Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
الحديث "، وقال يحى بن معين: " ليس بشيء "، وقال ابن أبي
حاتم الرازي: " الربيع بن بدر لا يشتغل به، ولا بروايته، فإنه
ضعيف الحديث "، وقال ابن كثير في " تحفة الطالب ": " الربيع
اتفق أئمة الجرح والتعديل على جرحه ".
وقيل غير ذلك.
وإذا كان كذلك فلا يصلح للاستدلال به على إثبات قاعدة أصولية
وهي: أن أقل الجمع اثنان.
الجواب الثاني: على فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يدل على أن
أقل الجمع اثنان مطلقا، بل يحمل على أن المراد حصول فضيلة
الصلاة جماعة من حيث الحكم الشرعي، لا من حيث اللفظ
اللغوي؛ لأن الشارع إنما يبين الأحكام التي بعث لبيانها لا اللغات
التي عرفت من غيره؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث لبيان الشرعيات.
وبهذا يكون هذا الحديث - إن صح - دليلاً لنا، لا لهم؛ حيث
إنه لو كان الاثنان جمعا حقيقة: لما احتاج إلى البيان؛ لأنه يعرف
ذلك من اللغة ما يعرفه.
المذهب الثالث: أن أقل الجمع واحد حقيقة.
وهو مذهب أبي حامد الإسفراييني، ونسبه بعضهم إلى إمام
الحرمين، ولكن هذه النسبة ليست صحيحة كما بينت ذلك في كتابي
" أقل الجمع عند الأصوليين ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
стр. 1437
وجه الدلالة: أنه سبحانه وحده منزل الذكر، فإذا ثبتت العبارة
بلفظ الجمع عن الواحد لم يستنكر حمل معلوم المخصص على
الواحد حقيقة.
جوابه:
إن هذا ليس في محل النزاع؛ حيث قلنا: إن الواحد الذي يُعبِّر
عن نفسه بلفظ الجمع، فإنه تعبير صحيح، لكن جاء عن طريق
المجاز.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) .
وجه الدلالة: هو نفسه ما سبق.
جوابه:
هو نفس الجواب السابق.
الدليل الثالث: أن إطلاق لفظ الجمع على الواحد قد ورد في
كلام العرب، فمثلاً: إذا برزت امرأة لرجل واحد حَسُنَ من زوجها
أن يقول - في توبيخها -: " أتتبرجين للرجال يا لكعاء "، وهو لم
ير إلا رجلاً واحداً.
جوابه:
إنه لا يعني بلفظ " الرجال " رجلاً واحداً، بل استعمل لفظ
الجمع، وهو " الرجال " بدلاً من لفظ " الواحد "، لأن غرض
الزوج لم يتعلق بذلك الرجل الواحد، بل تعلق غرضه بجنس
الرجال لظنه أنها ما تبرجت لواحد إلا وقد تبرجت لغيره، فتبرجها
لواحد سبب للإطلاق.
стр. 1438
المذهب الرابع: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ويطلق على الاثنين
مجازاً، ولا يطلق على الواحهد لا حقيقة ولا مجازاً.
دليل هذا المذهب:
أولاً: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة
جقيقة بأدلة أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور -.
ثانيا: واستدلوا على أنه يطلق على الاثنين مجازاً بما استدل به
أصحات المذهب الأول؛ حيث إنهم يطلقون الجمع على الثلاثة،
ولا يمنعون من إطلاقه على الاثنين مجازاً.
ثالثاً: استدلوا على أن الجمع لا يطلق على الواحد مجازاً بقولهم:
إن المجاز لا بد فيه من قرينة وعلاقة، ولا علاقة بين المعنى الحقيقي
- وهو الثلاثة - والمعنى المجازي - وهو الواحد - فلا يصح إطلاق
الجمع عليه مجازاً.
جوابه:
إن الجمع يطلق على الواحد مجازاً، كما في الواحد ينزل نفسه
منزلة الجمع كقوله: " نحن فعلنا "، وهذا معروف أنه مجاز - كما
قلنا ذلك في المذهب الثالث -.
والعلاقة بين المعنى الحقيقي وهو: الجمع، والمعنى المجازي وهو:
الواحد موجودة، وهي اليتعدد الصادق بالتعدد الواقعي كما في
الجمع، والتعدد التقديري كما في الواحد الذي يقوم بما تقوم به
الجماعة.
المذهب الخامس: أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق على
الاثنين حقيقة ولا مجازاً.
стр. 1439
أدلة هذا المذهب:
أولاً: استدل أصحاب هذا المذهب على أن أقل الجمع ثلاثة
حقيقة بما استدل به أصحاب المذهب الأول، وهم الجمهور.
ثانياً: واستدلوا على أن الجمع لا يطلق على الاثنين لا حقيقة،
ولا مجازاً بالأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا علاقة بين الاثنين والجمع، وعند فقد العلاقة
يمتنع المجاز، وذلك لأن المجاز لا بد فيه من العلاقة.
جوابه:
أن الجمع يطلق على الاثنين بطريق المجاز، والعلاقة بين الاثنين
والجمع موجودة وهي: التعدد الواقعي؛ حيث إن الاثنين فيهما
تعدد، والجمع فيه تعدد كذلك.
الدليل الثاني: أنه لو صح إطلاق الجمع على الاثنين، ولو
مجازاً: لصح نعت التثنية بالجمع وبالعكس، لكن لا يجوز أن
يقال: " جاءني رجلان عالمون "، ولا " جاء رجال عالمان ".
جوابه:
إن العرب كانت تراعي صورة اللفظ محافظة للتماثل بين الصفة
والموصوف، فلهذا لم يجوزوا نعت المثنى بالجمع ولا العكس.
وقد التزم بعضهم النعت مع الاختلاف مجازاً.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، قد أثر في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
١ - لو حلف وقال: " والله لا أكلم بني آدم ".
стр. 1440
فإنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة؛ بناء على المذهب الأول وهو:
أن أقل الجمع ثلاثة.
وقيل: يحنث إذا كلم اثنين، بناء على المذهب الثاني وهو: أن
أقل الجمع اثنان.
ويلزم على المذهب الثالث - وهو: أن أقل الجمع واحد: أنه
يحنث إذا كلم واحداً.
٢ - الصلاة على الميت.
قيل: لا بد أن يصلي عليه ثلاثة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
وقيل: يكفي أن يصلي عليه اثنان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان.
وقيل: يكفي أن يصلي عليه واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
٣ - لو قال الزوج: " إن تزوجت نساء فأمرأتى طالق ": لم
تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
ويلزم على المذهب الثاني - وهو: أن أقل الجمع اثنان -: إن
امرأته تطلق إذا تزوج امرأتين.
ويلزم على المذهب الثالث - وهو؛ أن أقل الجمع واحد -: إن
امرأته تطلق إذا تزوج امرأة واحدة.
٤ - إذا نذر صوم أيام - ولم يبين مقصده - فإنه يلزمه ثلاثة أيام؛
بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
ويلزمه يومان؛ بناء على أن أقل الجمع اثنان.
ويلزمه يوم واحد؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
стр. 1441
٥ - لو قال لزوجته: " أنت طالق طلقات " - ولم يبين مقصده -
فإنه يلزمه ثلاث طلقات، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة.
ويلزمه طلقتان، بناء على أن أقل الجمع اثنان.
ويلزمه طلقة واحدة؛ بناء على أن أقل الجمع واحد.
وقد أفردت هذه المسألة بمصنف مستقل - لما رأيت أهميتها لطالب
العلم - سميته: " أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه " قد
توسعت بذكر المذاهب، وأدلتهم، والمناقشة، وأثر الخلاف الفقهي
والأصولي، فارجع إليه إن شئت فهو مطبوع بمجلد.
стр. 1442
المطلب الثاني عشر هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟
إذا ورد لفظ عام على سبب خاص - واللفظ مستقل بنفسه دون
سببه - فهل يسقط السبب عموم اللفظ أو لا؟
فمثلاً إذا حدثت حادثة فوردت في حكمها آية أو حديث بلفظ عام
من الألفاظ، والصيغ السابقة الذكر، فهل يكون هذا الحكم خاصا،
نظراً إلى سببه، أو عاماً نظراً إلى لفظه؛ أي: إن كان الجواب عاما
والسؤال خاصا، فهل خصوص السبب يخصص العام، أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
أي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل
يكون عاماً لمن تسبَّب في نزول الحكم ولغيره.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أن الحجة في لفظ الشارع:
فإن أورد الشارع الحكم وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم
- السابقة الذكر -: جعلنا الحكم عاماً سواء نزل ذلك الحكم
بسبب، أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص:
خصصنا ذلك الحكم.
стр. 1443
فالمعتبر هو اللفظ، وقد أجمع العلماء على ذلك في بعض الصور.
فمثلاً لو كان لرجل أربع نساء فقلن له: " طلفنا جميعاً "، فقال
هو: فلانة طالق، فإنه لا تطلق إلا واحدة، وهي المعينة، فلم
ينظر إلى السؤال العام، بل نظرنا إلى لفظ الزوج.
كذلك لو قالت واحدة منهن: " طلقني "، فقال: " كل نسائي
طوالق "، فهنا: جميع نسائه يطلقن؛ حيث نظرنا إلى لفظ الزوج،
ولم ينظر إلى سبب هذا القول.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة ﵃ على تعميم
الأحكام الواردة على أسباب خاصة، بيان ذلك:
أن أكثر العمومات - قد وردت على أسباب خاصة، فمثلاً:
آيات الظهار نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات
اللعان نزلت في شأن عويمر العجلاني وزوجته، وقيل: إنها نزلت
في هلال بن أمية وزوجته، وآية السرقة قد نزلت في سرقة رداء
صفوان بن أمية، وآية القذف نزلت في شأن عائشة - رضي اللَّه عن
الجميع - والأمثلة كثيرة.
والصحابة ﵃ قد عمموا أحكام هذه الآيات من
غير نكير، فدل على أن الأحكام لا تخصص بأسبابها، ولو كانت
مخصصة بأسبابها: لكان إجماع الصحابة على التعميم خلاف
الدليل، وهذا لم يقل به أحد.
الدليل الثالث: أن المقتضي للعمل بالعموم موجود، وهو اللفظ
العام الذي يشمل السبب وغيره وضعا، والمانع له غير موجود؛
حيث لا يوجد بين السبب والعام تنافي؛ نظراً لإمكان العمل بالعام
стр. 1444
في السبب وفي غيره، ومتى وجد المقتضي وانتفى المانع وجب العمل
بالعام على عمومه؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض.
المذهب الثاني: أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.
أي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص يختص به.
أي: أن خصوص السبب يخصص العام، ويجعله مراداً به هذا
السبب بخصوصه، فلا يعمل بالعام على عمومه.
وهو مذهب الإمام مالك في رواية عنه، واختاره بعض الشافعية
كالمزني، والدقاق، والقفال، وحكي عن الإمام الشافعي، وحكي
عن أبي ثور.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو كان الخطاب الوارد على سبب عاما: لجاز
إخراج السبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصور
الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة العموم إلى الكل، وهو
خلاف الإجماع.
فمثلاً: نزلت آية اللعان بسبب قصة عويمر العجلاني، وهي بلفظ
عام، فإن حكم اللعان يختص بعويمر؛ لأنه لو لم يختص حكم
اللعان به - وهو سبب نزوله - لجاز إخراج السبب - أي: إخراج
عويمر - بالتخصيص كأي فرد من أفراد العموم، ولكنه لا يجوز
إخراجه؛ لأن الآيات نزلت بشأنه أصلاً، وما دام أنه لا يخرج بأي
حال، بينما غيره من الأفراد يجوز إخراجه، فثبت أن اللفظ مختص
بسببه وهو عويمر.
جوابه:
إنا لما قلنا: إن الحكم الوارد بلفظ عام على سبب خاص يجب
стр. 1445
تعميمه لما ورد بشأنه ولغيره، فإن هذا لا يلزم منه: جواز إخراج
السبب - وهو ما ورد الحكم بشأنه كعويمر في آيات اللعان - وذلك
لأنه لا خلاف في أن كلام الشارع في آيات اللعان - مثلاً - هو بيان
لحكم ما وقع لعويمر، ولكن هل هذه الآيات الواردة في اللعان بيان
لعويمر خاصة، أو بيان له ولغيره مما شابه ذلك؛ هذا هو محل
النزاع.
فعندنا: أن اللفظ الوارد في حكم اللعان يعم عويمر ويعم غيره،
لكن الفرق بينه وبين غيره: أن اللفظ تناوله تناولاً قطعيا، وتناول
غيره تناولاً ظنيا، لذلك قلنا - هناك -: إن دلالة العام ظنية، وما
دام أن الخطاب في حق عويمر قطعي، فلا يمكن أن يخصص أو
يخرج بحال، أما غيره فيجوز خصيصه بدليل معتبر.
الدليل الثاني: أن الراوي حرص على نقل سبب نزول الحكم ولا
فائدة من حرصه على نقل السبب إلا لأن الحكم مختص به، فلو كان
الحكم عاما: لكان نقل السبب وعدم نقله سواء في عدم الفائدة.
جوابه:
لا نسلم ما قلتموه، بل إن لنقل الراوي للسبب فائدتان هما:
الفائدة الأولى: امتناع إخراج السبب - وهو عويمر مثلاً - من
آيات اللعان بحكم التخصيص بالاجتهاد، وذلك لأنه تناوله قطعا
- فذكره للسبب ينبه على ذلك - وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة الثانية: معرفة أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث،
وهذا يتضمن فوائد، منها:
أولاً: معرفة سير الصحابة وما جرى بينهم، لنقتدي بالحسن من
стр. 1446
الوقائع التي وقعت في عصرهم، والتأسي بصبرهم على ما ألم بهم
من مصائب.
ثانياً: معرفة معاني النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، فإن
العارف بسبب نزول هذه الآية أعلم بمراد الشارع من غير العارف.
ثالثا: معرفة مقاصد الشارع في كل آية أو حديث.
رابعا: التوسع في علم الشريعة؛ حيث إن العالم بأسباب نزول
الآيات أقدر على استنباط الأحكام منها من غيره.
الدليل الثالث: أنه لو لم يكن للسبب تأثير في الحكم لما أخر
الشارع بيان الحكم إلى حالة وقوع تلك الواقعة.
أي: أن الشارع قد أنزل حكم الظهار - مثلاً - بعد وقوع حادثة
أوس بن الصامت وزوجته مباشرة، وهذا يدل على أن حكم الظهار
مختص بأوس وامرأته؛ إذ لو كان الحكم عاماً لأوس وزوجته
وغيرهما لأنزل حكم الظهار قبل وقوع تلك الواقعة، أو أخره عن
وقوع الحادثة، ولكن لم يفعل ذلك، فثبت أن نزول الحكم بهذا
الوقت بالذات يدل على اختصاصه بالحادثة التي وقعت فيه.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن قولكم - في هذا الدليل - تحكم على الله
تعالى، وليس لنا التحكم عليه، وسؤاله: لمَ فعل كذا؛ ولِمَ لم
يفعل كذا؛ وما فائدة نزول هذا في هذا الوقتَ؛ إلى آخر الأسئلة
التي لو سمح بمثلها لأدى إلى الكفر والظلال، فلا يجوز طلب
الفائدة لأفعال اللَّه تعالى، فهو معلوم أنه لا يفعل شيئاً إلا وفيه فوائد
стр. 1447
ومصالح: فقد يدركها بعض العلماء، أو يدرك بعضها، وقد لا
يدركها فتكون تعبدية، فله سبحانه أن ينشئ التكليف في أي وقت
شاء؛ لعلمه سبحانه أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي ذلك، قال
تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) .
الجواب الثاني: أن قولكم: " إنه ما أخر بيان الحكم إلى وقوع
الواقعة إلا لأن الحكم مختص بهذه الواقعة " يلزم منه: أن يختص
الرجم بماعز، واللعان بعويمر وزوجته، أو هلال وزوجته، والسرقة
بمن نزلت فيهم؛ لأن اللَّه أخر بيان تلك الأحكام إلى وقوع وقائعهم،
وذلك كله خلاف إجماع الصحابة، فيكون ظاهر البطلان.
الجواب الثالث: على فرض أن سؤالكم صحيح: فإنا نقول - في
الجواب عن ذلك -: إن اللَّه علم أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي نزول
اَيات اللعان - مثلاً - في هذا الوقت، فأراد إيقاع واقعة لينزل الحكم
بشأنها، فأحدث واقعة عويمر مع زوجته، فأنزل آيات اللعان،
لتكون حكما له ولغيره ممن شابهه.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا - لِمَ أحدث حادثة لأجل إنزال حكم اللعان،
ولِمَ لم ينزله ابتداء كغيره؟
جوابه:
إن اللَّه أحدث بعض الحوادث، وأنزل بشأنها أحكاما شرعية،
لأمرين:
أولهما: أن إنزال الحكم والجواب بعد حدوث الحادثة أوقع في
النفوس من إنزال الحكم ابتداء.
стр. 1448
ثانيهما: ليعلم الناس أن الرسول ﷺ لم يأت بشيء من عنده، بل إن كل ما جاء به من القرآن والسُّنَّة هو من عند اللَّه وحده، قال
تعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، ولذلك
كان يتوقف عن جواب بعض الأسئلة حتى ينزل به وحي.
الدليل الرأبع: أن الحكم جواب، والواقعة والحادثة سؤال، ومن
شرط الجواب: أن يكون مطابقا للسؤال لا يزيد عنه ولا ينقص، فلو
كان الجواب عاماً والسؤال خاصا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال،
والأصل المطابقة؛ لكون الزيادة عديمة التأثير فيما يتعلق به غرض
السائل.
جوابه:
إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: الكشف عنه، وبيان حكمه،
وأن يكون متناولاً له: فهذا نسلمه لكم، وقد وجد وحصل.
أما إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: أن يكون مطابقا له تمام
المطابة: بدون زيادة بعض البيانات لغير ما سئل عنه: فلا نسلم؛
وذلك لأنه قد ثبت في الشريعة أن الشارع يسأل عن شيء فيجيب عنه
وعن غيره، كما ورد أنه ﷺ لما سئل عن الوضوء بماء البحر قال:
" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "،
فهنا قد تعرض لحل الميتة، ولم يكن مسؤولاً عنها.
بيان نوع الخلاف:
قد يبدو أن الخلاف - هنا - لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين
على أن أحكام اللعان، والظهار، والسرقة، والرجم، وغيرها مما
نزلت بسبب حوادث خاصة: هي عامة لمن نزلت بسببهم،
ولغيرهم، لكن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قالوا:
стр. 1449
أخذنا هذا العموم عن طريق اللفظ العام: ولم يلتفتوا إلى كونه نزل
بسبب أو بغير سبب، أما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: إن
تلك الأحكام لا شك أنها عامة، لكن لم نأخذ عمومها عن طريق
اللفظ العام الوارد في النص؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه،
ولكن أخذنا ذلك العموم عن طريق القياس، أي: قياس الحوادث
المشابهة على ما حدث لعويمر، وهلال، وأوس.
كذلك لو نظرنا إلى الدلالة، فقد اتفق أصحاب المذهبين على أنها
ظنية؛ لأن دلالة العام ظنية، ودلالة القياس ظنية.
ولكن الحق: أن الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول
قصدوا أن تلك الأحكام قد ثبتت للحوادث المشابهة لما حدث لعويمر
وأوس، وهلال عن طريق النص واللفظ.
أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن تلك الأحكام قد
ثبتت للحوادث المشابهة لعويمر وأوس عن طريق القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين هما:
أولهما: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من الحكم
الثابت عن طريق القياس.
ثانيهما: أن الحكم الثابت عن طريق النص ينسخ، ويُنسخ به،
أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ، ولا ينسخ به - كما
سبق بيانه -.
стр. 1450
المطلب الثالث عشر حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم ؟
إذا حكى الصحابي ما شاهده من الحوادث بلفظ عام كقوله:
"نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة،
وأمر بوضع الجوائح، وقضى بالشفعة للجار،
فهل يؤخذ بعموم قوله أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن قول الصحابي: أمر رسول اللَّه ﷺ ، أو نهى، أو قضى، أو حكم يقتضي العموم، وهو مذهب كثير من
العلماء، واختاره سيف الدين الآمدي، وهو الحق عندي؛ لإجماع
الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء السلف والخلف على أن قوله
يفيد العموم: فقد عرفنا - بالاستقراء والتتبع - أنهم كانوا يرجعون
إلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في
أزما انهم: فقد قال ابن عمر ﵄: " كنا نخابر
أربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن ﷺ نهى عن المخابرة "، وإذا رأى أحد منهم شخصا يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه مستدلين بقول
الصحابي: " نهى رسول اللَّه لمجيم عن المزابنة والمحاقلة، وكانوا
يمنعون عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه مستدلين بقول الصحابي:
"نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه "، وكذلك فقد أخذوا بقول الصحابي: " أمر رسول اللَّه ﷺ بوضع الجوائح "،
وبقوله: " رخص رسول اللَّه في السلم "، وبقوله: " رخص
رسول اللَّه ﷺ في العرايا "، وقوله: " قضى رسول اللَّه ﷺ -
стр. 1451
بالشفعة للجار "، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ
دون نكير من أحد، فصار هذا إجماعا منهم على الاحتجاج بمثل
ذلك في عموم الصور، وعلى العمل بها.
المذهب الثاني: أن قول الصحابي: أمر رسول اللَّه، أو نهى،
أو قضى لا يفيد العموم.
وهو مذهب أكثر العلماء.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن قول الراوي: أمر، أو نهى هو حكاية للراوي لما شاهده،
وهذه الحكاية محتملة لاحتمالات هي كما يلي:
الاحتمال الأول: أن يكون قد سمع لفظاً عاماً، فحكاه كما
سمع.
الاحتمال الثاني: أن يكون قد سمع لفظا خاصا فظنه عاماً،
فحكاه على أنه عام.
الاحتمال الثالث: أن يكون قد شاهد أمراً خاصا، ولكنه فهم
العموم، فحكاه بصيغة العموم.
وهذه الاحتمالات متساوية، فلا يرجح أحدها إلا بمرجح، ولا
يوجد مرجح، فالتمسك بعموم هذا هو تمسك بتوهم العموم، لا
بلفظ عرف عمومه، وقيل: إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط
به الاستدلال.
جوابه:
إن هذه الاحتمالات تنقدح في الذهن، ولكن رجحنا إفادة ما
يقوله للعموم، لأمرين:
стр. 1452
أولهما: إجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف - كما
سبق بيانه -.
ثانيهما: أن الحاكي - وهو الصحابي - عربي فصيح عارف
بدلالات الألفاظ، فهذا يبعد عنه احتمال أن يفهم ما ليس عاما أنه
عام حتى يحكيه بصيغة العموم.
وكذلك هو - أي: الحاكي وهو الصحابي - قد شهد اللَّه له
ورسوله بالعدالة، فهو ذو ورع ودين وتقوى، وهذا كله يمنعه من
حكاية العموم، وهو غير متيقن له، لأنه يعلم أن ذلك يوقع الناس
في لبس دمابهام.
وعلى فرض أن هذا الراوي الصحابي لم يقطع بالعموم، فلا
يمكن أن ينقل ما يقتضي العموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب
إصابته فيما ظنه ظاهراً وراجحاً، والعمل - بالغالب الظاهر واجب،
فيجب العمل بما ظهر منه، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن
النبي ﷺ وجب اتباعه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي، بيان ذلك: أن أصحاب المذهبين قد اتفقا على
أن النهي عن المزابنة، والمخابرة، والمحاقلة، والمنابذة، والملامسة،
والغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة فيما لم يقسم
- إلى آخر ذلك عام وشامل للأشخاص الذين نهوا، وأمروا،
وقضي في حقهم ولمن جاء بعدهم ممن شابههم.
ولكن اختلفوا في طريق ذلك: فأصحاب المذهب الأول قالوا:
استفدنا ذلك العموم عن طريق لفظ الصحابي ونصه، أما أصحاب
стр. 1453
المذهب الثاني فقالوا: قد استفدنا تعميم الأحكام من دليل خارجي،
وهو القياس، أي قياس غيرهم عليهم.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين قد ذكرناهما في مسألة: " هل العبرة بعموم اللفظ أو
بخصوص السبب ".
стр. 1454
المطلب الرابع عشر حكاية الراوي لفعل النبي ﷺ بلفظ "كان " هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه ﷺ ، أو لا ؟
إذا قال الراوي: " كان النبي ﷺ يفعل كذا "،
فهل هذا يفيد العموم والتكرار أو لا؟
اختلف فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن هذا يفيد العموم.
وهو لبعض العلماء، وهو الحق؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل
والحادثة بلفظ " كان " إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل، حيث لا
يفهم من لفظ " كان " إلا التكرار في مخاطباتنا فتقول - مثلاً -:
"كان زيد يأتي هذه المكتبة "، لا يمكن أن يقول ذلك إلا إذا كان زيد
يتردد عليها أكثر من مرة.
المذهب الثاني: أن هذا لا يفيد العموم، وهو مذهب جمهور
العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن الفعل إنما يفيد الماهية من حيث هي بقطع النظر عن المرة أو
التكرار، وحيث لا موجب للتكرار، فلا يكون هذا القول دالًّا على
التكرار، بل يكون التكرار مستفاداً من دليل خارجي.
جوابه:
إن هناك موجبا للتكرار، وهو ما ذكرناه في دليلنا.
стр. 1455
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن المعبر بلفظ " كان " يدل تعبيره على أن
فعل ﷺ الذي حكاه هذا الراوي بلفظ " كان " متكرر؛ بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني: فإن تعبيره بلفظ " كان " لا يدل على
تكرار الفعل، بل يدل على المرة الواحدة فقط.
ولا شك أن ما تكرر وقوعه من فعله ﷺ أقوى مما وقع مرة واحدة.
стр. 1456
المطلب الخامس عشر هل يدخل العبد في الخطاب المضاف إلى الناس
والمؤمنين، والأمة، والمسلمين ؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ
العامة المطلقة مثل: " الناس "، و " المؤمنين "، و " المسلمين "،
و"الأمة "، فهو كالحر، فلا يخرج منها إلا بقرينة.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن العبد من جملة
من يتناوله اللفظ؛ فهو من " الناس "، ومن " المؤمنين "، ومن
"المسلمين "، ومن " الأُمَّة "، بدليل: أنه يوصف فيقال: هذا العبد
مسلم، ومؤمن، ومن الناس، والأُمَّة، ولا يوجد مانع من دخوله
لا شرعي ولا عقلي.
المذهب الثاني: أن العبد لا يدخل تحت تلك الخطابات إلا بدليل
وقرينة تدخله، وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض المالكية.
دليل هذا المذهب:
أن أكثر الأوامر الشرعية لم يدخل العبد فيها كالأمر بصلاة الجمعة،
والأمر بالزكاة، والأمر بالحج، والأمر بالجهاد، ونحو ذلك، مما
يدل على أن تلك الخطابات موجهة إلى كاملي التكليف، وهم
الأحرار.
стр. 1457
أي: أنه نظراً إلى خروج العبد عن بعض التكاليف، فإنه لا
يدخل ضمن الخطابات العامة إلا بدليل وقرينة.
جوابه:
إن خروج العبد عن بعض التكاليف لا يلزم منه: عدم دخوله في
الخطابات العامة؛ لأن هذه التكاليف التي سقطت ورفعت عنه: قد
سقطت ورفعت عنه لعذر، وهو: كونه رقيقا مما جعله فقيراً مشتغلاً
بخدمة سيده، فإذا زال هذا العذر - وهو الرق - عادت إليه
التكاليف كاملة، قياساً على المريض والمسافر والحائض والنفساء،
فإن هؤلاء تسقط عنهم بعض التكاليف كأداء صوم رمضان في وقته
لعذر، وهو التلبس بالمرض، أو السفر، أو الحيض، أو النفاس،
فإذا زال هذا العذر عاد إليهم هذا التكليف.
وقياساً على الحائض، والنفساء، حيث تسقط عنهما الصلاة في
وقتها لعذر وهو: الحيض، والنفاس، ولا يقضيان، فإذا زال
الحيض أو النفاس عاد إليهما وجوب الصلاة.
ولم يقل أحد: إن المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء لا
يدخلون تحت لفظ " الناس "، و " المؤمنين "، و " المسلمين "،
و" الأمَّة "، وهم في حالة عذرهم، فكذلك العبد يدخل تحت لفظ
الناس والمؤمنين، وغيرها من الخطابات، وهو في حالة الرق، ولا
فرق بين العبد وهؤلاء، والجامع: أن كلًّا من العبد والمريض
والمسافر والحائض والنفساء قد زال عنه التكليف لعذر، وهو الرق
بالنسبة للعبد، والمرض، والسفر، والحيض، والنفساء، فإذا زال
هذا العذر عادت إلى هؤلاء جميعاً التكاليف كاملة.
стр. 1458
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن الصلاة والصيام قد سقطت عن
المسافر، والحائض، والمريض، والنفساء؛ نظراً لوجود السبب
السقط وهو: وجود مشقة الجمع بين هذه التكاليف والمرض،
والسفر، والحيض، والنفاس، أما العبد فلا توجد هذه المشقة
فيستطيع أن يصلي الجمعة، ويحج، ويزكي، ويجاهد، ومع ذلك
فقد أسقطت عنه تلك التكاليف، فلم تسقط عنه تلك إلا لأنه لا
يدخل تحت الخطابات الموجهة إلى الأحرار.
جوابه:
كذلك العبد قد أسقطت عنه هذه التكاليف لأسباب، وهي كما
يلي:
أما سبب سقوط صلاة الجمعة عمه فهو: أنه مأمور بخدمة سيده؛
حيث إنه يعتبر من مال السيد، فلا بد أن يسخر لهذه الخدمة.
والخدمة لا تتم إلا إذا كان خادماً في كل الأوقات، ومنها وقت
صلاة الجمعة؛ حيث إنه يبقى في المنزل ويجهزه استعداداً لقدوم سيده
من الصلاة، ثم إنه قد أخرج أبو داود: أن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض ".
فاستثناء هؤلاء يدل على أنهم يدخلون في الخطابات، كما دخل
غيرهم، وإنما خرج العبد بالاستثناء؛ لما ذكرناه من السبب.
أما سبب سقوط الزكاة عنه فهو: أن الزكاة تجب على من ملك
نصابا وحال عليه الحول، والعبد لا يملك المال، بل كله مملوك؛
стр. 1459
قياساً على الحر الفقير الذي لا يملك نصابا، فإنه لا تجب عليه
الزكاة، ومع ذلك فقد دخل تحت تلك الخطابات، فكذلك العبد.
أما سبب سقوط الحج عنه فهو: ما قلناه في سبب سقوط صلاة
الجمعة عنه.
ولأن الحج مشروط بالاستطاعة المالية، والعبد لا يملك شيئاً،
لذلك سقط عنه الحج، قياساً على الحر الذي لا يملك ما يحج به،
فإنه يسقط عنه الحج، ومع ذلك يدخل تحت الخطابات، فكذلك
العبد.
أما سبب سقوط الجهاد عنه فهو: أن رقبته مال، والمالية التي فيه
للسيد، وفي الجهاد تعرض للتلف، والسيد له حفظ ماله من التلف.
المذهب الثالث: أن العبد لا يدخل في الخطابات العامة المتعلقة
بحقوق الآدميين، أما الخطابات العامة المتعلقة بحقوق اللَّه، فيدخل.
حكي هذا عن أبي بكر الجصاص.
دليل هذا المذهب:
أن العبد لا يملك فعل شيء من حقوق الآدميين كالعقود
والإقرارات، ونحو ذلك، فلم يدخل في الخطاب بها، أما حقوق
الله فإنه يملك أن يتعبد اللَّه سبحانه.
جوابه:
إن العبد لم يمبك التصرف في العقود والإقرارات بسبب: كونه
رقيقاً وملكاً لسيده، وهذا لا يمنع من دخوله في الخطاب بها وبغيرها،
ثم يخص بدليل، وذلك كصيغة العموم، فإنها تستغرق جميع
الأفراد، وإن جاز أن يخصص فرداً، وتخصيص هذا الفرد لا يبطل
стр. 1460
ما وضع له، وكذلك حقوق اللَّه تعالى يتوجه إليه الخطاب بها،
وكثير منها لا يملك فعله - كما سبق بيانه - ومع ذلك لا يمنع دخوله
تحت تلك الخطابات.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ وذلك لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن
العبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الأحرار كالناس، والأُمَّة،
والمسلمين، والمؤمنين دخولاً أصلياً، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا
بدليل، وهي الأسباب التي ذكرناها سابقاً.
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن العبد لا يدخل
ضمن تلك الخطابات أصلاً، وما دخل فيها فإنه دخل بدليل مثل
القياس.
أما أصحاب المذهب الثالث فهم وافقوا أصحاب المذهب الأول
بالنسبة لحقوق اللَّه تعالى، ووافقوا أصحاب المذهب الثاني بالنسبة
لحقوق الآدميين.
ويلزم من ذلك: بناء على المذهب الأول أنه تجب على العبد صلاة
الجمعة إذا أذن له سيده في حضورها؛ لأن المانع كان من جهة السيد
وقد انتفى.
وكذلك يلزم منه بناء على المذهب الأول: أنه يجب عليه الحج إذا
أذن له سيده في دخول الحرم.
أما على المذهب الثاني فإنه يلزم منه: أنه لا تجب عليه صلاة
الجمعة، ولا الحج، ولو أذن له سيده؛ لأنه أصلاً لم يدخل تحت
التكاليف إلا بدليل خارجي.
стр. 1461
المطلب السادس عشر الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء ؟
ولبيان محل النزاع لا بد مما يلي:
أولاً: إن كان الجمع خاصا بالذكور كلفظ " الرجال "، فإن
النساء لا يدخلن اتفاقا.
ثانياً: إن كان الجمع خاصا بالإناث كالنساء، والبنات، فإن
الرجال لا يدخلون بالاتفاق.
ثالثا: إن كان لفظ الجمع متناولاً للذكور والإناث لغة ووضعا
كلفظ " الناس "، فهو يتناول الذكور والإناث بالاتفاق.
رابعا: إن كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير، ولا
التأنيث مثل: أدوات الشرط والاستفهام، فإن هذا يتناول الذكور
والإناث اتفاقا.
خامسا: إن كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير
بشكل واضح كالجمع بالواو والنون مثل: " المسلمين "، أو
" المؤمنين "، أو " الصابرين "، أو " الشاكرين "، أو جمع بضمير
الجمع مثل قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) ، و "قاموا"،
و" قعدوا ".
فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف هل تدخل النساء فيه أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: أن النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة
стр. 1462
التذكير كالمسلمين، والمؤمنين، واشربوا، وكلوا، وقاموا، ولا
يخرجن إلا بدليل.
وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير
من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية
كمحمد بن داود.
وهو الحق عندي لدليلين:
الدليل الأول: أن المألوف والمعتاد عند العرب أنه إذا اجتمع
الذكور والإناث غلَّبوا جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو
كان الذكر واحداً.
فمثلاً: إذا كان أمامك عدد من النساء، فإن اللغة تقتضي أن
تقول: " قمن "، و " اخرجن " اتفاقاً.
وإذا كان أمامك عدد من الرجال، فإن اللغة تقتضي أن تقول:
" قوموا "، و " اخرجوا " اتفاقاً.
وإذا كان أمامك عدد من الرجال وعدد من النساء - وهم
مجتمعون - فإن الصحيح عند أهل اللغة أن تقول: " قوموا "،
و"اخرجوا " بدليل: أنك لو قلت للرجال: " قوموا "،
و"اخرجوا"، وللنساء " قمن "، و " اخرجن " لعده أهل اللغة،
لكنة وعياً، وغير موافق للقواعد اللغوية.
فعلم من ذلك: أن الخطاب يصلح لهما، ويشتمل عليهما.
وقد وقع تغليب المذكر على المؤنث في قوله تعالى: (قلنا اهبطوا
منها جميعاً) ، والخاطبون ثلاثة: " آدم "، و " حواء "،
و"إبليس "، فلو كانت النساء لا يدخلن لقيل لآدم وإبليس: " اهبطا"
стр. 1463
ولحواء: " اهبطي "، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أن النساء
يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهرت فيه علامة جمع المذكر.
وقاعدة التغليب معمول بها عند العرب، معمول بها في كلامهم،
والقرآن جاء بلغة العرب، والأمثلة على ذلك كفيرة:
فمنها: تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل كقوله
تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) .
ومنها: تغليب أحد الاسمين على الآخر؛ لأسباب هي:
إما لشرف التذكير كقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ،
فإنه غلب هنا الأب على الأم، ومنه قول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
فقوله: " قمراها " تغليب للفظ " القمر " على لفظ " الشمس "
لكون القمر مذكراَّ، والشمس مؤنثا.
وإما أن يغلب أحد الاسمين على الآخر لخفته كقولهم: " دولة
العمرين " يريدون أبا بكر وعمر ﵄.
وأما أن يغلب أحد الاسمين لكراهة النطق بالاسم الآخر كقول
عائشة ﵂: " وما لنا عيش إلا الأسودان "
تريد: التمر والماء، والتمر أسود، والماء أبيض،
فغلبت التمر الأسود مع أن كلاهما مذكر، ولكن العرب شأنها كراهة ذكر البياض، لإيهامه البرص، ولذلك تجدهم يسمون الأبيض أحمراً،
ومنه قوله ﵊:
" بعثت إلى الأسود والأحمر ".
الخلاصة: أن العرب ألف منهم تغليب شيء على شيء، وإذا
стр. 1464
ألف ذلك كان كالقاعدة اللغوية، فمن تكلم بغير ذلك، فإنه لم
يتكلم بلغتهم.
الدليل الثاني: أن أكثر أوامر الشرع ونواهيه، وخطاباته العامة
وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى - في كثير من الآيات -: (يا أيها
الذين آمنوا) ، وقوله: (هدى للمتقين) ،
وقوله: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) ،
وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الزكاة) ،
وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ، وقوله: (ولا تقتلوا النفس) ،
وقوله: (وذروا ما بقي من الربا) ، وانعقد الإجماع على أن النساء
يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي، وجميع الخطابات
فلو كانت الصيغة خاصة بالذكور لكانت تلك التكاليف خاصة بهم
فلا تتعداهم إلى النساء، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأُمَّة.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن النساء لم يدخلن في ذلك اللفظ،
وإنما شاركن الرجال في الحكم بدليل غير اللفظ.
جوابه:
أنه لو كان هناك دليل خارجي لعلمناه، وما دمنا لم نعلمه فلا
يثبت، ومدعيه يحتاج إلى إظهاره.
المذهب الثاني: أن النساء لا يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه
علامة التذكير كالمسلمين ونحوها إلا بدليل خارجي.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وأكثر
الشافعية، والأشاعرة، وبعض الحنابلة كالطوفي، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن اللَّه ميز النساء بألفاظ خاصة كالمسلمات،
стр. 1465
والمؤمنات، ونون النسوة، فقال تعالى: (إن المسلمين والمسلمات ... ) ، فلو كن يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهر فيه
علامة التذكير: لما حرص على تخصيصهن وتمييزهن بألفاظ خاصة،
ولاكتفى بخطاب التذكير، ولكنه لم يفعل ذلك، بل خص الذكور
بخطاب والإناث بخطاب آخر مما يدل على أنهن لا يدخلن ضمن
الخطابات التي ظهرت علامة التذكير فيها إلا بقرينة.
جوابه:
أن الشارع قد خص النساء بألفاظ كالمسلمات ونون النسوة للبيان،
والإيضاح، والتأكيد عليهن، وكونه يفعل ذلك لا يمنع من دخولهن
في اللفظ العام الصالح لهن، فقد ورد أنه يذكر لفظ عام لجميع
الأفراد، ثم يخص بعض الأفراد بالذكر، ويعطف الخاص على العام
للتأكيد عليه والاهتمام به مثل قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) ، فلفظ " الملائكة " عام لجميع
الملائكة، ويدخل جبريل وميكائيل، ومع ذلك فقد خصهما بالذكر،
ومثله قوله تعالى: (فاكهة ونخل ورمان) ، فإن لفظ " الفاكهة "
عام وشامل لجميع أنواع الفاكهة، ومنها الرمان، ومع ذلك فقد
خصه بالذكر.
فإذا جاز ذلك فإنه يكون جائزاً في قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات) ، فيكون لفظ " المسلمين " عام للذكور والإناث،
وعطف عليه " المسلمات " زيادة في التأكيد وتخصيصا للشيء بالذكر.
الدليل الثاني: قياس الجمع على المفرد، بيان ذلك:
أن الجمع هو ذكر الواحد ثلاث مرات.
فقولنا: " مسلمون " هو تكرير لقولنا: " مسلم ومسلم ومسلم "
стр. 1466
والمفرد وهو: " المسلم " لا يشمل المؤنث اتفاقاً، فكذلك الجمع لا
يتناول المؤنث.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن كلامنا في
الجمع الذي فيه علامة التذكير، وليس كلامنا في المفرد، فالمفرد لا
شك أنه لا تدخل النساء فيه، أما الجمع فيدخلن، ولا يمتنع أن
يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد.
يؤيد هذا: أن من لا يعقل يدخل في جمع من يعقل، ولكنه لا
يدخل من لا يعقل فيمن يعقل في حال الإفراد.
الدليل الثالث: قياس الرجال على النساء، بيانه:
كما أن الرجال لا يدخلون في جمع النساء، فكذلك النساء يجب
أن لا يدخلن في جمع الرجال.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد - أيضا -؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنا
قلنا: إن النساء يدخلن ضمن الخطابات التي فيها علامة التذكير؛
لأن اللغة وردت بذلك، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث
- كما سبق بيانه - وذلك لكون التذكير أقوى؛ حيث إن العرب
غلبوا لفظ التذكير، ولم يغلبوا لفظ التأنيث لأسباب ذكرناها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا:
أن النساء دخلن في دلالة اللفظ الذي فيه علامة التذكير، ولا
يخرجن إلا بدليل. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن
стр. 1467
النساء لم يدخلن في دلالة ذلك اللفظ ولا يعمهن، ولا يدخلن تحته
وضمنه إلا بدليل كالقياس عليهم.
وبناء على ذلك فقد اختلفوا في بعض الفروع، ومنها:
١ - إذا قال لمن أمامه من الرجال والنساء: "ملكتكم هذه الدار".
فإنه بناء على المذهب الأول: فإن النساء يشاركن الرجال في
ملكية هذه الدار، أما على المذهب الثاني: فإن النساء لا حق لهن
في هذه الدار.
٢ - إذا صلَّت المرأة ودعت بدعاء فهل يكفيها أن تقول: " وما أنا
من المشركين، وأنا من المسلمين "، أو لا بد من ذكر جمع المؤنث؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إنه يكفيها أن تقول ذلك؛ بناء على المذهب الأول.
القول الثاني: أنه لا بد أن تقول: " وما أنا من المشركات، وأنا
من المسلمات "، وإلا لما قبل دعاؤها، وهذا بناء على المذهب الثاني.
٣ - إذا قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو
يعلم بوجودها -: " طلقتكم "، فهل تطلق زوجته؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال، هذا
بناء على المذهب الأول.
القول الثاني: أنها لا تطلق؛ لأنها لا تدخل في خطاب الرجال
إلا بدليل، وقوله: " طلقتكم " خطاب رجال فلا تدخل فيه،
فينبغي لأجل ذلك: ألا تطلق.
стр. 1468
المطلب السابع عشر العام بعد التخصيص هل هو حقيقة
في الباقي أو يكون مجازاً ؟
أي: اللفظ العام إذا خص منه أفراد هل يكون حقيقة في الباقي،
أو يصير مجازاً فيما بقي بعد التخصيص؛ لقد اختلف العلماء في
ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العام إذا دخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي
بعد التخصيص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو غير
متصل.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،
وحكي عن الإمام أحمد، وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: قياس اللفظ العام بعد التخصيص على اللفظ قبل
التخصيص.
بيانه: أن اللفظ العام متناول للباقي بعد التخصيص كما كان
متناولاً له قبل التخصيص، واستعمال اللفظ العام في الباقي قبل
التخصيص حقيقة اتفاقاً؛ لكون اللفظ متناولاً له، فيكون استعماله
في الباقي بعد التخصيص حقيقة كذلك، لوجود المقتضي للحقيقة،
وهو اللفظ المتناول لهما.
الدليل الثاني: أن المخصص قد أثر في المخصوص والمخرج فقط،
ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص فيبقى على ما هو عليه، بيان
стр. 1469
ذلك: أن لفظ " السارق " - مثلاً - قد وضع لجميع السارقين،
فلما جاء المخصص صرف دلالة لفظ " السارق " عن بعض
السارقين، وبين أن هذا البعض - كالمجنون والصبي - لا تقطع
أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين، فإن
دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم
تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة.
فالمخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج،
فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.
يؤيد ذلك الاستثناء فإنه لو قال لعبده: " أكرم الرجال إلا زيداً "،
فإن الاستثناء خاص بزيد، والخطاب متعلق به، وقد أخرجه عن
الإكرام، فالاستثناء - هنا - قد صرف دلالة اللفظ عن زيد فقط،
ولم يتعرض للرجال الباقين لا من قريب ولا من بعيد، فيبقى
الخطاب موجه إليهم بالإكرام حقيقة، فتكون دلالته حقيقية عليهم.
ولا فرق بين القرينة المخصصة المتصلة والمنفصلة في ذلك، كما
لاحظت من المثالين؛ لأن الشارع لم يفرق بينهما.
المذهب الثاني: أن العام إذا دخله التخصيص، فإنه يصير مجازاً
فيما بقي بعد التخصيص مطلقاً، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو
غيرمتصل.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وكثير من الشافعية، وبعض الحنابلة
كأبي الخطاب، وابن تيمية، وبعض المالكية كالقرافي، وابن
الحاجب، وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي.
دليل هذا المذهب:
أن حد المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ولفظ
стр. 1470
العموم وضع أصلاً وحقيقة لاستغراق جميع الأفراد، فإذا استعمل
اللفظ العام في بعض الأفراد صار ذلك اللفظ مستعملاً في غير ما
وضع له، فصار مجازاً كما لو استعمل الحمار في الرجل البليد.
جوابه:
إنكم قستم ما نحن فيه على أسماء الحقائق إذا استعملت في غير ما
وضعت له، فذكرتم أن هذا كاستعمال الحمار في الرجل البليد،
وهذا لا يسلم لكم، فالعرب لم تضع اسم الحمار للرجل البليد
حقيقة، واستعملوا لفظ العموم في البعض حقيقة.
المذهب الثالث: أن العام إذا دخله المخصص المتصل - كالشرط،
والاستثناء، والصفة، والغاية - فإنه يكون حقيقة في الباقي.
وإن خص بمنفصل فإنه يصير مجازاً فيما بقي.
وهو اختيار أبي الحسين البصري، ونسب إلى القاضي أبي بكر
البا قلاني.
دليل هذا المذهب:
أنه يوجد فرق بين العام المخصص بالمنفصل، والعام المخصص
بالمتصل، وهو:
أن العام إذا خصص بالمنفصل - كالعقل والنص - فإنه يكون قد
أريد بذلك اللفظ العام غير ما وضع له بسبب قرينة، فمثلاً لو قال:
" أكرم العلماء "، ثم قال: " أريد الطوال "، فإنه يتناول الباقي
كما يتناول غيره، وهو ما خرج بالمخصص، فإذا استعمل في الباقي
بعد التخصيص صدق عليه أنه مستعمل في بعض ما تناوله، فكان
مجازاً.
стр. 1471
أما العام إذا خصص بالمتصل كالاستثناء، فإنه يكون مقيداً بهذا
المخصص، والمقيد بشيء لا يتناول غير ما قيد به، فالاستثناء -
مثلاً - قد أثر في المخرج فقط - كما سبق - فيبقى اللفظ العام متناولاً
للباقي حقيقة؛ لأنه يصدق عليه: أنه لفظ استعمل فيما تناوله لا في
غير ما تناوله.
جوابه:
أنا لا نسلِّم التفريق بين التخصيص بالمنفصل والمتصل، فهما
سواء، فقول القائل: " أكرم العلماء "، ثم قوله: " أريد الطوال "
هو نفسه: "أكرم العلماء إلا القصار".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأفراد
الذين بقوا بعد التخصيص قد دلَّ عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة،
أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قصدوا أن الأفراد الذين بقوا
بعد التخصيص لا يدل عليهم اللفظ العام ولا يتناولهم إلا بقرينة.
وكون اللفظ يدل على ما بقي بدون قرينة أقوى من كونه لا يدل
عليهم إلا بقرينة.
стр. 1472
المطلب الثامن عشر هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي ؟
اللفظ العام إذا دخله التخصيص وأخرج بعض أفراده - بعد
التخصيص - هل يبقى حُجَّة فيما لم يخص أو لا؟
فمثلاً قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) عام في جميع الميتات
وهي مثلاً خمس ميتات - وهي: ميتة البقر، وميتة الغنم، وميتة
الإبل، وميتة السمك، وميتة الجراد - وجاءنا مخصص لهذا العموم
وهو قوله ﷺ :
"أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد.. "،
فأخرج السمك والجراد، فصار الباقي ثلاث ميتات
- وهي: ميتة الإبل، والغنم، والبقر - فهل يحتج بقوله تعالى:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) على ما بقي بعد التخصيص - وهي:
الثلاث الميتات - أو لا؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص يبقى حُجَّة
فيما لم يُخص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ على
الاحتجاج بالعمومات، واكثرها قد خص، فلم يمنعهم خروج بعض
الأفراد من أن يستدلوا باللفظ العام على ما بقي بعد التخصيص،
ولهذا صور كثيرة:
стр. 1473
منها: احتجاج فاطمة ﵂ بعموم قوله تعالى:
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) على طلب حقها من ميراث أبيها، ولم
ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة ذلك، مع أنه مخصص
بالكافر، والقاتل، والعبد، فإنهم قد استدلوا بعموم هذه الآية
على ميراث الباقي بعد إخراج هؤلاء الثلاثة.
ومنها: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وقوله: (والسارق والسارقة ... ) فقد احتجوا بهما
مع أنهما قد خصا بالمكره، والصبي، والمجنون، والجاهل.
والأمثلة على ذلك كثيرة؛ حيث إن كلها تدل على إجماع الصحابة
على الاحتجاج بالعموم المخصوص.
الدليل الثاني: أن دلالة العام لا زالت على ما هي عليه لم تتغير
بعد التخصيص، كما كانت قبل التخصيص، بيان ذلك:
أن لفظ " السارق " مثلاً قد وضع لجميع السارقين؛ حيث إنه لفظ
مفرد محلى بـ " أل "، فهو يفيد العموم - فهو يتناول كل سارق فتقطع
يده، فلما جاء المخصص وأخرج بعض السارقين كالمجنون،
والصبي، ومن سرق ما دون النصاب، وبيَّن أن هؤلاء لا تقطع
أيديهم وإن سرقوا، فإن هذا المخصِّص قد صرف اللفظ العام - وهو
السارق في قوله تعالى: (والسارق والسارقة ... ) عن دلالته على
هؤلاء، وإذا صرف المخصوص دلالة اللفظ عن هؤلاء، فإنه لم
يصرفه عن دلالته على الباقي، ولم يتعرض للباقي لا من قريب، ولا
من بعيد، فيبقى اللفظ يدل على الباقي على ما كان سابقا، ويستمر
على ذلك بدون تأثير، وهذا قياساً على الاستثناء، فإذا قال:
"أكرم الطلاب إلا زيداً "، فإن الاستثناء خاص بزيد، وقد أخرجه
стр. 1474
عن الإكرام، ولم يتعرض لبقية الطلاب، فيبقون على إكرامهم دون
تغيير.
المذهب الثاني: أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص لا يبقى حُجَّة
فيما لم يخص مطلقاً، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو منفصلاً،
وهو ما ذهب إليه أبو ثور - إبراهيم بن خالد صاحب الشافعي -
واختاره عيسى بن أبان الحنفي.
دليل هذا المذهب:
أن العام بعد التخصيص أصبح كل فرد من الأفراد الباقية يحتمل أن
يخرج بالتخصيص، ويحتمل أن لا يخرج، ولا يمكن ترجيح أحد
الاحتمالين، فيكون بقاء الأفراد مشكوكا فيه، والمشكوك لا حُجَّة فيه،
فاللفظ العام بعد تخصيص بعض أفراده لا يبقى حُجَّة على الباقي.
جوابه:
أن احتمال خروج الأفراد الباقية - بعد التخصيص - لا يؤثر بالظن
الغالب على كونها باقية على ما كانت؛ لأن الأصل البقاء، حتى
يقوم دليل على خلاف ذلك، ومتى كانت دلالة العام على الباقي
ظنية وجب العمل به في الباقي؛ لأن العمل بالظن متعين وواجب.
المذهب الثالث: العام حُجَّة في الباقي إن خُمنَ بمتصل كالاستثناء
والغاية والصفة، ولا يكون حُجَّة في الباقي إن خُصَّ بمنفصل كالنص
والعقل.
وهو مذهب أبي الحسن الكرخي.
دليل هذا المذهب:
أنه يوجد فرق بين العام المخصَّص بالمتصل، والعابم المخصَّص
стр. 1475
بالمنفصل وهو: أن العام المخضَص بالمتصل لا يحتمل غير الأفراد
الباقية، فيكون العام ظاهراً في هؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة فيهم؛
حيث إن العمل بالظاهر واجب.
أما العام المخصَّص بالمنفصل فإنه متناول لما خرج كما هو متناول
للباقي بعد الإخراج، وهذا يؤدي إلى جواز أن يخرج من الباقي
بعض آخر بدليل لم يظهر لنا، فلا يكون العام ظاهراً في الباقي،
فلا يكون حُجَّة.
جوابه:
إن العام كان حُجَّة قبل أن يدخله التخصيص في كل الأفراد، نظراً
لكونه متناولاً لهؤلاء الأفراد، فيكون حُجَّة بعد التخصيص؛ لكونه
لا يزال متناولاً لهؤلاء الأفراد الباقين، وذلك لأن المخصص قد أثر
في الأفراد المخرجين، أما الباقين فلم يتأثروا بهذا المخصِّص، فيبقى
اللفظ العام دالًّا على الباقي كما كان وهذا مطلقا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن
الباقي بعد التخصيص يعمل به؛ لأن دلالة اللفظ العام عليه ظاهرة،
ولا يحتاج الأمر إلى أي قرينة، أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم
قصدوا: أن الباقي بعد التخصيص لا يعمل به إلا إذا جاءت قرينة
تدل على وجوب العمل به.
فمثلاً: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وخصص منها: الصبي، والمجنون، والجاهل.
فإن أصحاب المذهب الأول قالوا: يستدل بعموم الآية على ثبوت
следующие страницы →