← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2276–2303 · переход к 2281.

стр. 2276

فيه إلا عدل متفق على عدالته، وأما رواة خبر طلق فإنه قد اختلف في عدالتهم. الطريق السابع: الترجيح بكون الراوي تتعلَّق القصة به، أو سفيراً فيها. إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين تتعلق القصة به، أو هو مباشر لها، أو سفير فيها دون راوي الخبر الآخر: فإنه يرجح خبر الراوي الذي تتعلق به القصة، أو كان سفيراً فيها على الخبر الآخر، وذلك لأن الراوي الذي تتعلق به القصة والقضية، أو هو مباشر لها أو سفير فيها أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره، فتكون روايته أقرب إلى الصحة، فيكون أميل إلى قبولها. لذلك يرجح خبر ميمونة ﵂: " تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف " على خبر ابن عباس ﵄: " أن رسول اللَّه ﷺ نكحها وهو محرم "، وذلك لأن الراوية للأول هي التي عقد عليها، فهي أعرف بوقت عقدها، وتفاصيل الموضوع؛ لشدة اهتمامها به. ثم يؤيد ذلك ما رواه أبو رافع ﵁: " أنه ﷺ نكحها وهما حلالان "، فهذا يرجح على خبر ابن عباس؛ لأن أبا رافع كان سفيراً بين النبي ﷺ وميمونة، كما ورد التصريح به في بعض الروايات، وهذا مذهب كثير من العلماء. أما الحنفية فإنهم رجحوا خبر ابن عباس في هذا، لأنه أفضل فى الحفظ، وأحسن في الضبط، وأعلم بالشريعة منه. وقد جرى في ذلك مناقشات واعتراضات في هذا، تجده مبسوطا في كتب الفقه.

стр. 2277

الطريق الثامن: الترجيح بكون الراوي فقيهاً. إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبوين أفقه من راوي الخبر الآخر: فإنه يقدم الخبر الذي راويه أفقه على الخبر الآخر؛ وذلك لأن الراوي الفقيه أعرف بمدلولات الألفاظ، وأعلم باقتناص الأحكام الشرعية من الألفاظ، فهو - إذن - يميز بين ما يجوز وما لا يجوز، وبين ما يمكن حمله على ظاهره، وما لا يمكن فيه ذلك، فإذا سمع مثل ذلك فإنه يبحث عنه، وعن ما ليتعلق به من سبب نزوله ووروده حتى يطلع على ما يزول به الإشكال، بخلاف غير الفقيه، فليس كذلك " حيث إنه يروي ما يسمعه، وقد يؤدي إلى حكم غير صحيح، أو إلى حكم مخالف لمقاصد الشريعة. إذن يكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل، ويكون أكثر ضبطاً، وأشد اعتناء بنقل الكلام. لذلك يرجح خبر عائشة ﵂: " أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم " على خبر أبي هريرة ﵁: " من أصبح جنبا فلا صيام له ". الطريق التاسع؛ الترجيح بكون الراوي حسن الاعتقاد. إن الخبر الذي رواه راو حسن الاعتقاد يُرجح على الخبر الذي رواه مبتدع، لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره. لذلك يُرجح خبر قوله ﷺ : "إن النبي ﷺ نهى عن صيام الدهر" على الخبر الذي رواه إبراهيم بن يحيى: أن رسول اللَّه ﷺ قال: " من صام الدهر فقد وهب نفسه لله "؛ لأن إبراهيم بن يحيى كان مبتدعاً - كما قال كثير من العلماء -.

стр. 2278

الطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعاً. إذا كان راوي أحد الخبرين أورع من راوي الخبر الآخر، وأشد احتياطاً فيما يرويه: فإن خبره يرجح؛ لذلك الورع والاحتياط، فيكون كلامه أقل احتمالاً للخطأ. الطريق الحادي عشر: الترجيح بكون الراوي أعلم باللغة العربية. إذا كان راوي أحد الخبرين أعلم باللغة العربية من راوي الخبر الآخر: فإنه يرجح الخبر الذي رواه العالم باللغة العربية؛ لأمرين: أولهما: أن تطرق الخطأ إليه أقل. ثانيهما: أن من كان كذلك إذا سمع خبراً، وعرف أن فيه ما لا يحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات كلماته حتى يزول الإشكال. فلذلك كان الوثوق برواياته أكثر. الطريق الثاني عشر: الترجيح بكون الراوي راجح العقل. إذا كان راوي أحد الخبرين أرجح عقلاً من راوي الخبر الآخر: فإنه يُرجح الخبر الذي رواه راجح العقل على من يختل عقله في وقت دون وقت؛ وذلك لتطرق احتمال روايته في وقت الخلل العقلي. لذلك رجح الحنفية خبر ابن عباس وهو: " أنه ﷺ نكح ميمونة وهو محرم " على خبر ميمونة ورافع: " أنه نكحها وهما حلالان " وعللوا ذلك بأن ابن عباس أرجح عقلاً، وأعلم وأضبط من راوي الخبر الثاني. الطريق الثالث عشر: الترجيح بالتزكية، وفيه تفصيل: أولاً: أن يكون المزكي لأحد الراويين أكثر من الآخر، فخبر

стр. 2279

الراوي الذي زكاه الأكثر مرجح على خبر الأقل تزكية؛ لأنها أغلب على الظن. ثانيا: أن يكون المزكي لأحد الراويين أعدل وأوثق ممن زكى راوي الخبر الآخر، فيرجح الخبر الذي زكى راويه الأعدل والأوثق. ثالثا: أن تكون تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية عنه، فيرجح الخبر الذي حكم بشهادة راويه؛ لأن الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية لذلك قبلت رواية العبد، والواحد، والمرأة، دون شهادتهم لوحدهم. رابعا: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، فيرجح الأول؛ لأن الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير العدل، بخلاف الرواية عنه؛ لأن قد يروي العدل عن شخص لو سئل عنه لسكت. خامسا: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه، أو بالعمل بروايته، أو بالحكم بشهادته فإنه يرجح الأول؛ لأن الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، والعمل بما يوافق الرواية، والعمل بالشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، بخلاف. التزكية بصريح المقال؛ فإنه لا يحتمل غير التزكية والتعديل. لذلك يرجح خبر بسرة في نقض الوضوء من مس الذكر على خبر طلق، وهو عدم النقض من ذلك؛ لأن الأول قد أخرجه الإمام مالك، وليس في سنده إلا من هو متفق عليه، وكثر المزكون له، وأما رواة خبر طلق فقد قل مزكوهم واختلف في تعديل بعضهم. الطريق الرابع عشر: الترجيح بالشهرة، وهذا فيه تفصيل:

стр. 2280

أولاً: " أن يكون راوي أحد الخبرين مشهوراً بالحفظ، والإتقان، والضبط، دون راوي الخبر الآخر، فيرجح الراوي الأول، لأن شهرته في الضبط والحفظ والإتقان تؤدي إلى كئرة الثقة به، وقوة الاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه. ثانياً: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهور النسب أكثر من راوي الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب كثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة. ثالثاً: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهوراً بدقة الإسناد أكثر من راوي الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن دقة الإسناد توجب علم الطمأنينة، فيكون قريباً من اليقين. لذلك رجح العلماء خبر شعبة وهو: " لا وضوء إلا من صوت أو ريح " على خبر بقية بن الوليد الكلاعي عن محمد الخزاعي وهو: " أن النبي ﷺ قال لمن قهقه في صلاته.. وأعد وضوءك "، وذلك لأن شعبة مشهور بين الأئمة، بخلاف بقية فإنه مجهول. الطريق الخامس عشر: الترجيح بعدم الالتباس في اسم الراوي. إذا كان روي أحد الخبرين معروف الاسم، ولم يلتبس اسمه بأسماء الضعفاء، بينما راوي الخبر الآخر قد التبس اسمه بأسمائهم فإنه يرجح الأول؛ لأنه أبعد من الاضطراب والشك. الطريق السادس عشر: الترجيح بكون الراوي أكئر ملازمة للشيخ المحدث. إذا كان راوي أحد الخبرين أكثر ملازمة للشيخ المحدث الذي يأخذ عنه الحديث، والآخر قليل الملازمة لذلك الشيخ، فإنه يرجح الأول؛ لأمرين:

стр. 2281

أولهما: أن المحدث قد ينشط تارة فيسرد الحديث على وجهه، وقد يتكاسل في بعض الأوقات فيقتصر على بعضه، أو يرويه مرسلاً. ثانيهما: أن من يكون جليساً للمحدثين أكثر يكون أعرف بطرق الأحاديث، وشرائطها. المسألة الثانية: طرق الترجيح التي ترجع إلى قوة السند وضعفه: الطريق الأول: الترجيح بكثرة الرواة. إذا كان رواة أحد الخبرين أكثر من رواة الخبر الآخر، فإن الخبر الذي رواته أكثر يرجح على الذي رواته أقل، وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو الحق، للأدلة التالية: الدليل الأول: أن قول الجماعة أقوى في الظن، وأبعد عن السهو والغلط والكذب. الدليل الثاني: أن الرسول ﷺ لم يعمل بقول ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه " حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر. الدليل الثالث: أنه لما روى المغيرة بن شعبة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " أطعموا الجدة السدس " قال أبو بكر: من يشهد معك؛ فشهد معه محمد بن سلمة. الدليل الرابع: أن الناس اعتادوا على الميل والأخذ بالأقوى في أمورهم العادية كالتجارة والزراعة، ولا شك أن الخبر الذي رواته أكثر أقوى من الخبر الذي رواته أقل.

стр. 2282

وبعض الحنفية خالفوا في ذلك وقالوا: إنه لا يرجح بكثرة الرواة. دليل هذا المذهب: قياس الرواية على الشهادة، بيان ذلك: أن شهادة الشاهدين، والأربعة فكثر سواء، ولا فرق بينهما، كذلك خبر العدد في الرواية لا تؤثر في القبول وعدمه فيقبل الخبر سواء كثر الرواة، أو قلوا. جوابه: إن هذا - قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق يتبين من وجهين هما: الوجه الأول: أن الشهادة مقدرة في الشرع بعدد، فإذا وجد هذا العدد وجب تعليق الحكم عليه، بخلاف الخبر فإنه غير منصوص على العدد فيه، فكان كلما كثر رواة الخبر كلما كان أقوى. الوجه الثاني: أن الشهادة قد حُدّدت بعدد معين لفصل الخصومات لأنه لو لم تحدد بعدد معين لقال الخصم: أنا سآتي بعدد أكثر مما أتى به خصمي. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، هو واضح، فأصحاب المذهب الثاني لا يفرقون بين خبر رواه عشرة، وخبر رواه ثلاثة، أما أصحاب المذهب الأول فهم يفرقون فيرجحون الأول، ويتركون الثاني. الطريق الثاني: ترجيح المتواتر على الآحاد والمشهور، وهو واضح.

стр. 2283

الطريق الثالث: ترجيح الحديث المسند على الحديث المرسل على رأي الجمهور، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن الاعتماد في حجية الحديث على السند وصحة السند، وهذا يكون بالعلم بحال رجاله ورواته، والعلم بذلك متحقق في المسند، بخلاف المرسل، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلاً. الدليل الثاني: أن المرسل قد يكون بينه وبين الرسول ﷺ مجهول، وهذا الاحتمال منتف في المسند، فيرجح ما لا يحتمل على ما يحتمل. الدليل الثالث: أن المسند متفق على حجيته، بخلاف المرسل فقد اختلف في حجيته. الدليل الرابع: أنهما قد تساويا في الحكم الذي أفاداه ويزيد المسند بالإسناد، وما زاده ذلك إلا قوة بين الراوي المجتهد وبين النبي ﷺ . الطريق الرابع: الترجيح بقلة الوسائط. إذا تعارض حديثان وأحدهما قليل الوسائط بين الراوي المجتهد وبين ﷺ ويسمى: " عالي الإسناد "، أما الآخر فهو كثير الوسائط، فإنه يرجح قليل الوسائط؛ لأنه كلما قلت الوسائط والرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب، وأقوى في الظن اتصاله برسول اللَّه ﷺ . الطريق الخامس: الترجيح بالسلامة عن الاختلاف. إذا تعارض حديثان، لكن مسند أحدهما سالم من الاختلاف، والآخر مما اختلف فيه، فإنه يرجح الأول؛ لأن الاتفاق يقوي الحديث دون الثاني؛ لأن الاختلاف يضعف الحديث.

стр. 2284

المسألة الثالثة: طرق الترجيح التي ترجع إلى متن الحديث: الطويق الأول: الترجيح بقوة الدلالة. إذا تعارض خبران وأحدهما أقوى دلالة من الآخر؛ فإنه يرجح الأول؛ لقوة دلالته على الحكم. وإليك بيان ذلك: أولاً: يرجح الخبر الذي يحتمل احتمالات قليلة على الخبر الذي يحتمل احتمالات كثيرة، فاللفظ المشترك بين معنيين يرجح على اللفظ المشترك بين ثلاثة احتمالات؛ وذلك لأن كثرة الاحتمالات تضعف الدلالة. تانياً: يرجح الخبر الخاص على العام، والمقيد على المطلق. ثالنْاً: يرجح الخبر الدال على الحكم بالمنطوق على الخبر الدال على الحكم بالمفهوم الموافق والمخالف. رابعاً: يرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الموافقة على الخبر الدال على الحكم بمفهوم المخالفة. خامساً: يرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الشرط على الخبر الدال على الحكم بمفهوم العدد، أو اللقب وهكذا. سادساً: يرجح المتن الدال على الحكم مع ذكر العلَّة، على المتن الدال علوا الحكم بدون ذكر العِلَّة. سابعاً: يرجح الخبر الدال على العموم وباق على عمومه، على الخبر الدال على عموم مخصوص؛ لأن التخصيص يضعف دلالة اللفظ، لذلك قال بعضهم: إنه دلالة اللفظ بعد التخصيص على الباقي دلالة مجازية.

стр. 2285

ثامنا: يرجح الخبر الذي لفظه فصيح على غيره، لكونه أقرب أن يكون لفظ ﷺ ؛ حيث إنه ﵇ أفصح العرب فيبعد نطقه بغير الفصيح، وبذلك يظهر أن غير الفصيح مروي بالمعنى، فيكون من الراوي. الطريق الثاني: الترجيح بكون الخبر مرويا باللفظ: إذا تعارض خبران وأحدهما قد روي باللفظ، والآخر قد روي بالمعنى: فإنه يرجح الخبر الذي روي باللفظ؛ لأمرين: أولهما: أنه يكون أغلب على الظن بكونه من كلام الرسول ﷺ . ثانيهما: أن المروي باللفظ متفق على جواز روايته، وعلى كونه حُجة، بخلاف المروي بالمعنى فقد اختلف فيه، والمتفق عليه مقدم على المختلف فيه. الطريق الثالث: الترجيح بكون لفظ الخبر مؤكداً. إذا تعارض خبران، ولفظ أحدهما مؤكد، ولفظ الآخر غير مؤكد، فإنه يرجح الأول؛ لأن الثاني يتطرق إليه الاحتمال والتأويل بخلاف الأول، فإنه لا يحتمل ذلك. الطريق الرابع: الترجيح بكون اللفظ مستقلاً. إذا تعارض خبران وأحدهما قد أفاد الحكم المراد من غير حاجة إلى إضمار وتقدير، والآخر يحتاج إلى ذلك، فإنه يرجح الأول - وهو الذي لا يحتاج إلى شيء -؛ لأمرين: أحدهما: أن الأصل استقلال كل نص بالإفادة وأخذ الأحكام، والإضمار خلاف الأصل.

стр. 2286

ثانيهما: أن المستقل بنفسه معلوم المراد منه، والمحذوف منه ربما يلتبس عليه ما هو المضمر منه. الطريق الخامس: الترجيح بكون المتن سالما من الاضطراب. إذا تعارض خبران ومتن أحدهما سالم من الاضطراب، بخلاف الخبر الآخر، فإنه مضطرب، فإنه يرجح الأول - وهو السالم من الاضطراب -؛ لأمرين: أولهما: أن ما لا اضطراب فيه يدل على حفظ راويه، - وضبطه، وسوء حفظ الخبر الذي وجد فيه اضطراب. ثانيهما: أن ما لا اضطراب فيه أشبه بقول الرسول ﷺ . الطريق السادس: الترجيح بكون الخير مرويا في ثنايا قصة مشهورة. إذا تعارض خبران، وأحدهما قد روي في ثنايا قصة مشهورة معروفة عند أهل النقل، والخبر الآخر قد انفرد به الراوي وذكره بدون قصة: فإنه يرجح الأول، لأنه أقوى في النفوس وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه المنفرد بدون قصة. الطريق السابع: الترجيح بكون الخبر قولاً. إذا تعارض خبران وأحدهما نقل قوله ﷺ ، والآخر نقل فعله، أو تقريره: فإنه يرجح قوله على فعله، وفعله على تقريره، وقد سبق بيان ذلك. الطريق الثامن: الترجيح بكون المتن قد تضمن نهيا. إذا تعارض خبران وأحدهما نهي وما في معناه من النفي، والآخر أمر وما في معناه، فإنه يرجح الخبر الذي فيه النهي؛ لأن الغالب في

стр. 2287

النهي دفع المفسدة الموجودة في المنهي عنه، والغالب في الأمر بالشيء جلب المصلحة الموجودة في المأمور به، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر وأشد من اهتمامهم بجلب المصالح، يؤيد ذلك: أنه يجب دفع كل المفاسد، ولا يجب جلب كل المصالح. *** المسألة الرابعة: طرق الترجيح التي ترجع إلى الحكم: الطريق الأول: ترجيح درء الحد على الموجب له. إذا تعارض خبران: أحدهما يثبت الحد على عمل مخصوص، والآخر ينفيه: فإنه يرجح الخبر الثاني - وهو: الذي ينفي الحد -؛ لأمور: الأول: أن الحد ضرر، والضرر يزال؛ لقوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ". الثاني: قوله ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات ". فالحدود تدفع، وتزال بالشبهات، والحديث المعارض الذي ينفي الحد أقل درجته يورث الشبهة، فيدفع الحد بها، فيعمل بمقتضى الحديث النافي له. الثالث: أن ترك إقامة الحد على من يجب عليه الحد أوْلى من إقامة الحد على من ليس عليه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". الطريق الثاني: ترجيح الخبر الناقل على الخبر المقرر لحكم الأصل. فإذا ورد خبران: أحدهما مبقي على البراءة الأصلية، ويوبجب الثاني النقل عنها، وذكر حكم جديد، فإنه يرجح الثاني؛ لأمرين:

стр. 2288

أحدهما: أن الثاني يفيد التأسيس، والخبر الأول يفيد التأكيد وتقرير حكم الأصل، والتأسيس أوْلى من التأكيد. ثانيهما: أنه يوجد في الخبر الثاني زيادة علم، بينما الأول لا يوجد فيه ذلك، والذي يفيد الزيادة مقدم على ما ليس كذلك. الطريق الثالث: ترجيح الوجوب على الإباحة، والكراهة، والندب. إذا ورد خبران أحدهما يفيد إيجاب شيء، والثاني يفيد الندب، أو الكراهة، أو الإباحة، فإنه يرجح الأول - وهو المفيد للإيجاب -؛ لأمرين: أولهما: أن تارك الواجب مستحق للعقاب، بخلاف تارك المندوب، والكراهة، والإباحة. ثانيهما: أن ترجيح الواجب أحوط لدين المسلم. الطريق الرابع: ترجيح الخبر المحرم، على الموجب. إذا تعارض خبران: أحدهما يدل على تحريم شيء، والآخر يدل على وجوب ذلك الشيء: فإنه يرجح الأول - وهو الدال على التحريم -؛ لما سبق أن قلناه من أن الغالب أن التحريم لدفع المفسدة والموجب إنما أوجب لمصلحة فيه، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر من جلب المصالح، فلذلك يقدم المحرم على الموجب. الطريق الخامس: ترجيح ما يفيد التحريم على ما يفيد الإباحة. إذا تعارض دليلان أحدهما يفيد حرمة شيء، والآخر يفيد إباحته، فإن الأول - وهو ما يفيد الحرمة - يرجح؛ لأمور: أولها: أن في ترجيح لحرمة تقديماً للتأسيس على التأكيد؛ حيث

стр. 2289

إن تقديم المباح على الحرمة تبع للأصل، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة، فيكون الدليل لم يفد شيئا، بل أفاد نفس ما أفادته الإباحة الأصلية، فيكون جاء للتأكيد، فيكون تقديم المفيد للتحريم أوْلى؛ نظراً لقاعدة تقديم التأسيس على التأكيد. ثانيها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال ". ثالثها: أن العمل بمقتضى الحرام أحوط؛ لأن ملابسة الحرام توقع في الإثم، بخلاف ملابسة المباح فلا توجب ذلك. الطريق السادس: ترجيح مثبت الطلاق والعتالتى على نافيهما. إذا تعارض حديثان أحدهما نافي للطلالتى والعتاق، ومبقي لعصمة الزوجية ولقيد العبودية، والثاني: موجب لتحقق الطلاق ورفع العصمة، أو العتاق، ورفع العبودية، فإنا نرجح الثاني - وهو: تحقق الطلاق والعتاق، ورفع العصمة وملك اليمين -؛ لأمرين: أولهما: أن الأصل عدم القيد من العصمة والرق. ثانيهما: أن المثبت عنده زيادة علم لا توجد عند النافي. الطريق السابع: ترجيح الأشد على الأخف. إذا تعارض دليلان: أحدهما: يفيد حكما أخف، والآخر يفيد حكماً أشد وأشق: فقد اختلف العلماء في أيهما الرجح على مذهبين: المذهب الأول: أنه يرجح الخبر الأثقل الأشد. وهو مذهب الجمهور، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن زيادة شدته ومشقته وثقله تدل على تأكد المقصود، وفضله على الأخف الأيسر، فالمحافظة عليه أوْلى.

стр. 2290

الدليل الثاني: أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لمصالح العباد، ومصلحة العباد في الأشق والأثقل؛ لأنها أكثر أجرأ كما ورد عن النبي ﷺ : "ثوابك على قدر نصبك "، وفي رواية: " إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك ". المذهب الثاني: أنه يرجح الدليل الأخف على الأشد. وهو مذهب تاج الدين الأرموي، وتلميذه البيضاوي. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن مبنى الشريعة على التخفيف؛ لقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) . جوابه: لا نسلم ذلك، بل إن الشريعة مبنية على ما يقتضيه مصلحة العباد، ودفع المفسدة عنهم، وهذا يكون في الأشد والأغلظ والأخف والأيسر، ثم إن الآية نزلت في حالة خاصة - وهي التخفيف في القتال - فلا يستدل بها على إثبات قاعدة عامة. الدليل الثاني: أن التغليظ فيه ضرر، والضرر مزال عنا؛ لقوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ". جوابه: لا نسلم أن التغليظ فيه ضرر، بل إن التغليظ إذا ورد فيه دليل صحيح، فإن فيه مصلحة كما بينا فيما سبق. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي له ثمرة كما هو واضح.

стр. 2291

الطريق الثامن: ترجيح الخبر المحرم على الخبر - المفيد للكراهة. إذا تعارض دليلان: أحدهما يفيد حرمة شيء، والآخر يفيد كراهته: فإنه يرجح الأول - وهو المفيد التحريم -؛ لأن مفسدة الحرمة أشد من مفسدة الكراهة، فلذلك يرجح ما يفيد الحرمة احتياطا. *** المسألة الخامسة: طرق الترجيح التي ترجع إلى أمر خارجي: الطريق الأول: الترجيح بموافقة القرآن. إذا تعارض خبران، وأحدهما قد وافقته آية من الكتاب، دون الأخر: فإتا نرجح الأول - وهو الموافق للآية -؛ لأن الآية قد أفادت زيادة قوة في الظن في الخبر. الطريق الثاني: الترجيح بموافقة السُّنَّة. إذا تعارض خبران، وأحدهما يوافقه حديث آخر، دون الخبر الآخر، فإنه يرجح الأؤل - وهو الموافق لحديث آخر -؛ لأن الحديث الآخر قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له. الطريق الثالث: الترجيح بموافقة القياس. إذا اتفق خبران في كل شيء، إلا أن أحدهما قد وافقه قياس، دون الآخر، فإنه يرجح الأول - وهو الموافق للقياس -؛ لما قلناه؛ لأن القياس قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له. الطريق الرابع: الترجيح بالعمل به. إذا تعارض خبران في كل الوجوه، إلا أن أحدهما قد عمل الصحابة أو التابعون، أو أهل العلم بمقتضاه، والآخر لم يعمل به هؤلاء، فإنه يرجح الأول - وهو الخبر المعمول به؛ لأمرين:

стр. 2292

أولهما: أن عملهم به يدل على أنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . ثانيهما: احتمال أن عملهم به لقوته، وعدم عملهم بالآخر لضعفه. الطريق الخامس: الترجيح بتأخر الوقت. إذا تعارض خبران، وأحدهما قد اقترنت به قرائن تدل على تأخر وقته، ولم يقترن بالآخر ما يدل على ذلك: فإنه يرجح الأول - وهو: ما دلت قرائن على أنه متأخر -؛ لأن المتأخر يكون هو آخر الأمرين من النبي ﷺ ، فيجب العمل به فيكون ناسخا للأول والقرائن هى: أولاً: كون إحدى الروايتين مؤرخة بتأريخ مضيق، بخلاف الآخر، فتكون الرواية غير المؤرخة هي الراجحة، لاحتمال تأخرها في الغالب. ثانياً: كون إحدى الروايتين ذكر فيها مكة، والأخرى ذكر فيها المدينة، فإن ما ذكر فيها المدينة مرجح على الأخرى، نظراً لتأخرها. ثالثاً: أن يعلم أن أغلب رواية أحدهما بعد رواية الآخر غالبا، فيرجح المتأخر. الطريق السادس: الترجيح باشتمال الخبر على زيادة. إذا تعارض خبران، وأحدهما فيه زيادة لا توجد في الآخر: فإنه يرجح الخبر الذي اشتمل على الزيادة؛ لأمور: أولها: أن الراوي الذي في خبره الزيادة عنده زيادة علم لا توجد عند غيره. ثانيها: أن دلالة الحديث الذي فيه زيادة دلالة ناطق، ودلالة الحديث الآخر دلالة ساكت، ودلالة الناطق مقدمة.

стр. 2293

المطلب الثاني في طرق الترجيح بين معقولين ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأصل. المسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العِلَّة. المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الفرع. المسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمور الخارجية.

стр. 2294

المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأصل: الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكان الأصل في أحدهما حكمه قطعي، وفي الآخر حكمه ظني: فإنه يرجح القياس الذي حكمه قطعي؛ لأن ما كان حكم أصله ظنيا يتطرق إليه الخلل، بخلاف ما كان حكمه قطعيا. الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، وحكم أحدهما قد جرى على وفق القياس، ومقتضى القواعد الكلية، وحكم القياس الآخر معدول به عن سنن القياس، فإنه يرجح القياس الأول؛ لكونه أبعد عن التعبد، وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل. الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان وأحدهما يقتضي الإباحة، والآخر يقتضي التحريم؛ فإنا نرجح القياس المقتضي للتحريم؛ لأمرين: أولهما: أنه إذا اشتبه المباح بالمحظور غلب جانب الحظر. ثانيهما: أن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها. الطريق الرابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما يثبت الحد، والآخر يسقط الحد، فإنه يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، وهو مذهب كثير من الشافعية، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: قوله ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات "، والقياس المعارض أقل درجاته أن يكون فيه شبهه، والشبهه تدرأ الحدود. الدليل الثاني: أن الحدود ضرر، والضرر منفي في الإسلام، لقوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ".

стр. 2295

الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان أحدهما ينفي العتق، والآخر يثبت العتق، فإنه يرجح الثاني - وهو إثبات العتق -؛ لأمرين: الأول: أن العتق يتشوف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما يتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع مقاصد الشريعة، وأهداف الإسلام. الثاني: أن الأصل زوال قيد ملك اليمين وهو الأصل، فيكون القياس الموافق لهذا الأصل هو المرجح. الطريق السادس: إذا تعارض قياسان، واتفق أهل القياس على تعليل أحدهما، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول - وهو المتفق على تعليل حكم أصله -؛ لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف الطريق السابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد اتفق على عدم نسخ حكم أصله، والآخر قد اختلف في نسخ حكم أصله، فإنه يرجح الأول؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود. *** المسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العلة: الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما قاصرة، وعلة الآخر متعدية: فإنه ترجح العِلَّة المتعدية؛ لأن العِلَّة المتعدية أتم فائدة من العلَّة القاصرة، وأكثر منفعة؛ لأنها تفيد تعميم الأحكام، وهو الأصل. الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، أحدهما وجدت العِلَّة فيه بصورة قطعية، والآخر وجدت العلَّة فيه بصورة ظنية، فإنه يرجح الأول؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.

стр. 2296

الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما منعكسة - أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم -، وعلة الآخر ليست كذلك: فإنه يرجح الأول؛ لأن عدم الحكم عند عدم الوصف دليل اختصاص الحكم بالعِلَّة، وأكدت تعلقه به. الطريق الرابع: إذا تعارض قياس أحدهما جلي - وهو: ما علم فيه نفي الفارق بين الأصل والفرع -، والآخر خفي - وهو ما لم يعلم ذلك - فإنه يقدم الجلي؛ نظراً لقوة الجلي. الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان، أحدهما ثبتت عِلَّته عن طريق النص، والآخر عن طريق الإجماع، فإنه يرجح الثاني؛ لأن الإجماع لا يحتمل النسخ والتأويل، بخلاف النص. وكذلك النص يقدم على الإيماء. الطريق السادس: إذا تعارض قياسان أحدهما ثبتت عِلَّته عن طريق الإيماء بجميع أنواعه، والآخر ثبتت علَّته عن طريق غيره من الطرق الاجتهادية كالمناسبة، والدوران، فإَنه يرجح الأول؛ لأن الإيماء طريق أقوى من غيره، وما كان متفقا عليه أوْلى بالاتباع. وهكذا في جميع الطرق المثبتة للعلية - مسالك العلَّة - يقدم الأقوى على الأضعف: فيقدم الناسب على الدوران، والدوران على ما ثبتت عليته بالسبر والتقسيم، وهكذا. الطريق السابع؛ إذا تعارض قياسان، أحدهما علَّته عامة توجد في جميع الأفراد، والآخر علَّته خاصة قد خرج منها بعض الأفراد، فإنه يرجح الأول؛ لكثرة فوائد عِلَّته. الطريق الثامن: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلَّته تقتضي

стр. 2297

الاحتياط، والآخر عِلته تقتضي عدم ذلك: فإنه يرجح الأول، وهو واضح. الطريق التاسع: إذا تعارض قياسان: أحدهما يشهد لعلته أصلان - أي: يمكن استنباطها من أصلين - والآخر يشهد له أصل واحد، فإنه يرجح الأول؛ لأن ما يشهد له اثنان أقوى مما يشهد له واحد. الطريق العاشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علَّته ناقلة - أى: مفيدة حكما شرعيا جديداً - والآخر علَّته مبقية على الأصل، فإنه يرجح الأول - وهو القياس الذي عِلَّته ناقلة -؛ لأمرين: أولهما: أن الناقلة من قبيل المثبت، والأخرى من قبيل النافي، فيقدم المثبت على النافي؛ لأن فيها زيادة علم؛ قياسا على الخبرين. ثانيهما: أن الناقلة تفيد حكما شرعيا، والأخرى لا تفيد شيئاً إلا ما كان ثابتا قبل ذلك، فما كان مفيداً حكما شرعيا جديدأ أوْلى؛ قياسا على الخبرين المتعارضين. الطريق الحادي عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلته مفردة، وعلة الآخر مركبة من أوصاف، فإنه يرجح الأول؛ لأنه كلما كانت العَلَّة أقل أوصافا كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في الظن، وأقل اجتهاداً. الطريق الثاني عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علته وصفا مشتملاً على الحكمة، والآخر علَّته نفس الحكمة: فإنه يرجح الأول؛ لإجماع العلماء على صحةَ التعليل بالعلَّة، واختلافهم في جواز التعليل بالحكمة.

стр. 2298

المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة الثي ترجع إلى الفرع: الطريق الأول: إذا تعارض قياسان: أحدهما الفرع فيه مقطوع بوجود العلة فيه، والآخر مظنون بوجود العلة فيه: فيرجح ما كان الفرع مقطوعاً بوجود العِلَّة فيه؛ لأنه أغلب على الظن، وأبعد عن احتمال. الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما ورد الفرع فيه متأخر عن أصله، والآخر متقدم، فيرجح الأول؛ نظراً لسلامته من الاضطراب، وبعده عن الاختلاف. الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان مشتركان في عِلَّة الحكم أو جنسه، أو في العلَّة: فإنه يرجح القياس الذي كان الفرع فيه مشاركا للأصل في عين الحكم وعين العِلَّة، على القياس الذي كان الفرع فيه مشاركاً للأصل في جنس الحكم، وجنس العِلَّة؛ لأن التعدية باعتبار الاشتراك في المعنى الأخص أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى الأعم. *** المسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمر الخارجي: الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد وافقه عمل أهل المدينة؛ بخلاف الآخر، فإنه يرجح الأول؛ لأن موافقته لعمل أهل المدينة قوى الظن به، بخلاف الآخر.

стр. 2299

الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما قد وافقه ظاهر الكتاب أو السُّنَّة، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول؛ لما سبق. الطريق الثالث: يرجح القياس الذي وافقه عمل الخلفاء الأربعة على القياس الذي لم يوافقه عملهم. الطريق الرابع: يرجح القياس الذي وافقه قياس آخر، على القياس الذي لم يوافقه قياس آخر، وهذا على مذهب جمهور العلماء؛ لما سبق ذكره.

стр. 2300

المطلب الثالث في طرق الترجيح بين منقول ومعقول المنقول قسمان: القسم الأول: منقول خاص. القسم الثاني: منقول عام. أط القسم الأول - وهو: المنقول الخاص - فهو نوعان: النوع الأول: أن يكون دالًّا على حكمه بالمنطوق. النوع الثاني: أن يكون دالًّا على حكمه بالمفهوم. فإذا تعارض القياس مع النوع الأول - وهو: المنقول الخاص الذي دلَّ على حكمه بالمنطوق -: فإنه يرجح المنقول الخاص؛ لأمرين: أولهما: أنه أصل بالنسبة إلى القياس. ثانيهما: قلة تطرق الخلل إليه. وإن تعارض القياس مع النوع الثاني - وهو: المنقول الخاص الذي دلَّ على حكمه بالمفهوم - فهذا يختلف باختلاف قوة أنواع المفاهيم، ويختلف بحسب اختلاف المجتهدين وما يقع في نفوسهم من قوة الدلالة، وضعفها، وهذا لا يمكن ضبطه بقاعدة، لذلك يكون هذا موكولاً إلى نظر الناظرين في آحاد الصور.

стр. 2301

أما القسم الثاني - وهو: المنقول العام -: إذا عارضه القياس فقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أصحها: أن القياس يرجح على العام؛ لأنه يلزم من العمل بعموم ألعام إبطال دلالة القياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام مطلقا، بل كل ما يلزم منه تخصيصه بالقياس، أو تأويله، ومعروف أن الجمع بين الدليلين على وجه أوْلى من العمل بأحدهما دمابطال الآخر، وذلك لأن القياس - المعارض للعام - يتناول المتنازع فيه بخصوصه، والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام. ما اعترض به على هذا: الاعتراض الأول: أن العموم أصل للقياس، والقياس فرع، والأصل مقدم على الفرع. جوابه: أن هذا الاعتراض إنما يلزم لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ذلك القياس المقدم عليه، ولكن الأمر ليس كذلك، حيث إن القياس المقدم يجوز أن يكون فرعا لغيره. الاعتراض الثاني: أن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس، فكيف مع ذلك يقدم القياس الكثير الخلل والاحتمالات على العام القليل الخلل والاحتمالات. جوابه: أن هذا الاعتراض معارض بمثله، فإن العام يحتمل أن يكون غير ظاهر في العموم، فيكون الخلل فيه أكثر من احتمال الخلل في القياس.

стр. 2302

وإن كان العام ظاهراً، فإنه يحتمل الخصوص، وهذا الاحتمال غالب على الشرع، من احتمال الغلط من المجتهد، يؤيد ما قلناه: قولهم: ما من عام إلا - قد خصص إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أما القياس ولا يوجد فيه ذلك. هذا آخر المجلد الخامس، وهو آخر ما تيسر لي من الكتابة في هذا الكتاب الموسوم: " المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن - تحرير لمسائله ودراستها دراسة نظرية تطبيقية " أرجو من اللَّه العلي القدير أن ينفع به طلاب العلم، وأن يكون ذخيرة صالحة في الآخرة. وكان الفراغ منه مساء يوم الإثنين الموافق للسابع والعشرين من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر من الهجرة النبوية الشريفة بمدينة الرياض حماها اللَّه. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى اللَّه وسلم وبارك على أفضل خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

стр. 2303

الفهارس العامة