Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
الآمر نفسه في مرتبة أعلى رتبة من غيره، وإن لم يكن ذلك حاصلاً
باعتبار الواقع.
وهو مذهب بعض الشافعية كالآمدي، والرازي، وبعض المالكية
كابن الحاجب، والباجي، والقرافي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب،
وابن قدامة، وبعض الحنفية كصدر الشريعة، وابن عبد الشكور.
وهو الحق؛ لدليلين:
أولهما: أن الرجل العظيم لو قال لغيره: " افعل " لا على سبيل
الاستعلاء، بل على سبيل التضرع واللين، فإنه لا يقال: إنه أمر،
ولذلك نفى النبي ﷺ الأمر حينما قال لبريرة: " ارجعي إلى زوجك.. " فقالت: أتامرني يا رسول اللَّه؟
قال: " لا، إنما أنا شافع "
فهنا لم يكن ذلك القول أمراً؛ لأنه صدر لا على سبيل الاستعلاء.
ثانيهما: أنه لو قال من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى رتبة منه:
"افعل " بصفة المستعلي، فانه يقال: " إنه أمره "، ولذلك يوصف
هذا المستعلي بالجهل والحمق بسبب أمره، لمن هو أعلى منه.
وهناك من اشترط في الأمر العلو - وهو: كون الأمر في نفسه
أعلى رتبة ودرجة من المأمور، لذلك عرف الأمر بأنه: قول القائل
لمن هو دونه: افعل.
وهناك من لم يشترطهما - أي: لم يشترط في الأمر الاستعلاء
ولا العلو - لذلك عرف الأمر بأنه: القول الطالب للفعل مطلقا.
وهناك من اشترطهما مع) ، وقد فصلت ذلك في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ".
стр. 1227
المطلب الثاني هل تشتراط إرادة الآمر المأمور به
أي: هل تشترط إرادة فعل المأمور به والامتثال أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا تشترط إرادة الآمر المأمور به.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لذلك قلنا: إن الأمر
هو: " استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء " مطلقا أي:
سواء أراد الآمر إرادة المأمور به وامتثاله أو لا.
والأدلة على عدم اشتراط إرادة الآمر المأمور به هي كما يلي:
الدليل الأول: أن اللَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ابنه، ولم يرده؛
لأنه لو أراده لوقع؛ لأن اللَّه تعالى فعال لما يريد.
الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الدليل والأجوبة عنها:
الاعتراض الأول: أنه لم تثبت صيغة الأمر، فمن أين ثبت أن
إبراهيم رأى في المنام صيغة الأمر؟
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن صيغة الأمر واضحة في النص، حيث قال
تعالى: (يا أبت افعل ما تؤمر) .
فإن قال قائل: إن الصيغة وهي: (افعل ما تؤمر) للمستقبل،
стр. 1228
وهذا يعني أنه لم يؤمر حتى الآن، ولو أراد ذلك في الماضي لكان
يقول: " افعل ما أمرت ".
فإنا نقول: إن فعل المضارع أحياناً يأتي للماضي مثل قوله تعالى:
(إني أراني أعصر خمراً) أي: إني رأيت،، وهذا مثله، فالمراد:
ما أمرت به.
الجواب الثاني: أن إبراهيم لو لم يؤمر لم يجز أن يأخذ ابنه،
ويضجعه للذبح؛ لأن ذلك حرام، فثبت أنه أمر وحيا في المنام.
الاعتراض الثاني: أن إبراهيم لم يؤمر بالذبح الحقيقي، وإنما أمر
بمقدماته من الاضطجاع والأخذ بالمدية، وقد فعل ذلك ووقع ما أراده
الله تعالى.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن المأمور به الذبح، وحقيقة الذبح معروفة
وهي: قطع مكان مخصوص معه تبطل الحياة.
الجواب الثاني: أنه لو كان المأمور به: المقدمات - فقط -: لم
يكن في ذلك بلاء مبين، ولا يحتاج فيه إلى الصبر؛ حيث قال
تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين) ، وقال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .
الاعتراض الثالث: أنا نسلم أنه أمر بالذبح، وقد فعل وذبح،
ولكن اللَّه يلحم ما يشقه إبراهيم ويعيده كما كان، فوقع ما أمر الله
-
стр. 1229
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه لو وقع الذبح، وكان يلتحم كما تقول: لما
احتاج إلى فداء؛ لأنه فعل المأمور به، ولا يجمع بين البدل والمبدل.
الجواب الثاني: أنه - لو كان كما تقول لذكره اللَّه تعالى؛ لأنه من
الآيات الباهرة.
الاعتراض الرابع: أنه أمره بالذبح، ولكنه نهاه عنه.
جوابه:
هذا لا يجوز على قواعدكم - أيها المعتزلة -؛ لأن الأمر بالشيء
يدل على حسن ذلك الشيء، ولا يجوز نهيه عن الحسن.
الدليل - الثاني: أنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أمرتك بكذا
ولم أرده منك "، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك كما
لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أردت منك كذا ولم أرده "؛ لما
فيه من التناقض.
الدليل الثالث: أن العرب قد سموا من قال لعبده: " افعل كذا "
آمراً من قبل أن يعلموا إرادته، فلو كان من شرط الأمر الإرادة لم
يجز للعرب أن يسموه بذلك إلا بعد علمهم لإرادته
المذهب الثاني: أنه تشترط إرادة الأمر المأمور به.
وهو مذهب كثير من المعتزلة، لذلك عرفوا الأمر بأنه: إرادة
الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.
стр. 1230
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن صيغة الأمر ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وترد والمراد بها الإباحة كقوله تعالى:
(وإذا حللتم فاصطادوا) وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى:
(اعملوا ما شئتم) وترد والمراد بها الهوان، كقوله تعالى: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) وترد والمراد بها غير ذلك من معاني " افعل "، ولا
نميز الأمر من غير الأمر - مما تستعمل له صيغة افعل - إلا بالإرادة،
فدل على أنها تشترط.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن الأمر يتميز عما ليس بأمر بالإرادة، وإنما الحق: أن
الأمر يتميز عما ليس بأمر بالاستدعاء فقط، فإذا استدعى الآمر
وطلب الفعل سمي آمراً، سواء أراد وقوعه أو لم يرده.
فأما بقية الصيغ - وهي الإباحة، والتهديد والهوان وغير ذلك -
فلا يوجد فيه استدعاء، وعليه: فلا يكون أمراً.
الدليل الثاني: القياس، وبيانه:
أن قول القائل: " افعل كذا " هو نفسه قول القائل: " أريد منك
كذا "، ولا فرق بينهما عند العرب.
جوابه: لا نُسَلِّمُ ذلك، بل بين العبارتين فرق من وجهين:
الوجه الأول: إن قوله: " أريد " إخبار عن إرادته، وليس
باستدعاء، ولهذا يدخله التصديق والتكذيب.
أما قوله: " افعل كذا " استدعاء، ولهذا لا يدخله التصديق
والتكذيب.
стр. 1231
الوجه الثانى: أن السيد لو قال لعبده: " أريد منك كذا ولست
أريده " لأنكر ذلك، لكونه تناقضا وقبحاً، ولكنه لو قال لعبده:
"افعل كذا ولست أريده " لا ينكر هذا.
الدليل الثالث: قياس الأمر على النهي، بيان ذلك:
أن النهي إنما يكون نهياً لعلمنا أن الناهي يكرهه، فكذلك الأمر
إنما يكون أمراً لأن الآمر يريد المأمور به.
جوابه:
لا نسلم ما قلتموه في النهي؛ لأن النهي إنما كان نهياً للزجر عن
الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فكذلك الأمر إنما كان أمراً
لاستدعاء الفعل على وجه الاستعلاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لأن مآل كلام أصحاب المذهبين واحد؛
حيث حصل الاتفاق على المعنى، فأصحاب المذهب الأول نظروا
إلى السامع الذي يحمل كلام المتكلم على مراده، فيقول: مراد
المتكلم بصيغة الأمر: معناها الحقيقي، وهو طلب الفعل؛ نظراً
لعدم وجود صارف لهذا الأمر إلى غيره، ولو كان مراد المتكلم غيره
لنصب قرينة تدل على ذلك، فكان إرادة غيره احتمالاً عقليا.
وهذا هو معنى قول أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقرون بأن
التهديد ليس معنى حقيقيا، بل هو احتمال عقلي لا يراد إلا عند
إقامة دليل أو قرينة تدل على إرادته، فكان الخلاف لفظيا.
стр. 1232
المطلب الثالث هل للأمر صيغة موضوعة في اللغة ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن للأمر صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه
حقيقة بدون قرينة كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها
ومعانيها، وهي صيغة فعل الأمر: " افعل " مثل: " اكتب ".
والمضارع المجزوم بلام الأمر وهي: " ليفعل " كقوله تعالى:
(فليحذر الذي يخالفون عن أمره) .
واسم فعل الأمر مثل قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) .
والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فضرب الرقاب) .
وإنما تخصص صيغة " افعل " بالذكر؛ نظراً لكثرة دورانها في
الكلام.
وهذا المذهب هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة
التالية:
الدليل الأول: أن العرب قد وضعوا لما لا يحتاج إليه أسماء
كالأسد، والهر، والسيف، والخمر، فمن باب أوْلى أن يضعوا
صيغة للأمر تدلْ عليه؛ وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر،
لكثرة مخاطبات الناس به، فلا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل
هذا على أنهم وضعوا له صيغة وهو: " افعل ".
стр. 1233
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " اسقنى ماء "، فلم
يسقه، فإنه يستحق - عند أهل اللغة - الذم والتوبيخ، فلو لم تكن
هذه الصيغة موضوعة للاستدعاء لما استحق ذلك.
الدليل الثالث: أنا نجد في العقل ضرورة أن من وجدت منه صيغة
" افعل " يسمى آمراً، أما إذا لم توجد منه هذه الصيغة، فإنه لا
يسمى آمراً، ولو كان الأمر أمراً لقيامه في النفس لسمي من لم يوجد
منه ذلك آمراً.
الدليل الرابع: أن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى أمر، ونهي،
وخبر، واستخبار، فعبروا عن الأمرب " افعل "، وعبروا عن
النهي بـ " لا تفعل "، وعبروا عن الخبر ب " زيد في الدار "،
وعبروا عن الاستخبار بقولهم: " هل جاء زيد؛ "، ولم يشترطوا
لذلك أية قرينة، فدل على أن " افعل " للأمر بمجردها بدون قرينة.
وهذا التقسيم قد اشتفاض بين أهل اللسان كاستفاضة سخاء حاتم،
وشجاعة عنترة.
الدليل الخامس: أنه يسبق إلى الفهم إذا أطلقت صيغة " افعل ":
أنها للأمر، ولا يسبق إلى الفهم إلا الحقيقة، أما غيره فلا يفهم إلا
بواسطة قرينة، فلو كانت صيغة " افعل " مشتركة بين الأمر وغيره:
لما سبق إلى فهمنا أن السيد إذا قال لعبده: " افعل " أن ذلك أمر،
فلما سبق ذلك إلى فهمنا دلَّ على أنه حقيقة في الأمر مجاز في غيره،
بخلاف الألفاظ المشتركة: فلو قال السيد لعبده: " اصبغ الثوب "،
أو قال: " ائت العين ": فلا يسبق إلى فهمنا لون دون لون،
ولا عين دون عين.
стр. 1234
المذهب الثاني: أنه ليس للأمر صيغة في اللغة، وإنما صيغة "افعل "
مشتركة بين الأمر وغيره، ولا يحمل على أحدهما إلا بقرينة.
وهو مذهب أكثر الأشاعرة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن هذه الصيغة - وهي: " افعل " - إما أن تثبت
أنها للأمر عن طريق العقل، أو النقل.
فإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق العقل، فهذا باطل؛ لأن
العقل لا مدخل له في اللغات، وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن
طريق النقل، فهذا باطل - أيضا -؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "
و"آحاد".
فإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق التواتر فهذا باطل؛ لأنه لو
ثبت ذلك عن هذا الطريق: لعلمناه بالضرورة كما علمتموه، ولكننا
لم نعلمه فثبت أنه لم تثبت أنها للأمر عن التواتر.
وإن زعمتم أنها ثبتت للأمر عن طريق الآحاد فهذا باطل؛ لأن
الآحاد لا تثبت به قاعدة أصولية كهذه القاعدة وهي: أن " افعل "
صيغة للأمر؛ حيث إن الآحاد لا يفيد إلا الظن، والقاعدة الأصولية
قطعية، والظني لا يثبت القطعي، إذن: لا أصل لإثبات هذه
الصيغة.
جوابه: يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن هذا الدليل يقتضي المطالبة بالدليل على أن
"افعل " صيغة للأمر، وهذا باطل؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن المطالبة بالدليل ليس بدليل.
стр. 1235
الأمر الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل فإنا قد أقمنا أدلة
على أن هذه الصيغة للأمر، وذلك من إجماع عقلاء العرب وأهل
اللسان على ذم العبد إذا خالف هذه الصيغة، والذم على المخالفة
دليل على أنها تختص بالأمر، وأن أهل اللغة قد فرَّقوا بين الأمر
والنهي والخبر والاستخبار في أن كل واحد منها له صيغة تخصه،
وأن " افعل " للأمر - كما سبق - وغير ذلك من الأدلة، ولا يمكن
لكم أن تنكروا تلك الأدلة، ومن أنكرها فهو معاند.
الجواب الثاني: قولكم: " إن الظني لا يثبت القواعد الأصولية؛
لأنها قطعية " لا نسلمه، بل هذا فيه تفصيل:
فإن كانت القاعدة علمية، فلا تثبت بالظني.
وإن كانت القاعدة عملية أو وسيلة إلى العمل كهذه القاعدة، فإنها
تثبت بالظني؛ قياساً على الفروع.
الجواب الثالث: أنا نقلب هذا الدليل عليكم: فأنتم قلتم: إن
"افعل " مشتركة بين الأمر وغيره، فمن أين أثبتم ذلك: فإن قلتم:
ثبت ذلك عن طريق العقل فهذا باطل؛ لما سبق، وإن قلتم: ثبت
ذلك عن طريق النقل، فهذا باطل أيضاً؛ لما سبق، فأي جواب
لكم يكون هو جوابنا.
الدليل الثاني: أن هذه الصيغة - وهي: " افعل " - قد ترد
والمراد بها الأمر، وقد ترد والمراد بها الإباحة، وقد ترد والمراد بها
التعجيز، أو التهديد، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأوْلى
من حملها على الآخر، فوجب التوقف فيها حتى تأتي قرينة ترجح
أحد الوجوه؛ قياساً على " اللون ".
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
стр. 1236
الجواب الأول: أنه إذا وردت صيغة " افعل "، وهي مجردة عن
القرائن فهي للاستدعاء، وهو: الأمر، ولا تحمل على غيره من
الإباحة والتهديد والتعجيز وغيرها إلا بقرينة واضحة جلية.
الجواب الثاني: أنكم قستم صيغة " افعل " على اللفظ المشترك
مثل " اللون "، وهذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث
إن لفظ " اللون " لم يوضع لشيء معين، أما صيغة " افعل "، فإن
العرب قد وضعوها لشيء معين، وهو: الاستدعاء، فمثلاً: لو
أمر السيد عبده بأن يقوم بتلوين ثوبه، فقام العبد فلوَّنه بأيِّ لون شاء
فإنه لا يستحق الذم ولا التوبيخ؛ لأن " اللون " لفظ مشترك بين
جميع الألوان، لكن لو أمره وقال: " اسقني ماء "، ولم يسقه فإنه
يستحق الذم والتوبيخ، لأن " افعل " عند الإطلاق لا تحمل إلا على
معنى معين وهو: الاستدعاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إن أصحاب المذهب الأول يحملون
صيغة " افعل " على أنها ظاهرة، وأن لها معنيان وهما: إفادتها
للأمر، وعدم إفادتها له، وأنه يرجح إفادتها للاستدعاء والأمر بدون
قرينة، ويعملون على ذلك.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يحملون لفظ " افعل " على أنه
مجمل وأنه لا معنى له راجح: فالمعنيان السابقان لا يرجح أحدهما
على الآخر إلا بمرجح خارجي: فلا يجوز عندهم العمل بأن " افعل "
للأمر إلا بدليل خارجي يدل على أنه للأمر، وإلا: توقفوا.
بيان منشأ الخلاف في هذه المسألة:
إنا منشأ الخلاف في مسألة صيغة الأمر هو: خلافهم في مسألة
стр. 1237
صفة لكلام، فمن ذهب إلى أن الكلام لفظي: قال: للأمر صيغة
وهي " افعل "، وهم أصحاب المذهب الأول، ومن ذهب إلى أن
الكلام نفسي قال: لا صيغة للأمر، ولا للنهي، ولا للعام، ولا
للخاص - وهم أصحاب المذهب الثاني - وهم الأشاعرة -.
فالأمر عند الأشاعرة: هو: اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم
بالنفس المجرد عن الصيغة.
والصحيح الذي لا يجوز غيره: أن كلام اللَّه هو الذي نقرؤه
بألفاظه ومعانيه، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ دل
على ذلك أدلة كثيرة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) ،
فصرح - هنا - بأن الذي يسمعه ذلك المشرك المستجير هو: كلام الله
بألفاظه ومعانيه.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) .
فهنا: لم يكن ذلك المعنى القائم بالنفس الذي عبر عنه بالإشارة كلاما.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) مع قوله:
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) ، حيث أمر اللَّه تعالى مريم بالامتناع عن الكلام،
ولكن لما سألوها أن تبين لهم ذلك أشارت إليه، فلم يكن ذلك
المعنى القائم بنفسها الذي عبرت عنه بالإشارة كلاما.
الدليل الرابع: قوله ﷺ :
"إن اللَّه عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به "،
فبين - هنا - أن المسلم إذا حدث نفسه بشيء من الأمور السيئة كقتل فلان، أو سبه، فإنه معفو عنه
стр. 1238
شرعاً، إذا لم يتكلم أو يفعل، فهنا لم يسم حديث النفس وما
يجول بالخاطر كلاماً.
الدليل الخامس: أن أهل اللغة واللسان قد أجمعوا على أن الكلام
ينقسم إلى " اسم "، و " فعل "، و " حرف "، وكل واحد من هذه
الأقسام تسمى كلمة، فالاسم: كلمة ينطق بها اللسان غير مقترنة
بزمان، وهي تفيد كزيد، والفعل: كلمة ينطق بها اللسان مقترنة
بزمان كقام، والحرف: كلمة ينطق بها اللسان لا تدل إلا مع غيرها
مثل: "إلى".
الدليل السادس: أن العقلاء - على اختلاف طبقاتهم - قد
تعارفوا على تسمية الذي ينطق بلسانه: أنه متكلم، وتعارفوا
- أيضاً - على تسمية من لم يتكلم: أنه ساكت، أو أخرس،
فقولكم - أيها الأشاعرة -: " إن الكلام معنى قائم بالنفس "
خالفتم ذلك، وسميتم الساكت أو الأخرس بأنه متكلم.
الدليل السابع: أن الفقهاء قد أجمعوا: أن المسلم لو حلف أن لا
يتكلم، ثم حدَّث نفسه بأشياء، ولم ينطق بلسانه فإنه لا يحنث،
ولو نطق بلسانه لحنث، ووجبت الكفارة.
الدليل الثامن: أن الكلام لو كان معنى قائما في النفس - كما
يقول الأشاعرة - للزم من ذلك التكرار الذي لا فائدة فيه في قوله
تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) ، لأن - على
زعمكم - عبارة: " يقولون " تدل على ما في النفس، فيكون
قوله: (في أنفسهم) تكراراً لا فائدة فيه، وهذا باطل، لأنه لا
يوجد أي حرف في القرآن لا فائدة فيه، فإن قوله: (في أنفسهم)
стр. 1239
دليل على أن ذلك القول في النفس وقيد بذلك، فلو لم يقيد بقوله:
(في أنفسهم) لانصرف إلى الكلام باللسان.
فبان من هذا: أن الأشاعرة لما قالوا: " إن الكلام معنى قائم في
النفس "، قد خالفوا ما جاء في الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع أهل
اللسان واللغة، وإجماع العقلاء فيما تعاليفوا عليه، وإجماع
الفقهاء، ومن خالف ذلك فلا يعتد بقوله، والله أعلم.
стр. 1240
المطلب الرابع هل الأمر حقيقة في الفعل ؟
أي: إذا فعل الرسول ﷺ فعلاً فهل يدل هذا على أن المفعول مأمور به حقيقة؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمر ليس بحقيقة في الفعل.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه يوجد فرق بين
الأمر والفعل من وجوه:
الوجه الأول: من حيث الحد: فإن الأمر هو: الاستدعاء بالقول
على وجه الاستعلاء.
بخلاف الفعل فإنه لا يقال فيه ذلك، وإن نُقل هذا التعريف
للفعل، فإنه يحتاج إلى دليل يُعتمد عليه، فيكون الأمر حقيقة في
القول المخصوص؛ لعدم الحاجة إلى دليل في ذلك، أما الفعل
فنظراً لاحتياجه إلى دليل فإنه يكون أمراً مجازاً.
الوجه الثاني: أن الآمر بالقول يُقال له: اَمر، بخلاف فاعل
الفعل فإنه لا يقال له: إنه آمر بذلك الفعل.
الوجه الثالث: أنه يُتصرف في القول فيقال: " أمر، يأمر، أمراً
بخلاف الفعل فلا يقال لمن صلى أو صام: إنه أمر ".
الوجه الرابع: أن الفعل يصح نفي الأمر عنه بخلاف القول،
فتقول: " فعل ذلك ولم يأمر به "، ولكن لا يجوز قول ذلك في
стр. 1241
القول، فلا يقال: " أمر بذلك ولم يأمر به "؛ لأنه يلزم منه
التناقض.
المذهب الثاني: أن الأمر حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في القول.
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) .
وجه الدلالة: أنه استعمل الأمر في الفعل، والاستعمال دليل
الحقيقة، إذن الأمر حقيقة في الفعل، ويكون المعنى: وما فعلنا إلا واحدة.
جوابه:
أنه لا يراد أن: فعله كلمح بالبصر، وإنما المراد: أن من صفته
وشأنه أنه إذا أراد شيئاً قال له: كن، فيقع ويكون كلمح البصر في
السرعة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) .
وجه الدلالة: كما سبق في الدليل الأول.
الجواب:
أن المراد بقوله: (وما أمر فرعون برشيد) أي: وما قول فرعون
برشيد، ويدل على ذلك قوله - بعد ذلك -: (فاتبعوا أمر فرعون)
والاتباع إنما يكون حقيقة في القول، لا في الفعل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ ويتبين أثره في فعل النبي ﷺ ، فإنه يلزم على
стр. 1242
المذهب الأول أنه إذا فعل الرسول ﷺ فعلاً أمام الصحابة، فإن هذا الفعل ليس بأمر لهم بأن يفعلوا مثله على الوجوب، أو على الندب
- على الخلاف الآتي -، لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وقد يفعل الشيء على جهة النفل والفضل والندب، وقد يفعله سجية وخلقاً، أما إذا أمر بالقول فإن الأمر يؤخذ من هذا
القول فيكون للوجوب، أو الندب على الخلاف الذي سيأتي.
ويلزم على المذهب الثاني: أنه إذا فعل الرسول ﷺ شيئاً فإنه يكون أمراً بفعله - وهذا الفعل يكون واجبا، أو مندوباً - على
الخلاف الذي سيأتي -.
стр. 1243
المطلب الخامس فيما تستعمل فيه صيغة الأمر - وهي: " افعل " -
لقد سبق أن قلنا: إن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على وجه
الاستعلاء، وقلنا - أيضاً -: إن للأمر صيغة وهي: " افعل "،
وينبغي أن تعلم هنا: أن صيغة " افعل " - أو ما يقوم مقامها - لا
تستعمل للأمر فقط، ولا تستعمل للوجوب أو الندب، بل تستعمل
لمعان أخر غير ذلك، وإليك بيان ذلك فيما يلي:
الأول: الوجوب كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) .
الثاني: الندب كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) ،
والصارف له من الوجوب إلى الندب هو: أن النبي ﷺ لم ينكر على الصحابة الذين لم يكاتبوا العبيد الذين كانوا تحت أيديهم
مع أن فيهم خيراً للإسلام والمسلمين.
الثالث: التأديب كقوله ﷺ لعمرو بن أبي سلمة -:
" يا غلام، سم اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك ".
وبين الندب والتأديب عموم وخصوص، بيان ذلك:
أن التأديب خاص بإصلاح الأخلاق وتحسينها، وهذا أعم من أن
يكون من مكلف وغيره، أما الندب فهو خاص بالمكلفين، وهذا أعم
من أن يكون مختصا بإصلاح الأخلاق وغيرها.
الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)
وقوله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) .
стр. 1244
والفرق بينه وبين الندب أن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة، لذلك
يوجد فيه ثواب بخلاف الإرشاد، فإنه مطلوب لمنافع الدنيا لذلك لا
ثواب فيه.
الخامس: الإباحة كقولك لشخص آخر: " كل من بستاني ".
السادس: التهديد كقوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه) ،
وقوله: (اعملوا ما شئتم) ، وسماه بعضهم بالوعيد، وسماه
آخرون بالتقريع، وسماه فريق ثالث بالتوبيخ.
السابع: الإكرام كقوله تعالى: (ادخلوها بسلام آمنين)
الثامن: الإهانة كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)
وضابطه: أن يؤتى بلفظ دال على الإكرام، والمراد ضده.
التاسع: التعجيز كقوله تعالى: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) ،
وقوله: (فأتوا بسورة من مثله) ، وقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) ، وهو إنما يكون فيما لا قدرة للعبد عليه.
العاشر: السخرية مثل قوله تعالى: (كونوا قردة) ، وسمي
ذلك بعضهم بالتسخير، وهذا لا يصح؛ لأن السخرية هو: الهزء
كقوله تعالى: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) ،
أما التسخير فهو نعمة وإكرام كقوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار) .
الحادي عشر: الدعاء مثل قوله تعالى: (ربنا اغفر لي ولوالدي)
وهذا لا يكون إلا من الأدنى إلى الأعلى على وجه الإحسان والتفضل.
الثاني عشر: التسوية كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا)
стр. 1245
بعد قوله: (اصلوها) والمراد: أن هذه التصلية لكم سواء
صبرتم أو لا، فالحالتان سواء، فيكون قوله تعالى - بعد ذلك -:
(سواء عليكم) جملة مبينة ومؤكدة مبالغة في الحسرة عليهم.
الثالث عشر: التمني كقوله ﷺ :
"كن أبا ذر " أي: يتمنى أن يكون أبا ذر، وكقولك: " كن فلانا كذا " أي: أتمنى أن تكون يا فلان طالب علم، وأكثر الأصوليين يمثلون للتمني بقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وهذا لا يصح؛ لأن المستعمل في التمني - في هذا البيت - هو
صيغة الأمر مع لفظ: " ألا " لا الصيغة وحدها.
الرابع عشر: الامتنان كقوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم) ،
وسماه بعضهم بالإنعام.
والفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة مجرد إذن، أما الامتنان فلا
بد من اقترانه بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه.
الخامس عشر: التكوين، كقوله تعالى: (كن فيكون) ،
وسماه بعضهم: " كمال القدرة ".
والفرق بينه وبين السخرية: أن التكوين: سرعة الوجود من
العدم، وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخرية فإنه لغة
الذل والامتهان.
السادس عشر: قرب المنزلة كقوله تعالى: (ادخلوا الجنة) .
السابع عشر: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم كقوله تعالى:
(تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) .
الثامن عشر: الخبر كقوله ثعالى: (أسمع بهم وأبصر) أي:
стр. 1246
سمعت وأبصرت، وكقول الرسول ﷺ :
"إذا لم تستح فاصنع ما شئت "
أي: إذا لم تستح صنعت ما شئت، حيث يصح في: جوابها الصدق والكذب.
التاسع عشر: التعجب كقوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) .
وبعضهم مثل كذلك بقوله تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) أي: ما
أسمعهم وأبصرهم، وهذا فيه بُعْد؛ لأنه يفهم منه الخبر كما سبق.
العشرون: الإنذار كقوله تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) .
وقد جعله بعضهم نوعاً من التهديد، ولكن هذا ليس بصحيح،
حيث يوجد فرق بينه وبين التهديد من وجوه:
الأول: أن التهديد عرفاً أبلغ في الوعيد والغضب من الإنذار.
الثاني: أن الفعل المهدد عليه يكون ظاهر البطلان والتحريم، أما
الإنذار فقد يكون كذلك، وقد لا يكون.
الثالث: أن الإنذار يكون مقروناً بالوعيد كالآية السابقة، وقوله
تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) ، أما التهديد، فقد
يكون مقرونا بالوعيد، وقد لا يكون.
الواحد والعشرون: الالتماس كقولك لنظيرك: " أعطني كتابا ".
الثاني والعشرون: المشورة كقوله تعالى: (ماذا تأمرون) .
الثالث والعشرون: التصبر كقوله تعالى: (لا تحزن إن اللَّه معنا) .
الرابع والعشرون: الاحتقار كقوله تعالى: (ألقوا ما أنتم ملقون) .
وذلك في قصة موسى ﵇ يخاطب السحرة؛ وذلك
стр. 1247
لأن السحر وإن عظم شأنه - عندهم - فإنه في مقابلة ما أتى به
موسى ﵇ من المعجز حقير.
والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة تكون بالقول، أو بالفعل،
أو بالتقرير كترك إجابته، أو نحو ذلك، لا بمجرد الاعتقاد،
والاحتقار قد يكون بمجرد الاعتقاد، يقال في مثل ذلك: احتقره،
ولا يقال: أهانه.
الخامس والعشرون: التكذيب كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .
السادس والعشرون: التحسير كقوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) ، وقوله: (قل موتوا بغيظكم) .
السابع والعشرون: التفويض كقوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض) ،
وسماه بعضهم بالتسليم، وسماه آخرون بالتحكيم.
الثامن والعشرون: الاعتبار كقوله تعالى: (انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه)
، وقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا) ،
حيث إن في ذلك عبرة لمن اعتبر، وبعضهم سماه: تذكير النعم.
التاسع والعشرون: إرادة الامتثال لأمر آخر، كقوله ﷺ : "كن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل، فالمقصود الاستسلام
والكف عن الفتن.
الثلاثون: الاحتياط كقوله ﷺ :
"إذا قام أحدكم من النوم فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا "
بدليل قوله بعده: " فإنه لا يدري أين باتت يده"، فالأمر هنا للاحتياط؛ حيث إنه يحتمل أن تكون يده قد لاقت نجاسة من بدنه لم يعلمها، فليغسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لئلا يفسد الماء الذي فيه.
стр. 1248
المطلب السادس فيما تقتضيه صيغة الأمر - وهي: " افعل " - حقيقة
إذا تجردت عن القرائن
بعد أن عرفنا أن صيغة: " افعل " تستعمل في المعاني الثلاثين
السابقة، اختلف العلماء في هذه الصيغة إذا تجردت عن القرائن ماذا
تقتضي حقيقة؛ على مذاهب:
المذهب الأول: أن صيغة الأمر - وهي افعل - إذا تجردت عن
القرائن، فإنها تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من
المعاني كالندب والإباحة والتهديد يكون مجازاً لا يحمل على أي
واحد منها إلا بقرينة، وهو قول كثير من العلماء، وهو الحق،
للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) ،
هذا في سورة الأعراف، وقال تعالى في سورة الحجر:
(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لما أمر الما، ئكة بالسجود سارعوا إلى
ذلك وامتنع إبليس عن السجود فوبخه وذمه، وأهبطه من الجنَة؛ إذ
قوله تعالى: (ما منعك) استفهام إنكاري قصد به الذم والتوبيخ،
ولا يمكن أن يكون المقصود به الاستفهام الحقيقي؛ لأن الاستفهام
стр. 1249
الحقيقي يصدر من الجاهل، وهذا منتف بحق الله تعالى، فالله عالم
بالسبب الذي من أجله ترك السجود لآدم، فالله لا تخفى عليه خافية.
فدل ذلك على أن مقتضى الأمر الوجوب؛ إذ لو لم يكن السجود
واجباً عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا
بسبب تركه لواجب، حيث إنا قلنا: إن الواجب هو: ما ذم تاركه
مطلقا، فالصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد.
ما اعترض به على هذا الاستدلال:
الاعتراض الأول: أنه يُحتمل أن يكون قد اقترن بتلك الصيغة قرينة
تفيد الوجوب، فلذلك ذمَّه على ترك ذلك الواجب، وهذا لا
يدخل في محل النزاع؛ لأن العلماء اتفقوا على أن الصيغة تفيد
الوجوب إذا انضم إليها قرائن.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن ما قلتموه مجرد احتمال لا دليل عليه،
والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يلتفت إليه؛ إذ لو قبلنا كل
احتمال - من غير أدلة - لما بقى لنا دليل في الشريعة، وهذا يؤدي
إلى ترك الشريعة كلها، وهذا ظاهر البطلان، فإما أن تذكروا القرينة
التي تزعمونها حتى نختبرها، وأما أن تقبلوا ما قلناه.
الجواب الثاني: أن الظاهر من النص في الآيتين يقتضي أن التوبيخ
والذم قد تعلقا بمجرد مخالفة الأمر بالسجود بدون قرينة بدليل قوله:
(إذ أمرتك) ، ولم يذكر قرينة أخرى بعد قوله:. (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) ، فهذا كله يدل على أنه
стр. 1250
أمر مطلق لا قرينة معه، فدل ذلك كله على أن الذم والتوبيخ قد
تعلقا بمجرد المخالفة.
الاعتراض الثاني: أن إبليس ليس من الملائكة، فلا يدخل تحت
الأمر بالسجود، فيدل هذا على أن توبيخه لمعنى آخر.
جوابه.:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب - الأول: أن ظاهبر نص الآيتين يدل دلالة واضحة على أن
إبليس من الملائكة، وأنهم قد سجدوا لآدم، ولم يسجد إبليس
معهم فوبخه على ترك السجود، فقال في الآية الأولى:
(إلا إبليس لم يكن من الساجدين) ، وقال في الآية الثانية:
(إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) ، والأصل: أن يكون المستثنى
من جنس المستثنى منه، ولا يترك هذا الأصل إلا بدليل، ولا دليل.
فدل ذلك على أن الذم تعلق بتركه السجود.
الجواب الثاني: أن ابن عباس ﵄ وهو حبر
الأُمَّة وترجمان القرآن قد روي عنه أنه قال: كان إبليس من أشراف
الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان
السماء الدنيا وسلطان الأرض ".
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وجه الدلالة: أن اللَّه حذر الذين يخالفون الأمر بالفتنة والعذاب
الأليم، وهذا يدل على أن الأمر المطلق للوجوب؛ لأن الوجوب
هو: ما ذُمَّ على تركه مطلقا، أو هو: ما توعد بالعقاب على تركه
стр. 1251
مطلقا، والمخالف هنا قد توعد بالعقاب؛ لأنه خالف أمر اللَّه وأمر
رسوله وترك امتثاله، فيكون الأمر المطلق يقتضي الوجوب، فلو كان
الأمر المطلق لا يقتضي الوجوب - بأن يقتضي الندب أو الإباحة أو
التوقف - لما حذر الشارع من مخالفته.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين) .
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد ذمَّهم على تركهم فعل ما قيل لهم
افعلوه، وهذا يدل على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، لأنه هو
الذي يذم على تركه، فلو كان الأمر يقتضي الندب لما ذمهم على
ترك المأمور به، كما لا يذم من رخص له في الترك.
الدليل الرابع: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)
وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه إذا قضى أمراً لم يكن لأحد
أن يتخير فيه، وجعل عصيانه ضلالاً، وإذا كانت مخالفة الأمر
عصياناً وضلالاً، فإن ذلك يقتضي وجوب امتثال الأمر، لئلا
يعصي، فثبت أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب؛ لأنه لو لم يكن
للوجوب لما جعل مخالفته عصياناً وضلالاً.
الاعتراض على هذا الاستدلال:
قال المعترض فيه: إنما ورد هذا في القضاء، والقضاء هو:
الإلزام، والإلزام واجب، ولذلك جعل مخالفه عاصياً وضالاً، لا
أنه قد جعل مخالف الأمر الصريح عاصياً.
стр. 1252
جوابه:
يجاب على ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: أنه أراد صريح الأمر: فجعل مخالفة الأمر
الصريح عصياناً وضلالاً بدليل سبب نزول الآية، حيث ذكر أن سبب
نزولها: أن النبي ﷺ أمر قوماً أن يزوجوا زيد بن حارثة - مولى رسول اللَّه ﷺ - فأبوا فنزلت تلك الآية.
الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن القضاء بمعنى الإلزام؛ لأنه لو كان
القضاء بمعنى الإلزام لما قيل: إن اللَّه تعالى قد قضى بالطاعات
- كلها -؛ لأن النوافل طاعات، ولكنه لم يلزمها.
الجواب الثالث: سلمنا أن القضاء بمعنى الإلزام، والقضاء دون
مرتبة الأمر؛ لأن القضاء لا صيغة له، والأمر له صيغة، فإذا كان
القضاء لازماً مع أنه دون مرتبة الأمر، فمن باب أولى أن يكون الأمر
لازماً.
الدليل الخامس: أن ﷺ كان يصلي فمر به أبو سعيد بن المعلى فدعاه ﷺ وهو في الصلاة فلم يجبه أبو سعيد، فلما فرغ الرسول ﷺ من صلاته قال له: ما منعك أن تجيب وقد سمعت اللَّه تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسولِ إذا دعاكم) .
وجه الدلالةِ أن الرسول ﷺ قد لامَ أبا سعيد على تركه للإجابة بعد أمر اللَّه تعالى بها بدليل قوله له: (ما منعك) ، فدل على أن
الأمر للوجوب، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما لامه على ذلك؛
لأن ما ليس بواجب لا يلام على تركه.
стр. 1253
الاعتراض على ذلك:
قال المعترض: إن النبي ﷺ لم يلمه، ولكنه أراد أن يُبين له أنه لا تقبح الاستجابة للنبي ﷺ ، وهو في الصلاة، وأن النبي ﷺ يخالف غيره في ذلك.
جوابه:
لا نسلم ذلك؛ لأن الظاهر من هذه القصة وقوله ﷺ يقتضي لزوم الإجابة، وهو في معنى الإخبار عن نفي العذر، وهذا يدل
على أن الأمر للوجوب.
الدليل السادس: قوله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل المشقة من لوازم الأمر، وإنما تكون المشقة لازماً للأمر إذا كان للوجوب.
أي: أن النبي ﷺ لما جعل المشقة من لوازم الأمر: نفي الأمر الذي فيه مشقة وهو: أمر الوجوب؛ لأنه يعاقب ويذم على تركه،
وأثبت الأمر الذي ليس فيه مشقة وهو: أمر الندب؛ لأنه لا يذم ولا
يعاقب على تركه.
الدليل السابع: أن بريرة قد أعتقتها عائشة ﵄
فخيرها رسول اللَّه ﷺ بين مفارقة زوجها وعدم ذلك، فاختارت فراقه، وكان زوجها - وهو مغيث - يحبها، وكان يمشي خلفها في الأسواق وهو يبكي، فلما رأى النبي ﷺ ذلك: ذهب إلى بريرة فقال لها: " لو راجعتيه فإنه أبو أولادك "،
فقالت: أتأمرني يا رسول اللَّه؟
فقال: " لا إنما أنا شافع "، فقالت: لا حاجة لي فيه.
стр. 1254
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ
نفى الأمر مع ثبوت شفاعته ﷺ
الدالة على الندب، فدل على أن أمره للوجوب؛ لأنه لو أثبت
الأمر: لوجب عليها الامتثال والرجوع إلى زوجها.
الدليل الثامن: إجماع الصحابة ﵃ على أن
الأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب
والسُّنَّة، فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا
النبي ﷺ عن المراد بهذا الأمر،
بل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض في ذلك، فكان إجماعا، وهذا ثبت في وقائع كثير:؛ ومنها:
الواقعة الأولى: أنه لما روى أبو هريرة ﵁ عن
النبي ﷺ قوله: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا والثامنة بالتراب "
أجمع الصحابة على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات.
الواقعة الثانية: أنهم استدلوا على وجوب الصلاة عند ذكرها
بالأمر المطلق الوارد في قوله ﷺ :
"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ".
الواقعة الثالثة: أن أبا بكر ﵁ استدل على وجوب
الزكاة على المرتدين بقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) ،
وقال: "والزكاة من حقها " يقصد:. إن الزكاة من حق كلمة لا إله إلا اللَّه، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً.
الواقعة الخامسة: أن عمر بن الخطاب ﵁ استدل
стр. 1255
على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله ﷺ :
"سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب "، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا منهم.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضاً -: يُحتمل أن يكون الصحابة رجعوا في كل
واقعة من تلك الوقائع إلى قرينة دلَّت على الوجوب، فكان
الوجوب مستفاد من القرينة، لا من مطلق الصيغة، وهذا لا خلاف
جوابه:
يجاب عن ذلك بأجوبة:
الجواب الأول: أن ما ذكر هنا مجرد احتمال لا دليل عليه،
والاحتمال الذي لا دليل عليه لا يُعتد به؛ لأنا لو قبلنا كل احتمال
بدون أدلة لما استقام لنا دليل في الشريعة، وبهذا تبطل الشريعة
كلها، وهذا ظافر البطلان.
الجواب الثاني: أن الظاهر من هذه الوقائع: أن الصحابة قد
احتجوا بنفس صيغة الأمر الواردة في تلك النصوص على الوجوب،
ولم يرجعوا إلى أي قرينة من القرائن، والظاهر يجب العمل به.
الجواب الثالث: أنه لو كان هناك قرينة اعتمد عليها الصحابة في
حمل الأمر على الوجوب: لما ترك - الصحابة - رضي الله - عنهم -
نقلها؛ لأن نقل القرينة أوْلى من نقل لفظ الأمر؛ حيث إن في تركها
تضييع للشريعة، ولا يمكن أن ينقل الصحابة الآلاف من الأحاديث،
ويتركوا بعض القرائن، فما قيل في الاعتراض اتهام للصحابة
стр. 1256
بالتقصير، وهذا لا يجوز؛ لأن الصحابة اختارهم اللَّه لصحبة نبيه،
وذلك لنقل هذه الشريعة - كلها - إلى من بعدهم بكل أمانة وإتقان.
الجواب الرابع: أنه لم ينقل عن صحابي واحد في عهد النبي ﷺ أنه سأل عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال،
وهذا يدل على أنهم كانوا يفهمون من الأمر الوجوب، دون قرائن.
الدليل التاسع: أن لفظة " افعل " تمنع من الإخلال بالفعل بدليل
أن أهل اللغة يعقبون المعصية على الأمر بلفظ " الفاء " فيقولون:
"أمرتك فعصيتني "، و " قلت لك افعل فعصيتني "، وقال تعالى:
(أفعصيت أمري) ، وقال: (لا يعصون اللَّه ما أمرهم) ،
وقال الشاعر الحصيني بن المنذر الرقاشي -
لما نصح يزيد بن المهلب بأن لا يذهب إلى الحجاج بن يوسف،
ولكنه خالف نصيحته، وذهب إلى
الحجاج فعز له - قال:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فهنا جاءت المعصية عقب الأمر غير الممتثل بلفظ " الفاء - التي
هي للتعقيب - كما سبق في حروف المعاني - والمعصية توجب
العقوبة؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ،
فدل هذا على أن المعصية إنما لزمت المأمور؛ لأجل إخلاله
بما أمر به، وهذا يقتضي أن لفظة الأمر - وهي افعل - المجردة عن
القرائن تفيد الوجوب، ولو لم تكن مفيدة للوجوب لم نكن
بمخالفة ذلك الأمر عاصين.
الدليل العاشر: أن السيد لو أمر عبده قائلاً: " اسقني ماء "،
فإن امتثل العبد بأن سقاه ماء، فإنه يستحق المدح، وإن لم يمتثل
- بأن لم يسقه ماء - فإنه يستحق الذم والعقوبة، فرأى العقلاء من
стр. 1257
أهل اللغة هذا السيد وهو يعاقب عبده، وسالوه عن سبب ذلك فقال
لهم: إني أمرته بأن يسقيني ولم يفعل، فإن هؤلاء يتفقون معه على
حسن لومه وعقابه؛، نظراً لمخالفته الأمر، فدل ذلك على أنه ما
استحق الذم والعقوبة إلا لأنه ترك واجباً؛ لأن الواجب هو الذي
يذم على تركه مطلقا، فلو كان الأمر المطلقَ لا يقتضي الوجوب: لما
استحق العبد المخالف للأمر الذم والعقوبة؛ لأنه لا يعاقب إلا على
ترك واجب.
الدليل الحادي عشر: إن قول القائل: " افعل " لا يخلو من أربعة
أمور فقط هي كما يلي:
١ - أن يقتضي المنع من الفعل.
٢ - أن يقتضي التوقف.
٣ - أن يقتضي التخيير بين القعل وعدمه.
٤ - أن يقتضي أن يفعل لا محالة - وهو الوجوب -.
أما الأول - وهو اقتضاؤه المنع من الفعل - فهو باطل؛ لأنه يكون
معنى " افعل ": لا تفعل، وهذا نقيض فائدة اللفظ.
أما الثاني - وهو: التوقف - فهو باطل؛ لأن قوله: " افعل "
حث على الفعل فهو نقيض التوقف وهو: عدم الفعل.
أما الثالث - وهو التخيير - فهو باطل؛ لأنه ليس للتخيير ذكر
في اللفظ، وإنما اللفط يتعلق بالفعل دون تركه.
فلما بطل الثلاثة الأول: بقي الرابع وهو: أن " افعل " يقتضي
أن يفعل لا محالة - وهو الوجوب -.
المذهب الثاني: أن صيغة الأمر - وهي " افعل " - إذا تجردت عن
стр. 1258
القرائن تقتضي الندب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني
كالوجوب والإباحة والتهديد وغيرها يكون عن طريق المجاز، لا
يحمل على أي معنى منها إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض الشافعية، وكثير من المعتزلة، منهم أبو هاشم،
واختاره بعض الفقهاء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن قوله: " افعل "، وقوله: " أمرتكم " يشترك
الوجوب والندب فيه بشيء واحد، وهو: طلب الفعل واقتضاؤه،
وأن فعل المأمور به خير من تركه، وهذا القدر المشترك بينهما معلوم
مقطوع به، قدتيقنا منه.
أما لزوم العقاب بترك فعل المأمور به فغير مقطوع به، بل مشكوك
فيجب تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب؛ لأنا
قطعنا فيه، وهو طلب الفعل من غير وعيد بالعقاب على الترك وهو:
الندب.
أما ما شككنا فيه، وهو: لزوم العقاب بترك المأمور به - وهو
الوجوب - فإنا نتوقف فيه حتى يرد دليل من خارج.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن ما ذكرتموه إنما يستقيم لو كان الواجب ندبا
وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها، ويبقى الأصل، وليس كذلك،
стр. 1259
بل يدخل في حد الندب - كما سبق -: جواز تركه مطلقا،
وجواز ترك الفعل لا يوجد في الوجوب.
الجواب الثاني: أن هذا استدلال بالعقل على أنه يُحمل على
الندب، وهو معارض باستدلالنا على أنه يحمل على الوجوب؛
حيث إنا قد دللنا على ذلك بنصوص من الكتاب والسُّنَّة، وإجماع
الصحابة، وإجماع أهل اللغة والعرف.
وإذا تعارض الدليل النقلي مع الدليل العقلي، فإنه يُقدم الدليل
النقلي خاصة في مسألة لغوية كهذه المسألة.
الدليل الثاني: أنه لو كان لفظ: " افعل " تقتضي الوجوب لما
حسن أن يقول العبد لسيده والولد لوالده: " اعطني درهما "، فلما
كافي الجميع يتخاطبون بينهم بذلك دلَّ على أنه لا يقتضي الوجوب.
جوابه:
أنا قلنا بأن لفظ " افعل " يستعمل في غير الوجوب - كما سبق
بيانه - وهذا لا يكون إلا بقرينة، فإذا ورد هذا اللفظ - وهو:
"افعل " من العبد، أو الابن، فإن العرب تصرفه عن الوجوب إلى
محمله، وهذا غير ممتتع؛ لأنه قد ورد على غير وجهه، فيكون قد
صدر مجازاً، وهذا لا يخرج اللفظ عن حقيقته، ألا ترى أنهم
يقولون للسخي: يا جواد، فلا يخرج ذلك عن الحقيقة.
الدليل الثالث: أن السلطان قد يأمر بالقبيح والحسن، ويوصفان
بأنهما مأمور بهما على الحقيقة، فلو اقتضى الأمر الوجوب: لكان
إذا تناول القبيح جعله واجباً.
جوابه:
نحن نقول: إنه لو أمر بالقبيح: لكان واجباً هذا هو الأصل،
стр. 1260
لكن منع من ذلك أصل آخر أقوى منه وهو: أن فوق هذا الآمر -
وهو السلطان - آمر آخر وهو الله ؛ حيث نهى عن ذلك -
القبيح، وامتثال أمره ألزم من امتثال أمر السلطان، فغلب نهيه على
أمر ذلك الأدون - وهو السلطان - فلذلك سقط لزوم أمر هذا.
الدليل الرابع: أنه ليس في الأمر لفظة الوجوب، فلم تقتضه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا نقول لكم مثل ما قلتم لنا، وهو: إنه ليس
في الأمر لفظة الاستحباب فلم تقتضه - أيضا -.
الجواب الثاني: أنه ليس كل ما ليس فيه لفظ معنى لا يقتضيه
كالندب والوعيد والتهديد ليس هو في لفظة " افعل "، ومع ذلك
هي مقتضية له بقرينة تدل عليه.
المذهب الثالث: أن صيغة الأمر " افعل " إذا تجردت عن القرائن
تقتضي الإباحة حقيقة، ولا يحمل على غيرها من الوجوب أو
الندب إلا بقرينة.
وهو مذهب بعض الشافعية كما حكاه عنهم الأستاذ أبو إسحاق
في " شرح الترتيب ".
دليل هذا المذهب: أن درجات الأمر بالفعل ثلاث:
فأعلاها: الثواب على الفعل، والعقاب على الترك، وهذا هو
الو جوب.
وأوسطها: الثواب على الفعل، وعدم العقاب على الترك،
وهذا هو الندب.
стр. 1261
وأدناها: عدم الثواب وعدم العقاب على الفعل والترك، وهذا
هو الإباحة.
فالثالث يفهم منه: جواز الإقدام على الفعل، وهو قدر مشترك
بين المراتب الثلاث، وهو: الإباحة، فهي إذن: درجة متيقنة.
أما الدرجتان الأولى والثانية - وهما الوجوب والندب - فإنه
مشكوك فيهما، فنحن نحمل الأمر على ما تيقنا منه، وهو:
الإباحة، ونترك ما شككنا فيه إلى أن ترد قرينة من خارج، فيكون
الأمر المطلق يقتضي الإباحة.
جوابه:
إنكم جعلتم - هنا - الإباحة من درجات الأمر، وهذا ليس
بصحيح؛ لوجود الفرق بين الإباحة والأمر من وجوه هي كما يلي:
الوجه الأول: الفرق من جهة التعريف، فتعريف الأمر يختلف
عن تعريف المباح، فقد عرفنا الأمر بأنه:
" استدعاء الفعل بالقول ... " - كما سبق - وعرفنا المباح بأنه:
" ما أذن اللَّه في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه "، فاتضح من ذلك:
أن الأمر طلب واستدعاء، بخلاف الإباحة فإنها إذن في الفعل
وإطلاق للفاعل من تقييده بأي شيء.
الوجه الثاني: الفرق من جهة وضع اللغة؛ حيث إن اللغة
وضعت لفظ " افعل " للأمر، ولفظ " لا تفعل " للنهي، ووضعت
عبارة: " إن شئت أفعل وإن شئت لا تفعل " للإباحة، فإنا بمعرفتنا
بوضع اللغة ندرك تفرقة بين هذه الصيغ والألفاظ: فلفظ: " افعل "
يقتضي طلب شيء، ويمنع من الإخلال بالمأمور به، ولفظ: " لا
تفعل " يقتضي النهي ويمنع من فعل المنهي عنه، ولفظ: " إن شئتْ
стр. 1262
افعل وإن شئت لا تفعل " يفيد عدم الطلب، ولا يمنع المخاطب من
الفعل ولا من الترك.
الوجه الثالث: الفرق من جهة الضرورة؛ حيث إنا علمنا
بالضرورة اختلاف معاني هذه الصيغ، وأنها ليست بألفاظ مترادفة،
فصيغة: " افعل " وضعت للأمر، و " لا تفعل " وضعت للنهي،
و" إن شئت افعل وإن شئت فلا تفعل "، وضعت للإباحة، فعلمنا
التفرقة بينها كما علمنا التفرقة بين " قام " و " يقوم "؛ حيث إن لفظ
" قام " وضع للماضي، ولفظ " يقوم " وضع للمضارع والمستقبل.
فإذا علمنا هذه الفروق بين الأمر والإباحة فكيف تجعلون الإباحة
من درجات الأمر بالفعل؟!
المذهب الرابع: التوقف في معنى صيغة " افعل " حتى يرد دليل أو
قرينة تدل على المعنى المراد.
وهو مذهب كثير من الأشاعرة، ونسب إلى أبي الحسن
الأشعري، والقا ضي الباقلاني، والغزالي، وصحَّحه الآمدي.
واختلف في تفسير ذلك: فمنهم من قال: معناه: أن الصيغة
موضوعة لواحد من اثنين هما: الوجوب والندب، ولكن لا يدري
عينه.
ْومنهم من قال: معناه: أننا لا ندري ما وضعت له الصيغة أهو
الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، أو التهديد، أو: أنها مشتركة
بينها بالاشتراك اللفظي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن صيغة: " افعل " ترد والمراد بها الايجاب،
стр. 1263
وترد والمراد بها الندب، وترد والمراد بها الإباحة، وترد والمراد بها
التهديد، وليس حملها على أحد فذه الوجوه بأوْلى من حملها على
الوجه الآخر، فوجب التوقف فيها.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن هذه الصيغة - وهي افعل - إذا
وردت مجردة عن القرائن تحتمل غير الوجوب، وإنما تحمل على غير
الوجوب بقرينة قياسا على لفظة: " أوجبت "، فإنها لغة تحمل على
الوجوب عند الإطلاق، وتحمل على غير الوجوب بسبب قرينة مثل
قوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم ".
الجواب الثاني: أن ما قلتموه يبطل بأسماء الحقائق كالأسد
والحمار، فإنه يجوز استعمالهما في الرجل عند وجود القرينة، ثم
هو حقيقة في الحيوان المفترس والحيوان البهيم عند الإطلاق.
الدليل الثاني: أنها لو كانت صيغة " افعل " حقيقة في الوجوب
أو الندب، أو الإباحة: لما حسن الاستفهام من المأمور بها: فيقول
السيد لعبده: " اسقني ماء " فيحسن من العبد أن يقول: هل أمرتني
إلزاما أو ندبا؟
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ أن الاستفهام يحسن من المأمور بهذه
الصيغة إذا تجردت عن القرينة.
стр. 1264
الجواب الثاني: أنه قد يحصل استفهام من المأمور بها، ولكن هذا
جاء احتياطا، ومنعا من اتساع الفهم.
الدليل الثالث: أن استعمال صيغة " افعل " في الندب والإباحة
أكثر من استعماله في الوجوب، ولا يجوز أن يكون موضوعا
للوجوب مع استعماله في غيره أكثر.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أنه يستعمل في الندب والإباحة أكثر، بل
إن استعمال لفظ " افعل " في الوجوب أكثر - كما مر من حمل
الصحابة لهذه الصيغة على الوجوب، وكذا أهل اللغة -.
الجواب الثاني: إن صح ما قلتموه وهو: أن استعمالها في الندب
والإباحة أكثر دليل على أن صيغة: " افعل " حقيقة فيهما، وليس
بدليل على التوقف - كما زعمتم -.
الجواب الثالث: أن هذا الدليل لا يمنع أن تكون صيغة: " افعل "
حقيقة في الوجوب؛ لأنه لا يمتنع أن يكون اللفظ حقيقة في شيء
ويُستعمل في غيره أكثر، يدل على هذا: أن " الغائط " حقيقة في
المطمئن من الأرض، واستعماله فيما يخرج من الإنسان ممثر.
وكذلك " الراوية " حقيقة في الجمل الذي يحمل المزادة،
واستعماله في المزادة أكثر.
وكذلك " الوطء " حقيقة في الدوس، واستعماله في الجماع أكثر.
الدليل الرابع: إن كون هذه الصيغة وهي: " افعل " موضوعة
للوجوب أو الندب أو الإباحة، إما أن يعلم عن طريق العقل، أو
стр. 1265
النقل، وكل ذلك باطل، فلا دليل لكي على تعيين أحد هذه
الأقسام، فتبقى صيغة " افعل " مشتركة بينها، فوجب التوقف،
بيان ذلك:
إن زعمتم أن العقل دلَّ على أحد هذه الأقسام، فهذا باطل؛ لأنه
لا مدخل للعقل في اللغات.
وإن زعمتم أن النقل دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل
- أيضاً -؛ لأن النقل قسمان: " متواتر "، و " آحاد ":
فإن زعمتم أن المتواتر دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل؛
لأن المتواتر لو أثبت ذلك لعلمناه مثل ما علمتموه، ولقلة التواتر.
وإن زعمتم أن الآحاد دلَّ على أحد تلك الأقسام، فهذا باطل
أيضا؛ لأن كون صيغة " افعل " للوجوب أو للندب قاعدة أصولية،
والقاعدة الأصولية قطعية، والآحاد ظني، والظني لا يقوى على
إثبات القطعي، فثبت أنه لا دليل على تعيين أحد هذه الأقسام،
إذن: يجب التوقف.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن هذا الكلام مطالبة بالدليل، والمطالبة بالدليل
ليس بدليل.
الجواب الثاني: على فرض أن المطالبة بالدليل دليل: فإنا قد
أثبتنا بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع
الفقهاء، وأهل اللغة واللسان على أن صيغة " افعل " إذا تجردت عن
القرائن تقتضي الوجوب.
следующие страницы →