← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الجواب الثاني: أنه لا يمتنع مخاطبة الأعجمي بالعربية؛ قياساً على مخاطبة المعدوم، بيان ذلك: أنا جوزنا كون المعدوم مخاطبا بالتكاليف الشرعية، وذلك على تقدير الوجود، أي: أنه مأمور بها إذا وجد وتوفرت فيه شروط المكلَّف - كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى - فإذا كان هذا جائزاً، فمن باب أَوْلى جواز مخاطبة ﷺ لجميع أهل الأرض من العرب والعجم، ويشعرهم اشتمال هذا القرآن على أوامر يعرفهم بها المترجم، فكما جاز أمر المعدوم على تقدير وجوده وتوفر شرط التكليف، كذلك يجوز أمر الأعجمي بالعربية على تقدير وجود المبيِّن له، وهو: المترجم. الدليل الرابع: أنه لا خلاف في أنه لو قال: " في خمس من الإبل شاة "، وأراد به خمساً من الغنم أو البقر، فإنه لا يجوز ذلك؛ لأنه تجهيل في الحال، وإيهام الخلاف المراد، فكذلك قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يُبين أنه مخصص فهو تجهيل في الحال، وكذلك لو قال: " له عليّ عشرة " وأراد بالعشرة سبعة فإنه لا يجوز؛ لأنه تجهيل، وإن كان ذلك جائزاً إن اتصل الاستثناء به بأن يقول: " له عليّ عشرة إلا ثلاثة "، وكذلك العموم قد وضع للاستغراق، فلا يجوز إرادة الخصوص به إلا بشرط وجود قرينة متصلة مبينة لذلك، فأما إرادة الخصوص بدون قرينة فهو تغيير للوضع. جوابه: إن ما ذكرتم صحيح لو كان العام نصا في إفادته للاستغراق، أي: لو كانت دلالة العام قطعية لكان ما ذكرتم صوابا، ولكن ليس

стр. 1192

الأمر كذلك عند جمهور العلماء؛ لأن دلالة العام ظنية، حيث إن صيغ العموم تفيد العموم والخصوص، لكن إفادتها للعموم أرجح - كما سيأتي بيانه والاستدلال عليه في باب العموم -. وبناء على ذلك: فيجب على المكلََّف العمل باللفظ العام على عمومه إن تجرد عن القرينة المخصصة، وهو - في نفس الوقت - يحتمل أن يراد منه الخصوص، وينتظر أن ينبه على الدليل المخصص. أما إذا أراد بالعشرة: سبعة، وأراد بالإبل: البقر، ونحو ذلك، فهذا ليس من كلام العرب، وهو تغيير للوضع، وقلب لحقائق اللغة. المذهب الثالث: التفصيل بين المجمل، والعام، والمطلق: فيجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان العام والمطلق. وهو مذهب أبي الحسن الكرخي، واختاره الدقاق من الشافعية وأبو الحسين البصري. دليل هذا المذهب: أن اللفظ العام يجب حمله على الحقيقة؛ فإذا ورد لفظ عام، فإنه يجب أن نعتقد العموم فيه، أما إذا ورد لفظ عام أريد به الخصوص ولم يبين مراده في ذلك، فإنه لا يجوز تأخير بيانه عق وقت الخطاب به؛ لأن ذلك يؤدي إلى القول بلزوم اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، ويفضي إلى ثبوت حكم في صورة غير مرادة - أصلاً - ولذا فلا يجوز تأخير بيان مثل هذا العموم لئلا يلزم منه ما ذكرناه؛ بخلاف المجمل؛ حيث إن المجمل لا يفهم منه معنى معين؛ لأن معانيه متساوية في الفهم، ولا يرجح أحدهما على الآخر إلا بقرينة.

стр. 1193

جوابه: إن ذلك يبطل بالنسخ؛ لأن ما ذكرتموه موجود فيه، فالسامع يعتقد استمراره وعمومه، وهو اعتقاد جهل، كما أن له أن يخبر عنه، وقد جوزنا تأخيره، على أنه عندنا يعتقد عموم اللفظ العام بشرط عدم وجود ما يخصصه، وإذا ورد التخصيص علمنا أن المخصوص لم يدخل في العموم. بيان نوع الخلاف: الخلاف - هنا - معنوي قد أثر في مسائل، منها ما يلي: ١ - هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام؟ فمن أجاز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة أجاز للرسول ﷺ أن يؤخر التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه. ومن منع جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: قال: لا يجوز للرسول ﷺ أن يؤخر التبليغ - وستأتي هذه المسألة. ٢ - إذا عثر الفقيه على عموم القرآن، ثم عثر على خبر واحد يرفع بعض ذلك العموم، وعرف أن الآية متقدمة على الخبر، فهل يكون الخبر نسخاً للآية أو تخصيصا مثل: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) فإنها نزلت في غزوة بدر، وقال النبي ﷺ في غزوة حنين: " من قتل قتيلاً فله سلبه ". فمن أجار تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة: قال بأن الخبر مخصص فيلزم الأخذ به.

стр. 1194

ومن منع جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب: قال بأن الخبر يكون ناسخاً للآية، فلا يجوز الأخذ به، لأن خبر الواحد لا ينسخ القرآن. *** المسألة التاسعة: هل يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى وقت الحاجة إليها؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى وقت الحاجة إليها. وهو مذهب الجمهور. وهو الحق، لما قلناه في المسألة السابقة وهو: جواز تأخير البيان من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقا، حيث لا يترتب على فرض جوازه محال، وقد سبق بيانه. المذهب الثاني: لا يجوز تأخير تبليغ الأحكام من وقت نزولها إلى وقت الحاجة إليها، وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) . وجه الدلالة: أن اللَّه أمر بتبليغ كل الأحكام، والأمر المطلق يقتضي الفور، فيكون تأخير تبليغ الأحكام يؤدي إلى مخالفة الأمر بالتبليغ، ومخالفة الأمر لا يجوز، فيكون تأخير التبليغ غير جائز.

стр. 1195

جوابه: نسلم لكم أن الأمر يقتضي الفور، ولكن توجد قرينة صرفته من إفادته للفور إلى كونه مفيداً للتراخي، وهي: العقل؛ حيث إن العقل دلَّ على جواز تأخير تبليغ الأحكام إلى وقت الحاجة؛ حيث لا يترتب على فرض جواز تأخيره ولا وقوعه محال؛ لأن كل ما في الأمر هو: جهل المكلََّف بما كُلِّف به مدة من الزمن، وهذا ليس بمحال، ولا يؤدي إلى المحال، فهو جائز. المذهب الثالث: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن، أما السُّنَّة فيجوز تأخير تبليغها، وهو مذهب فخر الدين الرازي، والآمدي. دليل هذا المذهب: إن القرآن هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل على الرسول ﷺ . جوابه: أنا لا نسلِّم التفريق بين القرآن والسُّنَّة؛ لأن كلًّا من القرآن والسُّنَّة يطلق عليهما بأنهما منزلان، وعلى هذا فإذا كان القرآن يجب تبليغه فوراً، فكذلك بقية الأحكام الواردة في السُّنَّة؛ إذ لا فرق. وإذا وجب التبليغ لي جميع الأحكام فوراً، فإن هذا يكون إذا ورد الأمر مطلقاً، ولكن العقل هو الذي قيده؛ حيث دلَّ العقل على جواز تأخير التبليغ - كما قلنا سابقاً -. بيان نوع الخلاف: الخلاف لفظي؛ لأن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في المسألة السابقة: فمن أجاز هناك تأخير البيان عن وقت الخطاب، أجاز هنا، ومن منع: منع هنا.

стр. 1196

الفصل العاشر في حروف المعاني وهي حروف يحتاج إليها؛ لأن معرفتها مهمة لسلامة استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة؛ حيث إن كثيراً من مسائل الفقه يتوقف فهمها على فهم معنى الحرف ومدلوله. وهذه الحروف التي سنذكرها ليست كلها من قبيل الحروف، بل بعضها من قبيل الأسماء والظروف، لكن أطلقوا عليها حروف المعاني تغليباً، أو تشبيهاً لها بالحروف في البناء وعدم الاستقلال، وحروف المعاني كثيرة، ولكني سأذكر ما تمس الحاجة إليه، وما وقع في تفسيرها بعض الخلاف في الباحث التالية: المبحث الأول: في " الواو ". المبحث الثاني: في " الفاء ". المبحث الثالث: في " ثم ". المبحث الرابع: في " أو ". المبحث الخامس: " في الباء ". المبحث السادس: " في " اللام ". المبحث السابع: في " في " المبحث الثامن: في " مِنْ ".

стр. 1197

المبحث الأول في " الواو " حرف الواو تأتي للمعاني التالية: أولاً: أنها تأتي عاطفة: واتفق على أنها تفيد الجمع. ولكن اختلف العلماء هل تفيد الترتيب والمعية مع كونها تفيد الجمع على مذاهب: المذهب الأول: أنها لمطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية أو الترتيب، أي: أن الواو تدل على جمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم واحد من غير ملاحظة حصولهما معا، أو أن أحدهما قبل الآخر، فإذا وجد ترتيب أو معية، فإنما هو من خارج دلالة الواو. وهو مذهب أكثر أهل اللغة، وأكثر علماء الشريعة. وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: أن أهل اللغة يستعملون الواو في أبنية يمتنع فيها الترتيب مثل قولهم: " تقاتل زيد وعمرو "، فلو كانت للترتيب لما حسن هذا؛ حيث لا ترتيب فيه؛ حيث إن المفاعلة إنما تصح عند صدور الفعلين دفعة واحدة، وكذلك قولهم: " جاء زيد وعمرو قجله "، فلو كانت " الواو " للترتيب: للزم التناقض؛ لأن قوله: "قبله " يقتضي تقديم مجيء عمرو، والواو تقتضي تأخيره، وإذا

стр. 1198

استعملوه فيما يمتنع فيه الترتيب وجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب؛ لأنها الأصل في الإطلاق، وإذا كان حقيقة في غير الترتيب: وجب أن لا يكون حقيقة في الترتيب؛ دفعا للاشتراك. الدليل الثاني: قوله ﵊: " لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان "، فلو كانت الواو للترتيب لما نهاه عن العطف بها، وأمرهم أن يأتوا بلفظ " ثم "، وهذا بدل على أن الواو لمطلق الجمع. الدليل الثالث: الاستقراء دلَّ على أن الواو لمطلق الجمع، بيانه: أنه بعد الاستقراء وتتبع كلام العرب والقرآن والسُّنَّة وجدنا أنها لا تأتي للمعية، ولا للترتيب، من ذلك قوله تعالى: (وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة) ، وقوله: (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً) ، فإن هاتين الآيتين وردتا في سورة واحدة وفي قصة واحدة فلو كانت الواو للترتيب لوقع تناقض بين الآيتين؛ لما فيه من جعل المتقدم متأخراً، والمتأخر متقدما. الدليل الرابع: أنه احتج المبرد بقول حسان بن ثابت: وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا ترام ومفخر بها ليل منهم جعفر وابن أمه ... . علي ومنهم أحمد المتخير فلو كانت الواو للترتيب لما قدم جعفر وعليا على النبي ﷺ . الدليل الخامس: قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)

стр. 1199

فقدم عيسى على أيوب ويونس، ومعلوم أنهما كانا قبله، وكذلك قدم سليمان على داود، وقد أوحي إليه قبله، فلو كانت الواو للترتيب لما كان هذا. الدليل السادس: أنه لو قال: " رأيت زيداً وعمراً "، فإنه يسبق إلى الفهم السامع أنه رآهما معا، ولا يسبق إلى الفهم أنه رأى زيداً قبل عمرو، وسبق الفهم يدل على الحقيقة، إذن الواو لا تكون للترتيب حقيقة. الدليل السابع: أن أهل اللغة قد فرقوا بين قولنا: " جاء زيد وعمرو "، وقولنا: " جاء زيد ثم عمرو "، فلو كانت الواو للترتيب لما كان بينهما فرق. المذهب الثاني: أنها للجمع بقيد الترتيب، فإذا قال: " جاء زيد وعمرو " دلَّ على أن مجيء زيد قبل مجيء عمرو، وهو مذهب بعض أهل اللغة، وبعض الشافعية والحنفية والحنابلة. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن النبي ﷺ لما خرج إلى السعي قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ، ثم قال: " ونبدأ بما بدأ الله به "، فرتب النبي ﷺ الفعل على ما اقتضاه اللفظ، وهذا يدل على أن الواو للترتيب. جوابه: إنه على تقدير صحة الحديث: فإن الجواب واضح؛ إذ لو كانت الواو للترتيب لفهم الصحابة مدلولها، ولما احتاجوا إلى سؤال النبي ﷺ ، حيث إن النبي ﷺ لم يقل ما قاله إلا بعد سؤال سائل.

стр. 1200

الدليل الثاني: أنه لما قال سُحيم عبد بني الحسحاس: عميرة ودع إن تجهزت غازياً ... كفى الشبيب والإسلام ناهيا قال له عمر بن الخطاب ﵁: لو قدمت الإسلام على الشبيب لأجزتك. وجه الدلالة: أنه لو لم تكن الواو للترتيب لما أنكر عمر ذلك - وهو من أهل اللسان - فدل ذلك على أن الواو للترتيب. جوابه: إن هذا الإنكار إنما كان على وجه الأدب في تقديم الأهم في الذكر، لا لأن الواو تقتضي الترتيب؛ جمعا بين الأدلة. المذهب الئالث: أنها للجمع بقيد المعية، وهو مذهب بعض المالكية والحنابلة. دليل هذا المذهب: الوقوع؛ حيث وقع أن " الواو " قد جاءت بمعنى " مع " في كلام العرب، من ذلك قول أبي الأسود الدؤلي: لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) . فإن الواو - هنا - قد استعملت بمعنى " مع "، والاستعمال دليل الحقيقة. جوابه: إن استعمال " الواو " في غير المعية أكثر، والكثرة يرجح بها، فتكون " الواو " لغير المعية، ولا تستعمل للمعية إلا بقرينة، وقد حصل هنا، فقد استعملت للمعية بقرينة، ولا نزاع عند دلالة القرينة.

стр. 1201

بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث تأثر بهذا الخلاف كثير من مسائل الفقه، ومنها: أنه لو قال لزوجته: " إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت طالق ". فيلزم على المذهب الأول: أنه لا يقع الطلاق حتى تدخل وتكلم، ولا فرق في أيهما المقدم؛ لأن الواو لمطلق الجمع، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وهو الصحيح. ويلزم على المذهب الثاني: أنها لا تطلق إلا إذا قدمت الدخول على الكلام؛ لأن الواو للترتيب. ويلزم على المذهب الثالث أنها لا تطلق إلا إذا كانت تكلم زيداً أثناء دخولها؛ لأن الواو للمعية. ثانيا: أن الواو تأتي بمعنى " مع "، وتسمى؛ واو المفعول معه مثل: " سرت والليل "، ويكون ما بعدها منصوبا. ثالثا: تأتي الواو بمعنى " أو " كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ، وقوله: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) رابعا: تأتي " الواو " للاستئناف، كقوله تعالى: (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده) ، وقوله: (هل تعلم له سميا ويقول الإنسان) ، وقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) ، وقد سبق بيانه في المحكم والمتشابه. خامسا: تأتي الواو بمعنى " رب " كقول الشاعر: جران العود: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس

стр. 1202

أي: رب بلدة. سادسا: تأتي الواو للقسم مثل قوله تعالى: (والفجر وليال عشر) . سابعا: تأتي الواو بمعنى الحال مثل: " جاء زيد وهو يضحك،. ثامناً: تأتي الواو بمعنى " إذْ " مثل قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) إلى قوله: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) أي: إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم. والواو عند التجرد تكون للعطف المتضمن مطلق الجمع كما قلنا في الأول، ولا تستعمل في غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.

стр. 1203

المبحث الثاني حرف " الفاء " تأتي للمعاني التالية: أولاً: أنها تأتي عاطفة، واختلف في كونها للترتيب والتعقيب على مذاهب: المذهب الأول: أنها تأتي للترتيب، والتعقيب، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ حيث إن " الفاء " تفيد أن ما بعدها ثبت له الحكم بعد ثبوته لما قبلها من غير مهلة، فإذا قلت: " جاء زيد فعمرو ": أفاد هذا أن عمراً ثبت له المجيء بعد زيد من غير تراخ بينهما في الزمن. والترتيب إما أن يكون في الزمان مثل: قوله تعالى: (خلقك فسواك) ، وقولك: " ضربته فهلك ". وإما أن يكون الترتيب في الذكر، وهو عطف مفصل على مجمل كقوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، وقوله: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) ، وقوله: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) ، وكقولك: " أعطى فأجزل "، وقولك: " خطب فأحسن "، وهذا الوقوع دليل على أنها للترتيب.

стр. 1204

وأما الدليل على أنها للتعقيب فهو وقوعها في جواب الشرط مثل قولك.: " إن دخلت الدار فأنت طالق " فالجواب - وهو الطلاق - يلي الشرط عقبه بلا مهلة. المذهب الثاني: أن " الفاء " لا تدل على الترتيب. وهو محكي عن الفراء. دليل هذا المذهب: قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) . وجه الدلالة: أن مجيء الباس إنما يكون قبل الهلاك، فهذا يدل على أن " الفاء " تأتي وهي لا تدل على الترتيب، وكذلك قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) . جوابه: إن في الكلام حذفاً تقديره: " أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا "، ومثله الآية الأخرى، ولا شك أن إرادة الإهلاك سابقة على مجيء البأس، ولا شك أن إرادة قراءة القرآن سابقة على قراءته، فتكون الفاء في النصين على أصلها من الترتيب والتعقيب. المذهب الثالث: أن الفاء لا تدل على التعقيب. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) .

стр. 1205

وجه الدلالة: أن افتراء الكذب يكون في الدنيا، والإسحات بالعذاب أي: الاستئصال به يكون في الآخرة، وبينهما تراخ في الزمن، إذن: " الفاء " لا تكون للتعقيب. جوابه: إن الفاء في هذه الآية للتعقيب، وقد حصل لهم ذلك الإسحات في الدنيا، بيان ذلك: لا تختلفوا على الله كذبا فيستأصلكم ويهلككم هلاكا لا بقية فيه، فالافتراء والعذاب كلاهما في الدنيا؛ لأن الاستئصال لا يكون في الآخرة، فتعقيب الافتراء بالاستئصال متحقق في الدنيا مباشرة لمن لم يرجع منهم عن غيه، وقد حصل ذلك لفرعون وقومه. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث أثر ذلك في بعض الفروع الفقهية ومنها: ١ - هل تجب استتابة المرتد؟ يلزم على المذهب الأول - وهو: أن الفاء للترتيب والتعقيب -: أنه لا تجب استتابة المرتد؛ لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه "، فالفاء - هنا - للتعقيب بلا مهلة، وهي تقتضي الترتيب باتصال. ويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن الفاء لا تدل على التعقيب -: أنه تجب الاستتابة؛ لأن الفاء ليست للتعقيب. ٢ - لو قال: " إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق "، فإنه يلزم على المذهب الأول: أنها لا تطلق حتى تدخل الدار الأولى قبل الثانية، فلو عكست لم تطلق؛ لأن الفاء للترتيب.

стр. 1206

ويلزم على المذهب الثاني: أنها تطلق إذا دخلت الدار الثانية قبل الأولى؛ لأن الفاء ليست للترتيب. ثانيا: وتأتي " الفاء " بمعنى " الواو " مثل قول امرئ القيس: بسقط اللوى بين الدخول فحومل و" الفاء " عند التجرد تستعمل حقيقة في العطف والترتيب والتعقيب، ولا تستعمل في غيره إلا بقرينة.

стр. 1207

المبحث الثالث حرف " ثُمَّ " بضم الثاء وفتح الميم مع تشديدها وهي تفيد التشريك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه، والترتيب بينهما بمهملة وتراخ فتقول: " جاء زيد ثم عمرو "، فأفاد هذا: اشتراك زيد وعمرو في المجيء، والترتيب بحيث كان مجيء عمرو بعد مجيء زيد، ومجيء عمر يكون متأخراً عن مجيء زيد. والدليل على أنها للتشريك، والترتيب بمهملة: الاستقراء والتتبع لكلام العرب، والنقل والاستعمال، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) ، وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) . قال بعض العلماء: إنها لا تكون للترتيب، بدليل ورودها في بعض النصوص وهي لا تفيده، كقوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) ، حيث إن الجعل قبل خلقنا، وكقول أبي نواس: إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده جوابه: إن هذا ورد مجازاً بقرينة السياق. وقال فريق آخر من العلماء: إنها لا تكون للمهلة بين المعطوفين - وحكي عن الفراء - بدليل قولك: " أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب "، وكقول أبي داود جارية بن الحجاج:

стр. 1208

كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب فالاضطراب يأتي بعد الهز مباشرة بدون تراخ. جوابه: إن هذا خارج عن القاعدة، وهو مجاز. والحق هو ما قلناه وهو أن " ثم " العاطفة للتشريك، والترتيب بمهلة، ويبنى على ذلك أحكاماً شرعية منها: ١ - إذا قال: " أنت طالق ثم طالق ثم طالق "، فإنها تقع واحدة. ولا يقع ما بعدها؛ لأنها بانت بالأولى، فلا تصادف الثانية والثالثة محلاً؛ حيث إن " ثم " للترتيب، وهذا بخلاف " الواو ". ٢ - إذا قال: " وقفت على أولادي ثم على أولادهم "، فإنه لا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول. ٣ - أنه يشترط الترتيب في أعضاء التيمم؛ حيث ورد في صفته: " ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله - على الكفين - ثم مسح وجهه ".

стр. 1209

المبحث الرابع حرف " أوْ " - بفتح الهمزة وتسكين الواو - وهي تفيد أحد الشيئين أو الأشياء. وهي تقع بين اسمين كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، وبين فعلين كقولك: " خط الثوب أو ابن الجدار ". وإذا وردت في الإنشاء كالمثال السابق ففيه تفصيل: إن كان أمراً: أفادت التخيير بينهما، وتحافظ على أصلها فتكون لأحد الشيئين أو الأشياء. وإن كان نهيا أو نفيا: أفادت العموم، وأفادت حظر كل واحد منهما منفرداً، وحظرهما مجتمعين قولك: دالا تكلم زيداً أو عمراً،. وما قلناه - وهو أنها لأحد الشيئين أو الأشياء - هو الأصل في استعمالها، وقد تستعمل لغير ذلك، ولكن بقرينة، وإليك بيان المعاني التي تستعمل فيه " أو ". أولاً: أنها تأتي للشك، وهي المختصة بالخبر كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، ومنه قوله تعالى: (لبثنا يوما أو بعض يوم) ، وهذا مذهب جمهور العلماء، ودليلهم: الاستقراء لكلام العرب. وحالف في ذلك كثير من الحنفية مستدلين بأن الكلام موضوع لإفهام السامع، وهو منتف في الشك.

стр. 1210

جوابه: إن هذا التعليل لا يدفع مجيئها للشك، لأن الشك - أيضا - معنى يقصد إفهامه بأن " يخبر المتكلمُ المخاطب بأنه شاك في تعيين أحد الأمرين. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق الفريقين على أن " أو " في أصل الوضع لأحد الشيئين، ولاتفاقهم على أنه لو قال: " رأيت زيداً أو عمراً " أنه أخبر عن رؤية أحدهما، وأنه غير معين، وذلك يقتضي الشك، ولا يخرجها عن كونها لأحد الشيئين، وإذا كان المعنى متفقا عليه، فلا خلاف حقيقي. ثانيا: أنها تأتي للإباحة كقولك: " جالس العلماء أو الأدباء ". ثالثا: أنها تأتي للتخيير، وهي التي يمتنع فيه الجمع مثل: "تزوج هنداً أو أختها ". أما الإباحة فيجوز الجمع بينهما. رابعا: أنها تأتي للإبهام، كقولك: " قام زيد أو عمرو " إذا كنت تعلم من هو القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على المخاطب. وبهذا تعرف الفرق بين ذلك وبين الشك؛ حيث إن الشك لا يعلمه المتكلم والسامع، أما الإبهام فيعلمه المتكلم دون السامع. خامسا: أنها تأتي بمعنى " الواو "، فتكون لمطلق الجمع، ومنه قوله تعالى: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ) ، وقول الشاعر توبة الحميري مخاطبا ليلى الأخيلية:

стр. 1211

وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها سادساً: أنها تأتي للإضراب مثل " بل "، ومنه قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) أي: بل يزيدون. سابعا: أنها تأتي بمعنى " إلا "، كقولك: " لأقتلن الكافر أو يسلم " أي: إلا أن يسلم. ثامناً: أنها تأتي بمعنى " إلى " كقولك: " لألزمنك أو تقضيني حقي ". تاسعا: أنها تأتي للتفريق بين الأشياء والتقسيم بينها، كقولهم: " الكلمة اسم، أو فعل، أو حرف ". عاشراً: أنها تأتي بمعنى " إن " الشرطية، كقولك: " لأضربنه عاش أو مات ". وهذه المعاني لا تفهم إلا بقرائن، والأصل هو المعنى الأول - وهو: أنها تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، فإن كانت في أمر أفادت التخيير بينهما، وإن كانت في نهي أفادت العموم وحظر كل واحد منهما منفرداً أو هما معاً مجتمعين، وقد بني على ذلك بعض الأحكام الشرعية ومنها: ١ - لو قال في النفي: " واللهِ لا أكلم زيداً أو عمراً "، فلو كلم واحداً منهما أو كلمهما معاً: حنث. ٢ - لو قال في الإثبات: " واللهِ لأدخلن هذه أو هذه الدار ": برَّ بدخول إحدى الدارين. ٣ - لو قال: " بع هذا أو هذا "، فإن هذه وكالة صحيحة، وهي بمنزلة ما لو قال له: " بع أحدهما ".

стр. 1212

المبحث الخامس حرف " الباء " تأتي لمعان هي كما يلي: أولاً: أنها تأتي للإلصاق، وهو: إضافة الفعل إلى الاسم، فيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها مثل: " مسحت برأسي "، وهو قسمان: الأول: إلصاق حقيقي كالمثال السابق، وقولنا: " أمسكت بالقلم ". الثاني: إلصاق مجازي مثل: " مررت بزيد " حيث إن المرور لم يلصق به، وإنما ألصق بمكان بقرب من زيد. واستعمالها للإلصاق هو الحقيقة. ثانيا: أنها تأتي بمعنى " مِنْ " التي للتبعيض، ومنه قول الشاعر أبي ذؤيب الهذلي: شَرِبتْ بماء البحر ثم ترفَّعَتْ ... مني لجج خضر لهن نشيج أي: بعض ماء البحر، ووروده في لغة العرب دليل على جواز ذلك. وورودها هنا للتبعيض يرد على قول ابن جني: إن " الباء " لا تكون للتبعيض في لغة العرب. ثالثا: أنها تأتي بمعنى الاستعانة، وهي: الداخلة على ألة الفعل مثل: " قطعت بالسكين "، و " وصلت إليك بالسيارة "، ومنه قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)

стр. 1213

رابعا: أنها تأتي بمعنى المصاحبة، وهي: التي يصلح في موضعها " مع " مثل قوله تعالى: (قد جاءكم الرسول بالحق) أي: مع الحق، وقولك: " جاء زيد بسلاحه "، و " اشتريت الدار بمتاعه ". خامسا: أنها تأتي لتعدية الفعل اللازم وتسمى باء النقل، وهي: القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً مثل: قوله تعالى: (ذهب اللَّه بنورهم) أي: ذهب نورهم. سادسا: أنها تأتي بمعنى البدل مثل قوله ﷺ : " لقد شهدت في دار عبد اللَّه بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم " أي: ما أحب أن يكون لي بديلاً عنه حمر النعم. سابعا: أنها تأتي بمعنى " عن " للمجاوزة، وتكثر بعد السؤال مثل: قوله تعالى: (فاسأل به خبيراً) ، وقوله: (ويوم تشقق الأرض بالغمام) . ثامنا: أنها تأتي للقسم مثل: " بالله لأقومن ". تاسعا: أنها تأتي بمعنى " إلى " مثل: (وقد أحسن بي) أي: إلي. عاشراً: أنها تأتي للتوكيد، وتقترن إما مع المبتدأ كقولك: "بحسبك درهم "، أو مع الخبر كقوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده) ، أو مع المفعول كقوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) ، وبعضهم يسميها: " باء الزائدة "، وهذا لا يجوز. حادي عشر: أنها تأتي بمعنى " على " مثل قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: على قنطار، وعلى دينار.

стр. 1214

ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى " في " الظرفية الزمانية مثل قوله تعالى: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) أي: وفي الليل، والليل زمان. ثالث عشر: أنها تأتي بمعنى " في " الظرفية المكانية مثل قوله تعالى: (ولقد نصركم اللَّه ببدر) أي: في بدر. رابع عشر: أنها تأتي بمعنى السبب مثل قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه) ، وقوله: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) . و" الباء " عند التجرد تستعمل للإلصاق حقيقة، ولا تستعمل في غيره من المعاني التي ذكرناها إلا بقرينة.

стр. 1215

المبحث السادس حرف " اللام " الجارة وتأتي لمعان هي كما يلي: أولاً: أنها تأتي للاختصاص مثل قولك: " المال لزيد "، و"الباب للمسجد ". وتستعمل اللام للاختصاص حقيقة، ولا تستعمل لأي معنى من المعاني الآتية إلا بقرينة، وهو قول كثير من علماء اللغة كابن يعيش وابن الخشاب. وبعض العلماء - كالجرجاني - جعلها للملك، ومتى ما استعملت في غيره فبقرينة. وهذا ليس بصحيح، بل هي حقيقة للاختصاص - كما قلنا -؛ لأمرين: الأول: أن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها، وبأي معنى استعملت لا تخلو منه. الثاني: أن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكا، أي: أن كل مالك مختص بملكه. ثانياً: أنها تأتي للملك مثل:. " هذا المال لزيد ". ثالثا: أنها تأتي للاستحقاق مثل: " النار للكافرين ". والفرق بين " الاختصاص " و " الاستحقاق " و " الملك ": أن ما

стр. 1216

صح أن يقع فيه التملك، وأضيف إليه ما ليس بمملوك له، فاللام معه: لام الاختصاص مثل: " الباب للمسجد "، أما ما لا يصح له التملك فاللام معه لام الاستحقاق مثل: " النار للكافرين "، أما ما عدا ذلك فاللام: لام الملك. رابعاً: أنها تأتي للتعدية مثل قوله تعالى: (فهب لي من لدنك ولياً) ، وقولك: (ما أضرب زيداً لعمرو) . خامسا: أنها تأتي للصيرورة مثل قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، وهذا عند البصريين، أما الكوفيون فيسمونها بلام " كي ". سادساً: أنها تأتي بمعنى التعليل مثل قوله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة) ، وقوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) . والفرق بين لام الصيرورة، ولام التعليل: أن لام التعليل تدخل على ما هو غرض لفاعل الفعل، ويكون مرتبا على الفعل، بخلاف لام الصيرورة فليس فيها إلا الترتيب. سابعاً: أنها تأتي بمعنى " في " مثل قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة. ثامناً: أنها تأتي بمعنى " من ": لقولك: " سمعت له صراخا " أي: منه. تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " على " كقوله تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) أي: على الأذقان، وقوله ﷺ : لعائشة لما أرادت شراء بريرة فتعتقها: " خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لن أعتق " أي: اشترطي عليهم.

стр. 1217

عاشراً: أنها تأتي بمعنى التمليك مثل قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) ، وقولك: " وهبت لزيد ديناراً " أي: ملكت الصدقات الفقراء، وملكت الدينار زيداً. حادي عشر: أنها تأتي بمعنى " إلى " مثل قوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) أي: إليها. ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى: " عند " الزمانية مثل قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) ، وقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطر والرؤيته ".

стр. 1218

المبحث السابع في حرف " في " تأتي للمعاني التالية: أولاً: أنها تأتي ظرفية مكانية كقولك: " تعلمت في الكلية "، وتأتي زمانية كقولك: " زرتك في الصباح ". ثانية: أنها تأتي بمعنى " على " التي هي للاستعلاء مثل قوله تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) . ثالثاً: أنها تأتي للسببية والتعليل كقوله ﷺ : "دخلت امرأة في هرة". رابعا: أنها تأتي بمعنى " إلى "، ومنه قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم) أي: إليها. خامساً: أنها تأتي مؤكدة - وهي التي يفيد الكلام بدونها - كقوله تعالى: (وقال اركبوا فيها) أي: اركبوها. سادساً: أنها تأتي بمعنى " مع "، كقوله تعالى: (ادخلوا في أمم قد خلت) أي: ادخلوا مع أمم. وأنكر بعض العلماء - كالبيضاوي - استعمال "في " لغير الظرفية. والحق: أن " في " تستعمل حقيقة في الظرفية، ولا تستعمل في غيرها إلا مجازاً.

стр. 1219

المبحث الثامن في حرف " مِنْ " ترد لمعان هي كما يلي: أولاً.: أنها ترد لابتداء الغاية في المكان وفى الزمان، فمثال المكان: قولك: " لك من الأرض من هذا إلى هذا "، ومنه قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام) ، ومثال الزمان قولك: " الامتحان يكون من السبت "، ومنه قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد) . ثانياً: أنها ترد للتبعيض، وهي التي يكون منها لفظ " بعض " مثل: " كل من هذا الطعام "، و " خذ من هذه الدراهم ". ثالثاً: أنها ترد لتبيين الجنس، مثل: " مشيت ميلاً من الأرض " و" أكلت شيئاً من الطعام "، ومنه قوله تعالى: (فاجتنوا الرجس من الأوثان) ، وقوله ﷺ : "التمس ولو خاتماً من حديد ". واختلف العلماء في " من " هل هي حقيقة في ابتداء الغاية، والتبعيض والتبيين، أو هي حقيقة في البعض دون البعض الآخر؟ على مذاهب ثلاثة: أصحها: أن " من " حقيقة في ابتداء الغاية؛ لكثرة استعمالها فيه، والكثرة يُرجح بها، وعلى ذلك فلا تستعمل في غير ابتداء الغاية من المعاني إلا مجازاً، فتحتاج إلى قرينة. رابعاً: أنها تأتي لتأكيد العموم - وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، فمثلاً لو قال. "ما جاءني رجل " لاحتمل أن يكون قد نفى أنه جاءه رجل واحد.

стр. 1220

ولكنه لم ينف أنه جاءه رجلان، بل يستطيع أن يقول: " بل رجلان "، لكن إذا وضعت " من " قبل لفظ " رجل "، وقال.: "ما جاءني من رجل " لا يمكن ذلك، وسيأتي ذلك - في باب العموم إن شاء اللَّه. خامساً: أنها تأتي بمعنى " على "، ومنه قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أفي: على القوم. سادساً: أنها تأتي بمعنى " الباء "، ومنه قوله تعالى: (ينظرون من طرف خفي) أي: بطرف. ثامناً: أنها تأتي بمعنى البدل كقوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي: بدلكم. تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " في " كقوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: في الأرض. عاشراً: أنها تأتي - بمعنى " عند " كقوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عند اللَّه. حادي عشر: أنها تأتي للتعليك مثل قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ) أي: لأجل الصواعق.

стр. 1221

الفصل الحادي عشر في الأوامر والنواهي ويشتمل على تمهيد، ومبحثين: أما التمهيد: فهو في بيان أهمية الأمر والنهي، وسبب تقديم الأمر. أما المبحثان فهما: المبحث الأول: في الأمر. المبحث الثاني: في النهي.

стр. 1222

التمهيد في بيان أهمية الأمر والنهي، وسبب تقديم الأمر على النهي إن الأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين: أولهما: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب إلى المكلفين. ثانيهما: أن معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها وبها يتميز الحلال من الحرام. أما سبب تقديم الأمر على النهي فهو: أن الأمر: طلب إيجاد الفعل، أما النهي فهو: طلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم الإيجاد على العدم.

стр. 1223

المبحث الأول في الأمر ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: في تعريف الأمر. المطلب الثاني: هل تشترط إرادة الآمر المأمور به؟ المطلب الثالث: هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة؟ المطلب الرابع: هل الأمر حقيقة في الفعل؟ المطلب الخامس: فيما تستعمل فيه صيغة الأمر وهي: " افعل ". المطلب السادس: فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: " افعل " - حقيقة إذا تجردت عن القرائن. المطلب السابع: هل اقتضاء " افعل " للوجوب ثبت عن طريق الشرع أو اللغة؟ المطلب الثامن: بيان نوع القرينة التي تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره. المطلب التاسع: إذا ورد الأمر بعد النهي فماذا يقتضي؟ المطلب العاشر: الأمر المطلق هل يقتضي فعل الأمور به مرة أو التكرار؟

стр. 1224

المطلب الحادي عشر: الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضى تكرار الأمور به بتكرار الشرط أو الصفة؟ المطلب الثاني عشر: إذا كرر لفظ الأمر بشيء واحد مثل: " صل ركعتين، صل ركعتين "، فهل يقتضي التكرار؟ المطلب الثالث عشر: الأمر المطلق هل يقتضى فعل الأمور به على الفور أو لا؟ المطلب الرابع عشر: هل يسقط الواجب المؤقت بفوات وقته؟ المطلب الخامس عشر: امتثال الأمر هل يحصل به الإجزاء ويسقط القضاء؟ المطلب السادص عشر: الأمر بالأمر بالشىء هل يكون أمراً بذلك الشيء أو لا؟ المطلب السابع عشر: هل أمر النبي ﷺ المطلق أمر لأمته، وأمر الأمة هو أمر للنبى، وأمر واحد من الصحابة هو أمر لغيره؟ المطلب الثامن عشر: تعلق الأمر بالمعدوم. المطلب التاسع عشر: هل يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن المكلف لايتمكن من فعله؟

стр. 1225

المطلب الأول في تعريف الأمر الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. بيان هذا التعريف: قوله: " استدعاء " أي: طلب، وهو جنس؛ حيث دخل فيه كل طلب سواء كان طلب فعل، أو طلب ترك، من المساوي، أو من الأدنى، أو من الأعلى. قوله: " استدعاء الفعل " أخرج طلب الترك، وهو النهي. وقوله: " بالقول " أي: الصيغة، فخرج بذلك الإشارات والرموز، وبعض الحركات، والفعل الذي يستدعي بغير قول، فإن هذه الأمور تسمى أمراً مجازيا؛ لأن الطلب من لوازم الأمر الحقيقي، والصيغة من لوازم الطلب؛ بناء على أن الكلام حقيقة في العبارات اللسانية، لا في المعاني النفسانية. وقوله: " على وجه الاستعلاء " معناه: أن يأتي الأمر متكيفا بكيفية الترفع على المأمور كأمر اللَّه للمخلوقين، وأمر السيد لعبيده، وأمر الأب لأولاده، وأمر السلطان لرعيته. فعبارة " على جهة الاستعلاء " أخرج طلب الفعل بالقول على جهة الدعاء والالتماس. وعلى هذا: فإنه يشترط في الأمر الاستعلاء - وهو: أن يجعل

стр. 1226

الآمر نفسه في مرتبة أعلى رتبة من غيره، وإن لم يكن ذلك حاصلاً باعتبار الواقع. وهو مذهب بعض الشافعية كالآمدي، والرازي، وبعض المالكية كابن الحاجب، والباجي، والقرافي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وابن قدامة، وبعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن عبد الشكور. وهو الحق؛ لدليلين: أولهما: أن الرجل العظيم لو قال لغيره: " افعل " لا على سبيل الاستعلاء، بل على سبيل التضرع واللين، فإنه لا يقال: إنه أمر، ولذلك نفى النبي ﷺ الأمر حينما قال لبريرة: " ارجعي إلى زوجك.. " فقالت: أتامرني يا رسول اللَّه؟ قال: " لا، إنما أنا شافع " فهنا لم يكن ذلك القول أمراً؛ لأنه صدر لا على سبيل الاستعلاء. ثانيهما: أنه لو قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى رتبة منه: "افعل " بصفة المستعلي، فانه يقال: " إنه أمره "، ولذلك يوصف هذا المستعلي بالجهل والحمق بسبب أمره، لمن هو أعلى منه. وهناك من اشترط في الأمر العلو - وهو: كون الأمر في نفسه أعلى رتبة ودرجة من المأمور، لذلك عرف الأمر بأنه: قول القائل لمن هو دونه: افعل. وهناك من لم يشترطهما - أي: لم يشترط في الأمر الاستعلاء ولا العلو - لذلك عرف الأمر بأنه: القول الطالب للفعل مطلقا. وهناك من اشترطهما مع) ، وقد فصلت ذلك في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ".

стр. 1227

المطلب الثاني هل تشتراط إرادة الآمر المأمور به أي: هل تشترط إرادة فعل المأمور به والامتثال أو لا؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا تشترط إرادة الآمر المأمور به. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لذلك قلنا: إن الأمر هو: " استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء " مطلقا أي: سواء أراد الآمر إرادة المأمور به وامتثاله أو لا. والأدلة على عدم اشتراط إرادة الآمر المأمور به هي كما يلي: الدليل الأول: أن اللَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه، ولم يرده؛ لأنه لو أراده لوقع؛ لأن اللَّه تعالى فعال لما يريد. الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الدليل والأجوبة عنها: الاعتراض الأول: أنه لم تثبت صيغة الأمر، فمن أين ثبت أن إبراهيم رأى في المنام صيغة الأمر؟ جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن صيغة الأمر واضحة في النص، حيث قال تعالى: (يا أبت افعل ما تؤمر) . فإن قال قائل: إن الصيغة وهي: (افعل ما تؤمر) للمستقبل،

стр. 1228

وهذا يعني أنه لم يؤمر حتى الآن، ولو أراد ذلك في الماضي لكان يقول: " افعل ما أمرت ". فإنا نقول: إن فعل المضارع أحياناً يأتي للماضي مثل قوله تعالى: (إني أراني أعصر خمراً) أي: إني رأيت،، وهذا مثله، فالمراد: ما أمرت به. الجواب الثاني: أن إبراهيم لو لم يؤمر لم يجز أن يأخذ ابنه، ويضجعه للذبح؛ لأن ذلك حرام، فثبت أنه أمر وحيا في المنام. الاعتراض الثاني: أن إبراهيم لم يؤمر بالذبح الحقيقي، وإنما أمر بمقدماته من الاضطجاع والأخذ بالمدية، وقد فعل ذلك ووقع ما أراده الله تعالى. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن المأمور به الذبح، وحقيقة الذبح معروفة وهي: قطع مكان مخصوص معه تبطل الحياة. الجواب الثاني: أنه لو كان المأمور به: المقدمات - فقط -: لم يكن في ذلك بلاء مبين، ولا يحتاج فيه إلى الصبر؛ حيث قال تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين) ، وقال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) . الاعتراض الثالث: أنا نسلم أنه أمر بالذبح، وقد فعل وذبح، ولكن اللَّه يلحم ما يشقه إبراهيم ويعيده كما كان، فوقع ما أمر الله -

стр. 1229

جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه لو وقع الذبح، وكان يلتحم كما تقول: لما احتاج إلى فداء؛ لأنه فعل المأمور به، ولا يجمع بين البدل والمبدل. الجواب الثاني: أنه - لو كان كما تقول لذكره اللَّه تعالى؛ لأنه من الآيات الباهرة. الاعتراض الرابع: أنه أمره بالذبح، ولكنه نهاه عنه. جوابه: هذا لا يجوز على قواعدكم - أيها المعتزلة -؛ لأن الأمر بالشيء يدل على حسن ذلك الشيء، ولا يجوز نهيه عن الحسن. الدليل - الثاني: أنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أمرتك بكذا ولم أرده منك "، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك كما لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أردت منك كذا ولم أرده "؛ لما فيه من التناقض. الدليل الثالث: أن العرب قد سموا من قال لعبده: " افعل كذا " آمراً من قبل أن يعلموا إرادته، فلو كان من شرط الأمر الإرادة لم يجز للعرب أن يسموه بذلك إلا بعد علمهم لإرادته المذهب الثاني: أنه تشترط إرادة الأمر المأمور به. وهو مذهب كثير من المعتزلة، لذلك عرفوا الأمر بأنه: إرادة الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.

стр. 1230

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن صيغة الأمر ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وترد والمراد بها الإباحة كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) وترد والمراد بها الهوان، كقوله تعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) وترد والمراد بها غير ذلك من معاني " افعل "، ولا نميز الأمر من غير الأمر - مما تستعمل له صيغة افعل - إلا بالإرادة، فدل على أنها تشترط. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن الأمر يتميز عما ليس بأمر بالإرادة، وإنما الحق: أن الأمر يتميز عما ليس بأمر بالاستدعاء فقط، فإذا استدعى الآمر وطلب الفعل سمي آمراً، سواء أراد وقوعه أو لم يرده. فأما بقية الصيغ - وهي الإباحة، والتهديد والهوان وغير ذلك - فلا يوجد فيه استدعاء، وعليه: فلا يكون أمراً. الدليل الثاني: القياس، وبيانه: أن قول القائل: " افعل كذا " هو نفسه قول القائل: " أريد منك كذا "، ولا فرق بينهما عند العرب. جوابه: لا نُسَلِّمُ ذلك، بل بين العبارتين فرق من وجهين: الوجه الأول: إن قوله: " أريد " إخبار عن إرادته، وليس باستدعاء، ولهذا يدخله التصديق والتكذيب. أما قوله: " افعل كذا " استدعاء، ولهذا لا يدخله التصديق والتكذيب.
следующие страницы →