← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أن قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) إلى آخر آيات القصاص: فإنها تفيد العموم، سواء كان القاتل أو المقتول مسلماً أو كافراً، وعلى هذا فإنه يجب القصاص على المسلم إذا قتل كافراً مطلقاً، وهو من أفراد العموم. إلا أن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قد خصَّصوا هذا العموم وقالوا: إنه لا يقتل المسلم بالكافر الذمي، والمخصص لذلك أحاديث منها: " ... ألا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده "، وكذلك ما جاء فيما رواه أبو جحيفة قال: قلت لعليٍّ: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؛ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه اللَّه رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؛ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ". أما أصحاب المذهب الثاني - وهم الحنفية - فلم يخصصوا تلك الآيات بتلك الأحاب يث الخاصة، وذهبوا إلى أن المسلم يقتل إذا قتل ذمياً؛ وأوَّلوا الحديث بأن المراد: لا يقتل مسلم بكافر حربي - فقط - وللجمهور وللحنفية استدلالات أخرى يمكن أن تراجع في كتب الفروع. *** المسألة الرابعة عشرة: قول الصحابي وفعله ومذهبه هل يخصِّص العموم؟ لقد اختلف فى ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن قول الصحابي ومذهبه لا يُخصص العموم.

стр. 1542

وهو مذهب أكثر الشافعية، والمالكية، وكثير من العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد له ما يصلح أن يكون معارضا له سوى فعل الصحابي وقوله، وهو غير صالح لمعارضته؛ حيث إن فعله غير مستند إلى نص يدل على أن المراد بذلك العام الخاص، بل يكون مستنداً إلى ما يظنه دليلاً أقوى منه، فيحتمل أن يكون دليلاً، ويحتمل أن لا يكون دليلاً، وبتقدير أن يكون دليلاً يحتمل أن يكون أقوى منه، ويحتمل أن لا يكون، وهذه الاحتمالات متساوية، ولا مرجح؛ أما العام فهو دليل لا يحتمل شيئاً، فيقدم غير المحتمل على المحتمل، وعليه: فلا يقوى قول الصحابي ومذهبه على تخصيص العام. الدليل الثانى: أن الواقع من الصحابة ﵃ يشهد بأن قول الصحابي لا يخصص العموم؛ حيث إنه كان الواحد منهم إذا سمع العموم من الكتاب والسُّنَّة، فإنه يترك قوله ومذهبه من أجل هذا العموم، وما نقل عن أحد منهم أنه خص عموما بقول نفسه، فهذا يدل على أن قوله أضعف من عموم كلام الشارع. فانظر مثلاً إلى ابن عمر، حيث ترك مذهبه لحديث رافع بن خديج في المخابرة، فروي أن ابن عصر قال: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فإذا كان ابن عمر قد ترك قوله ومذهبه، وهو من فقهاء الصحابة فغيره أوْلى بالترك. المذهب الثاني: أن قول الصحابي ومذهبه يخصص به العموم. وهو مذهب الحنفية والحنابلة.

стр. 1543

دليل هذا المذهب: أن قول الصحابي حُجَّة يقدم على القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائز - كما سبق - فقول الصحابي المقدم عليه أَوْلى أن يخصص به. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا قلنا في الباب الثالث - في دليل قول الصحابي -: إن قول الصحابي حُجَّة إذا لم يعارض نصا من كتاب أو سُنَّة، أما إذا عارض ذلك فلا يحتج به. الجواب الثاني: أن قياسكم قول الصحابي على القياس، قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن الاحتمالات تتطرق في قول الصحابي ومذهبه أكثر من تطرق الاحتمالات في القياس كما سبق بيانه في دليلنا الأول من المذهب الأول، وكما سبق في دليلنا الثاني من المذهب الأول من مسألة تخصيص الكتاب والسُّنَّة بالقياس. الوجه الثاني: أن القياس ثبت اعتماداً على أصل ثابت بكتاب أو سُنَة، فجاز التخصيص به لمعرفتنا للدليل الذي اعتمد عليه، أما قول الصحابي ومذهبه المخصص للعموم فلا نعرف مستنده لذلك رددناه، ونعمل بما ثبت وعلمناه، وهو العموم. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث أثر هذا الخلاف في بعض الفروع، ومنها: أن ابن عباس ﵄ قد روى عن النبي ﷺ أنه

стр. 1544

قال: " من بدل دينه فاقتلوه "، فهذا عام في الرجال والنساء، لكن روي عنه - أي: عن ابن عباس - أن مذهبه: أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، فهل يخصص عموم الحديث بمذهبه أو لا؛ على المذهبْ الأول: لا يخصص عموم الحديث بقول ومذهب ابن عباس وعليه: تقتل المرأة إذا ارتدت. وعلى المذهب الثاني: يخصص ذلك العموم بقول ابن عباس، وعلى ذلك: لا تقتل المرأة إذا ارتدت. وقد تكلمت عن مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف مخالفة كلية، أو مخالفة لبعضه من حيث تخصيصه في كتابي: "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف - دراسة نظرية تطبيقية - ورجحت فيه: أنه لا يلتفت إلى قول ومذهب الصحابي، بل يعمل بعموم قول الشارع من الكتاب أو السُّنَّة، وذكرت أدلة كثيرة على ذلك، وناقشت أدلة المخالفين، مع بيان نوع الخلاف هناك وتكثير الأمثلة، فراجعه إن شئت فهو مطبوع في مجلد ومنتشر في المكتبات العامة والخاصة. *** المسألة الخامسة عشرُة: العرف والعادة هل يُخصَّص بها العموم؟ للكلام عن هذه المسألة لا بد التفصيل الآتي: أولاً: إن كان الرسول ﷺ أوجب أو حرم أشياء بلفظ عام، ثم رأينا العرف والعادة جارية بترك بعضها، أو بفعل بعضها، فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام حتى يقال: المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه، أو بفعله أم لا تؤثر في ذلك، بل هو باق على عمومه متناول لذلك الفعل ولغيره؛

стр. 1545

الجواب فيه تفصيل: ١ - إن علم أن العادة كانت حاصلة في عصر الرسول ﷺ مع علمه بها، وعدم منعهم عنها: كانت مخصصة، لكن المخصص في الحقيقة ليس العرف ولا العادة بل تقرير الرسول ﷺ . ٢ - وإن علم أنها ما كانت حاصلة في عصره، أو ما علم بها، أو كان يمنعهم من ذلك، أو لم يثبت شيء من ذلك: فإنه لا يجوز التخصيص بها؛ لأن أفعال الناس ليست بحُجَّة على الشرع. ٣ - إذا فرضت العادة بحيث تكون مجمعاً عليها بأن يستمر عليها كل واحد من العلماء وغيرهم: كانت مخصصة، لكن المخصص في الحقيقة هو الإجماع، وليست العادة والعرف. ثانيا: إذا كانت العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلاً، ثم إنه سمع عن النبي ﷺ أنه نهاهم عنه بلفظ تناوله وغيره مثل قوله: " نهيتكم عن أكل الطعام "، فهل يكون النهي مقتصراً على أكل ذلك الطعام فقط، أم يجري على عمومه، ولا تؤثر عادتهم في ذلك؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن العرف والعادة لا يخصص بها العموم. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن أفعال الناس وعاداتهم وأعرافهم لا تكون حُجَّة على الشرع، واللفظ عام، ولم يوجد له معارض، والعادات لا تصلح أن تكون معارضة؛ لما قدمنا، فوجب العمل بعموم اللفظ. المذهب الثاني: أن العرف والعادة يخصص بها العموم.

стр. 1546

وهو مذهب الحنفية. دليل هذا المذهب: أن العرف يُعتبر من أدلة الشريعة، فإذا دلَّ هذا الدليل على شيء خاص، وعارض عموم آية أو حديث، فإنا نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص من العام؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أوْلى من العمل بالعام وترك الخاص - الذي هو العرف -؛ لأنه يلزم منه: العمل بأحد الدليلين وترك الآخر. جوابه: نحن معكم أن العرف دليل من أدلة الأحكام، لكن بشرط أن لا يعارض نصاً من النصوص الشريعة، فإن عارضه: فلا يكون دليلاً، ولا يؤخذ به. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ما ذكرناه: أن الرسول ﷺ لو قال: " نهيتكم عن أكل الطعام " وكانت العادة جارية بأكل طعام معين كالأرز - مثلاً - فإنه على المذهب الأول: فإن النهي يكون على جميع الأطعمة، ولا تؤثر على هذا العموم عادتهم. أما على المذهب الثاني، فإن النهي يكون مقتصراً على أكل ذلك الطعام وهو الأرز فقط؛ لأن العادة مخصصة للعموم. *** المسألة السادسة عشرة: هل يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؛ مثال ذلك: قوله ﵇: " أي إهاب دبغ فقد طهر "،

стр. 1547

فإنه عام في كل جلد غير مدبوغ؛ حيث إن الإهاب اسم لذلك، وقال ﵇ في شأن ميمونة: " دباغها طهورها "، فهل ذكر هذا يعتبر تخصيصا لذلك العام؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن المخصص يجب أن يكون منافياً للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له، فحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه. المذهب الثاني: أنه يجوز تخصيص العام بذلك الفرد المذكور. وهو مذهب قد نسب إلى أبي ثور ﵀ فيكون المراد من الإهاب جلد الشاة. دليل هذا المذهب: أن المفهوم مخصِّص كما سبق، وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه بطريق مفهوم المخالفة، وعلى ذلك: يكون تخصيص جلد الشاة بالذكر يدل على نفي ذلك الحكم عما عداه، وإذا ورد عام متناول لكل الجلود، فإنه يقع التعارض بينه وبين مفهوم ذلك الخاص، ويقع التنافي بينهما، إذن يكون المقتضي للتخصيص موجود، فيكون ذكر بعض العام مخصصا للعام، ويحصر على هذا البعض المذكور فقط. جوابه: إن مفهوم المخالفة الذي قلنا بأنه مخصص هو: الذي اعتبر دليلاً من أدلة الشرع، وهو: مفهوم الصفة ومفهوم الشرط والعدد وغيرها

стр. 1548

من أنواع المفاهيم إلا مفهوم اللقب فليس بدليل، - لذلك لا يخصص العام، وهذا الذي ذكرتموه هو من قبيل مفهوم اللقب، حيث إن ذكر جلد الشاة إنما يدل على عدم ما عداه بطريق مفهوم اللقب، فلا يرد ذلك علينا. ولو سلم أن مفهوم اللقب حُجَّة، لكنه في غاية الضعف، فلا يصلح أن يكون مقاوماً للعموم، فالتمسك بالعموم أوْلى. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع، ومنها ما سبق؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قد أخذوا بعموم قوله ﵇: " أيما إهاب دبغ فقد طهر "، ولم يخصصوه بما روي أنه ﷺ مر على شاة ميمونة فوجدها ميتة، فقال: " هلا أخذوا جلدها فانتفعوا به دباغها طهورها "، وقالوا: إن كل جلد ميتة يطهر بالدباغ من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره، وقالوا ذلك بناء على قاعدتهم. أما أصحاب المذهب الثاني - وهو: أبو ثور ومن تبعه - فإنهم قد خصصوا ذلك العموم بالحديث الخاص وهو حديث شاة ميمونة وقالوا: إن الحديث يحمل على الشاة دون غيرها من مأكول اللحم - كالبقر والإبل، قالوا ذلك بناء على قاعدتهم. *** المسألة السابعة عشرة: العام إذا قصد به المدح أو الذم هل يخصص ذلك العام؟ مثال ذلك: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)

стр. 1549

، فهل قصد الذم يخرج هذا اللفظ عن عمومه أو لا؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: إن قصد الذم والمدح من اللفظ العام لا يخصص العام، وهو مذهب أكثر العلماء، وهو الحق؛ لأن قصد المدح والذم وإن كان مطلوباً ومقصوداً للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه؛ لأنه لا منافاة بين قصد المدح والذم وبين العموم، وقد أتى بالصيغة الدالة على العموم، وقصد المدح والذم ليس من مخصصاتها فتبقى على ما هي عليه مفيدة للعموم. المذهب الثاني: أن قصد الذم والمدح من اللفظ العام، يخصص العام، وهو محكي عن الإمام الشافعي. دليل هذا المذهب: أن اللفظ لم يقصد به العموم، وإنما قصد به المدح - فقط - مبالغة في الحث على الامتثال، أو قصد به الذم مبالغة في الزجر عنه، وما دام أنه لم يقصد باللفظ العموم فلا يكون عاما. جوابه: أنا لا نعلم مقصد الشارع، فقد يكون قد قصد الأمرين معا، فالاحتياط هو: الجمع بين المقصودين معا، وهو أوْلى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ خيث أثر ذلك في بعض الاستدلالات من النصوص، فبناء على المذهب الأول - وهو مذهب الجمهور -. فإن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)

стр. 1550

يصلح للاستدلال به على وجوب زكاة الحلي لكون العموم مقصوداً والذم لم يخرج اللفظ عن العموم. وبناء على المذهب الثاني: فإن تلك الآية لا تصلح للاستدلال بها على وجوب زكاة الحلي، لكون العموم غير مقصود، بل المقصود في ذلك هو والذم، وهو قد أخرج اللفظ عن عمومه. *** المسألة الثامنة عشرة: عطف الخاص على العام هل يخصص العام؟ مثاله: قوله ﵇: " لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهدٍ بعهده ". فهل يعمل على أن لفظ " كافر " عام وشامل لجميع الكفار: الذمي، والمستأمن، والحربي، فإذا قتل مسلم أحد هؤلاء الثلاثة، فإنه لا يقتل به قصاصا، أو أن قوله: " ولا ذو عهد في عهده " معطوف عليه، وهو خاص بالمعاهد وهو: الذمي والمستأمن، فيخصص ذلك عموم لفظ " كافر "، فيكون المقصود: لا يقتل مسلم بكافر حربي فقط. لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن عطف الخاص على العام لا يخصص العموم. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأن المقتضي للتعميم قائم، وهو اللفظ العام - وهو بالمثال: النكرة في سياق النفي - والمعارض الموجود، وهو عطف الخاص عليه لا يصلح أن يكون

стр. 1551

معارضا له؛ لأن مقتضى العطف هو الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه من جميع الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافيا لتعميم المعطوف عليه، فلم يصلح معارضا له، وإذا وجد المقتضي للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم. المذهب الثاني: أن عطف الخاص على العام يخصص العموم. وهو مذهب الحنفية. دليل هذا المذهب: أن حرف العطف يجعل المعطوف والمعطوف عليه كالشىء الواحد، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الحكم وتفاصيله. جوابه: نسلِّم أن حرف العطف يقتضي ذلك، لكن في الحكم العام، لا في تفاصيل الحكم. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف أثر في بعض الفروع. ومنها ما سبق: فعلى المذهب الأول: أن المسلم لا يقتل بالكافر العام، أي: جميع الكافرين، سواء كانوا ذميين أو حربيين، وذلك لأن لفظ " كافر " نكرة في سياق نفي فاقتضت العموم، وقوله: "ولا ذو عهد في عهده " معطوف على لفظ " لا يقتل "، فيكون التقدير، وأيضا لا يقتل ذو عهد، وهو ما يزال في عهده. وعلى المذهب الثاني: فإن المسلم يقتل بالذمي والمستأمن، أما

стр. 1552

الكافر الحربي فلا يقتل به؛ لأن قوله: " ولا ذو عهد في عهده " خاص، وقد عطف على عام فيخصصه، فيكون التقدير: لا يقتل مسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي. وبما أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في كل المتعلقات: يكون قوله: " لا يقتل مسلم بكافر " مشاركا للمعطوف وهو: " ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي "، وما دام أن المعطوف عليه قد قصد به الخاص وهو الحربي، فكذلك المعطوف يكون المقصود به الحربي؛ حيث خصصناه به، فلا يقتل مسلم بكافر حربي، أما الذمي والمستأمن إذا قتلهما المسلم فإنه يُقتل بهما. ولا بد من قول ذلك حتى يكون لعبارة: " ولا ذو عهد في عهده " فائدة؛ حيث إن هذه العبارة ليس كلاما مستقلاً قصد به النهي عن قتل المعاهد ما دام في عهده؛ لأن هذا معلوم بقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) ، فتكون هذه العبارة قد قصد بها بيان حكم القصاص عند قتل المستأمن.

стр. 1553

المطلب الرابع في المخصصات المتصلة وهي أنواع: النوع الأول: الشرط. النوع الثاني: الصفة. النوع الثالث: الغاية. النوع الرابع: الاستثناء.

стр. 1554

النوع الأول من المخصصات المتصلة الشرط وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفه. المسألة الثانية: أقسامه. المسألة الثالثة: صيغه. المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط.

стр. 1555

المسألة الأولى: تعريفه: أولاً: الشرط لغة هو: العلامة - وهذا إذا كان بفتح الراء. ولكن المراد به هنا: الشرط بتسكين الراء، وهو: الإلزام. ثانيا: الشرط في الاصطلاح هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته. وقد سبق بيان ذلك في أقسام الحكم الوضعي في الباب الثاني. *** المسألة الثانية: أقسام الشرط: ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الشرط العقلي، وهو: ما لا يوجد المشروط، ولا يمكن عقلاً بدونه مثل: اشتراط الحياة للعلم؛ حيث إن العقل يحكم بأنه لا علم بلا حياة. القسم الثاني: الشرط العادي، وهو ما يكون شرطاً عادة مثل: نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقتضي: أنه لا يمكن لأي إنسان أن يصعد السطح إلا بوجود سلم يصعد عليه. القسم الثالث: الشرط الشرعي، وهو ما جعله الشارع شرطا لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة. القسم الرابع: الشرط اللغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق وهي: " إن "، أو إحدى أخواتها كقولك لزوجتك: " إن دخلت الدار فأنتِ طالق "، فإن الطلاق - هنا - يقع عند دخولها..

стр. 1556

ومثل قولك: " إن جئتني أكرمتك "، فإنه علق الإكرام بالمجيء، فهنا قد خصص الإكرام بالمجيء فقط، فلا فرق بين ذلك وبين أيِّ مخصص، فلا فرق بين تلك العبارة وبين قولك: " لن أقوم بإكرامك إلا إذا جئتني "، وهذا استثناء، وقولك: " لن أكرمك حتى تأتيني "، وهذه غاية، وكقولك فى الصفة: " من أتاك فأكر مه ". وهناك تقسيمات أخرى للشروط قد ذكرتها في الحكم الوضعي في الباب الثاني. *** المسألة الثالثة: صيغ الشرط اللغوي: لما كان الشرط اللغوي هو المهم في هذا الباب، وهو التخصيص كان لا بد من بيان - باختصار - صيغ الشرط، وأصل الباب، فأقول: صيغ الشرط هي: " إن " المخففة، و " إذا "، و " من "، و "ما" و" مهما "، و " حيثما "، و " أينما "، و " إذ ما "، وأم هذه الصيغ: " إن " وقلنا ذلك لأمرين: أولهما: أتها حرف، وما عداها أسماء، والأصل في إفادة المعاني إنما هي الحروف. ثانيهما: أنها تستعمل في جميع صور الشرط، بخلاف أخواتها، فإن كل واحد منها تختص بمعنى لا يجري في غيره كقولهم: " من " لمن يعقل، و " ما " لغير العاقل، و " أينما " للمكان، وهكذا.

стр. 1557

المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط: الشرط مع المشروط له أحكام خاصة به، وهي: الحكم الأول: أنه يجب اتصاله بالمشروط اتصالا عاديا، بحيث لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلاً تحكم العادة فيه بأن الشرط غير تابع للمشروط. الحكم الثاني: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه الطبيعي هو صدر الكلام، والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا. الحكم الثالث: أن الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى جميع الجمل مثل قولك: " أكرم الرجال، وتصدق على المساكين إن دخلوا الدار "، فكأنه قال: أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدق على المساكين إن دخلوا الدار. الحكم الرابع: أنه إذا اتحد الشرط والمشروط أو تعددا يختلف الحكم باختلاف آلة التعدد وهي " الواو "، و " أو "، وهذا يتبين في حالات: الحالة الأولى: أن يتحد الشرط والمشروط مثل: " إن دخل الدار فكرمه "، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجوداً وعدماً. الحالة الثانية: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بالواو كقوله: "إن نجحت تصدقت بدرهم وصمت يوما "، فيقتضي الشرط الجمع بين التصدق والصيام معا. الحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بلفظ " أو " كقولك: " إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوما لا، فيقتضي الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.

стр. 1558

الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتحد المشروط كقولك: " إن نجحت وشفى أبي تصدقت بألف ريال " فهنا لا يمكن أن يوجد المشروط - وهو التصدق بألف ريال - إلا بعد أن يحصل الشرطان معا وهما النجاح والشفاء. الحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتعدد المشروط بحرف " الواو " أيضاً كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال وصمت يوما " فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود المشروطين وهما التصدق والصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما: النجاح والشفاء معاً. الحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف الواو، ويتعدد المشروط بحرف " أو " كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال أو صمت يوماً "، فهنا يكون حصول الشرطين وهما: النجاح والشفاء مقتضيا حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق أو الصيام. الحالة. السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتحد المشروط كقولك: " إن بني زيد الجدار أو نجح فأعطه درهماً "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين حتى يحصل على الدرهم. الحالة الثامنة: أن يتعدد الشرط بلفظ " أو "، ويتعدد المشروط بحرف " الواو " كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا ودرهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق المشروطين معا وهما: الكتاب والدرهم. الحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتعدد المشروط

стр. 1559

بحرف " أو " أيضاً كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا أو درهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين - وهما البناء أو النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق أحد الشروطين وهما: الكتاب، أو الدرهم.

стр. 1560

النوع الثاني من المخصصات المتصلة الصفة ويشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: تعريفها. المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة.

стр. 1561

المسألة الأولى: تعريف الصفة: الصفة هي: التابع المشتق الذي يقع نعتا للموصوف مثل: "طالب ناجح "، فلفظ " ناجح " قيد به اللفظ المطلق وهو: "طالب ". وقيل: هو ما أشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام كقولك: "أكرِم الطلاب الناجحين "، فلفظ " الطلاب " عام يشمل الناجحين والراسبين. ولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيكون الإكرام مقتصراً على الناجحين فقط. *** المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة: الحكم الأول: يشترط في الصفة اتصالها بالموصوف، فلا يصح الفصل بينهما في الزمن. الحكم الثاني: أن الصفة إن وقعت بعد جملة كقولك: " أكرم الطلاب الناجحين "، فإن هذا الوصف يقتضي اختصاص الإكرام بالناجحين من الطلاب - فقط -، ولولا ذلك الوصف لعم الإكرام الناجحين وغير الناجحين من الطلاب، فالصفة أخرجت بعض ما كان داخلاً تحت اللفظ لولا الصفة. الحكم الثالث: أن الصفة إن وقعت بعد جمل كقولك: " أكرم العلماء، والتجار، والطلاب الطوال "، فإن الصفة تعود إلى الجمل كلها، أي: أكرم الطوال من العلماء، والطوال من التجار، والطوال من الطلاب.

стр. 1562

وقيل: بل الصفة ترجع إلى أقرب مذكور - وهي الجملة الأخيرة - فيكون المراد: أكرم جميع العلماء والتجار والطوال من الطلاب، والخلاف فيه كالخلاف في الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة، أو جميع الجمل فيما لو قال: " أكرم العلماء والتجار والطلاب إلا الطوال "، وسيأتي بالتفصيل إن شاء اللَّه. الحكم الرابع: أن الصفة إن وقعت قبل جمل كقولك: " أكرم الطوال من العلماء والتجار "، فإنها ترجع إلى الجميع، فيكون المراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط، وهذا على الصحيح من أقوال العلماء. الحكم الخامس: أن الصفة إن وقعت وسطا بين جملتين مثل: "أكرم العلماء الطوال والتجار "، فإن الصفة ترجع إلى ما قبلها فقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: اكرم العلماء الطوال، أما التجار فأكرمهم جميعاً طوالهم وقصارهم هذا على القول الراجح. وقال بعضهم: إن الصفة ترجع إلى الجملتين: إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

стр. 1563

النوع الثالث من المخصصات المتصلة الغاية ويشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: تعريفها وألفاظها. المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية.

стр. 1564

المسألة الأولى: تعريفها، وألفاظها: الغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه. والغاية في الاصطلاح هي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية مثل " اللام "، و " حتى "، و " إلى ". و" حتى " تكون من ألفاظ الغاية إذا كانت جارة. أما إن كانت عاطفة فإنها لا تكون دالة على الغاية. *** المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية: الحكم الأول: أن الغاية إذا ذكرت بعد جملة واحدة فلها صورتان: الصورة الأولى: أن تكون الغاية واحدة كقولنا: " أكرِم العلماء إلى أن يدخلوا الدار "، فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الإكرام بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول من عموم اللفظ، ولولا ذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول وما قبل الدخول. الصورة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على الجمع بحرف " الواو " كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا الطعام "، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام الغايتين معاً، وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما. الحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على التخيير بحرف " أو " كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو

стр. 1565

السوق "، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين - أيهما كانت - دون ما بعدها. الحكم الثاني: أن الغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك: "أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار "، فإن الغاية ترجع إلى الجملتين معاً، فإكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، هذا على الصحيح من أقوال العلماء. وقيل: إن الغاية - هنا - ترجع إلى أقرب مذكور، أى: إلى الجملة الأخيرة، فيكون التقدير على هذا: " أكرم جميع العلماء مطلقاً: دخلوا أو لم يدخلوا، وأكرم التجار إلى أن يدخلوا الدار. وهذا الحكم يكون مطلقا، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما مثلنا أو متعددة على الجمع كقولنا: " أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار أو السوق "، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها كقولنا: " أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس "، أو غير معلومة الوقت كقولنا: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار ".

стр. 1566

النوع الرابع من المخصصات المتصلة الاستثناء ويشتمل على مسائل: المسألة الأولى: تعريفه. المسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته. المسألة الثالثة: الفرق بينه وبين التخصيص بالمنفصل. المسألة الرابعة: الفرق بينه وبين النسخ. المسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء اتصاله؟ المسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه؟ المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء حقيقة أو مجازاً؟ المسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه. المسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر؟ المسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف؟ المسألة الحادية عشرة: الاشتثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو إلى الأخيرة فقط؟ المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعددة.

стр. 1567

المسألة الأولى: تعريف الاستثناء: أولاً: الاستثناء لغة: مأخوذ من الثني، وهو: العطف من قوله: ثنيت الحبل أثنيه: إذا عطفت بعضه على بعض. وقيل: إن الثني هو: الصرف، يقال: " ثنيته عن الشيء " إذا صرفته عنه. ثانياً: الاستثناء اصطلاحا هو: قول متصل يدل بحرف إلا أو إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول. شرح التعريف، وبيان محترزاته: قوله: " قول " أخرج المخصصات العقلية والحسية. وقوله: " متصل " أخرج بقية المخصصات المنفصلة السابقة الذكر. والمراد: أن يكون الاستثناء متصلاً بالجملة غير منفصل عنها. وقوله: " يدل " أخرج الصيغ والألفاظ المهملة التي لا تدل على شيء. وقوله: " بحرف إلا أو إحدى أخواتها " أخرج أمرين: أولهما: المخصصات المتصلة الأخرى كالتخصيص بالشرط، والصفة، والغاية السابقة الذكر، فإن لهذه المخصصات أدوات وصيغ تختلف عن أدوات الاستثناء. ثانيهما: أخرج مثل قولهم: " أكرم القوم دون زيد " فإن هذا ليس باستثناء لغة. وقوله: " على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول " معناه: أن المذكور بعد أداة الاستثناء مخرج من القول الأول ولا يدخل تحته.

стр. 1568

مثاله: قوله: " نجح الطلاب إلا زيداً "، فقوله: " إلا زيداً " قول متصل بما قبله من الكلام - وهو: " نجح، الطلاب "، ولكن هذا القول - بما فيه صيغة الاستثناء - دلَّ دلالة واضحة على أن المذكور معه - وهو زيد - غير مراد بالقول الأول، حيث لا يشمله حكم النجاح. *** المسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته: أدوات وصيغ الاستثناء إحدى عشرة صيغة وهي: " إلا "، وهي أم الباب، و " غير "، و " سوى "، و " ما عدا "، و " ليس "، و"لا يكون "، و " حاشا "، و " خلا "، و " سيما "، و " ما خلا "، و "عدا". أما صيغة: " إلا " فهي حرف بالاتفاق. وأما صيغة: " حاشا " فهي حرف عند سيبويه، وهو الصحيح، ويقال فيها: " حاشى "، و " حشا ". وأما صيغة: " لا يكون " فهي فعل بالاتفاق. وأما صيغة: " ليس "، و " ما عدا "، و " ما خلا " فهي أفعال على الأصح. وأما صيغة: " خلا "، و " عدا " فهما مترددان بين الفعلية والحرفية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعدهما كانتا فعلين، وإن جر ما بعدهما كانتا حرفين. وأما صيغة: " لا غير "، و " سوى " فهما اسمان.

стр. 1569

ويجوز في " سوى " ضم السين، وكسرها، والمد، فيقال: "سواء". وأما صيغة: " لا سيما " فاجتمع فيه حرف واسم. *** المسألة الثالثة: الفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل: الفرق بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، ولا يجوز أن تقول: " أكرم الطلاب "، ثم بعد مدة تقول: " إلا زيداً "، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء اللَّه. أما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك؟! إذ يجوز أن يأتي متصلاً، ويأتي متراخيا ولا مانع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك. الوجه الثاني: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة ظاهرة، وإلى ما نص على معناه فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً " وتقول: " له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة ". أما التخصيص بالمنفصل، فإنه لا يجوز في النص، وإنما يصح في الظاهر - وهو العام فقط - فيجوز أن يقال: " أكرم الطلاب،، ثم يقول: " لا تكرم زيداً "؛ لأن دخول زيد في عموم الطلاب ظني؛ حيث قلنا: إن دلالة العام ظنية، ولكن لا يقال: " أكرم زيداً وعمراً وبكراً "، ثم بعد ذلك يقول: " لا تكرم زيداً "، فإن قال ذلك فإنه يكون نسخاً، لا تخصيصا.

стр. 1570

المسألة الرابعة: الفرق بين الاستثناء والنسخ: الفرق بينهما من أوجه: الوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه لايستقل بنفسه. أما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ؛ حيث قلنا في تعريف النسخ: " إنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه "، وقلنا النسخ يشترط فيه الانفصال؛ لأن كلاً من الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه. الوجه الثاني: أن الاستثناء مانع، والنسخ رافع، أي: أن الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا الاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه. أما النسخ فهو يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد. الوجه الثالث: أن الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، ولكن لا يجوز أن يمنع الاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن يقال: " لي عليه عشرة إلا عشرة ". أما النسخ فيجوز أن يرفع جميع الحكم أحياناً كرفع وجوب الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﷺ . ويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها، فقد كانت حولاً كاملاً، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر وعشراً.

стр. 1571

وقد سبق بيان الفرق بين النسخ والتخصيص في الباب الثالث بصورة إجمالية فراجعه إن شئت. *** المسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء الاتصال: لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، فلا يجوز الفصل بينهما. أي: أن يكون متصلاً بالكلام حقيقة مثل: " نجح الطلاب إلا زيداً " بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله قبل أن يستوفى المتكلم غرضه من الكلام نحو: أن يسكت عن الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من الكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئاً إلا إذا اتصل به مباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك الاستثناء متمما لذلك الكلام الأول، فمثلاً لو قال: "أكرم الطلاب " ثم قال بعد شهر: " إلا زيداً "، وقال: إني أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر: فإنه يقبح عند أهل اللغة، ويعدون ذلك لغواً؛ لأن الكلام يورد لإفهام الغير وإفادته، وقوله: " إلا زيداً " لا يفهم منه شيء، حيث إنه لا يرتبط بقوله: " أكرم الطلاب ". وهذا قياساً على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئاً بدون المبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئاً بدون الخبر، فكذلك المستثنى لا يفيد شيئاً بدون المستثنى منه.

стр. 1572

الدليل الثاني: أنه لو جاز الفصل في الاستثناء لما علم صدق صادق، ولا كذب كاذب؛ لأن من تكلم بكلام يحكم من خلاله أنه يكون كاذباً قد يستثني، فلا يكون كاذبا، وهذا باطل؛ حيث يفضي إلى عدم استقرار الأمور، فلا تتم عقود، ولا تصح مواثيق ولا معاملات، وهذا لا يمكن أن يقصده عاقل، لذلك لم يجز الفصل في الاستثناء طلباً للاستقرار ومعرفة حقائق الأمور. المذهب الثاني: أنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، بل يجوز انفصال المستثنى عن المستثنى منه. وهو لبعض العلماء، وقد حكى عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وغيرهم - وسيأتي ذكر خلافهم في مدة هذا الفصل -. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " والله لأغزون قريشاً مرتين أو ثلاثاً " ثم سكت، ثم قال: " إن شاءَ اللَّه "، ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله؛ لكونه مقتدى به. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه ليس المراد به الاستثناء - هنا -، وإنما المراد به أن الأفعال المستقبلية لا بد أن تقيد بمشيئة اللَّه - تعالى - امتثالاً لقوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، ولقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) . الجواب الثاني: على فرض أن المراد به الاستثناء، فإن بسكوته قبل

стр. 1573

الاستثناء يحتمل احتمالاً قوياً: أنه من السكوت الذي لا يحل بالاتصال الحكمي - كما ذكرنا فيما سبق - ويجب العمل على ذلك. الدليل الثاني: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز تأخيره كالنسخ، والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم. جوابه: إن قياسكم على النسخ، وعلى الأدلة المنفصلة المخصصة قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنا أثبتنا فرقين بين الاستثناء والمخصص المنفصل في المسألة الثالثة السابقة، وكذلك أثبتنا ثلاثة فروق بين الاستثناء والنسخ في المسألة الرابعة السابقة، ومع وجود الفرق فلا قياس. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه والمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء اضطر إليه كسعال ونحوه كما لو قال. " عليّ ألف ريال استغفر الله إلا مائة "، فإنه لا يصح الاستثناء، وذلك لأنه فصل بشيء يستطيع تركه، هذا بناء على المذهب الأول. أما بناء على المذهب الثاني، فإنه يصح الاستثناء، وقالوا: إنه فصل يسير فلم يؤثر، وقد رجحه بعض الشافعية، وإني أتعجب من ذلك؛ حيث خالفوا في ذلك الأصل الذي قالوا به وهو: اشتراط الاتصال. تنبيه: المشترطون للاتصال - وهم أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور اتفقوا على أن ينوي المتكلم الاستثناء في الكلام، فلو لم يعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى منه لم يُعتد به.

стр. 1574

تنبيه ثان: اختلف أصحاب المذهب الأول في موضع نية الاستثناء فقال أكثرهم: يُكتفى بوجود النية قبل فراغه، وهو الصحيح، وقال بعضهم: يعتبر وجود النية في أول الكلام. تنبيه ثالث: اتفق أصحاب المذهب الأول - وهم المشترطون للاتصال - على أنه لا يجوز تقدوم المستثنى في أول الكلام كقولك: " إلا زيداً قام القوم "، وكذلك لا يجوز ولو تقدمه حرف نفي كقولك: " ما إلا زيداً في الدار أحد "، وأما قول الشاعر: وبلدة ليس لها طوري ... ولا خلا الجن بها إنسي فهذا شاذ ولا يقاس عليه. تنبيه رابع: اختلف أصحاب المذهب الثاني - وهم المجوزون لانفصال المستثنى عن المستثنى منه - في وقت هذا الانفصال على أقوال: القول الأول: أنه يجوز الانفصال شهراً، وهو محكي عن ابن عباس ﵄. القول الثاني: أنه يجوز الانفصال سنة، وهو محكي عن ابن عباس ﵄. القول الثالث: أنه يجوز الانفصال وإن طال أبداً، وهو محكي عن ابن عباس ﵄. ولكن الصحيح: أنه يؤول ما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إن صح - على نسيان: " إن شاء اللَّه "، كما ورد ذلك عن بعض العلماء، كالإمام أحمد والقرافي وابن جرير.

стр. 1575

القول الرابع: يجوز تأخير الاستثناء ما دام في المجلس، وهو المروي عن الحسن البصري، وعطاء، وقد أومأ إليه الإمام أحمد. القول الخامس: يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه في اليمين في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره. القول السادس: يجوز تأخير الاستثناء إلى أربعة أشهر. القول السابع: يجوز تأخير الاستثناء لفظا، لكن مع إضمار الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين الله تعالى، ونسب إلى بعض المالكية. القول الثامن: يجوز تأخير الاستثناء إذا ورد معه كلاماً يدل على أن ذلك الاستثناء مما تقدم مثل: أن يقول: " جاء الناس "، ثم يقول بعد زمان: " إلا زيداً، وهو استثناء مما كنت قلت ". *** المسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المسثثنى منه؟ لقد اختلف المشترطون للاتصال على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان متصلاً به، فيجوز أن تقول: " ما جاءني إلا أخاك من أحد "، و"قام إلا زيداً القوم "، و " القوم إلا زيداً ذاهبون "، و " في الدار إلا زيداً أصحابك "، و " ضربت إلا زيداً القوم "، ومنه قول الكميت بن زيد: فما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب والتقدير: فما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق.

стр. 1576

ومنه: قول كعب بن مالك للنبي ﷺ شعراً: الناس ألب عليك فينا ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر والتقدير: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا، وهو قول جمهور العلماء. وهو الحق، لوروده في السماع كما سبق من الأبيات الشعرية. ولأنه لا يخل بالفهم. المذهب الثاني: لا يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الأصل في المستثنى التأخير، والأصل في المستثنى منه التقديم، وإذا جاء المستثنى متقدما، فهو خلاف الأصل، فلا يُعتد به. جوابه: أن تقديم المستثنى على المستثنى منه لا يخل بالفهم، ولذلك جاز. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها أنه لو قال: " له عليّ إلا عشرة مائة دينار "، فإنه استثناء صحيح، ويكون المتكلم مقرًّا بتسعين، بناء على المذهب الأول. أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن هذا لا يصح، ولم يقر بشيء.

стр. 1577

المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء حقيقة أو مجازاً؟ لقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة، واختلفوا في الاستثناء من غير الجنس هل هو استثناء حقيقة أو مجاز؛ على مذهبين: المذهب الأول: يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس فلا تقول: " رأيت الناس إلا حماراً "؛ لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا ورد ذلك - أي: ورد استثناء من غير الجنس - فهو مجاز، وليس بحقيقة. وهو مذهب كثير من العلماء. وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن حقيقة الاستثناء تدل على ذلك، بيانه: أن الاستثناء هو: استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: "ثنيت الشيء ": إذا عطفت بعضه على بعض، وتقول: " ثنيت زيداً عن رأيه " إذا رددته، وحقيقة الاستثناء - بالمفهوم العام - هو: إخراج بعض ما تناوله اللفظ المستئنى منه. أى: بعد أن كان اللفظ متناولاً لجميع الأفراد ثناه الاستثناء عن البعض، وهذا غير متحقق في قول القائل: " رأيت الناس إلا حماراً "؛ لأن الحمار - وهو المستثنى - غير داخل في مدلول الناس - وهو المستثنى منه - حتى يقال بإخراجه وثنيه عنه، بل الجملة الأولى باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلاً؛ لأنه ذكر لفظ " الحمار " وهو ما لا دخول له في الكلام الأول - وهو

стр. 1578

الناس - فلم تتحقق حقيقة الاستثناء؛ حيث إنه لم يصرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله، فلم يتحقق الاستثناء من اللفظ. اعتراض على هذا: قال قائل - معترضا -: إنه يصح الاستثناء بناء على ما وقع به الاشتراك من المعنى بين المستثنى والمستثنى منه؛ حيث إنهما يشتركان في الحيوانية. جوابه: أنه لو جاز ذلك للزم منه جواز استثناء كل شيء من كل شيء ضرورة: أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما، وليس كذلك. الدليل الثاني: أن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعاً حتى إنه إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة، فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس فقد ورد على خلاف الحقيقة، فيكون مجازاً. الدليل الثالث: أن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة، فلو قال: " رأيت العلماء إلا الكلاب "، أو قال: " قدم الحاج إلا الحمير "، لكان ذلك مستهجناً وعيباً عند عقلاء أهل اللغة، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافاً إلى أهل اللغة. المذهب الثاني: أنه لا يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، بل إن الاستثناء من غير الجنس صحيح، ويكون حقيقة. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية، وبعض المتكلمين، وبعض النحويين كابن جني.

стр. 1579

دليل هذا المذهب: أن الاستثناء من غير الجنس قد استعمل في القرآن ولغة العرب، والاستعمال يدل على الحقيقة، ومن أمثلة ذلك: الثال الأول: قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاما) فقد استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه. الثال الثاني: قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فقد استثنى التجارة من الباطل، وهي ليست من جنس الباطل. الثال الثالث: قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) فوقع استثناء الظن من العلم، وهو ليس من جنسه. المثال الرابع: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) ، وإبليس لم يكن من جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) ، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ لأنه كان مخلوقا من نار، قال تعالى: (خلقتني من نار) ، والملائكة من نور، والنار غير النور، فلا يكون من جنسهم. المثال الخامس: قول جران العود - عامر بن الحارث - شعراً: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس. واليعافير والعيس ليست من جنس الأنيس، وذلك لأن " اليعافير " جمع يعفور "، وهو ولد الظبية، ويطلق على ولد البقرة الوحشية -.، و" العيس " هي إبل بيض يخالط بياضها شقرة واصفرار. المثال السادس: قول النابغة الذبياني:

стр. 1580

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وليس فلول السيوف عيباً لأربابها، بل فخراً لهم، وقد استثناها من العيوب، وليست من جنسها. المثال السابع: قول العرب: " ما جاءني زيد إلا عمرو "، وقولهم: " ما زاد إلا ما نقص "، وقولهم: " وما بالدار من أحد إلا الوتد "، فقد استثنوا هنا عمراً من زيد، والنقص من الزيادة، والوتد من أحد، وليست من جنسه. والأمثلة على الاستثناء من غير الجنس كثيرة، كلها تدل على أنه ورد استعمال ذلك في القرآن وكلام العرب: الشعر والنثر، والاستعمال دليل الحقيقة، فيكون الاستثناء من غير الجنس صحيحاً، وهو حقيقة كالاستثناء من الجنس. جوابه: لا نسلم أن في هذه الأمثلة استثناء من غير الجنس، بل إن بعضها استثناء من الجنس، والبعض الآخر لا يوجد فيه استثناء، فتكون "إلأ للاستدراك، وإليك بيان ذلك: أما المثال الأول: وهو قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) . والمثال الثاني: وهو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) . وقول - العرب: " ما جاءني زيد إلا عمر " من المثال السابع: فإن " إلا " في هذه الأمثلة بمعنى: " لكن ".
следующие страницы →