← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

المذهب الثاني: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ بقول الأفضل، وإن شاء أخذ بقول المفضول. وهو مذهب كثير من العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن العامي لا يمكنه أن يعرف الأفضل منهما على الحقيقة، بل قد يغتر بالظواهر، فيقدم المفضول، ويعتقد أنه هو الأفضل، وذلك لأن معرفة أن هذا العالم أفضل من ذاك يحتاج إلى معرفة أدلة كل واحد منهما على حكمه، وهذا ليس من شأن العوام، ولا يمكنهم ذلك لو أرادوا، ولو جاز أن يعرف العامي أدلة كل واحد من المجتهدين: لجاز للعامي أن ينظر في مسألته بنفسه ابتداء، دون أن يرجع إلى أي مجتهد. ثم إن زيادة الفضل لا تؤثر؛ لأن المفضول - أيضا - من أهل الاجتهاد يُسأل ويفتي لو انفرد، فكذلك إذا كان معه غيره، ولا فرق. جوابه: أن العامي يعرف الأفضل بكل سهولة، حيث إنه يمكنه أن يعرف ذلك بإحدى طرق: الطريق الأول: الأخبار: كأن يخبره العدل الثقة بأن فلانا هو أفضل علماء هذا العصر، أو يبلغه خبر عن طريق التواتر في ذلك. الطريق الثاني: بالمشاهدة، كأن يرى فلانا من المجتهدين يذعن له العلماء الآخرون، ويبجلونه، ويقدمونه عليهم، ويقبلون ما يقول. الطريق الثالث: بالأمارات والقرائن، كأن يلاحظ عليه بعض الأمور التي تجعله يحكم - بغلبة الظن - أن هذا هو الأفضل.

стр. 2242

أما قولكم: " إن زيادة الفضل لا تؤثر "، فليس بصحيح؛ بل إنها تؤثر في زيادة الاطمئنان على الحكم، وأنه بعيد عن الحكم الخاطئ. الدليل الثاني: إجماع الصحابة، حيث إنهم لا ينكرون على العامة ترك النظر في أحوال العلماء، وأنهم لم يفرقوا بين الفاضل والمفضول. جوابه: أن هذا الإجماع صحيح، ولكنه محمول على أنه لا يفاضل بين المجتهدين قبل السؤال، فيكون هذا يصلح للاستدلال به على المذهب الأول من المسألة السابقة في المبحث السادس. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه لو اختلف مجتهدان في القبْلة، فإنه يقلد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبْلة عنده، وهذا بناء على المذهب الأول. أما على المذهب الثاني: فإنه يقلد من شاء منهما، ويتخير. * * *

стр. 2243

المبحث الثامن إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما في جميع الأحوال - أي: لا يوجد أفضل ولا مفضول - وأحد المجتهدين قد أفتى بحكم شديد والآخر قد أفتى له بحكم خفيف فأي الحكمين يأخذ به العامي؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ بالأخف، وإن شاء أخذ بالأشد. وهو مذهب كثير من العلماء، وهو الحق؛ لدليلين: الدليل الأول: أن المجتهدين إذا تساويا عند العامي في جميع الأحوال، فإن قول أحدهما يساوي في القوة قول الآخر، فلا فرق بينهما، فليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأوْلى من قول الآخر؛ فلا مجال للمفاضلة بينهما، ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع. الدليل الثاني: أنه للعامي أن يقلد أيهما شاء في الابتداء قبل الفتوى - كما قلنا في المبحث السادس - فكذلك له أن يختار قول أيهما شاء بعد الفتوى، ولا فرق في ذلك. المذهب الثاني: أنه يجب على العامي الأخذ بالحكم الأشد. وهو مذهب بعض الشافعية، والخطيب البغدادي، وحكي عن الظاهرية، وهو اختيار القاضي عبد الجبار بن أحمد.

стр. 2244

دليل هذا المذهب: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف، ولربما شهوة تورث حزنا طويلاً ". وجه الدلالة: أن هذا الحديث دلَّ على أن الحق في الأشد. جوابه: أن هذا الحديث معارض بقوله ﷺ : " بعثت بالحنيفية السمحة السهلة "، وبقوله: " إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ". وإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح هو أن يخير العامي بينهما. المذهب الثالث: أنه يجب عليه الأخذ بالحكم الأخف. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: قوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ". ووجه الدلالة: أنه بيَّن أن الحق في الأخف الأسهل. جوابه: أن هذا الحديث معارض بقوله ﷺ : " الحق ثقيل، والباطل خفيف ". وإذا تعارض الدليلان تساقطا، فيكون الصحيح: أن يخير العامي بينهما كما قلنا. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي كما هو واضح.

стр. 2245

الباب السابع في التعارض والجمع والترجيح ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في التعارض. الفصل الثاني: في الجمع. الفصل الثالث: في الترجيح.

стр. 2246

الفصل الأول في التعارض ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: تعريفه. المبحث الثاني: شروطه. المبحث الثالث: إذا ثبت تعارض دليلين فهل يُقدم الجمع أو الترجيح؟

стр. 2247

المبحث الأول تعريف التعارض أولاً: التعارض لغة: هو التقابل، وهذا قد يكون على سبيل المماثلة والمساواة، ومن ذلك قولهم: " عارضت فلانا في السير " إذا سرت حياله. وقد يكون على سبيل الممانعة والمدافعة، ومن ذلك قولهم: "عرض الشيء يعرض ": إذا انتصب وصار مانعا كالحجر في الطريق يمنع السالكين، ومنه قولهم: " اعترض الشيء دون الشيء " أي حال دونه. وهذا الثاني هو المناسب لمعنى التعارض في الاصطلاح كما سيأتي. ثانيا: التعارض اصطلاحاً هو: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة. بيان التعريف: لفظ " تقابل " عام يشمل كل تقابل، فيدخل التقابل الواقع بين حكمين مختلفين كالوجوب والتحريم، ويدخل التقابل الواقع بين أقوال المجتهدين، ويدخل التقابل بين الدليلين. وعبارة: " تقابل الدليلين " أخرجت ما سبق إلا تقابل الدليلين. وعبارة: " على سبيل الممانعة " أتي بها لبيان أنه يشترط في الدليلين المتعارضين: أن يدل أحد الدليلين على غير ما يدل عليه الآخر كأن يدل أحدهما على الجواز، والآخر يدل على التحريم، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل الآخر، ومعارض له، ومانع منه.

стр. 2248

المبحث الثاني شروط التعارض ليس كل تعارض بين دليلين صحيحاً، بل إن للتعارض الصحيح شروطاً هي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد بأن يكون أحدهما يجوز، والآخر يحرم؛ لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم، فلا تعارض كما بينا. الشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين دليلين تختلف قوتهما من ناحية الدليل نفسه، كأن يدل حديث متواتر على تحريم شيء، ويدل حديث آحاد على جوازه، فهنا لا تعارض بينهما حيث يقدم الدليل المتواتر. والتساوي بين الدليلين يجب أن يكون من جميع الوجوه: فلا بد من التساوي في الثبوت فلا تعارض بين متواتر وآحاد. ولا بد من التساوي في الدلالة، فلا تعارض بين ما دلالته قطعية وما دلالته ظنية. ولا بد من التساوي في عدد الأدلة، فلا تعارض بين دليلين ظنيين، وبين دليل واحد ظني. الشرط الثالث: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ حيث إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، ومن هنا قدم خبر: " كان النبي ﷺ يصبح جنباً وهو صائم "

стр. 2249

وقد روته إحدى زوجاته ﷺ على الخبر الذي رواه أبو هريرة: " من أصبح جنبا فلا صوم له ". الشرط الرابع: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين: فالنكاح مثلاً يوجب الحل في المنكوحة، والحرمة في أمها، إذن لا تعارض بين قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) ، وقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأمهات نسائكم) ، وذلك لاختلاف من يقع عليها الحل ممن يقع عليها التحريم.

стр. 2250

المبحث الثالث إذا ثبت تعارض دليلين فهل يقدم الجمع أو الترجيح ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب، من أهمها مذهبان هما: المذهب الأول: أنه يُقدم الجمع بين المتعارضين بأي نوع من أنواع الجمع، فإن تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإنه يرجح أحدهما على الآخر، وذلك بأي وجه من أوجه الترجيح، فإن تعذر على المجتهد الجمع والترجيح، فإنه ينظر في تاريخ ورود الدليلين المتعارضين، فإن عرفه فإنه حينئذٍ ينسخ المتأخر المتقدم، فإن تعذر الجمع، والترجيح ومعرفة المتاخر من المتقدم، فإن المجتهد يحكم بسقوط الدليلين المتعارضين، ويرجع ويستدل على حكم الحادثة بالبراءة الأصلية، وكأن الدليلين المتعارضين غير موجودين. هذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن الدليلين المتعارضين دليلان قد ثبتا، ويمكن استعمالهما معا، وبناء أحدهما على الآخر، فلا يمكن إلغاؤهما، أو إلغاء واحد منهما إذا أمكن العمل بكل واحد منهما من وجه.. الدليل الثاني: أنه فد ورد تقديم الجمع بين الدليلين عن ابن عباس ﵄ حيث إنه لما قرأ قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ، وقوله:. (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) قال - أى ابن عباس -: يُسألون في موضع، ولا يُسألون في موضع آخر، فقال - جامعا بينهما -: " لا يسألهم ربهم هل

стр. 2251

عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لِمَ عملتم كذا وكذا؟ "، فهنا قدم الجمع على غيره. الدليل الثالث: أن الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه تنزيههما عن النقص؛ لأن الدليلين المتعارضين بالجمع يتوافقان، ويزال الاختلاف المؤدي إلى النقص والعجز، بخلاف الترجيح فإنه يؤدي إلى إلغاء أحدهما وتركه؛ لأنه يوجب العمل بالراجح دون المرجوح، وكذلك النسخ والتخيير، حيث إنه يترتب عليهما ترك أحد الدليلين، وكذلك إسقاط الدليلين معا يترتب عليه ترك العمل بهما معا. المذهب الثاني: أنه يقدم الترجيح على الجمع، فقال أصحاب هذا المذهب في تفصيل ذلك: إنه يقدم النظر في تاريخ ورودهما، فإن علم أن أحدهما متقدم على الآخر، فإنه يحكم بأن المتأخر ناسخ للمتقدم، وإن تعذر معرفة تاريخ ورودهما: فإنه يرجح أحدهما على الآخر بأي وجه من وجوه الترجيح، فإن تعذر التاريخ والترجيح: جمع بينهما إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين اللذين لا مرجح لأحدهما أوْلى من إهدارهما، فإن تعذر الجمع ترك العمل بهما، وعدل إلى الاستدلال إلى ما دونهما في الرتبة. وهذا مذهب الحنفية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - كانوا إذا أشكل عليهم حديثان، فإنهم يلجأون إلى الترجيح، وقد ثبت ذلك في وقائع منها: أنهم رجحوا حديث عائشة ﵂: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " على حديث: " إنما الماء من الماء".

стр. 2252

جوابه: هذا يدل على وجوب الترجيح بين الدليلين المتعارضين، وهذا لا نزاع فيه، ولكن النزاع في تقديم الجمع على الترجيح، أو العكس، وهذا الدليل لا يدل عل تقديم أحدهما على الآخر، ونحن نقول: إنه إذا تعذر الجمع لجأنا إلى الترجيح، فلما لم يمكن الجمع بين الحديثين السابقين، لجأوا إلى الترجيح. الدليل الثاني: أن العقلاء قد اتفقوا على أنه عند التعارض يقدم الراجح على المرجوح، واتفقوا - أيضا - على امتناع ترجيح المرجوح، أو مساواته بالراجح. جوابه: أن النظر إلى الراجح من الأدلة والمرجوح منها، إنما يكون لدفع التعارض بإسقاط أحدهما عن العمل، والأدلة بعد الجمع تكون متوافقة، فلا تحتاج إلى الترجيح أصلاً. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، وهو ظاهر.

стр. 2253

الفصل الثاني في الجمع ويشتمل على مبحثين هما: المبحث الأول: تعريفه. المبحث الثاني: شروطه.

стр. 2254

المبحث الأول تعريف الجمع بين الأدلة المتعارضة أولاً: الجمع لغة: هو تاليف التفرق، يقال: جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعا فاجتمع، وتجمع القوم إذا التفوا حول بعض. ثانيا: الجمع في الاصطلاح هو: الائتلاف بين الأدلة الشرعية وتوافقها؛ وبيان أن الاختلاف بينها غير موجود حقيقة.

стр. 2255

المبحث الثاني شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة ليس كل جمع بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للجمع الصحيح شروطا هي كما يلي: الشرط الأول: أن يكون كل دليل من الدليلين المتعارضين ثابت الحجية، فلا يجوز الجمع بين دليلين ضعيفين؛ لأنهما ليسا بدليلين. الشرط الثاني: أن يكون كل دليل من الدليلين المتعارضين مساويا للآخر، فلا يجوز الجمع بين دليل قوي ودليل ضعيف، بل يصار هنا إلى ترجيح الأقوى. الشرط الثالث: إذا كان الجمع بين الدليلين بالتأويل البعيد: فلا يجوز أن يخرج هذا التأويل عن القواعد المقررة في اللغة. ولا يجوز أن يخالف عرف الشريعة ومبادئها السامية. ولا يجوز أن يخرج الكلام به إلى ما لا يليق بكلام الشارع. الشرط الرابع: أن يكون الجامع من أهل الاجتهاد والنظر الدقيق في الشريعة. الشرط الخامس: ألا يخرج المجتهد بجمعه بين الدليلين عن حكمة التشريع وسره، ولا يخالف بجمعه وتأويله الأحكام الشرعية المتفق عليها، أو المنصوص عليها نصا قاطعا، أو ما علم من الدين بالضرورة.

стр. 2256

الفصل الثالث في الترجيح ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: تعريفه. المبحث الثاني: أركانه. المبحث الثالث: شروطه. المبحث الرابع: هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض، أو الترجيح لا يكون بين المتعارضين؟ المبحث الخامس: هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا؟ المبحث السادس: حكم العمل بالراجح من الدليلين. المبحث السابع: هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؟ المبحث الثامن: طرق الترجيح بين الأدلة.

стр. 2257

المبحث الأول تعريف الترجيح أولاً: الترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: " رجح الميزان " إذا مال، ويقال: " أرجح الميزان " إذا أثقله حتى مال. ثانياً: الترجيح اصطلاحا هو: تقديم المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين؛ لما فيه من مزية معتبرة تجعل العمل به أوْلى من الآخر. *** المبحث الثاني أركان الترجيح لقد اتضح من تعريف الترجيح أركان الترجيح وهي باختصار: الركن الأول: وجود دليلين: راجح، ومرجوح. الركن الثاني: وجود المزية في أحد الدليلين المتعارضين، وهو المرجح به. الركن الثالث: وجود المجتهد الذين يرجح أحدهما على الآخر. الركن الرابع: بيان المجتهد فضل ومزية الدليل الذي يريد ترجيحه على الآخر.

стр. 2258

المبحث الثالث شروط الترجيح بين الدليلين ليس كل ترجيح بين دليلين متعارضين يصح، بل إن للترجيح الصحيح شروطاً هي كما يلي: الشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر. الشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض أصلاً بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي، ودليل ظني، وبالتالي لا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان للتفاوت. الشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويان في الحجية؛ فلا يصح ترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح أصلاً. الشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين. الشرط الخامس: أن يكون المرجح قويا، بحيث يجعل المجتهد يغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر.

стр. 2259

المبحث الرابع هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارض أم الترجيح لا يكون بين المتعارضين ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الترجيح لا يوجد إلا بين الدليلين المتعارضين، ويظهر ذلك وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في التعريف. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لأنه لولا التعارض لما وجدت حاجة إلى الترجيح والبحث عنه بعد تعذر الجمع، ومعروف أن الترجيح من جملة ما يدفع به التعارض، ومعروف - أيضاً - أنه لم يلجأ المجتهد إلى الترجيح إلا من أجل التخلص من التعارض. المذهب الثاني: أن الترجيح لا يوجد مع التعارض، ولا يشترط لتحقق الترجيح وجود التعارض، فيكون الترجيح مباينا للتعارض. وهو مذهب يعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن من شروط التعارض: استواء الدليلين من جميع الوجوه - كما سبق بيانه - والترجيح لا بد أن يكون لأحدهما فضل وزيادة، فالقول بالتعارض هو القول بتساوي الدليلين، والقول بترجيح أحدهما قول بعدم الساواة بينهما، فهما - إذن - قولان متناقضان. جوابه: أن استواء الدليلين شرط في التعارض العام بين الدليلين نفسيهما، وهذا لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين يجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية.

стр. 2260

المبحث الخامس هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا ؟ لقد اختلف العلماء في هذا على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين، سواء كانا نقليين، أو عقليين. وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية كالغزالي، والآمدي، وبعض المالكية كابن الحاجب، وبعض الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن الترجيح لا بد أن يكون موجبا لتقوية أحد الدليلين المتعارضين على الآخر، والدليل المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه ترجيح. الدليل الثاني: أن الترجيح غير متصور في القطعي؛ لأنه إما أن يعارضه قطعي أو ظني. أما الأول - وهو احتمال معارضته بالدليل القطعى - فهو محال؛ لأنه يلزم منه ما يلي: إما العمل بهما معا وهو باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين. وإما عدم العمل بهما معا وهو باطل؛ لأنه ترك لدليلين قد ثبتا. وأما العمل بأحدهما دون الآخر وهو باطل؛ لأنه تحكم؛ حيث لا ترجيح مع التساوي.

стр. 2261

أما الثاني - وهو احتمال معارضته بالدليل الظني - فهو محال، لعدم تصور التعارض بين دليل قطعي ودليل ظني. الدليك الثالث: أن الترجيح: تقوية، وهي: مستحيلة في الدلائل القطعية، حيث إن احتمال النقيض إن كان قائما في أحد الدليلين لم يكن يقينا، وإن لم يكن احتمال النقيض موجوداً فإنه تمتنع التقوية والترجيح. المذهب الثاني: أنه يجوز الترجيح بين الدليلين القطعيين. وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية. دليل هذا المذهب: قياس الأدلة القطعية على الأدلة الظنية، بيان ذلك: أنه كما يجوز الترجيح بين الأدلة الظنية، فكذلك يجوز الترجيح بين الأدلة القطعية، ولا فرق، والجامع: أنها كلها أدلة من الشارع. جوابه: أن هذا القياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من وجوه: الوجه الأول: عدم التفاوت في أكثر القطعيات، بخلاف الظنيات، فإنه يوجد تفاوت في العلم بها. الوجه الثاني: أن مدلول القطعي متحقق، لعدم جواز تخلف المدلول عنه بخلاف مدلول الظني. الوجه الثالث: أنه لا يحتمل النقيض في القطعي، دون الظني. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي، لا أثر له في الفروع.

стр. 2262

المبحث السادس في حكم العمل بالراجح من الدليلين لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ حيث إنهم كانوا يعملون بالراجح من الدليلين، ويتركون العمل بالدليل المرجوح وهذا ثبت في عدة صعور ووقائع منها: ١ - أنهم عملوا بقوله ﷺ : "إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل " وتركوا العمل بقوله: " إنما الماء من الماء ". ٢ - أنهم عملوا بحديث: " أن النبي ﷺ كان يصبح جنبا وهو صائم "، وتركوا العمل بقوله: " من أدرك الصبح وهو جنب فلا صوم له ". الدليل الثاني: أن العرف يقتضي العمل بالراجح، وترك المرجوح، فإذا كان ترجيح الراجح متعين عرفا، فكذا شرعا. الدليل الثالث: أنه لو لم نعمل بالراجح: للزم العمل بالمرجوح ولا شك أن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلاً، فلم يبق إلا العمل بالراجح.

стр. 2263

المذهب الثاني: أنه لا يجب العمل بالراجح، بل إنه يلزم التخيير أو التوقف. وهو مذهب بعض العلماء. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن الأدلة المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة والترجيح غير معتبر في البينات، فيقاس عليها الادلة المتعارضة، فكما أنه لا تقدم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين، فكذلك لا يقدم دليل على دليل. جوابه: يجاب عن ذلك بجوابو: الجواب الأول: أن الحكم في الأصل المقاس عليه وهو: " أن الترجيح غير معتبر في البينات " مختلف فيه، حيث إنه معتبر عند بعض العلماء، ومنهم مالك. الجواب الثاني: أن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أنه لو اعتبر الترجيح في البينات بكثرة العدد؛ لأدى إلى عدم انضباط الأمور، وامتداد الخصومة؛ حيث إن الخصم سياتي بشهود أكثر من شهود خصمه، وهكذا الآخر، ثم لا ينتهي الأمر، ونظرا لذلك فإنه امتنع اعتبار الزيادة في البينات. بخلاف الأدلة المتعارضة، فكلما زاد ما يقوي دليلاً تقوى رجحانه. الدليل الثاني: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) . وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل، فلا وجه لوجوب العمل بالراجح، دون المرجوح.

стр. 2264

جوابه: إن الآية تفيد الأمر بالاعتبار، وهو القياس - كما سبق بيانه - ولا تفيد ما ذكرتموه، فليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالراجح، حيث إن إيجاب العمل بأحد الدليلين لا ينافي إيجاب غيره. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي، كما هو واضح.

стр. 2265

المبحث السابع هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة ؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة. وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: قياس الأدلة على الرواة، بيان ذلك: أن رواية الاثنين أقرب إلى الصحة وأبعد عن السهو والغلط من رواية الواحد؛ حيث إن الشيء عند الجماعة أحفظ منه عند الواحد، ولهذا قال ﷺ : "الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد "، فيجب تقديم ما كثرت رواته، وإذا كان كذلك فإنه يجب تقديم الحكم الذي كثرت أدلته. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لم يعمل بقول ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه " حتى أخبره أبو بكر وبعض الصحابة. وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ رجح بكثرة العدد. الدليل الثالث: أن الصحابة ﵃ كانوا يرجحون بكثرة العدد، من ذلك: ١ - أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة: " أن النبي ﷺ أطعم الجدة السدس " حتى شهد معه محمد بن مسلمة. ٢ - أن عمر لم يعمل بخبر: " من استأذن ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع " حتى شهد مع الراوي بعض الصحابة، والأمثلة كثيرة.

стр. 2266

الدليل الرابع: أن مخالفة الدليل خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الدليل الإعمال، واستنباط الأحكام منه، فكثرة المخالفة أكثر مخالفة من قلتها، فإذا وجد في جانب دليلان، ووجد في جانب آخر دليل واحد: كان ترك العمل بالأول أكثر مخالفة ومحذوراً من الثاني، فيؤخذ بالأقل محذوراً، والأخف ضرراً. المذهب الثاني: أنه لا يجوز الترجيح بكثرة الأدلة، بل يشترط أن يكون المرجح به وصفاً للدليل المرجح، لا دليلاً مستقلا. وهو مذهب الحنفية. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قياس الأدلة على الشهادات، بيان ذلك: أنه لا ترجح الشهادة بكثرة العدد؛ حيث إن شهادة شاهدين وشهادة أربعة سواء، فإذا كان الأمر كذلك في الشهادة، فكذلك يمنع الترجيح بكثرة الأدلة. جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن الحكم في الأصل المقاس عليه وهو: " عدم الترجيح في الشهادة بكثرة العدد " مختلف فيه؛ حيث إن بعض العلماء أثبتوا الترجيح في الشهادة بكثرة العدد، ومنهم الإمام مالك، ولا قياس على أصل حكمه مختلف فيه. الجواب الثاني: سلمنا الحكم في الأصل وهو: " أنه لا ترجح الشهادة بكثرة العدد "، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الشارع منع الترجيح في الشهادة بكثرة العدد ومقصوده سد باب الخصومات، حيث إنه يترتب على ذلك أن

стр. 2267

يقول الخصم: أنا آتي بعدد أكثر من عدده، فيقول الآخر: وأنا أفعل كذلك، فلا تنتهي الخصومة. بخلاف الترجيح بكثرة الأدلة، فلا يكون فيه ذلك. الدليل الثاني: أنه لو جاز الترجيح بكثرة الأدلة، للزم من ذلك تقديم القياس على خبر الواحد عند تعارضهما، وهذا ليس بصحيح، إذ لو وجد مائة قياس، وعارضت تلك الأقيسة خبر واحد كان ذلك الخبر راجحا، كما لو كان القياس راجحا، ولو كان للكثرة أثر في قوة الظن لترجحت الأقيسة على الحديث الواحد. جوابه: إن اتحد أصل تلك الأقيسة المتعددة المعارضة للخبر: كانت كلها في الحقيقة قياساً واحداً، وليست أقيسة متعددة، فإذا قدمنا الخبر عليها فإنا نقدمه على قياس واحد لا غير. وإن لم يتحد أصل تلك الأقيسة المتعددة فتكون مخالفة للقياس المعارض للخبر في الأصل. بيان نوع الخلاف: الخلاف معنوي؛ حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها: إذا ادَّعى رجلان شيئاً وهو في يد أحدهما، وأقام كل منهما بيّنة، فإنه بناء على المذهب الأول: تقدم بيِّنة ذي اليد على بيِّنة الآخر؛ لأنهما استويا في إقامة البيِّنة، وترجحت بينة ذي اليد لكون الشيء المتنازع عليه معه. أما على المذهب الثاني: فإنه لا تسمع بيّنة ذي اليد؛ لأن اليد دليل مستقل بإثبات الحكم، فلا يصلح لترجيح بيِّنة؛ لأنها منفصلة عن البيِّنة.

стр. 2268

المبحث الثامن في طرق الترجيح بين الأدلة ويشتمل على ما يلي من المطالب: المطلب الأول: طرق الترجيح بين منقولين. المطلب الثاني: طرق الترجيح بين معقولين. المطلب الثالث: طرق الترجيح بين منقول ومعقول.

стр. 2269

المطلب الأول في طرق الترجيح بين منقولين الترجيح بين الدليلين المنقولين يشمل الكتاب والسُّنَّة، لكن العلماء تكلموا في ذلك عن السُّنَّة فقط، دون الكتاب، والسبب في ذلك: أن القرآن قد وصل إلينا وهو متكامل لا زيادة فيه ولا نقصان لا يشك في ذلك أيُّ مسلم، ونظراً لكونه متواتراً في السند والمتن، فإنه لا تعارض بين آية وأخرى، فلا ترجيح فيه لآية على أخرى للقطع بأن كله من عند اللَّه، وإن وجد تعارض بين آيتين في الدلالة، فإنه تعارض يستطيع أي طالب علم أن يفك هذا التعارض. وأما السُّنَّة - وإن كانت مثل القرآن في وجوب الاتباع والعمل بمدلولاتها - فنظراً لكونها غير مقطوع بها من حيث السند والمتن فإنه يوجد تعارض فيها بين حديث وحديث آخر، وبالتالي لا بد من الترجيح بينهما، وطرق الترجيح. فالعلماء تكلموا عن طرق الترجيح في السُّنَّة لكون التعارض فيها يقع كثيراً وغالباً؛ بخلاف القرآن الكريم. وطرق الترجيح بين الأحاديث والأخبار تتنوع بحسب ما ترجع إليه، ولهذا جعلت الكلام عنها في المسائل التالية: المسألة الأولى: في طرق الترجيح التي ترجع إلى الرواة. المسألة الثانية: في طرق الترجيح التي ترجع إلى قوة السند وضعفه.

стр. 2270

المسألة الثالثة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى متن الحديث. المسألة الرابعة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى الحكم. المسألة الخامسة: في طرق الترجيح التي ترجع إلى أمر خارجي. وإليك بيان كل مسألة بكل طرقها، وبيان المتفق عليه والمختلف فيه منها، فأقول: المسألة الأولى: طرق الترجيح التي ترجع إلى الرواة: الطريق الأول: الترجيح بكون الراوي قريباً من الرسول ﷺ . إذا تعارض خبران، وراوي أحدهما أقرب من رسول اللَّه ﷺ وقت سماع الحديث، فإن حديثه يرجح على ما كان راويه أبعد منه؛ لأن الراوي القريب أوعى للحديث من البعيد، وأكثر سماعا له منه، فيكون - أي: القريب - أبعد من احتمال الخطأ. مثاله: التعارض الحاصل بين رواية ابن عمر، وأنس بن مالك في حكاية تلبية الرسول ﷺ في حجة الوداع، فروى ابن عمر أنه نوى مفرداً - أي بالحج فقط -، وروى أنس: أنه ﷺ نوى قارناً، أي: بالحج والعمرة معا. فهنا ترجح رواية ابن عمر؛ وذلك لأنه أقرب إلى النبي ﷺ ؛ حيث إنه ورد في آخر الحديث أن ابن عمر قال: " كنت آخذ بزمام ناقة رسول اللَّه ﷺ ، يسيل علي لعابها ". الطريق الثاني: الترجيح بكبر سن الراوي. إذا تعارض خبران وراوي أحدهما أكبر من راوي الآخر، فإنه يرجح الحديث الذي راويه اكبر سنا على الحديث الآخر؛ لأمور: أولها: أن الغالب أن كبير السن يكون أقرب الناس مجلسا إلى

стр. 2271

النبي ﷺ ؛ لقوله ﷺ : " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلين أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ". ثانيها: أن محافظته على منصبه تحمله على تحرزه عن الكذب. ثالثها: أن الغالب في الكبار أنهم يتحرزون عن الكذب، ويحتاطون لدينهم، فلا ينقلون إلا ما كانوا متأكدين منه أكثر من الصغار. رابعها: أن الكبير أضبط للحديث من الصغير. ويستثنى من هذه القاعدة: الصغيرة الذي يحترز لدينه ويتميز بالضبط أكثر من الكبير أو مثله. مثاله: نفس المثال في الطريق السابق، وهو تعارض حديث ابن عمر، مع حديث أنس، فأنا نرجح حديث ابن عمر؛ نظراً لكبر سنه، لما ورد في آخر الحديث من قول ابن عمر: " أن أنسا كان صغيراً يلج على كنساء وهن متكشفات، وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ يسيل عليّ لعابها ". الطريق الثالث: الترجيح بكون الراوي متأخر الإسلام. إذا تعارض خبران وراوي أحدهما كان متأخر الإسلام من الآخر، فايهما الذين يرجح؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يرجح حديث متأخر الإسلام. وهو مذهب أكثر الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن تأخره في الإسلام يدل على تأخره في روايته،

стр. 2272

فهو يحفظ آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ، فيكون الأخذ بخبره أوْلى. الدليل الثاني: أن ابن عباس قال: " كنا ناخذ الأحدث فالأحدث من أوامر رسول اللَّه ﷺ "، وخبر متأخر الإسلام هو الأحدث، فيكون هو الأَوْلى. الدليل الثالث: أن رواية متقدم الإسلام تعتريها عدة احتمالات هي كما يلي: فيحتمل أن يكون خبره مما سمعه في آخر الأمر من رسول الله ﷺ ، فيكون مساوياً لمتأخر الإسلام. ويحتمل استماعه للخبر في أول الإسلام، فيكون متقدما في الزمان، مرجوحاً في العمل. ويحتمل أن يكون المتقدم منسوخا بالمتأخر. وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. لذلك نرجح حديث متأخر الإسلام على متقدمه. المذهب الثاني: أنه يرجح خبر الراوي المتقدم في الإسلام. وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية كالآمدي، وبعض المالكية كابن الحاجب. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أن المتقدم "عاش حتى مات متأخر الإسلام متساويا له في الصحبة، إلا أن المتقدم يزيد عليه بالتقدم؛ لقوة أصالته، وسبق معرفته بالإسلام.

стр. 2273

جوابه: أن سماع المتأخر متحقق التأخر، ولا يحتمل غير ذلك، أما سماع المتقدم فإنه يحتمل التقدم والتأخر، وما لا يحتمل مقدم على ما يحتمل. الدليل الثاني: أن المتقدم قد يطلع على ما لا يطلع عليه المتأخر، فهو أوْلى؛ نظراً لسبق معرفته، ولشدة احترازه عن الكذب صونا لمنصبه. جوابه: أن في رواية المتقدم احتمال، بخلاف الآخر. المذهب الثالث: أنهما متساويان، فلا نرجح رواية على أخرى. وهو مذهب بعض العلماء. دليل هذا المذهب: أن كل واحد منهما قد اختص بمزية لا توجد في الآخر، فالأول قد اختص بمزية الأصالة والتقدم، واطلاعه على ما لم يطلع عليه الآخر في الإسلام، أما راوي الحديث الثاني فإنه مختص بكونه لا يروي في الغالب إلا آخر الأمرين عن رسول الله ﷺ ، فكانت روايتهما سواء. جوابه: لا نسلم أن روايتهما سواء، بل إن رواية المتقدم تحتمل التقدم والتأخر، وأما رواية المتأخر فلا تحتمل إلا التأخر فافترقا. المذهب الرابع: التفصيل، وهو: إن كان التقدم في الإسلام موجوداً في زمن المتأخر، فلا ترجيح لواحد منهما على الآخر؛

стр. 2274

نظراً لجواز أن تكون رواية المتقدم في الإسلام متأخرة عن رواية المتأخر فيه، ويحتمل العكس من غير ترجيح، فلا يقدم أحدهما على الآخر. أما إذا علم أن المتقدم في الإسلام مات قبل إسلام المتأخر، أو علم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر، فإن رواية المتأخر تكون أرجح؛ لأن ما علم تأخيرها على روايات المتأخر في الإسلام فهو متقدم ومرجح على روايات المتقدم في الإسلام، وما لم يعلم يكون نادراً، والنادر يلحق بالغالب الكثير، وهو مذهب فخر الدين الرازي. جوابه: أن احتمال تقدم رواية الراوي المتقدم احتمال قوي وإن كان موجوداً في زمن الراوي المتأخر، في حين أن هذا الاحتمال غير موجود في الراوي المتأخر، وما لا يحتمل مقدم على ما يحتمل. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا معنوي، كما هو واضح. الطريق الرابع: الترجيح بكون الراوي كثير الصحبة. إذا تعارض خبران، وراوي أحدهما أكثر صحبة لرسول اللَّه ﷺ من راوي الخبر الآخر، فإنه يرجح الخبر الذي راويه أكثر صحبة؛ لأمرين: أولهما: أن كثير المصاحبة للنبي ﷺ أعلم برواية الحديث، وأحفظ لها، وأكثر استيعابا لأقوال النبي ﷺ وأفعاله وأعلم بمقاصد الشريعة.

стр. 2275

ثانيهما: أن كثير الصحبة أقوى إيماناً من غيره بسبب كثرة استماعه لمواعظه ﷺ ، فيكون تجنبه عن الكذب أكثر وأشد. الطريق الخامس: الترجيح بكون الراوي سمع من غير حجاب. إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين سمع الحديث من الراوي الأول من غير حجاب، وراوي الخبر الثاني المعارض له سمع الخبر منه وبينهما حجاب، فإنه يرجح خبر الراوي الذي سمع من الراوي الأول من غير حجاب؛ لأن الرواية من غير حجاب شاركت الرواية الأخرى في السماع، وتزيد عليها بتعين عين المسموع منه، فيكون آمناً من تطرق الخلل الموجود في الرواية الأخرى. لذلك ترجح رواية قاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة - رضي الله عنها - أن بريرة عتقت وكان زوجها عبداً على رواية الأسود بن يزيد عن عائشة: أن بريرة عتقت وزوجها حر؛ ويرجح ذلك لأن قاسم بن محمد قد سمع من عائشة بلا حجاب؛ لأنها عمته، أما الأسود فقد سمع عنها مع الحجاب. الطريق السادس: الترجيح بكون الراوي قد اتفق على عدالته. إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين قد اتفق على عدالته، وراوي الخبر الآخر قد اختلف في عدالته: فإن الخبر الذي اتفق على عدالة راويه يرجح على الآخر، والعِلَّة في ذلك ظاهرة؛ حيث إن المتفق عليه مقدم على المختلف فيه في كل شيء. لذلك يُرجح خبر بسرة بنت صفوان في نقض الوضوء من مس الذكر على خبر طلق بن عليّ الحنفي المعارض له المفيد عدم النقض من مس الذكر؛ وذلك لأن خبر بسرة قد أخرجه مالك بإسناد ليس

стр. 2276

فيه إلا عدل متفق على عدالته، وأما رواة خبر طلق فإنه قد اختلف في عدالتهم. الطريق السابع: الترجيح بكون الراوي تتعلَّق القصة به، أو سفيراً فيها. إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبرين تتعلق القصة به، أو هو مباشر لها، أو سفير فيها دون راوي الخبر الآخر: فإنه يرجح خبر الراوي الذي تتعلق به القصة، أو كان سفيراً فيها على الخبر الآخر، وذلك لأن الراوي الذي تتعلق به القصة والقضية، أو هو مباشر لها أو سفير فيها أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره، فتكون روايته أقرب إلى الصحة، فيكون أميل إلى قبولها. لذلك يرجح خبر ميمونة ﵂: " تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف " على خبر ابن عباس ﵄: " أن رسول اللَّه ﷺ نكحها وهو محرم "، وذلك لأن الراوية للأول هي التي عقد عليها، فهي أعرف بوقت عقدها، وتفاصيل الموضوع؛ لشدة اهتمامها به. ثم يؤيد ذلك ما رواه أبو رافع ﵁: " أنه ﷺ نكحها وهما حلالان "، فهذا يرجح على خبر ابن عباس؛ لأن أبا رافع كان سفيراً بين النبي ﷺ وميمونة، كما ورد التصريح به في بعض الروايات، وهذا مذهب كثير من العلماء. أما الحنفية فإنهم رجحوا خبر ابن عباس في هذا، لأنه أفضل فى الحفظ، وأحسن في الضبط، وأعلم بالشريعة منه. وقد جرى في ذلك مناقشات واعتراضات في هذا، تجده مبسوطا في كتب الفقه.

стр. 2277

الطريق الثامن: الترجيح بكون الراوي فقيهاً. إذا تعارض خبران، وراوي أحد الخبوين أفقه من راوي الخبر الآخر: فإنه يقدم الخبر الذي راويه أفقه على الخبر الآخر؛ وذلك لأن الراوي الفقيه أعرف بمدلولات الألفاظ، وأعلم باقتناص الأحكام الشرعية من الألفاظ، فهو - إذن - يميز بين ما يجوز وما لا يجوز، وبين ما يمكن حمله على ظاهره، وما لا يمكن فيه ذلك، فإذا سمع مثل ذلك فإنه يبحث عنه، وعن ما ليتعلق به من سبب نزوله ووروده حتى يطلع على ما يزول به الإشكال، بخلاف غير الفقيه، فليس كذلك " حيث إنه يروي ما يسمعه، وقد يؤدي إلى حكم غير صحيح، أو إلى حكم مخالف لمقاصد الشريعة. إذن يكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل، ويكون أكثر ضبطاً، وأشد اعتناء بنقل الكلام. لذلك يرجح خبر عائشة ﵂: " أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم " على خبر أبي هريرة ﵁: " من أصبح جنبا فلا صيام له ". الطريق التاسع؛ الترجيح بكون الراوي حسن الاعتقاد. إن الخبر الذي رواه راو حسن الاعتقاد يُرجح على الخبر الذي رواه مبتدع، لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره. لذلك يُرجح خبر قوله ﷺ : "إن النبي ﷺ نهى عن صيام الدهر" على الخبر الذي رواه إبراهيم بن يحيى: أن رسول اللَّه ﷺ قال: " من صام الدهر فقد وهب نفسه لله "؛ لأن إبراهيم بن يحيى كان مبتدعاً - كما قال كثير من العلماء -.

стр. 2278

الطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعاً. إذا كان راوي أحد الخبرين أورع من راوي الخبر الآخر، وأشد احتياطاً فيما يرويه: فإن خبره يرجح؛ لذلك الورع والاحتياط، فيكون كلامه أقل احتمالاً للخطأ. الطريق الحادي عشر: الترجيح بكون الراوي أعلم باللغة العربية. إذا كان راوي أحد الخبرين أعلم باللغة العربية من راوي الخبر الآخر: فإنه يرجح الخبر الذي رواه العالم باللغة العربية؛ لأمرين: أولهما: أن تطرق الخطأ إليه أقل. ثانيهما: أن من كان كذلك إذا سمع خبراً، وعرف أن فيه ما لا يحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات كلماته حتى يزول الإشكال. فلذلك كان الوثوق برواياته أكثر. الطريق الثاني عشر: الترجيح بكون الراوي راجح العقل. إذا كان راوي أحد الخبرين أرجح عقلاً من راوي الخبر الآخر: فإنه يُرجح الخبر الذي رواه راجح العقل على من يختل عقله في وقت دون وقت؛ وذلك لتطرق احتمال روايته في وقت الخلل العقلي. لذلك رجح الحنفية خبر ابن عباس وهو: " أنه ﷺ نكح ميمونة وهو محرم " على خبر ميمونة ورافع: " أنه نكحها وهما حلالان " وعللوا ذلك بأن ابن عباس أرجح عقلاً، وأعلم وأضبط من راوي الخبر الثاني. الطريق الثالث عشر: الترجيح بالتزكية، وفيه تفصيل: أولاً: أن يكون المزكي لأحد الراويين أكثر من الآخر، فخبر

стр. 2279

الراوي الذي زكاه الأكثر مرجح على خبر الأقل تزكية؛ لأنها أغلب على الظن. ثانيا: أن يكون المزكي لأحد الراويين أعدل وأوثق ممن زكى راوي الخبر الآخر، فيرجح الخبر الذي زكى راويه الأعدل والأوثق. ثالثا: أن تكون تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية عنه، فيرجح الخبر الذي حكم بشهادة راويه؛ لأن الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية لذلك قبلت رواية العبد، والواحد، والمرأة، دون شهادتهم لوحدهم. رابعا: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، فيرجح الأول؛ لأن الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير العدل، بخلاف الرواية عنه؛ لأن قد يروي العدل عن شخص لو سئل عنه لسكت. خامسا: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه، أو بالعمل بروايته، أو بالحكم بشهادته فإنه يرجح الأول؛ لأن الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، والعمل بما يوافق الرواية، والعمل بالشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، بخلاف. التزكية بصريح المقال؛ فإنه لا يحتمل غير التزكية والتعديل. لذلك يرجح خبر بسرة في نقض الوضوء من مس الذكر على خبر طلق، وهو عدم النقض من ذلك؛ لأن الأول قد أخرجه الإمام مالك، وليس في سنده إلا من هو متفق عليه، وكثر المزكون له، وأما رواة خبر طلق فقد قل مزكوهم واختلف في تعديل بعضهم. الطريق الرابع عشر: الترجيح بالشهرة، وهذا فيه تفصيل:

стр. 2280

أولاً: " أن يكون راوي أحد الخبرين مشهوراً بالحفظ، والإتقان، والضبط، دون راوي الخبر الآخر، فيرجح الراوي الأول، لأن شهرته في الضبط والحفظ والإتقان تؤدي إلى كئرة الثقة به، وقوة الاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه. ثانياً: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهور النسب أكثر من راوي الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب كثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة. ثالثاً: أن يكون راوي أحد الخبرين مشهوراً بدقة الإسناد أكثر من راوي الخبر الآخر، فيرجح الأول؛ لأن دقة الإسناد توجب علم الطمأنينة، فيكون قريباً من اليقين. لذلك رجح العلماء خبر شعبة وهو: " لا وضوء إلا من صوت أو ريح " على خبر بقية بن الوليد الكلاعي عن محمد الخزاعي وهو: " أن النبي ﷺ قال لمن قهقه في صلاته.. وأعد وضوءك "، وذلك لأن شعبة مشهور بين الأئمة، بخلاف بقية فإنه مجهول. الطريق الخامس عشر: الترجيح بعدم الالتباس في اسم الراوي. إذا كان روي أحد الخبرين معروف الاسم، ولم يلتبس اسمه بأسماء الضعفاء، بينما راوي الخبر الآخر قد التبس اسمه بأسمائهم فإنه يرجح الأول؛ لأنه أبعد من الاضطراب والشك. الطريق السادس عشر: الترجيح بكون الراوي أكئر ملازمة للشيخ المحدث. إذا كان راوي أحد الخبرين أكثر ملازمة للشيخ المحدث الذي يأخذ عنه الحديث، والآخر قليل الملازمة لذلك الشيخ، فإنه يرجح الأول؛ لأمرين:
следующие страницы →