← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ومنه: قول كعب بن مالك للنبي ﷺ شعراً: الناس ألب عليك فينا ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر والتقدير: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا، وهو قول جمهور العلماء. وهو الحق، لوروده في السماع كما سبق من الأبيات الشعرية. ولأنه لا يخل بالفهم. المذهب الثاني: لا يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهو لبعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن الأصل في المستثنى التأخير، والأصل في المستثنى منه التقديم، وإذا جاء المستثنى متقدما، فهو خلاف الأصل، فلا يُعتد به. جوابه: أن تقديم المستثنى على المستثنى منه لا يخل بالفهم، ولذلك جاز. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها أنه لو قال: " له عليّ إلا عشرة مائة دينار "، فإنه استثناء صحيح، ويكون المتكلم مقرًّا بتسعين، بناء على المذهب الأول. أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن هذا لا يصح، ولم يقر بشيء.

стр. 1577

المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء حقيقة أو مجازاً؟ لقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة، واختلفوا في الاستثناء من غير الجنس هل هو استثناء حقيقة أو مجاز؛ على مذهبين: المذهب الأول: يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس فلا تقول: " رأيت الناس إلا حماراً "؛ لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا ورد ذلك - أي: ورد استثناء من غير الجنس - فهو مجاز، وليس بحقيقة. وهو مذهب كثير من العلماء. وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن حقيقة الاستثناء تدل على ذلك، بيانه: أن الاستثناء هو: استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: "ثنيت الشيء ": إذا عطفت بعضه على بعض، وتقول: " ثنيت زيداً عن رأيه " إذا رددته، وحقيقة الاستثناء - بالمفهوم العام - هو: إخراج بعض ما تناوله اللفظ المستئنى منه. أى: بعد أن كان اللفظ متناولاً لجميع الأفراد ثناه الاستثناء عن البعض، وهذا غير متحقق في قول القائل: " رأيت الناس إلا حماراً "؛ لأن الحمار - وهو المستثنى - غير داخل في مدلول الناس - وهو المستثنى منه - حتى يقال بإخراجه وثنيه عنه، بل الجملة الأولى باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلاً؛ لأنه ذكر لفظ " الحمار " وهو ما لا دخول له في الكلام الأول - وهو

стр. 1578

الناس - فلم تتحقق حقيقة الاستثناء؛ حيث إنه لم يصرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله، فلم يتحقق الاستثناء من اللفظ. اعتراض على هذا: قال قائل - معترضا -: إنه يصح الاستثناء بناء على ما وقع به الاشتراك من المعنى بين المستثنى والمستثنى منه؛ حيث إنهما يشتركان في الحيوانية. جوابه: أنه لو جاز ذلك للزم منه جواز استثناء كل شيء من كل شيء ضرورة: أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما، وليس كذلك. الدليل الثاني: أن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعاً حتى إنه إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة، فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس فقد ورد على خلاف الحقيقة، فيكون مجازاً. الدليل الثالث: أن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة، فلو قال: " رأيت العلماء إلا الكلاب "، أو قال: " قدم الحاج إلا الحمير "، لكان ذلك مستهجناً وعيباً عند عقلاء أهل اللغة، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافاً إلى أهل اللغة. المذهب الثاني: أنه لا يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، بل إن الاستثناء من غير الجنس صحيح، ويكون حقيقة. وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية، وبعض المتكلمين، وبعض النحويين كابن جني.

стр. 1579

دليل هذا المذهب: أن الاستثناء من غير الجنس قد استعمل في القرآن ولغة العرب، والاستعمال يدل على الحقيقة، ومن أمثلة ذلك: الثال الأول: قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاما) فقد استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه. الثال الثاني: قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فقد استثنى التجارة من الباطل، وهي ليست من جنس الباطل. الثال الثالث: قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) فوقع استثناء الظن من العلم، وهو ليس من جنسه. المثال الرابع: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) ، وإبليس لم يكن من جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) ، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ لأنه كان مخلوقا من نار، قال تعالى: (خلقتني من نار) ، والملائكة من نور، والنار غير النور، فلا يكون من جنسهم. المثال الخامس: قول جران العود - عامر بن الحارث - شعراً: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس. واليعافير والعيس ليست من جنس الأنيس، وذلك لأن " اليعافير " جمع يعفور "، وهو ولد الظبية، ويطلق على ولد البقرة الوحشية -.، و" العيس " هي إبل بيض يخالط بياضها شقرة واصفرار. المثال السادس: قول النابغة الذبياني:

стр. 1580

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وليس فلول السيوف عيباً لأربابها، بل فخراً لهم، وقد استثناها من العيوب، وليست من جنسها. المثال السابع: قول العرب: " ما جاءني زيد إلا عمرو "، وقولهم: " ما زاد إلا ما نقص "، وقولهم: " وما بالدار من أحد إلا الوتد "، فقد استثنوا هنا عمراً من زيد، والنقص من الزيادة، والوتد من أحد، وليست من جنسه. والأمثلة على الاستثناء من غير الجنس كثيرة، كلها تدل على أنه ورد استعمال ذلك في القرآن وكلام العرب: الشعر والنثر، والاستعمال دليل الحقيقة، فيكون الاستثناء من غير الجنس صحيحاً، وهو حقيقة كالاستثناء من الجنس. جوابه: لا نسلم أن في هذه الأمثلة استثناء من غير الجنس، بل إن بعضها استثناء من الجنس، والبعض الآخر لا يوجد فيه استثناء، فتكون "إلأ للاستدراك، وإليك بيان ذلك: أما المثال الأول: وهو قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) . والمثال الثاني: وهو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) . وقول - العرب: " ما جاءني زيد إلا عمر " من المثال السابع: فإن " إلا " في هذه الأمثلة بمعنى: " لكن ".

стр. 1581

والتقدير في الآية الأولى: لا يسمعون فيها لغواً لكن يسمعون كلاما وسلاما. والتقدير في الآية الثانية: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لكن إذا كانت تجارة عن تراض منكم فكلوا. والتقدير في المثال: " ما جاءني زيد لكن جاءني عمرو ". أما بقية الأمثلة، فإن الاستثناء فيها من الجنس، وإليك بيان ذلك. أما المثال الثالث وهو قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) ، فإن هذا عام في كل ما يسمى علما، والظن يُسمى علما، فتقول: " هذا علم ظني "، و " هذا علم يقيني "، ودليل ذلك قوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) ، وأراد: إن ظننتموهن؛ لاستحالة اليقين في ذلك. وقيل: إن " إلا " هنا بمعنى " لكن "، والتقدير: وما لهم به من علم لكن اتبعوا الظن. أما المثال الرابع وهو قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) ، فهو استثناء من الجنس؛ لأن إبليس كان من الملائكة؛ لأمور ثلاثة: أولها: أن ذلك قول ابن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان القرآن -. ثانيها: أن اللَّه تعالى قد استثناه من الملائكة، والأصل أن يكون من جنسهم؛ للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس، والاختلاف في غيره. ثالثها: أنه لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان عاصيا للأمر

стр. 1582

المتوجه إلى الملائكة؛ لكونه ليس منهم، ودلل على عصيانه بقوله: (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) . فقولكم: " إنه من الجن " لا نسلمه؛ لما قلناه حيث إنه كان من الملائكة من قبيل يقال لهم: " الجن "؛ لأنهم كانوا خزان الجنان، وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنياً لنسبته إلى الجنة، ويحتمل أن يكون قد سمي بذلك لاجتنانه واختفائه. أما المثال الخامس، وهو قول الشاعر: جران العود: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس فانه استثناء من الجنس؛ لأن اليعافير - وهي أولاد الضباء، أو أولاد البقر الوحشية، والعيس وهي الإبل مما يؤنس بها، فهي من جنس الأنيس، بل قد يحصل الأنس بالأبنية والأشجار فضلاً عن الحيوانات. أما المثال السادس وهو قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب فهو استثناء من الجنس؛ لأن فلول السيوف عيب في السيوف، وإن كان يسبب فلولها فخراً ومدحة لأربابها، فهو في الجملة استثناء من الجنس. وأما المثال السابع، وهي: الأقوال التي رويت عن العرب، فهي استئناء من الجنس، فقولهم: " ما زاد إلا ما نقص " تقديره: " ما زاد إلا الذي نقص " أي: ينقص. وقولهم: " ما بالدار من أحد إلا الوتد " استثناء من الجنس؛ لأن " أحد " يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.

стр. 1583

وقال بعضهم: إن " إلا " في هذا المثال بمعنى " لكن " وهكذا تبين لك أيها المستدل أن الأمثلة التي زعمت أن الاستثنا من غير الجنس قد استعمل فيها أصبحت لا تصلح لما استدللت له، فبطل دليلك، ومن ثم يبطل مذهبك. * * * بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف: أن من قال: إن الاستثناء من غير الجنس لا يصح، ولا يسمى استثناء حقيقة - وهم أصحاب المذهب الأول - فإنه لم يجوز التخصيص به، فلو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلاً..، أما من قال: إن الاستثناء من غير الجنس يصح، ويسمى، استثناء حقيقة - وهم أصحاب المذهب الثاني - فإنه يجوز التخصيص به، فلو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه صحيحا، فإذا قال: " عليّ لزيد ألف درهم إلا ثوبا "، كان هذا صحيحا عند هؤلاء. أما عند أصحاب المذهب الأول فلا يصح هذا. * * * المسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه: لقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز استثناء كل المستثنى منه، بحيث لا يبقى منه فرد، ولو فعل متكلم ذلك: لكان استثناؤه لغواً، وكانت العبرة بما نطق به أولا. ودليل ذلك: أن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث ينفي بعد أن أثبت، وعلى هذا فلو قال: " له عليّ عشرة إلا عشرة "، فإن

стр. 1584

العشرة تلزمه، كذلك لو قال: " أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا "، فإنه يلزمه الطلاق بالثلاث؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه. لكن نقل ابن طلحة - أبو بكر عبد اللَّه بن طلحة البابري الإشبيلي المالكي - في كتابه: " المدخل في الفقه " أن الرجل لو قال لامرأته: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثا "، ففيه قولان: القول الأول: أنه استثناء ينفعه. والثاني: أنه لا ينفعه، ويلزمه الثلاب، ويعد نادما. فعلى القول الأول: لا تطلق زوجته، وذلك يدل على صحة استثناء الكل. ولكن قال كثير من العلماء: إنه قول غريب وشاذ. ولذلك لا يخرق ما أجمع العلماء عليه من أنه لا يجوز استثناء الكل، وهو الحق - لما قلنا فيما سبق - فلو استثنى الكل لكان هذا الاستثناء لغواً، وكانت العبرة بما نطق به أولاً، فمن قال: " له عليّ عشرة إلا عشرة "، فإن هذا يعتبر لاغيا، فتلزمه العشرة التى أقر بها أولاً. وأثر هذه المسألة قد وضح من المثال السابق. *** المسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر أو لا؟ لقد اختلف العلماء في. ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء الأكثر، بل الذي يصح: استثناء الأقل، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد الاستثناء.

стр. 1585

وهو مذهب أكثر نحاة البصرة، وأكثر الحنابلة، وبعض الحنفية كأبي يوسف، وبعض المالكية كابن الماجشون، والباقلاني. وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن الاستثناء وأحكامه قد أخذناه عن طريق أهل اللغة، وأهل اللغة أنفسهم ذكروا أن المتكلم لو استثنى الأكثر لكان كلامه عياً ولكنة. قال ابن جني: " ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين - ما كان متكلما بالعربية، وكان كلامه عيا ولكنة. وقال القتبي - وهو ابن قتيبة -: يجوز أن يقول: " صمت الشهر إلا يوماً "، ولا يجوز أن يقول: " صمت الشهر كله إلا تسعة وعشرين يوما ". وقال مثل ذلك ابن درستويه: عبد اللَّه بن جعفر النحوي. وقال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا في القليل من الكثير، فإذا كان هؤلاء الأئمة قد أنكروا استثناء الأكثر، فإنه يثبت أن استثناء الأكثر ليس من اللغة، فلا يجوز. ولو جاز استثناء الأكثر لجاز في كل ما قبحه أهل اللغة وكرهه لسان العرب. الدليل الثاني: أن الاستثناء قد جرى في كلام العرب على خلاف الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع الضرر، وأما الأكثر فلا يُعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه الاستثناء جريا على الأصل في الكلام.

стр. 1586

المذهب الثاني: أنه يجوز استثناء الأكثر. وهو لجمهور العلماء، فيجوز أن يقول: " له علي عشرة إلا تسعة "، فيكون مقراً بواحد. ِأدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ، وقال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) . وجه الدلالة: أنه في الآيتين قد استثنى كل واحد منهما من الآخر، ففي الآية الأولى قد استثنى العباد من الغاوين، وفي الآية الثانية قد استثنى الغاوين من العباد، فإن استووا فقد استثنى المساوي وإن تفاوتوا فأيهما كان أكثر فقد استثناه وأبقى الأقل، وهذا يدل على جوازه. على أن الغاوين أكثر من غير شك بدليل قوله تعالى: (وقليل في عبادي الشكور) ، وقوله: (ولا تجد أكثرهم شاكرين) ، وقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) . جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنه لو ثبت أن أحد الفريقين أكثر من الآخر، وأنه استثناء لم يكن قد استثنى الأكثر، بل استثنى الأقل في الموضعين، بيان ذلك: أما الآية الأولى، فإن هناك شواهد دلَّت على أنه استثنى الأقل؛ حيث قال تعالى: (لأغوينهم أجمعين) يعني ولد آدم بدليل قوله

стр. 1587

تعالى في سورة أخرى: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) ثم استثنى في سورة أخرى قائلاً: (إلا عبادك منهم المخلصين) ، وهم القليل المذكور، ولهذا قيده بلفظ " منهم "، فثبت أنه استثنى الأقل وأبقى الأكثر. أما الآية الثانية، فإن اللَّه تعالى قال فيها: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ، فأضاف العباد إليه مطلقا، وذلك يقع على كل عبد له من مَلَك، وآدمي، وجني، ثم قال: (إلا من اتبعك من الغاوين) ، والغاوون من جميع العباد هم الأقل؛ لأن الملائكة كلهم غير غاوين كما قال تعالى: (بل عباد مكرمون) ، وهم أكثر الخلق، ويضاف إليهم من آمن من الإنس والجن، فيكونون أكثر من الغاوين، فثبت أنه استثنى الأقل، وأبقى الأكثر. الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن " إلا " في الآيتين للاستثناء، بل هي بمعنى " لكن "، والتقدير يكون في الآية الأولى: " ولكن عبادك المخلصين لا أستطيع غوايته "، والتقدير في الآية الثانية: " ولكن من اتبعك من الغاوين فإن جهنم موعدهم أجمعين ". أما الآية الأولى فظاهر فيها أن المراد"بلفظ " إلا ": " لكن ". أما الآية الثانية وهي قوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) ، فظاهرها يفيد أنه استثناء - في السلطان، تقديره: " إلا اتبعك من الغاوين، فإن لك عليهم سلطانا "، وهذا لا يصح؛ لأن الغاوين لا سلطان له عليهم - أيضا - دلَّ على ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) ، فأخبر أنه لا سلطان له على الغاوين - أيضا - فدل هذا على

стр. 1588

أن تقدير الكلام: " لكن من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين ". الدليل الثاني: قياس الاستثناء على التخصيص بالمنفصل، بيان ذلك: أنه كما يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالمخصصات المنفصلة. فكذلك يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالاستثناء، ولا فرق، بجامع: أن كلاً منهما يخرج من العموم ما لولاه لدخل. جوابه: إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن التخصيص بالمنفصل لا يختص بعبارة، فهو يصح بجميع أدلة العقل والنقل، ولا يقف على حرف مخصوص، أما الاستثناء فلا يجوز إلا بحروف مخصوصة، ولهذا يجوز تخصيص المعلوم من المجهول، والمجهول من المعلوم في المنفصل، ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد. الوجه الثاني: أن من جنس التخصيص بالمنفصل ما يرفع الجملة وهو: النسخ؛ لأن التخصيص: تخصيص الأعيان، والنسخ: تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع الجملة؛ حيث لا يجوز استثناء الكل كما سبق. الدليل الثالث: قياس استثناء الأكثر على استثناء الأقل، بيانه: أنه كما يجوز استثناء الأقل وإبقاء الأكثر باتفاق، فكذلك يجوز

стр. 1589

استثناء الأكثر وإبقاء الأقل، ولا فرق، بجامع: أن كلاَّ منهما فيه إخراج بعض ما شمله العموم. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجهين: الوجه الأول: أن استثناء الأقل هي لغة العرب، واستعمله أهل اللسان وصرحوا بجوازه، بخلاف استثناء الأكثر فقد نفوه وقبحوه كما سبق ذكر ذلك، فقياس ما قبحه أهل اللغة وأنكروه - وهو استثناء الأكثر - على ما استحسنه أهل اللغة وأجازوه - وهو استثناء الأقل - لا يمكن عقلاً. الوجه الثاني: أن الاستثناء وضع للاختصار، أو للاستدراك، ويحسن ذلك في الأقل، وليس في الحكمة وجود ذلك في الأكثر. الدليل الرابع: أن استثناء الأكثر قد ورد استعماله في قول الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قواما فهنا قد استثنى الشاعر تسعين من مائة، وهو استثناء الأكثر، فهذا الاستعمال دليل جوازه. جوابه: إن هذا البيت ليمس فيه استثناء لفظي؛ لأنه لم يأت فيه بأداة الاستثناء، وأدوات الاستثناء معروفة ومحصورة، ؤإنما ذكر نقصان الأكثر مما دخل تحت الاسم.

стр. 1590

بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا قد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: إن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ لأنه قد أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - أنه لو قال لزوجته: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فقد اختلف العلماء في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف فى هذا الأصل. فبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من جواز استثناء الأكثر - فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي التطليقات الثلاث، ويكون الاستثناء لغواً. وبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون لاستثناء الأكثر - فإنه يلزم الزوج طلقة واحدة. ٢ - إذا قال: " له عليّ عشرة إلا تسعة " فقد اختلف في الشيء الذي يلزم المقر - هنا -. فبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من استثناء الأكثر - فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً، فتلزمه العشرة - كلها -. وبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون استثناء الأكثر - فإنه يلزم المقر واحد فقط. القول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو اختيار المازري، وعلل ذلك بأن أصحاب المذهبين لم يخالفوا في الحكم، وإنما خالف أصحاب

стр. 1591

المذهب الأول؛ لأن العرب لم تستعمل استثناء الأكثر، لكن العرب وإن لم تستعمله فلا يسقط حكم الاستثناء في الإقرار وغيره. جوابه: لا نسلم أن أصحاب المذهب الأول لم يخالفوا في الحكم، بل خالفوا في مسائل الإقرار، والطلاق، وغير ذلك؛ بناء على خلافهم في هذه القاعدة. المسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف: لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم المانعون من استثناء الأكثر - في استثناء النصف على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء النصف، بل الذي يجوز استثناء أقل من النصف. وهو مذهب الباقلاني، وأكثر الحنابلة، والخليل ابن أحمد، والنضر بن شميل، وجمهور البصريين، وهو الحق؛ لما سبق من الدليلين المذكورين في المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء الأكثر - وهما يدلان على عدم جواز استثناء النصف. المذهب الثاني: يجوز استثناء النصف، وأما الأكثر منه فلا يجوز. وهو اختيار بعض النحويين كابن درستويه النحوي، وبعض الحنابلة. دليل هذا المذهب: قوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه) .

стр. 1592

وجه الدلالة: أنه هنا قد استثنى النصف، وليس هو بأقل من المستثنى منه، بل هو مساوي له، وهو استدلال مبني على أن "نصفه " بدل من " قليلاً "، فيكون في حكم المستثنى من الليل، والتقدير: " قم الليل إلا نصفه ". جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن لفظ " نصفه " كلام مبتدأ ليس باستثناء، وإنما الاستثناء في قوله: " إلا قليلاً ". الجواب الثاني: أن " نصفه " ظرف للقيام فيه، ويكون " نصفه " بدل من الليل، والتقدير: " قم الليل نصفه إلا قليلاً "، أو تقول: التقدير: " قم نصف الليل إلا قليلاً ". إذن الآية لا تصلح للاستدلال بها على جواز استثناء النصف. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: ١ - أنه لو قال: " له علي عشرة إلا خمسة " فقد اختلف في الشيء الذي يلزم المقر - هنا -. فبناء على المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء النصف - فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً، فتلزمه العشرة - كلها -. وبناء على المذهب الثاني - وهو جواز استثناء النصف - فإنه يلزم المقر خمسة فقط.

стр. 1593

المسألة الحادية عشرة: الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؟ محل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يكن هناك قرينة تدل على إرادة الجميع، أو قرينة تدل على أن المراد الجملة الأخيرة أو الأولى، فإن كان هناك قرينة وجب العمل بما تقتضي تلك القرينة. ومثال الاستثناء الذي يعود إلى الجميع بقرينة: قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) ، فإن الاستثناء هنا راجع إلى الجميع اتفاقا. وأيضاً يمكن أن يمثل لذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ... ) ، ثم قال في آخر الآية: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ... ) ، فإنه يرجع إلى الجميع اتفاقا. ومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأولى بقرينة قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ، فالاستثناء هنا راجع إلى الجملة الأولى؛ لأن المعنى: فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني، ولو كان الاستثناء راجعاً إلى الأخيرة لكان المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، وهذا لا يراد. ومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأخيرة بقرينة قوله تعالى:

стр. 1594

(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) ، فإن الاستثناء راجع إلى الأخيرة؛ لأن تحرير الرقبة هو حق لله، فلا يسقط بإسقاطهم. والنزاع واقع في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو، أما إذا كان العاطف غيرها كالفاء، وثم، فإن الاستثناء يختص بالأخيرة، حيث إن الفاء وثم يقتضيان الترتيب كما سبق قوله في معاني الحروف، أما الواو فلا تقتضي ذلك. إذن: اختلف العلماء في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؛ على مذهبين: المذهب الأول: أنه يرجع إلى جميع الجمل. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة يعتبر نوعاً من العي، والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع كما لو قال: " إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وإن زنا فاضربه إلا أن يتوب "، فإذا ثبت استقباح ذلك: فلم يبق - للتخلص من ذلك - إلا أن يجعل استثناء واحداً في آخر الجمل ويعود إلى جميعها فيقول: " إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا أن يتوب ". الدليل الثاني: القياس على الشرط، بيانه: كما أن الشرط إذا تعقب جملاً، فإنه يرجع إلى جميع الجمل، فتقول: " نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمت زيداً "،

стр. 1595

فكذلك الاستثناء فإنه يرجع إلى جميعها، ولا فرق بينهما، والجامع: أن كلًّا منهما لا يستقل بنفسه، وأنهما يتعلقان بغيرهما من الكلام، ولا بد من اتصالهما، فإذا ثبت شيء لأحدهما ثبت في الآخر. اعتراض على ذلك: قال قائل - معترضا - على ذلك: إن قياسكم الاستثناء على الشرط قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن رتبة الشرط: أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم على اللفظ أو تأخر، فكانه في المثال السابق قال: " إن كلمت زيداً فنسائي طوالق وعبيدي أحرار ". بخلاف الاستثناء فإنه لا يصلح أن يتقدم - كما سبق بيانه -. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: نحن لم نقس الاستثناء على الشرط مطلقا، بل قسنا الاستثناء على الشرط المتأخر، فإنه هنا لا فرق بينهما كما سبق. الجواب الثاني: على فرض تقدم الشرط فإنه يتعلق بجميع الجمل مثل ما إذا تأخر، فقولنا: " إن كلمت زيداً فنسائي طوالق وعبيدي أحرار "، مثل قولنا: " نسائي طوالق وعبيدي أحرار إن كلمت زيدأ"، ولا فرق، فإذا كان الشرط متعلقا بجميع الجمل، سواء تقدم أو تأخر، فكذلك الاستثناء فإنه مساو للشرط في حال تأخره. الدليل الثالث: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، ولهذا فلا فرق بين قوله: " اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب "، وبين قوله: " اضرب من قتل

стр. 1596

وزنا وسرق إلا من تاب "، فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع. الدليل الرابع: أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعض أَوْلى من البعض، فوجب العود إلى الجميع كالعام. المذهب الثاني: أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة، ولا يرجع إلى جميع الجمل. وهو مذهب أبي حنيفة، وجمهور الحنفية، وبعض الحنابلة كالمجد ابن تيمية، وكثير من الظاهرية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن العموم يثبت في كل صورة وجملة بيقين، وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، فلا يرفع اليقين بالشك. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن العموم لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم الكلام حتى أردف وأتى باستثناء يرجع إلى العموم. الجواب الثاني: يلزم من كلامكم هذا: أن لا يعود الشرط والصفة على جميع الجمل - لما ذكروه من أن التعميم متيقن - مع أن أكثركم يسلم أن الشرط والصفة يعودان إلى جميع الجمل. الدليل الثاني: أن الجملة الثانية فاصلة بين الاستثناء والجملة الأولى، فلم يرجع الاستثناء إليها، كما لو فصل بينهما بقطع الكلام، وإطالة السكوت، أو بكلام آخر.

стр. 1597

جوابه: لا نسلم أنه فصل؛ لأنا ذكرنا أنه لما عطف بعض الجمل على البعض الآخر بالواو صارت الجمل كالجملة الواحدة. الدليل الثالث: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بمفرده، فوجب رده إلى ما قبله مباشرة، فإذا رد إلى ما قبله مباشرة، وهو الذي يليه، فقد استقل وأفاد، فإذا استقل وأفاد فلا حاجة إلى تعليقه بما قيل ذلك من الجمل؛ لأن تعليقه بذلك تعليق على الزيادة فيجري مجرى الكلام المستقل بغيره لا من ضرورة. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أنا قد جعلنا الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل التي قبله؛ نظراً لصلاحيته لأن يرجع إليها، فلا نسلم أنه تعلق بما قبله ضرورة. الجواب الثاني: أن كلامكم هذا يبطل بالشرط والصفة؛ لأنهما يتعلقان بجميع الجمل، فكذلك الاستثناء، ولا فرق، فلو قال: "أكرم العلماء والتجار إن كانوا طوالا "، أو قال: " أكرم العلماء والتجار الطوال "، فإن ذلك يرجع إلى الجميع، فكذلك هنا. بيان نوع الحنلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض الفروع، ومنها: ١ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)

стр. 1598

فإنه بناء على المذهب الأول فإن هذا الاستثناء راجع إلى الجملتين السابقتين معا، وهما الواردتان في قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) ، وقوله: (وأولئك هم الفاسقون) ، والتقدير: " لا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا منهم فاقبلوا شهادتهم فيما بعد "، وكذلك يقال: " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، فلا يحكم عليهم بفسق ". أي: أنه على المذهب الأول: القاذف إذا تاب تقبل شهادته، وتعود إليه عدالته؛ بناء على أن الاستثناء يرجع إلى الجملتين السابقتين. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم أرجعوا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فلذلك قالوا: إن التوبة لا تسقط عدم قبول الشهادة، بل إن شهادته تبقى مردودة، ولكنها - أي: التوبة - ترفع عنه وصف الفسق. ٢ - قوله ﷺ : " لا يؤم الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ". فإن الاستثناء على المذهب الأول يرجع إلى الجملتين السابقتين معا وهما: " لا يؤم الرجل في أهله "، و " لا يجلس على تكرمته ". إذن يكون الإذن في الأمرين، أي: لا يؤم الرجل في أهله إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه. أما على المذهب الثاني، فإن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، وعلى ذلك يكون الإذن يشترط في جلوسه على تكرمته فقط، دون الإمامة في الصلاة، وهكذا تقول في كل ما يماثل ذلك.

стр. 1599

المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعدِّدة: الصورة الأولى: أن يكون استثناء معطوف على ما قبله كقولك: " علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين "، فترجع جميعها إلى العشرة، فيكون المقربة خمسة؛ لأن العطف يقتضي الشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، والعطوف خارج من المستثنى منه، فكذلك المعطوف عليه. الصورة الثانية: أن لا يعطف الاستثناء، ويكون الثاني مستغرقاً لا قبله كقولك: " عليّ عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة " فترجع جميعها إلى العشرة وهو الأولى؛ لأن استغراق الثاني للأول يمنع من رجوعه إليه؛ حيث قلنا: إن الاستثناء لا يستغرق. الصورة الثالثة: عدم وجود العطف، وعدم استغراق الثاني للأول كقولك: " عليّ عشرة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة " فهنا كل استثناء يرجع إلى ما قبله مباشرة؛ لقربه منه فيختص به، فتكون السبعة مستثناة من الثمانية، والثمانية مستثناة من العشرة، والستة مستثناة من السبعة، ويعمل في ذلك قاعدة: " أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي "، وتطبق المثال على هذه القاعدة فتقول: إن " الثمانية " منفية؛ لأننا قد استثنيناها من " العشرة " المثبتة. وتكون " السبعة " مثبتة؛ لأننا قد استثنيناها من " الثمانية " المنفية. وتكون " الستة " منفية؛ لأننا قد استثنيناها من " السبعة " المثبتة. فيلزمه على هذا ثلاثة فقط، قد تقول: كيف أخرجت ذلك؛ نقول: إنه لا استثنى الثمانية من العشرة يكون الباقي اثنين. ولما استثنى السبعة من الثمانية " المنفية " أي: التي نفاها عنه يكون بذلك قد أثبت السبعة، فإذا ضممت إلى السبعة الاثنين السابقين يكون جملة ما لزمه تسعة، فإذا أخرج من التسعة ستة بقي ثلاثة.

стр. 1600

الفصل الثالث عشر المطلق والمقيد ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: تعريف المطلق. المبحث الثاني: بيان في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك. المبحث الثالث: تعريف المقيد. المبحث الرابع: على أي شيء يطلق المقيد؟ المبحث الخامس: مقيدات المطلق. المبحث السادس: إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحمل المطلق على المقيد أو لا؟ المبحث السابع: إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة ثانية بخلاف التقييد الأول فما الحكم؟

стр. 1601

المبحث الأول تعريف المطلق المطلق لغة هو: الانفكاك من أي قيد: حسيا كان أو معنوياً، فمثال الحسي: قولهم: " هذا الفرس مطلق "، ومثال المعنوي: الإطلاق في الأدلة. المطلق اصطلاحا: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه. فقولنا: " اللفظ " جنس يشمل كل ملفوظ به: مفيداً أو غير مفيد. وقولنا: " المتناول لواحد " أخرج اللفظ غير المفيد، وأخرج ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد. وقولنا: " لا بعينه " أخرج أسماء الأعلام، وما مدلوله واحد معين، والعام المستغرق. وقولنا: " باعتبار حقيقة شاملة لجنسه " أخرج المشترك، والواجب المخير، فإن كلًّا منهما يتناول واحداً لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة. فمثلاً: قول السيد لعبده: " أكرم طالبا "، فإن هذا الأمر قد تناول واحداً من الطلاب غير - معين، ومدلول هذا الأمر شائع في جنسه. أي: لا يوجد طالب معروف، أو جماعة من الطلاب معروفين بصفة معينة، بل الواجب على العبد اخحيار أي طالب ويكرمه، وتبرأ ذمة العبد.

стр. 1602

المبحث الثاني في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك المطلق يكون في أمور: الأول: أنه قد يكون في معرض الأمر كقولك: " اعتق رقبة "، أو " أعط طالباً جائزة ". الثاني: قد يكون في مصدر الأمر كقوله تعالى: (فتحرير رقبة) . الثالث: قد يكون في مصدر الخبر عن المستقبل كقوله عليه السلام: " لا نكاح إلا بولي "، وكقولك: " سأعتق رقبة ". لكن لا يمكن أن يكون الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي كقولك: " رأيت رجلاً "، أو " أعطيت طالباً "، أو " أعتقت رقبة"؛ لأن هؤلاء - وهم الرجل والطالب والرقبة - قد تعينوا بالضرورة، وهي ضرورة إسناد الرؤية إلى الرجل، وضرورة إسناد العطية إلى الطالب، وضرورة إسناد الإعتاق إلى الرقيق.

стр. 1603

المبحث الثالث تعريف المقيد المقيد لغة: ما يقابل المطلق، وهو ما قيد بشيء من وصف أو شرط أو نحوه. والمقيد اصطلاحا هو: المتناول لمعين، أؤ لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. مثال ذلك: قولنا: " أعط هذا الطالب "، أو " أعط الطالب الطويل "، فقد قيدنا الطالب الأول بتعيينه بالإشارة إليه، وقيدنا الطالب الثاني بوصفه بالطول الذي أخرجه عن بقية الطلاب.

стр. 1604

المبحث الرابع على أي شيء يطلق المقيد ؟ التقييد يطلق باعتبارين: الأول: ما كان من الألفاظ دالاً على غير معين، ولكنه موصوف بوصف زائد على مدلوله المطلق، كقوله تعالى: (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ، وكقولك: " أكرم الطالب الناجح ". الثاني: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، أو ما تناول معيناً كزيد وعمرو، وهذا الرجل.

стр. 1605

المبحث الخامس مقيدات المطلق المطلق والمقيد كالعام والخاص فيما ذكر من مخصصات العموم المتصلة والمنفصلة، المتفق عليها، والمختلف فيها. فعلى هذا يجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسُّنَّة بالسُّنَّة، وتقييد السُّنَّة بالكتاب و، والعكس، وتقيد المطلق بالإجماع، والقياس، والمفاهيم، ونحو ذلك.

стр. 1606

المبحث السادس إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحمل المطلق على المقيد أو لا ؟ هذا يختلف باختلاف أحوال ورودهما، ففي بعض الحالات لا يحمل المطلق على المقيد إذا وردا، وفي بعض الحالات يحمل، وإليك بيان ذلك: الحالة الأولى: أن لا يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلِّق حكم المقيد مثل أن يقول: " أدوا الصلاة "، ويقول: " اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم " فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا؛ لأنه لا يوجد مناسبة بينهما، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلاً. الحالة الثانية: أن يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلّق حكم المقيد. وهذه الحالة لها ست صور: الصورة الأولى: أن يكون متعلقهما واحداً والسبب واحداً، وكل واحد منهما أمراً كقوله: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، ثم يقول: اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وكذا لو قال: اعتقوا رقبة مؤمنة، ثم قال: اعتقوا رقبة، وكذا لو لم نعلم تقدم أحدهما، ففي هذا كله يحمل الطلق على المقيد. دليل ذلك. أن الجمع بين الدليلين أَوْلى من إعمال أحدهما وترك

стр. 1607

الآخر: فالعمل بالمقيد عمل بالمطلق ضرورة أن المطلق جزء من المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملاً بالدليلين، وأما العمل بالمطلق فليس عملاً بالمقيد؛ لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيا بالكل، بل يكون تاركا للمقيد، فيكون العمل بالمطلق يستلزم ترك المقيد بالكلية. الصورة الثانية: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحداً والسبب واحداً، وكل واحد منهما نهيا مثل أن يقول: " لا تعتق رقبة "، ثم يقول مرة أخرى: " لا تعتق رقبة كافرة في كفارة اليمين "، فهنا فيه تفصيل: أن من يقول بأن المفهوم حُجَّة، وأنه يخصص به العموم فإنه يخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " يدل على إجزاء المسلمة؛ لأنه مختص بالنهي عن الكافرة، وهو بمفهومه يدل على إجزاء المسلمة، وهذا بناء على جواز التخصيص بالمفهوم كما سبق بيانه. أما من لم يحتج بالمفهوم، فإنه لا يخصص النهي العام؛ لأنه لا موجب لذلك. الصورة الثالثة: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحداً، والسبب واحداً، ويكون أحدهما أمراً والآخر نهيا، فإن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده، سواء كان المطلق أمراً والمقيد نهيا كقوله: " اعتق رقبة"، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة "، أو كان المطلق نهيا، والمقيد أمراً كقوله: " لا تعتق رقبة "، ثم يقول: " اعتق رقبة مؤمنة". الصورة الرابعة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، وسبب

стр. 1608

المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمراً كقوله تعالى في كفارة الظهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ، وقوله في كفارة القتل: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) ، فهنا الحكم واحد، وهو في وجوب إعتاق رقبة، وهو في المطلق والمقيد أمر، والسبب مختلف، حيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق - الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق على المقيد، لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: إن قام دليل نحو القياس على المقيد أو غيره حمل المطلق على المقيد، وإن لم يقم دليل، فإن المطلق يبقى على إطلاقه، وهو مذهب جمهور الشافعية، ومنهم الإمام الشافعي، والآمدي، وفخر الدين الرازي، وبعض المالكية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وبعض المعتزلة كأبي الحسين البصري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا فقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه، وذلك لأن الأدلة على حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دلَّ القياس على حمل المطلق على المقيد، فإنه يجب العمل على في لك عملاً بحجية القياس. الدليل الثاني: قياس تقييد المطلق على تخصيص العام بالقياس، بيانه: أنه كما أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذلك يجوز تقييد المطلق بالقياس، والجامع: صيانة القياس عن الإلغاء، بل هذا أَوْلى " لأن دلالة العام على كل الأفراد دلالة لفظية، ودلالة المطلق

стр. 1609

على ذلك ليست لفظية، بل معنوية، ومعروف: أن الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية، فإذا كان القياس يخصص العام مع أن دلالته على الأفراد لفظية وهي قوية، فمن باب أوْلى جواز تقييد المطلق بالقياس. المذهب الثاني: أن المطلق يحمل على المقيد عن طريق اللغة واللفظ من غير حاجة إلى دليل آخر. وهو مذهب بعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن المطلق في باب الشهادة، كقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، قد حمل على المقيد الوارد في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ، ولذلك أجمع العلماء على اعتبار العدالة في جميع الشهود، ومنها شهود المداينة مع أنه أطلق فيها هاهنا. والجامع: تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق الذي هو كالعام. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن ذلك التقييد بحسب اللفظ، من غير دليل، بل هو بدليل وهو الإجماع والنص، وهو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، والقياس على الموضع الذي نص فيه على العدالة بجامع حصول الثقة بقولهم.

стр. 1610

الجواب الثاني: أن هذا غير منضبط في كل شيء، فقد قيد في الوضوء بالمرافق، وأطلق بالتيمم، فلم نحمله عليه، فتقابلا. الدليل الثاني: أن حمل المطلق على المقيد هو لغة العرب، فالعرب تطلق الحكم في موضع، وتقيده في موضع آخر، فيحمل المطلق على المقيد، وهذا له أمثلة كثيرة. من ذلك: قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) ، فحمل لفظ " الحافظات " و" الذاكرات " على " الحافظين " و " الذاكرين "، وقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف والتقدير: ونحن بما عندنا راضون، فحمل المطلق على المقيد لغة وغير ذلك من الأمثلة جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن جميع ما ذكروه حمل المطلق على المقيد بدليل، والدليل في تلك الأمثلة هو: العطف؛ لأن حكم المعطوف هو حكم المعطوف عليه. وهو واضح في الآيتين وبيت الشعر. الجواب الثاني: أن المطلق حمل على المقيد في تلك الأمثلة السابقة لدليل، وهو: أن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه، ولا يفيد فائدة فحمل على الآخر لموضع الحاجة على حمل الكلام على فائدة. المذهب الثالث: أنه لا يحمل المطلق على المقيد مطلقا، وهو قول أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة.

стр. 1611

دليل هذا المذهب: أن حمل المطلق على القيد رفع لحكم المطلق، وذلك نسخ له، والنسخ لا يثبت بالقياس. جوابه: أنا لا نُسَلِّمُ أن زوال الحكم كان بطريق النسخ، بل هو عندنا بطريق التقييد، ولهذا يكون الحكم كذلك لو كان المطلق والمقيد مقترنين في الورود، أو كان القيد متقدماً، ولو كان بطريق النسخ لما كان كذلك؛ لأن من شروط النسخ أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ - كما سبق -. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ لأن بعض الفروع الفقهية قد تأثرت بهذا الخلاف، ومنها: أنه قال تعالى في الظهار: (فتحرير رقبة) ، وقال في آية قتل الخطأ: (فتحرير رقبة مؤمنة) ، فعلى المذهب الأول والثاني: يحمل المطلق على القيد في هذه الصورة، فلا يجزي عند أصحاب هذين المذهبين في الكفارتين إلا الرقبة المؤمنة، وهو مذهب جمهور العلماء. أما عند أصحاب المذهب الثالث - وهم الذين منعوا حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة - فقد أعملوا المطلق على إطلاقه، وأعملوا المقيد على تقييده، ففي كفارة الظهار تجزئ عندهم الرقبة الكافرة عملاً بالإطلاق، وفي كفارة القتل الخطأ لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة عملاً بالتقييد.

стр. 1612

الصورة الخامسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، وكل واحد منهما نهياً، والسبب مختلف مثل أن يقول: " لا تعتق رقبة " في كفارة الظهار، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة القتل، في هذه الصورة تفصيل: فمن يحتج بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل، فإنه يخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، وإن لم يوجد فلا يخصص، فمفهوم قوله: " لا يعتق رقبة كافرة " هو: اعتق رقبة مؤمنة، فالمفهوم هذا يخصص ويقيد قوله: " لا تعتق رقبة " أي: لا تعتق رقبة كافرة، فيكون المراد: اعتق رقبة مؤمنة. أما من لم يحتج بالمفهوم فلا يخصص النهي العام. الصورة السادسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، ويكون أحدهما أمراً، والآخر نهياً، والسبب مختلف، فالمقيد يوجب تقييد المطلق، سواء كان المطلق أمراً مثل أن يقول: " اعتق رقبة في كفارة الظهار "، والمقيد نهياً مثل قوله: " لا تعتق رقبة كافرة في كفارة القتل "، أو بالعكس: أي يكون نهيا في المطلق كقوله: " لا تعتق رقبة في كفارة الظهار "، ويكون المقيد أمراً كقوله: " اعتق رقبة مؤمنة في كفارة القتل ".

стр. 1613

المبحث السابع إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة ثانية بخلاف التقييد الأول، فما الحكم ؟ الجواب يختلف باختلاف اتحاد السبب، أو اختلافه، فيكون الأمر على صورتين: الصورة الأولى: أن يتحد السبب في الإطلاق، والقيدين مثل قوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب "، وروي في حديث آخر: " أولاهن بالتراب ": وروي في حديث آخر: " أخراهن بالتراب ". فالحكم في هذه الصورة: أن يبقى المطلق على إطلاقه، ويتعارض المقيدان؛ لأن التقييد في هذا متفق عليه، وليس إلحاقه بأحدهما أوْلى من إلحاقه بالآخر، فيبقى على إطلاقه. الصورة الثانية: أن يختلف السبب مثل: إطلاقه في قضاء رمضان بقوله تعالى: (فعدة من أيام أُخر) من غير اشتراط التتابع والتفريق، وقيد صوم التمتع بالتفريق، حيث قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) ، وقيد صوم كفارة الظهار بالتتابع بقوله تعالى: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ، فالحكم في هذه الصورة: أن المطلق يقيد بالمقيد إذا دلَّ عليه قياس، أو دليل آخر، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى، أو على ما كان دليل الحمل عليه أقوى.

стр. 1614

أي: أن قضاء رمضان المطلق يحمل على الأقوى شبها به من صوم التمتع المفرق، أو صوم كفارة الظهار المتتابع، وإن لم يكن هناك تشابه بين المطلق وبين أحد هذين القيدين، فإنه يبقى على إطلاقه فيخير الإنسان في قضاء رمضان بين التتابع، والتفريق.

стр. 1615

الفصل الرابع عشر في المنطوق والمفهوم اعلم أن اللفظ باعتبار طريق فهم دلالته على المعنى والحكم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: المنطوق. القسم الثاني: المفهوم. وإليك بيان ذلك في المبحثين التاليين: المبحث الأول: في المنطوق. المبحث الثاني: في المفهوم.
следующие страницы →