المعتق عبداً باعتبار أنه كان كذلك، أو تسمية الآدمي مضغة. النوع الحادي عشر: تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه وما يؤول إليه مثل: تسمية الخمر في المدن بالمسكر، فإن الخمر في الذهن ليس بمسكر، بل سيكون مسكراً إذا شرب. النوع الثاني عشر: التعلق، وهو التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول واسم الفاعل، وإن كلًّا منها يطلق على الآخر مجازاً، وإليك بيانها. ١ - إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: مخلو قة. ٢ - إطلاق اسم المفعول على المصدر، كقوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: الفتنة. ٣ - إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، كقوله تعالى: (من ماء دافق) أي: مدفوق. ٤ - إطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل، كقوله تعالى: (حجابا مستوراً) أي: ساتراً. ٥ - إطلاق اسم الفاعل على المصدر، كقولنا: " قم قائما " أي: قياما.

стр. 1096

٦ - إطلاق المصدر على اسم الفاعل، كقولناء: " رجل عدل " أي: عادل. النوع الثالث عشر: إطلاق الأثر على المؤثر كتسمية ملك الموت: موتا. النوع الرابع عشر: إطلاق المؤثر على الأثر، كقولك: " ما أرى في الوجود إلا اللَّه تعالى " يريد آثاره والدلالة عليه في العالم. النوع الخامس عشر: الملازمة، وهو قسمان: ١ - إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق " المس " على الجماع. ٢ - إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ) أي: يدل، والدلالة من لوازم الكلام. النوع السادس عشر: البدل والمبدل منه، وهو قسمان: ١ - إطلاق اسم البدل على المبدل كتسمية الدية بالدم، فكانوا يقولون: " أكل فلان دم فلان " أي: ديته. ٢ - إطلاق اسم المبدل على البدل كتسمية الاداء بالقضاء في قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) أي: أديتم.

стр. 1097

المطلب الرابع هل النقصان يعتبر من المجاز ؟ لقد سبق أن قلنا - في النوع السابع من أنواع العلاقة في المجاز: أن النقصان والحذف من اللفظ يعتبر من المجاز، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، والمراد: أهل القرية، وذلك لظهوره؛ حيث إن القرية لا يمكن أن تسأل، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق لما قلناه. ولكن بعض العلماء لم يسم ذلك مجازاً، وقال: لا نقول: "أقيمت القرية مقام أهلها"، بل حذف من الخطاب ذكر " أهل " لدلالة بقية الخطاب عليه، والإضمار والحذف ليس من المجاز؛ لأن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. جوابه: إن تعريف المجاز - وهو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له - منطبق على الحذف والنقصان، فلفظ " القرية " استعمل في غير ما وضع له. بيان نوع الخلاف: الخلاف - هنا - لفظي، للاتفاق على المعنى؛ حيث إن حاصل الخلاف: أن المضمر هل هو سبب التجوز، أو محل التجوز؟

стр. 1098

المطلب الخامس أسباب العدول إلى المجاز إن عدول المتكلم في التعبير عن الحقيقة إلى المجاز له أسباب إليك أهمها: السبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام، فقد نقل بعض العلماء عن أرباب البلاغة قولهم: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام، ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة، فمثلاً قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) ، وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) لو استعملت الحقائق في هذه المواضع لم تعط ما أُعطي المجاز من البلاغة. السبب الثاني: تكثير الفصاحة؛ لأن فهم المعنى منه يتوقف على قرينة، وفي ذلك غموض يحوج إلى حركة الذهن، فيحصل من الفهم شبيه بلذة الكسب. السبب الثالث: التعظيم والتبجيل مثل قولهم: " سلام اللَّه على الحضرة العالية والمجلس الكريم "، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيما لحال المخاطب. السبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة كما يعبرون عن قضاء الوطر من النساء بالوطء، وكما يعبرون عن ذكر ما يخرج من الإنسان من العذرة بالغائط، ونحو ذلك. السبب الخامس: أن تكون لفظة الحقيقه ثقيلة على اللسان،

стр. 1099

فيعدل عنها إلى ما هو أخف منها كما عدلوا عن لفظ " الخنفقيق " اسم للداهية. السبب السادس: الحرص على الاختصار والإيجاز في الكلام كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ، وقولهم: " رأيت أسداً يخطب ". السبب السابع: تفهيم المعقول في صورة المحسوس لتلطيف الكلام وزيادة الإيضاح، ويسمى استعارة تخيلية مثل قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) . السبب الثامن: أن يكون لفظ المجاز أصلح للتعبير به عن الحقيقة مثل أن يكون المجاز أصلح للسجع ورعاية الوزن والقافية دون لفظ الحقيقة.

стр. 1100

المطلب السادس بيان أن الحقيقة لا تستلزم المجاز لقد اتفق العلماء على أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، أي: لا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل في ما وضع له لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له معنى واحد فقط.

стр. 1101

المطلب السابع هل المجاز يستلزم الحقيقة ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن كل مجاز يستلزم وجود حقيقة في شيء آخر. وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن المجاز فرع، والحقيقة أصل، ومتى وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل. المذهب الثاني: أن المجاز لا يستلزم الحقيقة. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن غاية المجاز أن يكون مستعملاً في غير ما وضع له أولاً، وما وضع له اللفظ أولاً ليس حقيقة ولا مجازاً، فلا مانع من أن يتجوز في اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أولاً. جوابه: إن هذا مخالف لحقيقة المجاز - كما سبق -: وهو اللفظ المستعمل في ما وضع له ثانياً، فهذا الحدُّ يدل على أن لهذا اللفظ استعمالاً فيما وضع له أولاً، والمراد به الحقيقة، ويؤيد ذلك: اشتراط العلاقة في المجاز، ولولا تلك العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي لجاز التجوز عن كل معنى لكل لفظ، ولكان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر، ويكون اللفظ مشتركا لا مجازاً، فكيف يكون هناك مجاز ولا حقيقة له. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ حيث لم يتأثر في ذلك أي حكم شرعي.

стр. 1102

المطلب الثامن اللفظ الذي يكون حقيقة ومجازاً والذي لا يكون بيان ذلك: أولاً: اللفظ قد يكون حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنيين، فهذا ظاهر كفظ " الأسد "، فإنه حقيقة بالنسبة إلى الحيوان المفترس، ومجاز إلى الرجل الشجاع. ثانيا: قد يكون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنى الواحد، ولكن. باصطلاحين كلفظة " الدابة "، فإن استعمالها في الخيل والحمار حقيقة عرفية ومجاز لغوي، واستعمالها في كل ما يدب على الأرض حقيقة لغوية، مجاز عرفي. ثالثا: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازاً قبل الاستعمال؛ لأن الاستعمال جزء مفهوم كل من الحقيقة والمجاز، فاللفظ في الوضع الأول قبل الاستعمال لا يكون حقيقة ولا مجازاً. رابعا: الأعلام لا توصف بأنها حقيقة أو مجاز؛ لأنها منقولة عن المعاني الأصلية، فلا تكون حقائق في المنقول إليها، ولأنها لم تنقل لعلاقة فلا تكون مجازاً.

стр. 1103

المطلب التاسع بيان أن المجاز خلاف الأصل الأصل في الكلام الحقيقة. أما المجاز فهو خلاف الأصل؛ لأن المجاز فيه ما يلي: الأول: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول. الثاني: أن المجاز يحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني. الثالث: أن المجاز مخل بالفهم، حيث لا قرينة، أو لم يتنبه للقرينة، أو تعدد مجازاته. أما الحقيقة فليست محتاجة إلا إلى الأمر الأول - وهو الوضع الأول -. ومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجوداً وأرجح مما هو مفتقر إلى أمور كثيرة.

стр. 1104

المطلب العاشر طرق معرفة الحقيقة من المجاز الطريق الأول: سبق الفهم، بيانه: أن اللفظ له معنيان فيسبق أحد المعنيين إلى فهم السامع من غير قرينة، أما المعنى الآخر فإنه لا يفهم ولا ينقدح في الذهن إلا بقرينة، فيكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقا، أي: بدون قرينة. الطريق الثاني: العراء عن القرينة، بيانه: أن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على عبارة مخصوصة، وإذا عبروا عنه بعبارة أخرى لم يقتصروا عليها، بل يذكرون معها قرينة، فيعلم أن العاري عن القرينة حقيقة؛ حيث إنه لو لم يتفرد في ذهنهم استحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى لم يقتصروا عليه. الطريق الثالث: صحة الاشتقاق، بيانه: أن يكون أحد اللفظين يصح فيه الاشتقاق، والتصريف إلى الماضي، والمستقبل، واسم الفاعل، واسم المفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والآخر هو المجاز، وذلك لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه يدل على ضعفه وفرعيته، فمثلاً لفظ " الأمر " يطلق على الطلب نحو: " ادخل "، ويطلق على الشأن والفعل كقوله تعالى:

стр. 1105

(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) ، والمقصود شأن فرعون وفعله، فوجدنا العرب يصرفون اللفظ ويشتقون منه فيقولون: أمر، يأمر، أمراً، فهو مأمور، وهو آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى الفعل، فلا يقولون فيه: أمر يأمر، أي: أن إطلاق الأمر على الفعل لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر، فدل ذلك على أن الأول حقيقة، والثاني مجاز. الطريق الرابع: صحة النفي في المجاز، بيانه: أنه يصح النفي في المجاز، فيصح أن يقال لمن سُمِّي من الناس حماراً لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه. الطريق الخامس: عدم الاطراد، بيانه: أن لا يكون اللفظ مطرداً في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة، فهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد، ولهذا لا يُسمَّى كل طويل من شجرة أو رمح وغير ذلك نخلة. الطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل، بيانه: أنه إذا أطلق على اللفظ بما يسحيل تعليقه به علم أنها في أصل اللغة غير موضوعة له أصلاً، فيعلم أنه مجاز فيه مثل قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة.

стр. 1106

المطلب الحادي عشر بيان أنه إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة إذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز، فإنه يحمل على الحقيقة، ولا يمكن حمله على المجاز إلا إذا دلَّ دليل أو قرينة على أنه أريد به المجاز، ولا يمكن أن نجعل اللفظ مجملاً ومشتركا بين المعنيين، وهما الحقيقة والمجاز. أدلة ذلك وهو: حمل اللفظ على الحقيقة، ولا يكون مجملاً: الدليل الأول: أن واضع اللفظ للمعنى إنما وضعه ليكتفي به في الدلالة عليه، وليستعمل فيه دون غيره من المعاني، فكان الواضع قال: " إذا سمعتموني أتلفظ بهذا اللفظ فاعلموا أني أعني به هذا المعنى دون ما هو مجاز فيه "، فيجب على السامع أن يحمل اللفظ على ما وضع له، وهو المعنى الحقيقي. الدليل الثاني: أننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازاً وجعلناه مجملاً للزم من ذلك أمران باطلان هما: الأمر الأول: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسُّنَّة بدون أن يعمل بها، فأفضى إلى عدم الاستفادة منها، وذلك لأن حكم المجمل هو التوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل أكثر النصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان، بل لا يقوله مسلم عاقل. الأمر الثاني: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي: لا نفهم من أي لفظة أيَّ معنى مقصود، مما يؤدي إلى عدم تفاهم الناس في مخاطباتهم.

стр. 1107

المطلب الثاني عشر بيان أنه إذا غلب المجاز في الاستعمال فإن اللفظ يحمل عليه لقد بيَّنا في المطلب السابق: أن اللفظ المجرد عن القرائن يحمل على المعنى الحقيقي، ولا يحمل على المجاز، ولا يكون مجملاً، لكن إذا غلب المجاز في الاستعمال، أي: تعارف الناس واعتادوا على التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم، فإن اللفظ يحمل على المجاز، وتكون الحقيقة - على ذلك - كالمتروكة المنسية التي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين. فلو قال شخص: " رأيت راوية "، فإنه ينقدح في أذهان الناس أن المقصود بذلك هو: وعاء الماء، ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة، وهو: الجمل الذي يستقى عليه. كذلك لو قال: " رأيت غائطا "، فإنه ينقدح في أذهان الناس ذلك الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة وهو: المكان المطمئن المنخفض من الأرض. ففي هذين المثالين صار الوضع الأول - وهو الحقيقة - منسيا متروكا، والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى الحقيقة إلا بدليل.

стр. 1108

الفصل الثامن في تعارض ما يخل بالفهم الذي يخل بفهم السامع لما أراده المتكلم من اللفظ: أمور خمسة هي: الا شتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص. فإن تعارضت هذه الأمور الخمسة مع بعضها، فإنه لا بد من معرفة الراجح من المرجوح، ولمعرفة ذلك فإن كل واحد يكون ما بعده أرجح منه، فيقدم عليه فتقول: النقل يقدم على الاشتراك، والمجاز يقدم على النقل، والتخصيص يقدم على المجاز والإضمار، أما المجاز والإضمار إذا تعارضا فلا يقدم أحدهما على الآخر؛ لتساويهما، ويكون اللفظ مجملاً. وإليك بيان ذلك على عشرة أوجه هي كما يلي: الوجه الأول: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل - بأن كان اللفظ محتملاً لهما وادَّعى أحد الخصمين حمله على النقل، والآخر حمِله على الاشتراك: فالنقل أَوْلى بالتقديم؛ لأن المعنى في النقل متعيِّن. بيان ذلك: أن لفظ " الزكاة " يحتمل أن يكون مشتركا بين "النماء" - وهو معناه اللغوي - و " القدر المخرج من المال " - وهو معناه الشرعي -، ويحتمل أن يكون حقيقة في " النماء "، ثم نقل إلى القدر المخرج.

стр. 1109

فالنقل هنا أوْلى؛ لأنه على تقدير النقل يكون اللفظ لحقيقة مفردة؛ لأنه إن اشتهر النقل فالمراد المنقول إليه، وإن لم يشتهر فالمراد المنقول عنه فلا يوجد له إلا معنى واحد في الحالتين، أما على تقدير الاشتراك فليس كذلك؛ لأن اللفظ في حالة الاشتراك له معنيان فأكثر في وقت واحد، وما له معنى واحد - وهو النقل - أولى مما له معنيان - وهو الاشتراك. الوجه الثاني: إذا وقع التعارض بين " الاشتراك " و " المجاز ": فالمجاز أَوْلى بالتقديم؛ لأمرين: أولهما: أن المجاز أكثر استعمالاً من الاشتراك، والكثرة أمارة الظن والرجحان. ثانيهما: أنه على تقدير المجاز إن كان اللفظ مع القرينة: وجب حمله على المجاز، وإن كان مجرداً عنها: وجب حمله على الحقيقة، فهو مفيد على التقديرين، بخلاف الاشتراك فإنه إن تجرد اللفظ عن القرينة وجب التوقف؛ لاحتمال تنافي معاني المشترك، أو امتناع حمله على معنييه إذا لم يمكن الجمع بينها. مثاله: لفظ " النكاح " فنقول: " موطوءة الأب بالزنا تحل للابن فيجوز أن يتزوجها "؛ لقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) ، وهي قد طابت للابن. فإن قال قائل: هذا معارض بقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) ، والنكاح حقيقة في الوطء. قلنا: لا نُسَلِّمُ، بل النكاح حقيقة في العقد في الشرع؛ لقوله ﷺ : "النكاح من سنتي "، وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء، ولو كان حقيقة في العقد والوطء للزم الاشتراك

стр. 1110

بينهما دون ترجيح، فكونه حقيقة في العقد مجازاً في الوطء، أو العكس أوْلى، ويعمل على أحدهما، أوْلى من حمله على الاشتراك بينهما والتوقف عن العمل بهما. الوجه الثالث -: إذا وقع التعارض بين " الاشتراك "، و " الإضمار" فالإضمار أوْلى بالتقديم؛ لأن الإضمار يحتاج إلى القرينة في صورة واحدة، وهي صورة إرادة المعنى الإضماري، أما المشترك فإنه يحتاج إلى القرينة في صورتي كل واحد من معنييه، فيكون الاشتراك مرجوحاً؛ لأن الاحتياج فيه أكثر. مثاله: قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإنه يحتمل أن يكون مشتركاً بين " الموضع " و " الأهل "، ويحتمل أن يكون للموضع والأهل مضمر، فالإضمار أوْلى بالتقديم. الوجه الرابع: إذا وقع التعارض بين " الاشتراك " و " التخصيص " فإنه يقدم التخصيص؛ لأن التخصيص أوْلى من المجاز إذا تعارضا، لأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز فإنه ربما يتعدد المجاز، فلم يتعين المجاز المقصود - كما سيأتي في الوجه التاسع -. والمجاز أَوْلى من الاشتراك إذا تعارضا؛ لما سبق ذكره في الوجه الثاني. ينتج: أن التخصيص أوْلى من الاشتراك. مثاله: قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فالنكاح هنا يحتمل أن يكون مشتركاً بين " الوطء " و " العقد "، فعلى هذا: تكون موطوءة الأب مطلقاً محرمة على الأب. ويحتمل أن يكون لفظ " النكاح " - هنا - موضوعاً للعقد - فقط -

стр. 1111

وخص العقد الفاسد، فإن النكاح الفاسد لا يحرم، فالتخصيص أولى، وعلى هذا: لو نكح الأب نكاحا فاسداً فللابن أن ينكح منكوحته ولا تكون محرمة عليه. تنبيه: النسخ شبيه بالتخصيص؛ لأن " النسخ " تخصيص في الأزمان، فهل - على هذا - يقدم النسخ على الاشتراك؛ نظراً لكون التخصيص مقدما على الاشتراك؟ نقول - في الجواب عن ذلك -: إن النسخ لا يقدم على الاشتراك، بل إن الاشتراك هو المقدم عليه؛ لأن النسخ يلزم منه الإبطال بالكلية، أما الاشتراك فإنه يستلزم التأخير إلي وقت ظهور القرينة، والتأخير أهون من الإبطال، فعلى هذا لو وقع التعارض بينهما لكان الاشتراك أوْلى. الوجه الخامس: إذا وقع التعارض بين " النقل " و " المجاز "، فإنه يقدم " المجاز "؛ لأنه يلزم من " النقل ": أن يكون الوضع الأول - المنقول عنه - مهجوراً، وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل: الإعمال، لا الإهمال، والمجاز لا يستلزم ذلك، فيكون المجاز راجحا عليه. مثاله: " الصلاة "، فإنها مجاز في ذات الأركان - على قول - وهي منقولة من الدعاء إلى هذا المعنى - على قول آخر لبعض العلماء. الوجه السادس: إذا وقع التعارض بين دؤ النقل " و " الإضمار "، فإن الذي يقدم هو " الإضمار "؛ لأن " الإضمار " و " المجاز " متساويان؛ نظراً لاحتياج كل واحد إلى قرينة تصرف السامع عن فهم ما يدل عليه اللفظ ظاهراً - كما سيأتي في الوجه الثامن -.

стр. 1112

والمجاز مقدم على النقل؛ لأن " النقل " يستلزم أن يكون الوضع الأول مهجوراً، وهو خلاف الأصل، والمجاز ليس كذلك - كما قلنا في الوجه الخامس -. فينتج: أن يكون الإضمار أوْلى من النقل؛ لأن المساوي للأولى أوْلى. مثل: قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، فإنه سيقول قائل: إن الربا موضوع للزيادة والمفاضلة، ثم نقل إلى العقد المشتمل على المفاضلة، وحينئذٍ لا يجوز بيع درهم بدرهمين. وسيقول قائل آخر: إن الربا موضوع للمفاضلة والزيادة، والأخذ مضمر، والتقدير: وحرم أخذ الربا، وحينئذ: يجوز بيع درهم بدرهمين، ويفيد - الملكية؛ لأن المحرم الأخذ لا البيع. الوجه السابع: إذا وقع التعارض بين " النقل " و " التخصيص " فإن التخصيص يقدم على النقل؛ لأن التخصيص أوْلى من المجاز؛ لأن الباقي بعد التخصيص متعين، بخلاف المجاز؛ فانه قد يتعدد - كما سبق ذكره وكما سيأتي في الوجه التاسع -. والمجاز أوْلى من الثقل - كما سبق بيانه في الوجه الخامس -. فينتج: أن التخصيص يقدم على النقل؛ لأن الراجح على الراجح راجح. مثاله: قوله تعالى: (وأحل الله البيع) ، فانه يحتمل أن يكون " البيع " هو: البيع اللغوي - وهو مبادلة الشيء بالشيء مطلقا - ثم خص عنه الفاسد؛ إذ البيع الفاسد غير حلال، ويحتمل أن يكون " البيع " قد نقل من المبادلة مطلقا إلى العقد المستجمع لشرائط الصحة.

стр. 1113

الوجه الثامن: إذا وقع التعارض بين " المجاز " و " الإضمار "،: فإنهما مستويان؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة تصرف السامع عن فهم ما يدل عليه ظاهر اللفظ، واستوائهما في احتمال وقوع الخفاء في تعيين المراد؛ فإنه كما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين " المجاز " كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر. مثاله: أن يقول السيد لعبده - الذي هو أصغر منه سنا -: " هذا ابني "، فإنه يحتمل أن يكون قد عبر عن العتق بالبنوة مجازاً، فيعتق ذلك العبد بذلك اللفظ، ويحتمل أن يكون في الكلام إضمار ويكون تقدير الكلام: " هذا مثل ابني " في العطف أو المحبة، فلا يعتق العبد بهذا. الوجه التاسع: إذا وقع التعارض بين " المجاز " و " التخصيص "، فإنه يقدم التخصيص؛ لأن الباقي بعد التخصيص متعين بخلاف المجاز، فإنه قد لا يتعين المجاز المقصود، بيان ذلك: أنه عند التخصيص انعقد اللفظ دليلاً على جميع الأفراد، فإذا خرج بعض الأفراد بدليل: بقي اللفظ معتبراً في الباقي من غير تأمل أو تفكر. أما في المجاز فإن اللفظ انعقد دليلاً على المدلول الحقيقي، فإذا انتفت الحقيقة بقرينة، افتقر صرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلى نوع تأمل وتفكر واستدلال؛ لأنه ربما تعدد المجاز، ولم يتعين المقصود، فيكون التخصيص أبعد عن الاشتباه والشك، فيقدم على المجاز. مثاله: قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فإنِه يحتمل أن يكون المراد التلفظ " الذي هو المدلول الحقيقي - وهو:

стр. 1114

التلفظ بذكر اسم الله تعالى - وعلى هذا خص منه الناسي، أي: الذي ترك فيه التلفظ بالنسيان، وعلى هذا يكون متروك التسمية عمداً لا يؤكل، أما متروك التسمية نسيانا يؤكل، وهذا هو الصحيح. ويحتمل أن يكون المراد به: لا تكلوا مما لم يذبح بأن مات حتف أنفه بطريق المجاز، وعلى هذا: فمتروك التسمية مطلقا يؤكل، وليس في الآية ما يدل على عدم جواز أكله، وهذا المجاز من باب إطلاق اسم المسبب - وهو ذكر اسم اللَّه تعالى - على السبب - وهو الذبح؛ حيث إن الذبح سبب ذكر اسم اللَّه تعالى. الوجه العاشر: إذا وقع التعارض بين " الإضمار " و " التخصيص "، فإن التخصيص هو المقدم؛ لأن " التخصيص " مقدم على " المجاز " - كما مضى في الوجه التاسع -، والمجاز والإضمار متساويان - كما مضى في الوجه الثامن - فينتج: أن " التخصيص " مقدم على الإضمار ". مثاله: قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) ، فإنه يحتمل أن يكون خطابا عاما اختص بالورثة؛ إذ القاتل صار عدوأ للورثة، فإذا قتل ذلك القاتل بقيت الورثة سالمة وحية، ويحتمل أن يكون خطابا عاما والشرعية مضمرة، وتقدير الكلام: " ولكم في شرعية القصاص حياة "، وذلك لأن الناس إذا علموا شرعية القصاص اندفع القتل من بينهم، فمثلاً إذا هم شخص بالقتل فتذكر القصاص منه، فإنه يمتنع عن القتل، فتسبب ذلك في حياة نفسين.

стр. 1115

الفصل التاسع في النص، والظاهر، والمجمل وما يتعلق بها ويشتمل على تمهيد وثلانة مباحث: أما التمهيد: فهو في بيان السبب في جمع هذه الأمور الثلانة، والسبب في تقديم النص على الظاهر، والظاهر على المجمل. أما المبحث الأول: فهو في النص. أما المبحث الثاني: فهو في الظاهر. أما المبحث الثالث: فهو في المجمل.

стр. 1116

التمهيد في بيان السبب في جمع هذه الأمور الثلاثة والسبب في تقديم النص على الظاهر والظاهر على المجمل السبب في ذلك هو: أن اللفظ إما أن يكون له معنى واحد فقط لا ينقدح في الذهن غيره، أو يكون له معنيان فأكثر. فإن كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحداً - فقط - فهذا هو النص. وإن كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى نظرنا: إن ترجح أحد معنييه على الآخر فهو: الظاهر. وإن لم يترجح أحد معنييه - أي كانت متساوية - فهو: المجمل. والسبب في تقديم النص على الظاهر: أن النص أقوى من الظاهر؛ لأن النص لا يحتمل إلا معنى واحداً، أما الظاهر فهو يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر. والسبب في تقديم الظاهر على المجمل: أن الظاهر قريب من النص من وجهين:

стр. 1117

الأول: أن الظاهر يفهم منه معنى واحد، وإن احتمل معنى آخر لكنه مرجوح. الثاني: أن الظاهر يشارك النص في وجوب العمل بهما. أما المجمل فلا يفهم. منه معنى معين، ولا يجوز العمل به، فلذلك أُخِّر. وإليك بيان كل قسم فأقول:

стр. 1118

المبحث الأول في النص ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريفه. المطلب الثاني: حكم إطلاق النص على الظاهر. المطلب الثالث: حكم النص.

стр. 1119

المطلب الأول تعريف النص أولاً: النص لغة هو: رفع الشيء إلى أقصى غاية له، ومنه: ما ورد في الحديث: " كان رسول اللَّه ﷺ يسير العنق فإذا وجد فجوة نص " أي: رفع السير إلى غايته، ومنه ما قاله عمرو بن دينار: "ما رأيت أنص للحديث من الزهري " أي: أرفع وأسند. ثانيا: النص اصطلاحا هو: اللفظ الذي يفيد معناه بنفسه من غير احتمال. بيان التعريف: قولنا: " اللفظ " جنس يشمل النص والظاهر والمجمل. قولنا: " الذي يفيد معناه بنفسه ": أخرج اللفظ المجمل؛ لأنه لا يفيد معنى من معانيه إلا إذا وجدت قرينة ترجح هذا المعنى. وخرج اللفظ الصالح للحقيقة والمجاز؛ لأنه لا يحمل على مجاره إلا بقرينة. فالمجمل والمجاز لا يحمل اللفظ عليهما إلا بانضمام غيره معه. أما هذا اللفظ فقد نص على معناه دون مساعدة. قولنا: " من غير احتمال " معناه: أن هذا اللفظ أفاد حكما ومعنى واحداً فقط من غير أن يتطرق اليه أيُّ احتمال آخر أصلاً. فخرج بذلك اللفظ الظاهر، فإنه قد أفاد معنى بنفسه، لكن مع احتمال معنى آخر لأن كان ضعيفا.

стр. 1120

مثل قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ، فإن هذا اللفظ نص في الحكم، حيث إن مجموع ابثلاثة في الحج والسبعة إذا رجع هي عشرة فقط بدون زيادة أو نقصان، ومثل قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) نص في نفي التماثل بين البيع والربا، فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا في طرفي الإثبات والنفي، أى: إثبات المسمى، ونفي ما لا ينطلق عليه الاسم.

стр. 1121

المطلب الثاني حكم إطلاق النص على الظاهر لقد أطلق بعض العلماء - كالإمام الشافعي كما حكي عنه - اسم النص على الظاهر، وهو: اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر. وهذا لا مانع منه من جهة اللغة؛ وذلك لأن النص عند بعض أهل اللغة هو: الظهور، ومنه قول العرب: " نصت الظبية رأسها " إذا رفعته وأظهرته، ومنه تسمية الكرسي الذي تجلس عليه العروس: منصة؛ لأنها تظهر عليه. ولكن الأقرب إلى الصواب والأوجه هو: عدم إطلاق النص على الظاهر، فالنص له حدُّه الخاص به وهو: " اللفظ الذي يفيد معناه بنفسه من غير احتمال "، والظاهر - أيضا - له حده الذي سيأتي ذكره. دليل ذلك: أننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما على خلاف الأصل: الأمر الأول: الترادف بيانه: أنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن لهذين اللفظين وهما: " النص " و " الظاهر " معنى واحد، وهو معنى الظاهر،

стр. 1122

وهو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، وهذا هو الترادف الذي هو على خلاف الأصل. الأمر الثاني: الاشتراك، بيانه: أنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهرْ هما: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك، والاشتراك خلاف الأصل. وذلك لأن الأصل هو: أن يكون للفظ معنى واحد، وأن يكون للمعنى لفظ واحد. *** المطلب الثالث حكم النص أن يصير المكلَّف إلى معناه، وأن يعمل بالحكم الذي دلَّ عليه ولا يتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فهنا يترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.

стр. 1123

المبحث الثاني في الظاهر ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريفه. المطلب الثاني: حكم الظاهر. المطلب الثالث: في التأويل.

стр. 1124

المطلب الأول تعريف الظاهر أولاً: الظاهر لغة: هو الشاخص المرتفع، والواضح المنكشف، ويطلق لغة على خلاف الباطن، قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ثانياً: الظاهر اصطلاحا: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر. معناه إجمالاً: أن الظاهر هو: اللفظ الذي فهم منه السامع معنيين، ولكن رجح أحد هذين المعنيين، دون الآخر. محترزات التعريف: قولنا: " الذي يحتمل معنيين " أخرج النص؛ حيث إن النص هو اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط - كما سبق -. وقولنا: " هو في أحدهما أظهر " أخرج المجمل؛ لأن المجمل هو: اللفظ الذي. احتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر، أي: اللفظ المتردد بين معنيين على السواء كالقرء.

стр. 1125

المطلب الثاني حكم الظاهر أن يصيرِ السامع إلى معناه الظاهر له، والراجح عنده، فيجب العمل بما دلّ عليه من الأحكام، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح والظاهر إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو نسخه.
следующие страницы →