← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أما العام إذا خصص بالمتصل كالاستثناء، فإنه يكون مقيداً بهذا المخصص، والمقيد بشيء لا يتناول غير ما قيد به، فالاستثناء - مثلاً - قد أثر في المخرج فقط - كما سبق - فيبقى اللفظ العام متناولاً للباقي حقيقة؛ لأنه يصدق عليه: أنه لفظ استعمل فيما تناوله لا في غير ما تناوله. جوابه: أنا لا نسلِّم التفريق بين التخصيص بالمنفصل والمتصل، فهما سواء، فقول القائل: " أكرم العلماء "، ثم قوله: " أريد الطوال " هو نفسه: "أكرم العلماء إلا القصار". بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص قد دلَّ عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة، أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة. أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قصدوا أن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص لا يدل عليهم اللفظ العام ولا يتناولهم إلا بقرينة. وكون اللفظ يدل على ما بقي بدون قرينة أقوى من كونه لا يدل عليهم إلا بقرينة.

стр. 1472

المطلب الثامن عشر هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي ؟ اللفظ العام إذا دخله التخصيص وأخرج بعض أفراده - بعد التخصيص - هل يبقى حُجَّة فيما لم يخص أو لا؟ فمثلاً قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) عام في جميع الميتات وهي مثلاً خمس ميتات - وهي: ميتة البقر، وميتة الغنم، وميتة الإبل، وميتة السمك، وميتة الجراد - وجاءنا مخصص لهذا العموم وهو قوله ﷺ : "أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد.. "، فأخرج السمك والجراد، فصار الباقي ثلاث ميتات - وهي: ميتة الإبل، والغنم، والبقر - فهل يحتج بقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) على ما بقي بعد التخصيص - وهي: الثلاث الميتات - أو لا؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص يبقى حُجَّة فيما لم يُخص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ على الاحتجاج بالعمومات، واكثرها قد خص، فلم يمنعهم خروج بعض الأفراد من أن يستدلوا باللفظ العام على ما بقي بعد التخصيص، ولهذا صور كثيرة:

стр. 1473

منها: احتجاج فاطمة ﵂ بعموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) على طلب حقها من ميراث أبيها، ولم ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة ذلك، مع أنه مخصص بالكافر، والقاتل، والعبد، فإنهم قد استدلوا بعموم هذه الآية على ميراث الباقي بعد إخراج هؤلاء الثلاثة. ومنها: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وقوله: (والسارق والسارقة ... ) فقد احتجوا بهما مع أنهما قد خصا بالمكره، والصبي، والمجنون، والجاهل. والأمثلة على ذلك كثيرة؛ حيث إن كلها تدل على إجماع الصحابة على الاحتجاج بالعموم المخصوص. الدليل الثاني: أن دلالة العام لا زالت على ما هي عليه لم تتغير بعد التخصيص، كما كانت قبل التخصيص، بيان ذلك: أن لفظ " السارق " مثلاً قد وضع لجميع السارقين؛ حيث إنه لفظ مفرد محلى بـ " أل "، فهو يفيد العموم - فهو يتناول كل سارق فتقطع يده، فلما جاء المخصص وأخرج بعض السارقين كالمجنون، والصبي، ومن سرق ما دون النصاب، وبيَّن أن هؤلاء لا تقطع أيديهم وإن سرقوا، فإن هذا المخصِّص قد صرف اللفظ العام - وهو السارق في قوله تعالى: (والسارق والسارقة ... ) عن دلالته على هؤلاء، وإذا صرف المخصوص دلالة اللفظ عن هؤلاء، فإنه لم يصرفه عن دلالته على الباقي، ولم يتعرض للباقي لا من قريب، ولا من بعيد، فيبقى اللفظ يدل على الباقي على ما كان سابقا، ويستمر على ذلك بدون تأثير، وهذا قياساً على الاستثناء، فإذا قال: "أكرم الطلاب إلا زيداً "، فإن الاستثناء خاص بزيد، وقد أخرجه

стр. 1474

عن الإكرام، ولم يتعرض لبقية الطلاب، فيبقون على إكرامهم دون تغيير. المذهب الثاني: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص لا يبقى حُجَّة فيما لم يخص مطلقاً، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً، وهو ما ذهب إليه أبو ثور - إبراهيم بن خالد صاحب الشافعي - واختاره عيسى بن أبان الحنفي. دليل هذا المذهب: أن العام بعد التخصيص أصبح كل فرد من الأفراد الباقية يحتمل أن يخرج بالتخصيص، ويحتمل أن لا يخرج، ولا يمكن ترجيح أحد الاحتمالين، فيكون بقاء الأفراد مشكوكا فيه، والمشكوك لا حُجَّة فيه، فاللفظ العام بعد تخصيص بعض أفراده لا يبقى حُجَّة على الباقي. جوابه: أن احتمال خروج الأفراد الباقية - بعد التخصيص - لا يؤثر بالظن الغالب على كونها باقية على ما كانت؛ لأن الأصل البقاء، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك، ومتى كانت دلالة العام على الباقي ظنية وجب العمل به في الباقي؛ لأن العمل بالظن متعين وواجب. المذهب الثالث: العام حُجَّة في الباقي إن خُمنَ بمتصل كالاستثناء والغاية والصفة، ولا يكون حُجَّة في الباقي إن خُصَّ بمنفصل كالنص والعقل. وهو مذهب أبي الحسن الكرخي. دليل هذا المذهب: أنه يوجد فرق بين العام المخصَّص بالمتصل، والعابم المخصَّص

стр. 1475

بالمنفصل وهو: أن العام المخضَص بالمتصل لا يحتمل غير الأفراد الباقية، فيكون العام ظاهراً في هؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة فيهم؛ حيث إن العمل بالظاهر واجب. أما العام المخصَّص بالمنفصل فإنه متناول لما خرج كما هو متناول للباقي بعد الإخراج، وهذا يؤدي إلى جواز أن يخرج من الباقي بعض آخر بدليل لم يظهر لنا، فلا يكون العام ظاهراً في الباقي، فلا يكون حُجَّة. جوابه: إن العام كان حُجَّة قبل أن يدخله التخصيص في كل الأفراد، نظراً لكونه متناولاً لهؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة بعد التخصيص؛ لكونه لا يزال متناولاً لهؤلاء الأفراد الباقين، وذلك لأن المخصص قد أثر في الأفراد المخرجين، أما الباقين فلم يتأثروا بهذا المخصِّص، فيبقى اللفظ العام دالًّا على الباقي كما كان وهذا مطلقا. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الباقي بعد التخصيص يعمل به؛ لأن دلالة اللفظ العام عليه ظاهرة، ولا يحتاج الأمر إلى أي قرينة، أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن الباقي بعد التخصيص لا يعمل به إلا إذا جاءت قرينة تدل على وجوب العمل به. فمثلاً: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وخصص منها: الصبي، والمجنون، والجاهل. فإن أصحاب المذهب الأول قالوا: يستدل بعموم الآية على ثبوت

стр. 1476

حكم الزنى على الأفراد الباقية، فيجلدون إذا زنوا، دون الثلاثة الذي خصوا. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يتوقفون، ولا يستدلون بعموم اتلك الآية على إثبات حكم الزنى على الأفراد الباقية، ولا يثبت عليهم ذلك إلا بدليل خارجي. -

стр. 1477

المطلب التاسع عشر هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد ؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يجوز أن يُخصَّص العام إلى أن يبقى واحد مطلقاً، أي: سواء كان العام جمعاً كالرجال، أو غير جمع مثل: "من "، و "ما". وهو مذهب الإمام مالك، وأكثر الحنفية، وبعض الشافعية، واكثر الحنابلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه واقع في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، ومنزل الذكر هو الله الواحد الأحد. ومنه قوله تعالى: (أولئك مبرءون مما يقولون) ، وأراد بذلك عائشة ﵂، ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) ، فقد عبر بلفظ العموم وهو: "الناس "، والمراد به واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي، كما ذكره المفسِّرون. الدليل الثاني: أنه واقع عند أهل اللغة: فقد كتب عمر إلى سعد ابن أبي وقاص ﵄ قائلاً: " قد أنفذت إليك ألفي رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو،

стр. 1478

فهنا قد أطلق اسم الألف الأخرى وأراد بها واحداً وهو القعقاع، ولم ينكر عليه أحد. الدليل الثالث: أنه لفظ من ألفاظ العموم يجوز تخصيصه إلى الثلاثة، فجاز إلى ما دونها ولا فرق، قياساً على " من "، فإنه يجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد، فتقول: " من دخل داري من الطلاب فأكرمه إلا فلاناً وفلانا "، حتى يبقى واحد، فكذلك غيرها ولا فرق. المذهب الثاني: التفصيل، بيانه: إن كانت الصيغة غير الجمع، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد. وإن كانت الصيغة جمعاً، فإنه يجوز تخصيصها إلى أن يبقى ثلاثة، ولا يجوز ما دون ذلك. وهو مذهب القفال، وأبي بكر الرازي. دليل هذا المذهب: أن هناك فرقاً بين الجمع وغيره، وهو: أن اسم الجمع حقيقة في الثلاثة فصاعداً، لأنها أقل مراتب الجمع على الصحيح، واستعماله فيما دون الثلاث إخراج له عن موضوعه، فلا يجوز. أما في غير الجمع من صيغ العموم كأدوات الشرط والاستفهام، واللفظ المفرد، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد " لأنه أقل مراتبه نحو قوله: " من نجح فله جائزة "، وهو يريد شخصا واحداً: جوابه: إنه لا فرق بين الصيغ عندنا؛ لما ذكرناه من الآيات والخبر، وهذا أثبت عندنا مما ذكرتموه من إنشاءكم.

стр. 1479

المذهب الثالث: أنه لا يجوز أن يخصص العام إلى أن يبقى واحد، ولا أقل الجمع، بل الذي يجوز هو: أن يخصص العام إلى أن صبقى عدد يوصف بالجمع الكثير مطلقا، أي: سواء كان لفظ العموم جمعا كالرجال، أو غير جمع كأدوات الشرط والاستفهام. إلا أن يستعمل ذلك اللفظ الواحد على سبيل التعظيم، كقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر) . وهو مذهب أبي الحسين البصري، واختاره فخر الدين الرازي، وبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أنه لو جاز أن يكون الباقي بعد التخصيص ثلاثة فما دونها: لكان قول القائل: " قتلت كل الناس " وهو لم يقتل إلا ثلاثة فأقل: غير مستقبح عرفا؛ لكونه قد استعمل اللفظ فيما يصلح له، لكن هذا القول مستقبح عرفاً؛ حيث إن أهل العرف يلومون هذا القائل، ويستقبحون هذا القول منه، فدل على أن العام لا يصلح للثلاثة ابتداء، فلا يصلح لها كذلك بعد التخصيص. جوابه: إنه عند وجود القرينة المخصصة، فإن أهل العرف لا يعيبونه، ولا يلومونه، ولا يستقبحون قوله ذلك. فيجوز أن يقول ذلك وإن قتل القليل، كما يجوز أن يقول الشخص العليل الذي يصف أمراً للطبيب: " أكلت اللحم "، ويريد به القليل.

стр. 1480

بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ما إذا كان للرجل أربع نسوة، وقال: " نسائي طوالق "، ثم قال؛ " كنت أخرجت ثلاثا "، فإنه يقبل بناء على المذهب الأول، حيث إن الباقية واحدة، ويجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد. ولا يقبل بناء على المذهب الثاني؛ لأن الصيغة جمع، والجمع لا يخصص إلى واحد. ولا يقبل هذا؛ بناء على المذهب الثالث، لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة.

стр. 1481

المطلب العشرون المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه ؟ إذا تكلم شخص وأمر، أو نهى، أو أخبر بأمر عام، أو نهي عام، أو خبر عام - فهل يكون المتكلم داخلاً في عموم هذا الخطاب لغة أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن المتكلم والمخاطب يدخل في عموم خطابه وكلامه مطلقا، أي: سواء كان الكلام أَمراً أو نهيا أو خبراً. وهو مذهب بعض الشافعية، وأكثر الحنابلة، ونسب إلى الأكثرين، وهو الحق؛ لأن السيد لو قال لعبده: " من أحسن إليك فأكرمه "، ثم أحسن إليه السيد نفسه، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء، وإن لم يكرمه، فإنه يستحق الذم واللوم، وهذا باتفاق العقلاء من أهل اللغة فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى، واستحقاقه للذم في الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه، ومتناول له؛ فلو لم يكن الخطاب متناولاً للسيد، وأنه من جملة من أمر العبد بإكرامه لما استحق الذم لما لم يكرم السيد؛ لأن العبد لم يخالف ما أمر به، فدل ذلك على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه. المذهب الثاني: أن المتكلم والمخاطب لا يدخل في عموم كلامه وخطابه مطلقا، أي: سواء كان الخطاب أمراً، أو نهيا، أو خبراً. وهو لبعض العلماء.

стр. 1482

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . وجه الدلالة: أنه لو كان المتكلم داخلاً في عموم كلامه، لكان هذا الكلام من اللَّه مقتضيا دخوله ودخول صفاته، وهو باطل. جوابه: أنا لو نظرنا نظرة لغوية مجردة لاقتضى ذلك العموم، ولكن القرينة قد خصصت المتكلم والمخاطِب - وهو اللَّه والقرينة هنا هي العقل. الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " من دخل داري فأعطه درهماً "، فلو كان المتكلم داخلاً في عموم خطابه وكلامه: لكان هذا القول يقتضي دخول السيد في هذا الخطاب، فيكون العبد مأموراً بإعطاء السيد إذا دخل؛ لأنه يوصف بأنه داخل، ومع ذلك فإن السيد لو دخل لا يحسن من العبد أن يعطيه درهماً، وذلك في نظر العقلاء، ويجعل ذلك مستقبحاً منه؛ حيث إن العبد لو أعطى السيد فكأن السيد قد أعطى نفسه؛ لأن العبد يأخذ الدراهم من سيده، وهذا لا يسمى عطاء، فدل ذلك على أن السيد ليس داخلاً في عموم كلامه وخطابه. جوابه: نفس الجواب عن الدليل السابق، فنقول: إنا لو نظرنا إلى قول السيد لعبده نظرة لغوية مجردة لوجدنا أن اللفظ عام، ولكنه مخصص بالقرينة، وهي: العقل؛ حيث إن السيد لا يُعطى؛ لأن العقل منع أن يعطي الإنسان نفسه.

стр. 1483

المذهب الثالث: الفرق بين الأمر وغيره، بيانه: إذا كان المتكلم والمخاطب آمراً، فإنه لا يدخل في عموم كلامه وخطابه. وإن كان المتكلم والمخاطب غير آمر، فإنه يدخل في عموم كلامه وخطابه. وهو مذهب أبي الخطاب الحنبلي، وأبي الحسين البصري. أدلة هذا المذهب: أما الدليل على أن غير الآمر يدخل في عموم كلامه وخطابه، فهو دليل المذهب الأول. أما الدليل على أن المتكلم والمخاطب لا يدخل في عموم كلامه وخطابه إذا كان آمراً، فهو يتكون من وجهين: الوجه الأول: أن المقصود والغرض من الآمر: أن يمتثل المأمور به ويفعل، ولهذا يقول الممتثل للأمر: " أطعت وامتثلت وفعلت "، وهذا لا يكون إلا من الغير. الوجه الثاني: أن الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، والإنسان لا يتصور أن يكون دون نفسه، بل هو على نمط واحد ليس بعضه أدون من بعض، فلذلك لا توجد حقيقة الأمر هنا، فلم يجز أن يأمر العاقل نفسه. وبناء على هذين الوجهين: لا يدخل الآمر بالخطاب العام ضمن خطابه. جوابه: أن المتكلم والمخاطب يدخل تحت عموم خطابه وكلامه سواء كان آمراً أو غير آمر.

стр. 1484

والآمر في الوجهين اللذين ذكرهما أصحاب المذهب الثالث قد خرج من العموم بسبب القرينة، وهي: أن العاقل لا يأمر نفسه في الوجه الأول، ولا يطلب الامتثال من نفسه في الوجه الثاني. إذن: الآمر يدخل تحت عموم أمره، إلا أن القرينة قد خصصته وأخر جته، لما ذكرناه. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن مقصد أصحاب المذهب الأول: أن الأصل أن المتكلم - مطلقاً - يدخل في عموم كلامه ولا يخرج إلا بقرينة. أما أصحاب المذهب الثاني: فإن الأصل عندهم: أن المتكلم - مطلقا - لا يدخل في عموم كلامه، ولا يدخل إلا بقرينة. أما أصحاب المذهب الثالث، فقد فرقوا بين الآمر، وغيره، فالأصل في الآمر أنه لا يدخل في عموم كلامه. أما غير فالأصل أنه يدخل. وقد تأثر بذلك بعض الفروع الفقهية التي منها: ١ - أنه لو قال المسلم: " نساء المسلمين طوالق "، فإن زوجته تطلق؛ بناء على المذهب الأول؛ لأن المتكلم يدخل في عموم كلامه. وكذلك تطلق بناء على المذهب الثالث؛ لأن الزوج ليس آمراً، فيدخل في عموم كلامه. وبناء على المذهب الثاني: فإن زوجته لا تطلق؛ لأنه لا يدخل في عموم كلامه. ٢ - لو قال: " عندي لورثة أبي ألف ريال "، فإنه يدخل معهم

стр. 1485

ويكون له نصيب منها عند أصحاب المذهب الأول، وكذلك يدخل عند أصحاب المذهب الثالث؛ لأنه خبر وليس بأمر، وهو يدخل في الخبر دون الأمر عندهم. وأما عند أصحاب المذهب الثاني فلا يدخل، وليس له نصيب منها؛ لأن المخاطب والمتكلم لا يدخل في عموم كلامه. ٣ - لو قال لزوجته: " إن كلمت رجلاً فأنت طالق "، فكلمت زوجها وقع الطلاق بناء على المذهب الأول، وكذلك بناء على المذهب الثالث. ولا يقع الطلاق؛ بناء على المذهب الثاني؛ لأن المتكلم لا يدخل تحت عموم كلاملى. ٤ - لو وقف داراً على الفقراء، ثم افتقر ذلك الواقف، فإنه يدخل معهم بناء على المذهب الأول، والثالث. ولا يدخل معهم بناء على المذهب الثاني، وهكذا.

стр. 1486

المطلب الواحد والعشرون هل يجب اعتقاد عموم اللفظ قبل البحث عن المخصص ؟ إذا ورد لفظ من ألفاظ العموم - السابقة - فهل يجب على السامع اعتقاد عمومه قبل أن يبحث عن المخصص، أو لا يجب اعتقاد عمومه إلا بعد البحث عن المخصص فلا يجد؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به، وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذللث، إذا جاء وقت العمل به، قبل البحث عن المخصص، وفي حين عملنا به فإن وجدنا مخصِّصا تركنا العام واعتقدنا المخصص - وما بقي بعد التخصيص - إن بقي شيء - وإن لم نجد المخصِّص له نستمر في العمل بالعام. أي: يجب اعتقاد عموم اللفظ ؤبل ظهور المخصِّص، فإذا ظهر المخصَّص تغير ذلك الاعتقاد. وهو مذهب أبي بكر الصيرفي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره كثير من الحنابلة كأبي يعلى، وتلميذه ابن عقيل، وابن قدامة، وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر " غلام الخلال "، وبعض الحنفية. وهو الحق عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن ترك التمسك با العام لاحتمال وجود المخصص: يلزم منه: ترجيح المرجوح على الراجح، وهو ممتنع، بيان ذلك:

стр. 1487

أن اللفظ العام راجح؛ حيث إنه قد وجد وأثبت الحكم بلا شك فهو معلوم قطعاً، واحتمال وجود المخصص مرجوح؛ حيث إنه مجرد احتمال لا دليل عليه قد يثبت وقد لا يثبت، فكوننا نترك دليلاً قد ثبت - وهو اللفظ العام - من أجل احتمال وجود مخصّص هذا ترجيح المرجوح على الراجح، وهذا ممتنع عقلاً. الدليل الثاني: أن الأصل عدم المخصص، وذلك يوجب ظن عدم المخصص، وهو يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام. الدليل الثالث: أن احتمال وجود الشيء لا يترك به الشيء الثابت بدليل عمل الصحابة ﵃ في النسخ: فقد كان الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - يعتقدون بسبب كثرة ما نزل عليهم من الناسخ والمنسوخ - أن كل حكم ينزل عليهم سينسخ فيما بعد، ولكن هذا الاعتقاد لم يمنعهم من العمل بالحكم حال نزوله، فإذا نزل ما ينسخه تركوا المنسوخ، وعملوا بالناسخ. فكذلك هنا: يجب اعتقاد عموم اللفظ حال علمنا به، والعمل على ذلك وإن كنا نْحتمل وجود مخصص له، فإن ثبت هذا المخصِّص تركنا العام وعملنا بالمخصص، وإن لم يثبت مخصِّص نستمر في العمل على العموم، وهذا فيه من الاحتياط ما يعلمه كل فطن. الدليل الرابع: القياس على أسماء الحقائق، بيانه: أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد البحث عن المخصص: لما جاز التمسك باللفظ على حقيقته إلا بعد البحث هل يوجد ما يقتضي صرفه عن المجاز أو لا؛ بجامع: احتمال الخطأ، لكن لا يجب ذلك -، بل نحمل لفظ " الأسد " على الحقيقة، وهو: الحيوان

стр. 1488

المفترس، ونعمل على ذلك من غير بحث من أنه هل وجد ما يقتضي صرفه عنه أو لا؟ فكذلك هنا نعتقد عموم اللفظ، ونعمل على ذلك من غير بحث عن وجود مخصص أو لا. الدليل الخامس: القياس على صيغة الأمر وصيغة النهي، بيان ذلك: أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، والنهي المطلق يقتضي التحريم، فإذا وردت صيغة من صيغ الأمر، فإنه يجب اعتقاد الوجوب ونعمل على ذلك، ولا يصرفنا عن هذا إلا صارف من قرينة أو دليل يبين أن المراد غير الوجوب من الندب وغيره. وكذلك إذا وردت صيغة من صيغ النهي، فإنه يجب اعتقاد التحريم ونعمل على ذلك ولا يصرفنا عن هذا إلا صارف من قرينة أو دليل يبين أن المراد غير التحريم من كراهة أو نحوه. فكذلك هنا فإنه إذا وردت صيغة من صيغ العموم، فإنه يجب اعتقاد عمومه، ونعمل على هذا الاعتقاد، ولا يصرفنا عن ذلك إلا صارف ومخصص يبين أن المراد غير العموم. المذهب الثاني: أنه لا يجب اعتقاد عموم اللفظ والعمل به حتى يبحث عن المخصص، فلا يجد ما يخصه. وهو مذهب ابن سريج، وهو اختيار بعض الحنابلة كأبي الخطاب، وهو مذهب أكثر العلماء من المالكية، والشافعية، وبعض الحنفية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن أفيَ صيغة من صيغ العموم - السابقة الذكر - لا تفيد العموم إلا بشرط وهو: عدم المخصص، وقبل طلب

стр. 1489

المخصص يكون وجوده وعدمه مشكوكا فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، أي: إذا شككنا في وجود المخصص وعدم وجوده: فإن هذا يلزم منه أن نشك في هذا اللفظ هل أفاد العموم أو لا؟ إذن: حجته بالنسبة إلى كل فرد مشكوك فيها، والمشكوك فيه لا يعمل به. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن وجود المخصص وعدمه مشكوك فيه، بل عدمه عندنا أغلب على الظن، فيكون ظن حجية اللفظ العام أغلب، فعلى هذا يعتقد عمومه، ويجب العمل بذلك. الدليل الثاني: أن اللفظ العام يحتمل أن يكون مراداً به العموم باعتبار أنه وضع لذلك لغة، واللفظْ عند إطلاقه يدل على ما وضع له. ويحتمل أن يكون العموم غير مراد منه لوجود ما يخصصه؛ نظراً لكثرة ورود التخصيص على العام حتي شاع قولهم: " ما من عام إلا وقد خصص ". والاحتمالان متساويان، فلو عمل بالعام قبل طلب المخصص لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر، بدون مرجح، وهو باطل. إذن طلب الباحث للمخصص يريد بذلك ترجيح أحد الأمرين بمرجح، فإن وجد المخصص فقد ترجح الخصوص على العموم، وإن لم يجده فقد ترجح العموم على الخصوص؛ لأن عدم الوجدان دليل. جوابه: يجاب عنه بجوابين:

стр. 1490

الجواب الأول: أنا نعمل بالأصل، والأصل هو عموم اللفظ، أما التخصيص فهو عارض له يحتاج إلى قرينة مخصِّصة، كما عملنا بأسماء الحقائق. فإن الأصل حمل الاسم - وهو الأسد مثلاً - على حقيقته، أما المجاز، فهو عارض له يحتاج إلى قرينة. وبذلك يكون احتمال العموم راجحا على احتمال الخصوص - وليسا سواء كما زعمتم - فيعتقد عموم اللفظ، ويعمل على هذا الاعتقاد؛ لأن العمل بالراجح واجب. الجواب الثاني: أن كلامكم يؤدي إلى التوقف مما يؤدي إلى ترك العمل بالدليل الثابت - وهو اللفظ العام - وذلك لأن الأدلة المخصصة كثيرة وغير محصورة، فقد يجد المجتهد الدليل المخصص اليوم، وقد لا يجده اليوم، ويقول: سأبحث عنه في الغد، وهكذا حتى تذهب الأيام، وهو يؤمل نفسه بأنه سيجد مخصصا لهذا العموم، وبينما هو يفعل ذلك - يكون ذلك الدليل الثابت - وهو اللفظ العام - معطلاً عن العمل، وهذا لا يجوز. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن اللفظ العام يجب أن يُعمل به حال سماعنا إياه بدون قرائن. أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن اللفظ العام لا يعمل به إلا بقرينة، وهي: عدم وجود مخصص. وهذا يظهر في مسألة وهي: هل يجوز للحاكم أن يحكم بالبينة أو بالإقرار بدون الرجوع إلى الخصم أو الغريم؛، فبناء على المذهب

стр. 1491

الأول: يجوز ذلك، وبناء على المذهب الثاني: لا يجوز؛ حيث إن العمل بذلك كالعمل بالدليل قبل الفحص عن المعارض، وهذا هو الذي أرجحه؛ لأن هناك مخصصا وهو: أن هذه الأمور لا بد فيها من مناقض. مسألة: هل يشترط القطع بعدم وجود المخصص للعمل باللفظ العام أو لا؟ لقد اختلف أصحاب المذهب الثاني في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط القطع بعدم وجود المخصص، بل يكفي أن يبحث المجتهد عن المخصص، ويستقصي في ذلك في مضانه، فإذا غلب على ظنه عدم وجود المخصص: حكم بأنه لا مخصص لهذا اللفظ العام، وحينئذ يجب العمل به. ذهب إلى ذلك: ابن سريج، وإمام الحرمين، والغزالي، وأبو الخطاب، وأكثر أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: لا يجب اعتقاد عموم اللفظ والعمل به إلا بعد البحث عن المخصص، فلا يوجد -. دليل هذا القول: أنه لو اشترط القطع بعدم وجود المخصِّص للزم من ذلك تعطيل العمل بالعمومات كلها؛ لكثرة الأدلة، وعدم انحصار الأصول وتفرقها، فيكفي أن يغلب على ظنه عدم وجود المخصص والعمل بما يغلب على الظن واجب. القول الثاني: إنه يشترط القطع بعدم وجود المخصص.

стр. 1492

أي: أن المجتهد يبحث عن المخصص، فإذا قطع بعدم وجوده، وسكنت نفسه بأنه لا دليل مخصص، فإنه يعمل باللفظ العام. وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني. دليل هذا القول: أنه إذا كانت نفسه تشعر بدليل شذ عنه، وتردد فيه، وقال في نفسه: يمكن أن يوجد ذلك الدليل المخصص، ويمكن أن لا يوجد، فكيف يحكم بدليل ويعمل به - وهو اللفظ العام - يجوز أن يكون الحكم به حراماً. جوابه: يمكن لأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن ذلك بقولهم: إنه إذا بحث عن المخصص وغلب على ظنه عدم وجوده، فإنه يغلب على ظنه أن هذا اللفظ عام، فيجب اعتقاد عمومه والعمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب واجب، ولا يقع في ذلك تردد؛ إذ لو اشترط القطع في كل دليل: لما بقى دليل؛ لأن جل الأدلة ظنية. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ حيث اتفق أصحاب القولين على أنه يجب اعتقاد عموم اللفظ والعمل على ذلك، سواء علم قطعا أو ظناً بعدم وجود المخصص؛ لأنه اتفق على العمل بالظن؛ حيث إن الصحابة ﵃ كانوا لا يفرقون بين الدليل القطعي، والدليل الظني في وجوب العمل.

стр. 1493

المطلب الثاني والعشرون الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه ؟ مثال ذلك: قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) ، فهل تقتضي هذه الآية أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك؟ أو أخذ الصدقة من نوع واحد من مال كل مالك؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه، وهو مذهب جمهور العلماء. وهو الحق؛ لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع من صيغ العموم - أيضاً - فإذا أضيف العام إلى العام اقتضى ذلك: العموم في كل من المضاف والمضاف إليه عملاً بظاهر اللفظ. المذهب الثاني: أن الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع لا يقتضي العموم في كل من المضاف والمضاف إليه. وهو مذهب جمهور الحنفية، وقد نسب إلى الكرخي، وهذه النسبة غير صحيحة. دليل هذا المذهب: أن اللفظ دال على إيجاب صدقة منكرة محلها المال المضاف إلى

стр. 1494

المالك، فإذا أخرج من نوع واحد صدقة، فقد أخرج من جملة الأموال، فلا يجب عليه الزيادة على ذلك، يؤيد ذلك: أن الرجل لو قال: " لبس القوم ثيابهم "، فإنه يفهم من ذلك أن كل واحد منهم ليس ثوبه. فكذلك هنا: فإنه إذا أخذ الصدقة من جزء المال صدق أخذها من المال، ولهذا فقد وقع الإجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم ودنانير المالك موصوف بأنه من ماله، ومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل درهم ودينار له؛ لعدم دلالة اللفظ عليه. جوابه: إن إضافة العام إلى العام لا بد أن يكون له فائدة، ولا فائدة له إلا اقتضائه العموم في المضاف والمضاف إليه. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه يترتب على المذهب الأول: أنه يجب أخذ صدقة من كل نوع من أنواع المال لكل مالك، فعلى هذا المذهب لا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال. ويترتب على المذهب الثاني: أنه يكفي أخذ صدقة من نوع واحد من جميع الأموال من كل مالك.

стр. 1495

المطلب الثالث والعشرون هل المفهوم له عموم ؟ المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة وهو: ما كان حكم المسكوت عنه موافقاً لحكم المنطوق به، كقولنا بتحريم ضرب الوالدين أخذاً من منطوق قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) . ومفهوم مخالفة وهو: ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق، كقولنا: المعلوفة من الغنم لا زكاة فيها أخذاً من قوله عليه الصلاة والسلام: " في سائمة الغنم الزكاة ". فهل المفهوم في هذين القسمين يعم أو لا؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يعم. أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة المنطوق به أو على مخالفته، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ قياساً على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فالشارع لما قال؛ " في سائمة الغنم زكاة "، فقد تضمن ذلك القول قولاً آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك لكان عاماً. المذهب الثاني: أن المفهوم لا يعم.

стр. 1496

وهو اختيار الغزالي. دليل هذا المذهب: أن العموم من صفات اللفظ والنطق، والمفهوم ليس بلفظ، فلذلك لا يعم. جوابه: إن مفهوم الموافقة والمخالفة كالمنطوق، فلذلك قلنا في باب النسخ: إنه ينسخ، ويُنسخ به، فكذلك هنا يدخله العموم كما دخل اللفظ ولا فرق. بيان نوع الخلاف: اختلف في هذا الخلاف هل هو معنوي، أو لفظي على قولين: القول الأول: أن الخلاف معنوي، وهو الحق عندي؛ لأنه تأثر بهذا الخلاف بعض الفروع الفقهية، ومنها: أن قوله ﵊: " إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس "، فإن هذا النص قد دلَّ بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاة النجاسة، سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين، أو لم يكاثر. هذا إذا كان للمفهوم عموم، وهو المذهب الأول. أما إذا قلنا: إن المفهوم لا عموم له، فإن الحديث لا يقتضي النجاسة في هذه الصورة. القول الثاني: أن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن الخلاف إن كان في أدن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في جميع ما سوى

стр. 1497

المنطوق من الصور أو لا؟ فالحق الإثبات، وهو مراد أصحاب المذهب الأول، وأصحاب المذهب الثاني لا يخالفونهم في ذلك. وإن كان الخلاف في ثبوت الحكم فيهما بالمنطوق أو لا؛ فالحق النفي، وهو مراد أصحاب المذهب الثاني، وأصحاب المذهب الأول لا يخالفونهم فيه، ولا ثالث - هنا - يمكن فرضه محلاً للنزاع. والحاصل؛ أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في محل النطق، أو هو: ما يستغرق في الجملة. جوابه: إن الخلاف في أن مفهومي الموافقة والمخالفة يثبت فيهما الحكم في جميع ما سوى المنطوق أو لا؟ وأصحاب المذهب الأول يثبتون ذلك. أما أصحاب المذهب الثاني فهم لا يوافقونه، كما زعمتم، بل يخالفون ذلك، ويقولون: إن الحكم يثبت في صورة واحدة مخالفة للمنطوق فقط.

стр. 1498

المطلب الرابع والعشرون ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال ؟ مثاله: أن ابن غيلان الثقفي قد أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له الرسول ﷺ : "أمسك أربعاً وفارق سائرهن "، ولم يسأله عن كيفية عقده عليهن في الجمع أو الترتيب، أي: لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة، فهل تركه السؤال عن ذلك يفيد العموم وينزل منزلة عموم المقال؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.. وهو مذهب الإمام الشافعي، وتبعه على ذلك كثير من العلماء، وهو الحق؛ لأن ترك الرسول ﷺ الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، فإن ذلك ينزل منزلة العموم في المقال، فيكون الحكم - وهو إمساك أربع ومفارقة الباقي - عام في جميع الأحوال، سواء كان العقد على هذه النسوة في زمن واحد أو في أزمان متعددة. المذهب الثاني: أن ذلك لا ينزل منزلة العموم في المقال. وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض الشافعية.

стр. 1499

دليل هذا المذهب: أن " ترك الاستفصال.. " ليس من صيغ العموم، فلا يقتضي العموم، ثم إن. ما ذكره أصحاب المذهب الأول هو قضية خاصة، فلا يستدل بها على إثبات قاعدة عامة؛ لاحتمال أن يكون الرسول لمجيم قد عرف خصوص الحال؛ حيث إنه عارف بحال القائل - وهو أنه عقد عليهن بوقت واحد - فأجاب بناء على ذلك: لا؛ لأنه لا فرق بين تلك الحالة وغيرها في ذلك الحكم. جوابه: أن هذا ضعيف؛ لأن القاعدة ليست مفروضة في كون تارك الاستفصال عالما بشيء، وإنما هي مفروضة في قضية لا يعلم فيها تارك الاستفصال عن حال صاحب القضية مع احتمال اللفظ إياها، وظاهر الحديث يدل على أن الرسول ﷺ لا يعلم شيئاً عن زواج غيلان، هل هو بعقد واحد أو مختلف، وما قالوه من الاحتمال لا دليل عليه، فيبقى على ظاهره. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه ترتب على المذهب الأول: أن الشخص لو أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، فعليه أن يمسك أربعا منهن فقط، ويفارق الباقي، فيختار منهن ما شاء، ويترك الباقي مطلقا، سواء كان العقد على هذه النسوة في زمن واحد، أو في أزمان متعددة؛ وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره. - أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: " إن ترك الاستفصال ... " لا يفيد العموم - فهم بنوا الحكم على عدم وجود

стр. 1500

هذه القاعدة، فقالوا: إن كان العقد عليهن في وقت واحد، فعليه أن يجدد عقد النكاح على أربع منهن على حسب اختياره. وإن كانت تلك العقود مرتبة - أي: كل واحدة عقد عليها بعد الأخرى: فعليه أن يمسك الأربع الأول، ويفارق ما عداهن، وذلك لأن العقود الأولى قد صادفت محلاً قابلاً للعقد، فكانت صحيحة، أما ما عداها فلم يصادف محلاً قابلاً للعقد، فكان باطلاً.

стр. 1501

المبحث الثاني في الخصوص ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف التخصيص. المطلب الثاني: هل يجوز تخصيص العموم؟ المطلب الثالث: مخصصات العموم المنفصلة. المطلب الرابع: مخصصات العموم المتصلة.

стр. 1502

المطلب الأول تعريف التخصيص التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده. المراد من " قصر العام ": قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقياً على عمومه، لكن لفظاً لا حكما. والمراد من قوله: " على بعض أفراده " أي: أن هذا العام يخصص ويكون المراد به بعض أفراده بسبب قرينة مخصصة. مثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، فقد أورد اللَّه تخصيص ذلك بقوله: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) ، فهنا قد خصص الشارع المطلقة الحامل، وجعل عدتها وضع الحمل، فلم يبق لفظ العموم - وهو المطلقات - على عمومه، بل قصره على بعض أفراده. مثال آخر: إذا قال: " أكرم الطلاب الناجحين "، فهنا قد قصر هذا اللفظ العام - وهو: الطلاب - على أفراد معينة وهم الناجحون. وإذا قيل: هذا كلام مخصوص معناه: أنه قصر على بعض فائدته، وكان غرض المتكلم به: بعض ما وضع له. والتخصيص يقرب من النسخ إلا أن بينهما فروقا قد ذكرتها في باب النسخ.

стр. 1503

المطلب الثاني هل يجوز تخصيص العموم ؟ لقد اختلف في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن تخصيص العموم يجوز مطلقا، أي: سواء كان اللفظ العام أمراً، أو نهياً، أو خبراً. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: وقوعه في كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله، والوقوع دليل الجواز. فمن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (والسارق والسارقة) وقوله: (والزانية والزاني ... ) مع أنه ليس كل سارق يقطع، وكل زان يجلد. وقوله تعالى: (يوصيكم اللَّه في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) مع خروج الكافر، والعبد، والقاتل عنه. ومن أمثلة وقوعه في النهي: قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) مع أن بعض القربان غير منهي عنه. ومن أمثلة وقوعه في الخبر: قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان، وقوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) مع أنها لم تدمر السموات والأرض والجبال. وأكثر العمومات الواردة في الآيات والأحاديث قد خصصت حتى

стр. 1504

قيل: " ما من عام إلا وقد خصص " إلا قوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم) ، كما سبق بيانه، ولو لم يكن التخصيص جائزاً لما وقع في الكتاب والسُّنَّة. الدليل الثاني: أنه لا معنى لتخصيص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، والتجوز غير ممتنع لذاته، ولهذا لو قدرنا وقوعه لم يلزم المحال عنه لذاته، ولا بالنظر إلى وضع اللغة، ولهذا يصح من اللغوي أن يقول: " زارني كل أهل البلد "، وإن تخلف عنه بعضهم. المذهب الثاني: التفريق بين الخبر وبين غيره. فيجوز تخصيص اللفظ العام إذا كان أمراً أو نهيا، أما إذا كان خبراً فلا يجوز، وهو لبعض الطوائف. دليل هذا المذهب: أما جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام أمراً أو نهيا: فدليله: الوقوع كما سبق. أما عدم جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام خبراً، فدليله: أنه لو جاز تخصيص الخبر للزم الكذب في الخبر، لما فيه من مخالفة المخبر للخبر، وهو غير جائز كما في نسخ الخبر. جوابه: لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب بتقدير إرادة الخصوص والمجاز، وقيام الدليل على ذلك، ولو لم يكن جائزاً للزم من ذلك أن يكون قول القائل: " رأيت أسداً "، وهو يريد الرجل الشجاع

стр. 1505

أن يكون كاذبا إذا تبينا أنه لم يرد الأسد الحقيقي، وليس كذلك بالإجماع، وعلى هذا قلنا بجواز نسخ الأخبار. المذهب الثالث: التفريق بين الأمر، وغيره. فيجوز تخصيص اللفظ العام إذا كان غير أمر، أما إذا كان أمراً فلا يجوز، وهو لبعض الطوائف. دليل هذا المذهب: أما جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام غير أمر، فدليله الوقوع كما سبق. أما عدم جواز التخصيص إذا كان اللفظ العام أمراً فدليله: أن القول بجواز تخصيص الأمر يوهم البَداء - وهو ظهور المصلحة بعد خفائها - وهذا مستحيل على اللَّه تعالى، لذلك لا يجوز تخصيص الأمر. جوابه: لا نسلم إيهام البَداء؛ لأنا نعلم أن اللفظ في الأصل يحتمل التخصيص، فقيام الدليل على وقوعه مبيِّن للمراد، وإنما يلزم البداء أن لو كان المخرج مراداً. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأنه لا أحد ينكر أن بعض الأفراد مخرج عن دخولها تحت بعض الألفاظ العامة، ولكن بعضهم - وهم الجمهور - قد سموا ذلك بالتخصيص، وبعضهم سموه بغير ذلك، فالخلاف - إذن - بالتسمية.

стр. 1506

المطلب الثالث في مخصِّصات العموم المنفصلة لقد قلنا: إن التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده، فيكون المخصص هو: القاصر للعام على بعض أفراده، أي: هو فاعل التخصيص فهو المخرج، وهو: إرادة المتكلم الإخراج. والمخصص ينقسم إلى قسمين: مخصص منفصل وهو: ما يستقل بنفسه، بأن لا يكون مرتبطا بكلام آخر. ومخصص متصل وهو: ما لا يستقل بنفسه، بل هو مرتبط بكلام آخر. وإليك الكلام عن المخصصات المنفصلة في المسائل التالية: المسألة الأولى: في التخصيص بالحس. المسألة الثانية: في التخصيص بالعقل. المسألة الثالثة: في تخصيص الكتاب بالكتاب. المسألة الرابعة: في تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة: قولية أو فعلية. المسألة الخامسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة بالسُّنَّة المتواترة، والآحادية بالآحادية.

стр. 1507

المسألة السادسة: في تخصيص السُّنَّة المتواترة والآحادية بالكتاب. المسألة السابعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد. المسألة الثامنة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بتقرير النبي ﷺ . المسألة التاسعة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة المتواترة بالإجماع. المسألة العاشرة: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم الموافقة. المسألة الحادية عشر: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بمفهوم المخالفة. المسألة الثانية عشر: في تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس. المسألة الثالثة عشرة: في تعارض الخاص مع العام. المسألة الرابعة عشرة: قول الصحابي وفعله ومذهبه هل يخصص العموم؟ المسألة الخامسة عشرة: العرف والعادة هل يخصص بها العموم؟ المسألة السادسة عشرة: هل يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؟ المسألة السابعة عشرة: العام إذا قصد به المدح أو الذم هل يخصص العام؟ المسألة الثامنة عشرة: عطف الخاص على العام هل يخصص العام؟

стр. 1508

المسألة الأولى: في التخصيص بالحس: وهو الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس، وهي: الرؤية البصرية، أو السمع، أو اللمس، أو الذوق، أو الشم. والحس قد أنجمع العلماء على جواز التخصيص به، دلَّ على ذلك: الوقوع: حيث وقع أن الحس قد خصص اللفظ العام، والوقوع دليل الجواز. من أمثلة ذلك: قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بأمر ربها) ، ونحن نشاهد أشياء كانت حين هبوب الريح لم تدمرها كالجبال، والسماء، والأرض. ومن ذلك: قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) ، ونحن نعلم أن هناك أشياء كثيرة لم تؤت منها بلقيس كالسموات، والأرض، وأن ما كان في يد سليمان ﵇ لم يكن في يدها، وهو شيء. *** المسألة الثانية: في التخصيص بالعقل: العقل هو: آلة إدراك الأشياء والتمييز بينها. والعقل قد اختلف في جواز التخصيص به على مذهبين: المذهب الأول: أن العقل يجوز تخصيص العموم به. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليل الوقوع؛ حيث إنه قد وقع أن "العقل خصَّص وأخرج بعض أفراد العام، وبين أنهم غير داخلين في عموم اللفظ، وهذا هو التخصيص، والوقوع دليل الجواز.

стр. 1509

ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) ، فإن لفظ " الناس " صيغة عموم - حيث إنها جمع معرف بـ " أل " - فيدخل فيه كل الأفراد، ولكن العقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي والمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الذين لا يخاطبون بخطاب التكليف. ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (الله خالق كل شيء) ، فإن لفظ " كل " قد تناول بعمومه لغة كل شيء مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقة، ومع ذلك فإنها لا تدخل في هذا العموم، وخرج ذلك بدلالة ضرورة العقل من عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين العقلاء، ولا نعني بالتخصيص غير ذلك. المذهب الثاني: أنه لا يجوز التخصيص بالعقل. ذهب إلى ذلك طائفة من المتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن دليل العقل متقدم وسابق في الوجود على أدلة السمع، والمخصِّص ينبغي أن يكون متأخراً عن المخصَّص، فلا يصلح أن يكون العقل مخصصا للعموم وهو متقدم. جوابه: أن العقل يجب أن يكون متأخراً بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى صفته، وهو كونه مبيناً ومخصصاً. أما الأول - وهو: كون العقل متأخراً بالنظر إلى ذاته - فنحن نسلم لكم أنه متقدم على النقل والسمع. أما الثاني - وهو: كون العقل متأخراً بالنظر إلى صفته، وهو:

стр. 1510

كونه مخصصا -: فلا نسلم أنه لا يتأخر، بل يكون متأخراً عن النقل والسمع؛ لأن العقل وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب العام غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لا لم يوجد، وإنما يصير مخصصاً ومبيناً بعد وجود الخطاب، فيصير التخصيص من صفاته. وذلك لأن المخصص هو: الدليل المعرف لإرادة المتكلم بهذا اللفظ، وأنه أراد هذا التكلم بهذا اللفظ العام معنى خاصا، والعقل يدل على ذلك بعد وجود الخطاب العام وإن كان متقدما في ذاته على ذلك الخطاب. الدليل الثاني: أن حقيقة التخصيص هي: إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، ونحن نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح العقل، فلا يكون لفظه دالًّا عليه لغة، أي: لا يمكن تناول اللفظ لما يخالف صريح العقل، ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة المخرجة لا يكون تخصيصاً. فقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) نعلم منه ضرورة بالعقل أن الصبي والمجنون لا يدخلان تحت لفظ " الناس " أصلاً، فلا يكون متناولاً لهما لغة؛ لأنه لا يمكن أن يتناول البفظ لما يخالف صريح العقل، فلا يكون هذا اللفظ عاما أصلاً للصبي والمجنون، وبالتالي: لا يكون العقل مخصصا لهما. جوابه: لا نسلم ذلك، بل يدخل غير المعقول، والمخالف لصريح العقل تحت اللفظ من حيث اللسان والوضع.
следующие страницы →