تنبيه: إنني صححت في كتابي " إتحاف ذوي البصائر " أن المكروه
من التكليف، ولكني في كتابي الآخر وهو: " الخلاف اللفظي عند
الأصوليين " صححت: أن المكروه ليس من التكليف، وكذا في هذا
الكتاب.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا ثمرة له راجع إلى تفسير
التكليف ما هو.
فمن فسَّر التكليف بأنه: إلزام ما فيه كلفة، قال: المكروه ليس
من التكليف، لأنه لا إلزام في المكروه.
ومن فسَّر التكليف بأنه الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في
الامتناع عنه كلفة، أو هو الخطاب بأمر أو نهي: قال: المكروه من
التكليف.
إذن: أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى وهو: أن المكروه
مطلوب تركه إلا أن أصحاب المذهب الأول وهم الجمهور رفع عنه
اسم التكليف، نظراً لعدم الإلزام في طلب الترك، أما أصحاب
المذهب الثاني أثبتوا له اسم التكليف لوجود الكلفة والمشقة في طلب
الترك.
стр. 282
المطلب الخامس الحرام
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في مناسبة وضع الحرام هنا.
المسألة الثانية: في حقيقة الحرام:
أولاً: الحرام لغة.
ثانياً: الحرام اصطلاحا.
المسألة الثالثة: في صيغ الحرام.
المسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع حراما واجباً؟
المسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجبا من
جهة واحدة؟
المسألة السادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجبا من
جهتين؟
المسألة السابعة: في مقدمة الحرام.
المسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر.
المسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّه؟
стр. 283
المسألة الأولى: مناسبة وضع الحرام هنا:
مناسبة وضع الحرام بعد المكروه هي: أنهما يشتركان في شيء
واحد وهو: أن كلًّا منهما مطلوب تركه، لكن المكروه مطلوب تركه
طلباً غير جازم، والحرام مطلوب تركه طلباً جازماً.
المسألة الثانية: في حقيقة الحرام:
أولاً: الحرام لغة:
الممنوع، يقال: " حرمه الشيء ": إذا منعه إياه، ومنه قوله
تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: حرمناه رضاعهن
ومنعناه منهن.
ثانيا: المحرم اصطلاحا:
هو: ما ذُمَّ شرعاً فاعله.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " ما " جنس في التعريف، والمراد منه: " الفعل "،
والتقدير: " الفعل الذي يذم شرعاً فاعله "، والمقصود: فعل
المكلَّف.
ودخل في ذلك كل أقسام الحكم التكليفي وهي: الواجب،
والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.
قولنا: " ذُمَّ " الذم هو: الاستنقاص من الشارع الذي يصل إلى
حدِّ العقاب، وهو قيد في التعريف، أخرج المندوب، والمكروه،
والمباح، بيان ذلك:
أنه أخرج المندوب؛ لأن المندوب لا ذم على تركه.
стр. 284
وأنه أخرج المكروه؛ لأن المكروه لا ذم على فعله.
وأنه أخرج المباح؛ لأن المباح لا ذم على فعله ولا على تركه.
قولنا: " شرعا " قيد في التعريف لبيان أن الذم المعتبر هو الذم
الوارد من الشارع فقط، بخلاف ما تقوله المعتزلة من أن العقل يذم
ويقبح، ويمدح ويحسن.
قولنا: " فاعله " أخرج الواجب؛ لأنه الواجب يذم على تركه.
والمراد بالفعل هو: كل ما يصدر من الشخص، وذلك يشمل
فعل الجوارح كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، ويشمل
الأقوال المحرمة كالكذب، والنميمة، والغيبة، ويشمل الأعمال
القلبية المحرمة كالحقد، والحسد، والنفاق.
***
المسألة الثالثة: في صيغ الحرام:
الحرام له صيغ وأساليب، ومنها:
الأولى: لفظة " التحريم " ومشتقاتها، مثل قوله تعالى:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) .
الثانية: صيغة النهي المطلق، مثل قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) .
الثالثة: التصريح بعدم الحل، مثل قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) ، وقوله ﵊:
" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ".
стр. 285
الرابعة: أن يذكر الشارع فعلاً ثم يرتب عليه عقوبة، فهذا يدل
على أن الفعل حرام، ومنه قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
الخامسة: صيغة الأمر التي تطلب الترك والمنع من الفعل، كقوله
تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ، وقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) ، فإن هذه الصيغة تعتبر من أساليب النهي؛ ترجيحاً لجانب
المعنى على جانب اللفظ؛ حيث إن معنى هذه الأوامر: النهي.
وبعضهم اعتبرها من أساليب الأمر؛ حيث إنها تفيد الطلب بصيغة
الأمر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في الصيغة الخامسة خلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن المعنى
- وهو الحكم الشرعي - متفق عليه، وهو - هنا - تحريم قول
الزور وتحريم الربا.
لكن بعضهم عبَر عنه بالأمر باجتناب قول الزور، والأمر بترك
الربا.
وبعضهم عبَّر عنه بالنهي عن الزور والربا، فكان الخلاف في
التعبير فقط.
المسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع (١) حراماً واجباً؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
стр. 286
المذهب الأول: يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبا وحراما طاعة
ومعصية.
وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، وذلك بالإضافة والاعتبار
والنسبة.
فيكون الواحد بالنوع واجبا وحراما باعتبار أشخاصه أي: واجب
باعتبار بعض الأشخاص، وحرام باعتبار بعض الأشخاص الآخرين.
فاختلاف الإضافات والاعتبارات والنسب والصفات جعل الواحد
بالنوع يكون واجبا باعتبار -، وحراما باعتبار.
مثال ذلك: " السجود " هو واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب
وهو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام، وهو: السجود لغير
الله تعالى.
فهذا السجود واحد بالنوع، أي: نوع من الأفعال وأشخاص
كثيرة، فيجوز أن ينقسم إلى " واجب " و " حرام "، ولا تناقض في
ذلك؛ وذلك نظراً لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجبا
كالسجود لله تعالى، وبعضها حراما كالسجود للصنم، قال تعالى
- في ذلك -: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) .
المذهب الثاني: لا يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبا حراما.
ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة، منهم: أبو هاشم الجبائي.
стр. 287
دليل هذا المذهب:
قد استدل هؤلاء بقولهم: إننا لو قلنا بجواز كون الواحد بالنوع
واجبا حراما للزم من ذلك التناقض، وذلك لأن السجود نوع واحد
مأمور به، فيستحيل أن يكون منهياً عنه.
أي: أن السجود واجب يستحيل أن يكون محرما.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن ذلك غير صحيح، لأنه
إذا تغاير متعلق الأمر والنهي لا يوجد تناقض، فيكون الواحد بالنوع
- وهو هنا السجود - واجبا باعتبار، وحراما باعتبار آخر، فلا
تناقض فالسجود للصنم غير السجود لله تعالى، بدليل: أن المأمور
به ليس هو النهي عنه في قوله تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) .
وقد انعقد الإجماع على أن الساجد للصنم والشمس عاص بنفس
السجود والقصد جميعاً، وأن الساجد لله تعالى مطيع بالسجود
والقصد جميعاً.
إذاً: لا تضاد في كون الواحد بالنوع واجباً حراما، إنما التضاد
يكون في الواحد بالشخص.
المسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً
واجبا من جهة واحدة؟
أقول: يستحيل ويمتنع أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا طاعة
ومعصية من جهة واحدة، كما لو قال: " صل صلاة الظهر ولا
تصل صلاة الظهر "، أو قال: " اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد"
وهو يشير إلى واحد معين.
стр. 288
وقلنا: إن ذلك مستحيل؛ لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو
من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز كما سبق؛ لقوله
تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
***
المسألة المسادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً
واجباً من جهتين؟
مثل: الصلاة في الدار المغصوبة، أي: صلاة زيد في دار
مغصوبة من عمرو؛ حيث إن حركة زيد في الصلاة فعل واحد بعينه.
اختلف العلماء في صحة تلك الصلاة على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا من
جهتين، وعليه فتصح الصلاة في الدار المغصوبة.
ذهب إلى ذلك: أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وهو قول الإمام
مالك، وبعض الحنابلة كأبي بكر الخلال، وابن عقيك.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا مانع من صحة الصلاة، وإن أوقعت في
مكان مغصوب؛ لأن فعل الصلاة في مكان مغصوب هو فعل واحد
له جهتان متغايرتان:
إحدى الجهتين مطلوب الفعل - وهو الصلاة والأمر بها -.
والجهة الأخرى مطلوب الترك - وهو الصلاة في الدار المغصوبة.
فإذا كان للفعل الواحد جهتان متغايرتان، فيجوز أن يكون مطلوب
الفعل من إحدى الجهتين مطلوب الترك، ولا مانع من الصحة -
стр. 289
والحالة هذه - ولا يقع في ذلك محال، ولكن المحال إذا كان الشيء
مطلوب الفعل ومطلوب الترك من جهة واحدة.
ولعلي أبين ذلك أكثر فأقول: إن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب
الفعل، ومن حيث إن المكان المصلى فيه مغصوب: مطلوب الترك.
فيكون متعلق الأمر والنهي غير متحد.
أي: أن الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما
يلحقها من مكان أو غيره -، والغصب من حيث هو غصب منهي
عنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة.
وعلى هذا: تكون الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب
معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر " قياسا
على من صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل، فكما أن من
صلى ولم يغصب له أجر، ومن غصب ولم يصل عليه الإثم،
فكذا هاهنا، فإذا جمع المكلَّف بين الصلاة والغصب - أي: صلى
في مكان مغصوب - لم يخرجهما عن حكمهما في حال انفرادهما
وهو الأمر بالصلاة وكونها طاعة، والنهي عن الغصب وكونه
معصية، فيجب أن يثبت للصلاة والغصب ما يثبت لهما منفردين،
فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.
اعتراض:
إن اعترض معترض قائلاً: إن قولكم هذا يلزم منه صحة صوم
يوم النحر؛ لأن الصوم من حيث هو صوم مطلوب، وإنما المنهي
عنه إيقاعه في هذا الزمن المنهي عن الصوم فيه، وأنتم تقولون: إنه
لا يصح صوم يوم النحر، وهذا تناقض.
جوابه:
أقول - في الجواب عن ذلك -: إن هذا الإلزام صحيح،
стр. 290
فلو لم يرد نص في النهي عن صوم يوم النحر لصح صيام يوم النحر،
ويأثم بإيقاعه في هذا اليوم المنهي عن الصيام فيه، كما قلنا في
الصلاة في الدار المغصوبة، ولكن الذي منعنا هو النص كما سبق.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " خط هذا الثوب ولا
تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن دخلت الدار عاقبتك "
فخاط الثوب في تلك الدار المنهي عن دخولها، فإن العبد يعتبر
مطيعا لسيده من جهة، وعاصيا من جهة أخرى، فيحسن من السيد
عتقه ومعاقبته؛ نظراً للجهتين، حيث كان العبد مطيعا من جهة امتثال
أمر سيده - وهو: خياطة الئوب - فيستحق العتق من السيد على
ذلك، وكان عاصيا من جهة دخوله للدار المنهي عن دخولها،
فيستحق العقوبة.
وإذا ثبت ذلك هنا، فكذلك الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأن
المكلَّف جمع بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة، كما جمع بين
خياطة الثوب ودخول الدار المنهي عنها.
الدليل الثالث: لو أن مسلما رمى سهما واحداً إلى كافر فمرق
السهم من الكافر وأصاب مسلماً فقتله: فيثاب من جهة، ويعاقب
من جهة أخرى.
بثاب ويملك سلب الكافر من جهة قتله كافرا محاربا لإعلاء كلمة
الله، وقد أمره اللَّه تعالى بذلك، ويستحق سلب هذا الكافر الذي
قتله.
ويعاقب هذا المسلم الرامي للسهم؛ لأنه قتل مسلما، وقد نهى
الله سبحانه عن قتله، فيدفع الدية، لأنه قتل خطأ.
فهذا فعل واحد عوقب وأثيب عليه، وذلك لتضمنه الأمر والنهي
стр. 291
من جهتين مختلفتين، فهو مأمور به من جهة قتل الكافر المحارب،
وهو منهي عنه من جهة قتل المسلم من غير قصد.
فإذا ثبت ذلك فالصلاة في الدار المغصوبة مثله؛ لأن المكلَّف جمع
بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة، كما جمع بين قتل الكافر
المأمور به وقتل المسلم المنهي عنه.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يكون الواحد بالعين حراما واجبا
من جهتين، وعليه: فالصلاة في الدار المغصوبة لا تصح.
ذهب إلى ذلك الإمام مالك في رواية عنه، وهو وجه لأصحاب
الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره أكثر الحنابلة، وهو
مذهب أهل الظاهر والزيدية، وبعض المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم.
دليل هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل
المكلَّف، لا بما ليس من فعله، والأفعال الموجودة من المصلي في
الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاصٍ بها، آثم
بفعلها، وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن
تكون طاعة ولا يثاب عليها متقربا بها إلى اللَّه - تعالى -؛ لأن
الحرام لا يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة مثابا عليها، ولا
تكون متقربا بها مع أن التقرب والنية شرط في صحة الصلاة.
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن المحكوم بأنه حرام ليس
هو ذات الفعل من حيث هو فعل، ولكن حكم عليه بالحرمة من
جهة كونه غصبا، وإذا كان الأمر هكذا فلا يلزم منه امتناع الحكم
عليه بالوجوب من جهة كونه صلاة؛ ضرورة اختلاف الجهتين.
تنبيهان:
الأول: لم أستدل على المذهب الذي اخترته - وهو: أن الصلاة
стр. 292
في الدار المغصوبة صحيحة - بما تناقله الأصوليون وهو: أن السلف
﵏ لم يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء
الصلوات التي أدوها في الأماكن التي غصبوها، وهذا يدل على أنها
صحيحة، ولو لم تكن صحيحة لأمروهم بقضاءها.
فلم أذكر ذلك؛ لأمرين:
أولهما: أن حقيقة الإجماع الصريح لم توجد؛ حيث إنه لم ينقل
عن السلف أنهم اتفقوا على أن الظلمة تسقط عنهم الصلوات التي
أدوها في أماكن مغصوبة لا عن طريق التواتر، ولا عن طريق
الآحاد، وعدم النقل عن السلف لا يعتبر نقل الاتفاق، فمن زعم
الإجماع بعد ذلك فهو جاهل بحقيقته.
ثانيهما: إن زعموا: أن ذلك جاء عن طريق الإجماع السكوتي،
فهذا - أيضا - لا تقوم الحجة به لهم؛ حيث إنه معروف أن الإجماع
السكوتي لا يعتبر إجماعا ولا حجة عند بعض العلماء.
وأيضا روي عن الإمام أحمد: أنه يبطل الصلاة في الدار المغصوبة
- وهي رواية مشهورة عنه - وهو إمام النقل، وأعلم بأحوال
السلف، فمخالفته تنقض الإجماع.
التنبيه الثاني: قد ذكر بعض العلماء مذهباً ثالثا في المسألة وهو:
أن الصلاة في الدار المغصوبة ليست صحيحة، ولكن يسقط الطلب
عندها لا بها، وهو منسوب للقاضي أبي بكر الباقلاني.
ولقد ذكرت في " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر " دليل
هذا المذهب، وبيَّنا أنه قريب من المذهب القائل: إن الصلاة في
الدار المغضوبة لا تصح، فراجعه من هناك.
стр. 293
بيان نوع الخلاف:
الخلاف بين المذهبين الأول والثاني خلاف معنوي، وهو واضح؟
حيث إن من صحح الصلاة في الدار المغصوبة لم يأمر من فعلها على
هذه الصفة بالقضاء، ومن لم يصححها فإنه يأمر من فعلها في دار
مغصوبة بالقضاء.
***
المسألة السابعة: في مقدمة الحرام:
مقدمة الحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما كان من أجزاء الحرام فهذا محرم بالتأكيد، مثاله:
الإيلاج والإخراج في عملية الزنا، فإنه لا فرق - هنا - بين المقدمة
والحرام، فإن حكمهما واحد؛ حيث إنه لا فرق بين أن يقول
الشارع: " لا تزن " أو أن يقول: " لا تولج ".
الثاني: ما كان من أسباب الحرام فهذا حرام مثل: محادثة
الأجنبيات بشهوة " لأن ذلك سبب في الوقوع في الزنا.
الثالث: ما كان من ضرورات الحرام مثل: اختلاط أخته بعدد من
الأجنبيات عنه في بلدة صغيرة، وعسر تمييزها من بينهن، فهنا يحرم
نكاح الجميع ضرورة، حتى لا يوصل به هذا إلى نكاح أخته.
المسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر:
الحرام المعيَّن معروف وهو الثابت بالإجماع، وهو الذي تعين
المنهي عنه بشيء واحد كتحريم شرب الخمر، والزنا، والربا،
ونحو ذلك.
стр. 294
أما الحرام المخيَّر وهو الذي لم يتعين المنهي عنه بشيء واحد، بل
تعلق النهي بأشياء متعدِّدة ومحصورة، فهل يجوز ذلك؟
أي: هل يجوز أن يحرم واحداً لا بعينه؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يُحرم واحداً لا بعينه.
ذهب إلى ذلك الآمدي، وابن الحاجب، وأكثر الفقهاء.
وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلاً أن يقول الشارع: " لا تكلم زيداً
أو. عمرأ، وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم
عليك كلام الجميع، ولا واحداً بعينه "، فهذا كلام معقول، ولا
يلزم من تصوره محال.
الدليل الثاني: الوقوع الشرعي، ومنه: تحركيم إحدى الأختين لا
بعينها، وكذلك لو أسلم وتحته أكثر من أربع نساء، فإنه ممنوع مما
زاد عن الأربع من غير تعيين.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تحريم واحد لا بعينه.
ذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن النهي عن الشيء قبيح، فإذا نهي عن أحدهما
لا بعينه ثبت القبح لكل منهما، فيمتنعان جميعاً.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن قولكم هذا مبني على قاعدة " التحسين
والتقبيح العقليين "، ونحن لا نوافقكم عليها جملة وتفصيلاً.
стр. 295
الدليل الثاني: أن التحريم ينافي التخيير، فمعنى كونه محرماً:
أنه لا يجوز فعله، ومعنى كونه مخيراً: أنه يجوز فعله وتركه.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن اللَّه يعلم الأشياء على ما هي
عليه، فيعلم الحرام الذي ليس بمعين غير معين، وإذا أتى بها المكلَّف
كلها سقط العقاب عنه.
الدليل الثالث: أن حرف " أو " إذا ورد في النهي اقتضى الجمع
دون التخيير، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ، فالشارع نهى عن الطاعة لكل منهما.
جوابه:
يجاب عن ذلك: بأن الترك في الآية قد تعلق بمفهوم أحدهما،
فلذلك أفاد التعميم.
المسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعين نهي عن ضده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:
المذهب الأول: أن الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّ ذلك الشيء
المعيَّن من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد.
ذهب إلى ذلك: الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة، ومالك، والشافعي -
وأكثر أتباعهم، وهو رواية عن الإمام أحمد وكثير من أتباعه،
واختاره فخر الدين الرازي وأكثر أتباعه، والقاضي عبد الجبار بن
أحمد، والكعبي، وأبو الحسين البصري.
وهو الصحيح عندي، فعلى هذا يكون الأمر بالصلاة: نهي في
стр. 296
المعنى عن الأكل والشرب والنوم، والأمر بالجلوس في البيت يكون
نهياً في المعنى عن الجلوس في الطريق وغير ذلك من المواضع التي
يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت.
ولقد صحَّحته للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه لا يمكن أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك
ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهياً عن ضده، فلو قال - مثلاً -:
" قم " لا يمكنه فعل القيام إلا بترك القعود، فوجب أن يكون نهياً
عن القعود، والاضطجاع، والركوع، ونحو ذلك، قياسا على
الأمر بالصلاة لما لم يمكنه فعل الصلاة إلا بتقديم الطهارة كان الأمر
بالصلاة أمراً بالطهارة، وجلب الماء، وتوفير كل الأسباب التي
يتوصل بها إلى صحة الصلاة، فكذا هاهنا.
الدليل الثاني: أن السيد لو قال لعبده: " قم " فقعد حسن ذمه
وتوبيخه على القعود، فيقول له: " لِمَ قعدت؛ "، ولو لم يكن
الأمر بالقيام اقتضى النهي عن القعود: لما حسن توبيخه وذمه على
القعود.
الدليل الثالث: أن من أذن لغيره في دخول الدار ثم قال له:
"اخرج " تضمن هذا القول منعه من القيام فيها، واللفظ إنما هو أمر
بالخروج، وقد عقل منه المنع من المقام الذي هو ضده.
المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء هو بعينه طلب ترك الضد، فهو
طلب واحد: بالإضافة إلى جانب الفعل: أمر، وبالإضافة إلى
جانب الترك: نهي.
فالسكون هو عين ترك الحركة، وطلب السكون هو عين طلب
стр. 297
ترك الحركة، فالأمر بالسكون طلب واحد، هو بالإضافة إلى
السكون أمر، وبالإضافة إلى الحركة نهي.
ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله، وتبعه
على ذلك بعض المتكلمين.
وبنى هؤلاء مذهبهم على أساس أن الأمر لا صيغة له، وإنما هو
معنى قائم بالنفس، فالأمر - عندهم - هو نفس النهي من هذا
الوجه، فاتصافه بكونه أمراً ونهيا كاتصاف الكون الواحد بكونه قريبا
من شيء بعيداً من شيء آخر.
جوابه:
يمكن أن يجاب عنه بأن يقال: إن مذهبكم هذا مبني على أن الأمر
بالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ، وهذا غير صحيح؛ لأن
العرب فرقت بين لفظ الأمر، ولفظ النهي، فجعلت لفظ الأمر
موضوعا للإيقاع والحث على الفعل، ولفظ النهي لنفي الفعل،
وطلب الترك، فلم يجز أن يجعل أحدهما للآخر كما لا يجوز ذلك
في الخبر.
المذهب الثالث: أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده: لا بمعنى
أنه عينه، ولا بمعنى أنه يتضمنه، ولا بمعنى أنه يلازمه.
ذهب إلى ذلك بعض الشافعية كالغزالي، وروي عن القاضي أبي
بكر الباقلاني، وجمهور المعتزلة.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن صيغة الأمر تختلف عن صيغة النهي، فصيغة
الأمر " افعل " وصيغة النهي " لا تفعل "، فلا يجوز أن تكون صيغة
أحدهما مقتضية للآخر.
стр. 298
جوابه:
يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إنما لا يجوز ذلك ويمتنع لو
جعلنا الأمر بالشيء نهياً عن ضده من طريق اللفظ، فيكون اختلاف
صيغتهما مانعا لكون أحدهما مقتضيا للآخر، لكنا نقول: إن الأمر
بالشيء يقتضي النهي عن ضده من طريق المعنى - كما سبق بيانه -.
الدليل الثاني: أن النهي عن الشيء لا يقتضي الأمر بضده،
فكذلك الأمر بالشيء وجب أن لا يكون مقتضيا للنهي عن ضده.
جوابه:
يمكن أن يجاب عنه: بأنا لا نسلِّم ذلك، بل: إن النهي عن
الشيء يقتضي الأمر بضده، فإن كان له ضد واحد كالنهي عن صوم
يوم النحر: فإنه يقتضي الأمر بضده وهو الإفطار، وإن كان له
أضداد كالزنا فإنه يقتضي الأمر بضد من أضداده، لأنه بفعل ضد
واحد يترك المنهي عنه، وهو أن يشتغل عنه بأكل أو شرب أو نوم أو
نحو ذلك من الأعمال، فإنه يصير بفعله لأحد تلك الأمور تاركا
للزنا.
الدليل الثالث: أن الأمر بالشيء قد يكون غافلاً وذاهلاً عن
ضده، والنهي عن الشيء مشروط بالشعور بالمنهي عنه، فكيف يكون
الآمر طالبا ما هو غافل عنه؛ وإذا كان الآمر لم يغفل عن ضد
الشيء المأمور به: فإن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده من حيث
ذات الأمر، بل يكون الأمر نهيا عن ضده من باب ما لا يتم الواجب
إلا به فهو واجب.
جوابه:
يمكن أن نجيب عنه بجوابين:
стр. 299
الجواب الأول: لا نسلِّم أنه يصح منه إيجاب الشيء عند الغفلة
عن الإخلال به؛ لأن الأمر المقتضي إيجاب شيء مركب من قيدين:
" إيجاب الفعل "، و " المنع من الترك "، فالمتصور للإيجاب متصور
للمنع من الترك، فيكون - بذلك - متصوراً للترك لا محالة.
الجواب الثاني: سلَّمنا أن الضد قد يكون مغفولاً عنه، ولا يمنع
ذلك من أن يكون الضد منهياً عنه؛ قياسا على مقدمة الصلاة، فإن
الأمر بالصلاة أمر بمقدمتها، وإن كان مقدمتها قد تكون مغفولاً عنها،
فكذلك هنا.
بيان نوع الخلاف:
أولاً: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول والثاني خلاف لفظي؟
لاتفاق الفريقين على أن الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه، لكن أصحاب
المذهب الأول يقولون: إنه نهي عن ضده من جهة المعنى،
وأصحاب المذهب الثاني يقولون: إنه نهي عن ضده من جهة اللفظ.
ثانياً: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وأصحاب المذهب
الثالث خلاف معنوي، قد أثر في كثير من المسائل الفقهية، ومنها:
١ - إذا قال لزوجته: " إن خالفت نهيي فأنت طالق " ثم قال
لها: " قومي " فقعدت، فإن العلماء اختلفوا في ذلك، وكان
سبب خلافهم هو خلافهم في هذه القاعدة.
فقال بعض العلماء: إنها تطلق؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
وقال آخرون: إنها لا تطلق بنإء على أن الأمر بالشيء ليس نهيا
عن ضده.
٢ - إذا سجد على مكان نجس فما حكم صلاته؛
стр. 300
اختلف في ذلك:
فذهب أكثر العلماء إلى أن صلاته باطلة، فيجب أن يعيدها كلها؟
لأنه مأمور بالسجود على مكان طاهر، والأمر بالشيء نهي عن
ضده، فالسجود على مكان نجس منهي عنه، فوجب أن تبطل
صلاته؛ لفعله ما نهي عنه.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤمر بإعادة السجود على مكان طاهر
ويجزئه؛ لأن المأمور به السجود على مكان طاهر، وقد أتى به، أما
السجود على مكان نجس فليس بمنهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس
نهيا عن ضده.
وإن أردت الزيادة من هذه الأمثلة فراجع كتابي " إتحاف ذوي
البصائر ".
تنبيه: الحرام عند الجمهور يشمل ما ثبت النهي عنه بدليل
قطعي، وما ثبت النهي عنه بدليل ظني، فلم يُفرق بينهما، وقد
تكلمنا عنه فيما سبق.
أما الحنفية فإنهم يفرقون بين ما ثبت بدليل قطعي، وما ثبت بدليل
ظني.
فسموا الثابت بدليل قطعي بالحرام.
وسموا الثابت بدليل ظني بالمكروه تحريما.
وفرقوا بين " الحرام " و " المكروه تحريما " بفروق، من أهمها:
الأول: أن من أنكر الحرام الثابت بدليل قطعي اعتبر كافراً، أما
منكر المكروه تحريما، فإنه يعتبر فاسقا.
الثاني: أن العقاب في ارتكاب الحرام أشد من العقاب في ارتكاب
المكروه تحريما.
стр. 301
الفصل الثالث في التكليف وشروطه
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حقيقة التكليف:
أولاً: التكليف لغة
ثانياً: التكليف اصطلاحاً.
المبحث الثاني: في شروط التكليف.
стр. 302
المبحث الأول في حقيقة التكليف
أولاً: التكليف لغة:
يرجع إلى أصل الكلمة، حيث تتكون من ثلاثة أحرف وهي:
"الكاف، واللام، والفاء "، وهذا الأصل يدل على إيلاع بالشيء،
وتعلق به مع شغل القلب.
وهو مأخوذ من الكلفة وهي: المشقة.
ويطلق التكليف على الأمر بما يشق عليك، فهو إذاً: الأمر بما فيه
كلفة.
ثانياً: التكليف اصطلاحاً هو:
الخطاب بأمر أو نهي.
وقيل: إلزام ما فيه كلفة.
ولهذا الاختلاف في تعريف التكليف اصطلاحاً أثره الواضح.
فمن عرَّفه بالأول - وهو الخطاب بأمر أو نهي - أدخل المندوب
والمكروه ضمن الأحكام التكليفية، لأن المندوب مأمور به، والمكروه
منهي عنه.
ومن عرَّفه بالثاني - وهو: إلزام ما فيه كلفة - لم يدخل المندوب
تحت الأحكام التكليفية؛ لأنه لا إلزام في فعل المندوب، ولا إلزام
في ترك المكروه، وقد سبق بيان ذلك.
стр. 303
المبحث الثاني في شروط التكليف
شروط التكليف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شروط ترجع إلى المكلَّف وهو المحكوم عليه.
القسم الثاني: شروط ترجع إلى الفعل المكلَّف به، وهو المحكوم فيه.
стр. 304
القسم الأول في شروط المكلَّف
ويشتمل على مسائل.
المسألة الأولى: بيان شروط المكلف.
المسألة الثانية: تكليف الجن.
المسألة الثالثة: هل الصبي غير المميز مكلَّف؟
المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلَّف؟
المسألة الخامسة: المجنون المميز هل هو مكلَّف؟
المسألة السادسة: المعتوه هل هو مكلَّف؟
المسألة السابعة: هل الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه مكلفون؟
المسألة الثامنة: هل السكران مكلف؟
المسألة التاسعة: تكليف المكره.
المسألة العاشرة: تكليف الكفار بفروع الإسلام.
стр. 305
المسألة الأولى: بيان شروط المكلَّف:
الشرط الأول: أن يكون بالغاً.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً.
الشرط الثالث: أن يكون فاهماً للخطاب.
فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة في شخص أصبح هذا الشخص
مكلَّفاً بأحكام الشرع.
والبلوغ: هو الوصول إلى الحدِّ الذي إذا وصله الشخص فإنه
تحسب له الحسنات، وتحسب عليه السيئات.
والبلوغ يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام
- وهو إنزال المني -، أو بإنبات شعر من قبل، هذا بالنسبة للذكر.
أما الأنثى فيعرف بلوغها بأحد الأمور التي تخص الذكر، وتزيد
أمراً رابعاً وهو: الحيض.
والمقصود بالعقل: آلة التمييز والإدراك.
والفهم هو: جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص كل ما يرد عليه
من المطالب.
والمراد بالخطاب: هو خطاب الشارع، سواء كان أمراً أو نهياً أو
تخييراً.
وفرَّقنا بين اشتراط البلوغ، واشتراط العقل مع أن بعض العلماء
قد جعلوا البلوغ يدخل ضمن اشتراط العقل، وقالوا: إن البلوغ
وضعه الشارع حداً للعقل الذي يتفاوت الناس فيه، لكننا فرَّقنا بينهما
стр. 306
وأفردناه عن شرط العقل، لاختلاف حكم الصبي عن المجنون
وغيره، وذلك لأن اشتراط البلوغ أخرج الصبي، واشتراط العقل
أخرج المجنون.
وفرقنا بين اشتراط العقل واشتراط الفهم، مع أن بعض العلماء لم
يُفرِّقوا بينهما؛ لأنا أردنا بالعاقل ما يخالف المجنون، وأردنا بالفاهم
ما يخالف النائم والغافل والساهي.
الحاصل: أنه يشترط في الشخص المراد تكليفه: أن يكون قدى
وصل إلى الحدِّ الذي نعرف بواسطته خروجه عن مرحلة الصبا، وأن
يتوفر فيه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والطيب والخبيث،
وأن يتوفر فيه الفهم الذي يستطيع به أن يدرك المراد والمطلوب من ذلك
الخطاب الموجه إليه، ويفهم كيفية امتثاله، ويفهم المقصود من
التكليف حتى تصح النية، حيث لا عمل إلا بنية.
***
المسألة الثانية: تكليف الجن:
الجني البالغ، العاقل، الذي يفهم الخطاب هل هو مكلَّف أو لا؟
أقول: إن الجن مكلَّفون بفروع الشريعة كأصولها، لما يلي من
الأدلة:
الأول: قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
الثاني: قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) .
الثالث: قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) .
الرابع: الإجماع، حيث أجمع العلماء على أن النبي ﷺ أرسل
стр. 307
بالقرآن إلى الإنس والجن، وجميع أوامره ونواهيه تتوجه إليهما،
وهي تشمل الأوامر والنواهي في الأصول والفروع.
لكن تكليفهم يختلف عن تكليف الإنس؛ لأن طبيعة كل واحد
تختلف محن طبيعة الآخر، فالجن يخالفون بالحد والحقيقة الإنس،
وإذا خالفوهم في ذلك فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف.
فمثلاً: الجني يقصد البيت الحرام للحج طائراً؛ لأنه قد أعطي
قوة الطيران في الهواء، أما الإنسان فلا يخاطب بذلك لعدم وجود
تلك القوة عنده.
ولقد نقل بعض العلماء كابن نجيم في الأشباه والنظائر أحكاما
خاصة تتعلق بالجن ومنها: هل تصح الصلاة خلفه، ونحو ذلك.
***
المسألة الثالثة: هل الصبي غير المميز مكلَّف؟
الصبي غير المميز هو: الذي لا يميز ولا يفرق بين الأشياء، فلا
يميز بين الحق والباطل، وبين الطيب والخبيث، وبين الجيد والرديء.
ومدته سبع سنوات، وهو من ولادته إلى تمامه سبع سنوات من
عمره، والسبب في هذا التحديد ما رواه ابن عمر - رضي الله
عنهما - أن النبي ﷺ قال:
" مروا أولادكم لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرَّقوا بينهما في المضاجع "، فقد أمر الشارع - هنا -
الولي بأن يأمر الصبي البالغ سبع سنوات بالصلاة للتمرين والتدريب،
ويفهم منه أن الصبي غير البالغ هذا السن لا يؤمر ولا ينهى؛ لأنه لا
يفرق بين الأمور.
وهذا الصبي قد اختلف في تكليفه على مذهبين:
стр. 308
المذهب الأول: أن الصبي غير المميز غير مكلَّف.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الحق عندي الذي لا يجوز
غيره؛ وذلك لأن الذي لا يفهم الخطاب الوارد من الشارع لا يتصور
منه قصد مقتضاه، والصبي غير المميز لا يفهم شيئاً من الخطابات،
فلذلك سقطت عنه المطالبة بمقتضى ذلك الخطاب، بيان ذلك:
أن المقصود والغرض من تكليف الشارع لعباده بالتكاليف الشرعية
هو: أن يمتثلوا بفعل المأمور به وترك المنهي عنه؛ لتحقيق امتحان الله
للمكلَّف، ولا يصح ذلك الامتثال وتلك الطاعة إلا بوجود النية
والقصد، ولا تصح النية إلا بوجود شرطها وهو: أن يعلم المكلَّف
بالفعل المكلَّف به، وكيفية امتثاله، والمقصود منه، وأن يعلم من هو
المكلِّف - بكسر اللام - وغرضه من هذا التكليف وما يتعلق بذلك
من رغبة ورهبة، ووعد ووعيد، وهذه الأمور لا يمكن أن يدرك
حقائقها الصبي غير المميز، فلذلك رفع التكليف عنه.
فعدم معرفته لتلك الأمور وعدم فهمه للخطابات قد منع من
تكليفه، فلا يمكن تكليفه مع قيام المانع، وهذا ينزل منزلة تكليف
المقعد بالقيام وذلك مستحيل.
المذهب الثاني: أن الصبي غير المميز مكلَّف.
ذهب إلى ذلك بعض الناس كما نقل ذلك أبو البركات ابن تيمية
في " المسودة ".
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الصبي قد وجه إليه الخطاب بدفع الزكاة من
ماله إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، ودفع أروش الجنايات،
стр. 309
وقيم المتلفات، وهذا تكليف من جهة الشرع، فلو كان غير مكلَّف
لما لزمه دفع تلك الواجبات من ماله، فلما لزم ذلك دلَّ على تكليفه.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن وجوب تلك الواجبات عليه ليس من
باب خطاب التكليف، وإنما هو من باب خطاب الوضع؛ حيث إنه
من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، فالشرع وضع أسبابا تقتضي أحكاما
تترتب عليها، تحقيقا للعدل في خلقه، ومراعاة لمصالحهم تفضلاً منه
سبحانه، فهذه لا تكليف فيها.
فبلوغ المال النصاب سبب لوجوب الزكاة في هذا المال، بعد
حولان الحول عليه سواء كان مالكه صبيا أو بالغا.
فإذا بلغ ذلك المال النصاب وحال عليه الحول، فقد وجب في ذمة
الصبي إخراج الزكاة.
كذلك الإتلاف سبب لوجوب قيمة المتلَف - بفتح اللام - على
المتلف بقطع النظر عن المتلف - بكسر اللام - أي: سواء كان صغيراً
أو كبيراً.
كذلك إذا جرح الصبي شخصا بجرح صغير: فإن هذا سبب
لإخراج أرش هذا الجرح من مال الجارح، سواء كان صغيراً أو كبيراً.
الخلاصة: أن بلوغ المال النصاب، ونفس الإتلاف، والجنايات
بالجراح أسباب لثبوت حقوق في ذمة الصبي.
ولكون اللَّه سبحانه قد حفظ للناس حقوقهم، ونظراً لأن حكمته
اقتضت عدم ظلم الفقير، وظلم الآخرين، فإن هذه الأسباب تكون
стр. 310
خطابات لولي الصبي، أو الوصي عليه، بحيث يخرج هذه الحقوق
من ماله من زكاة، وقيم متلف، وأرش جناية.
وإن لم يمكن ذلك فإن بلوغ النصاب والإتلاف والجنايات تكون
أسباباً لخطاب الصبي بعد بلوغه؛ لتمكنه في تلك الحال من فهم
الخطاب.
أي: إما أن يتوجه الخطاب بتلك الأسباب في الحال إلى الولي أو
الوصي.
أو يتوجه في المآل؛ لأن مآل الصبي هو البلوغ،
الدليل الثاني: أن الزكاة، وقيمة المتلف، وأرش الجناية تثبت في
ذمة الصبي، وهذا يفيد أنه مكلَّف، إذ لو كان غير مكلَّف لما ثبت
في ذمته شيء.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إن ثبوت تلك الأحكام في ذمة الصبي ليس
بسبب كونه مكلفاً، بل إن الصبي صار أهلاً لثبوت الأحكام في ذمته
بسبب توفر صفة الإنسانية فيه التي بها يكون مستعداً لقبول قوة العقل
الذي بواسطته يستطيع فهم التكليف، وذلك بعد البلوغ.
فصفة الإنسانية الموجودة في الصبى هى التى جعلته أهلاً للتكليف
بالقوة لا بالفعل.
بخلاف البهيمة، فلا يمكن أن يكون لها أهلية فهم الخطاب ولا
التكليف لا بالقوة ولا بالفعل؛ لعدم صفة الإنسانية فيها، فلذلك لا
تثبت في ذمتها الأحكام، ولم تهيا لذلك.
ومما يؤيد ذلك: القياس على النطفة في الرحم، فإنه يثبت لها
стр. 311
الملك بالإرث والوصية مع أن الحياة التي هي شرط الإنسانية والتي
تثبت بها الملكية مفقودة، وليست موجودة بالفعل، ولكن هذه
النطفة تملك بالقوة؛ لأن مصير هذه النطفة - غالبا - إلى الحياة،
فلذلك صلح أن تملك تلك النطفة، ولكن هذا الملك بالقوة لا بالفعل.
فكذلك الصبي مصيره إلى العقل والبلوغ وفهم الخطاب، فصلح
لأن يثبت في ذمته بعض الأحكام من إخراج الزكاة، ودفع قيمة
المتلفات ونحو ذلك، والجامع: أن كلاً منهما لا يستطيع التصرف في
الحال فيما يملكه.
***
المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلَّف؟
الصبي المميز هو: من تجاوز سن السابعة من عمره - وقيل: هو
من تجاوز سن السادسة - وهو يدرك حقائق الأمور ويميز بين الأفعال
والأقوال، والجيد والرديء، والحق والباطل.
فهو في هذه الحالة قد توفر فيه العقل، وفهم خطاب الشارع فهل
هو مكلَّف؟
اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه غير مكلف مطلقا.
وهو قول جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لأن كون الصبي
المميز عاقلاً يفهم الخطاب ويميز بين حقائق الأمور جعل تكليفه
ممكن، لكن الشارع وضع وحط عنه التكليف؛ رفعا للحرج؟
حيث إن العقل والفهم يتزايدان تزايداً غير واضح، فلا يعلم هو
بنفسه ولا غيره ذلك التزايد، فلا يمكن الوقوف على أول وقت فهم
فيه خطاب الشارع، وأول وقت عرف حقيقة المرسل - بكسر السين -
стр. 312
والمرسَل - بفتح السين -، والغرض من إرسال الرسل، فنظراً
لعدم معرفة ذلك بالتحديد، جعل الشارع وقتاً محدداً للتكليف، ألا
وهو: البلوغ، فهو علامة واضحة جلية لظهور العقل وفهم الخطاب
على الغالب، لقوله ﷺ :
"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ ... ".
والبلوغ يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام، أو
بإنبات شعر من قبل، وتزيد الأنثى بخروج الحيض.
فوضع الشارع ضابطاً يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو
" البلوغ "، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.
قال بعض العلماء: كأن الشارع لم يلزم الصبي قضايا التكليف؟
لأمرين:
أولهما: أن الصبي مظنة الغباوة، وضعف العقل، فلا يستقل
بأعباء التكليف.
ثانيهما: أنه عري عن البلية العظمى، وهي الشهوة.
المذهب الثاني: أن الصبي المميز مكلف مطلقاً.
وهو رواية عن الإمام أحمد.
دليل هذا المذهب:
أن الصبي المميز عاقل، يفهم خطاب الشرع، مميز بين الأقوال
والأفعال، ويميز بين الخير والشر، والجيد والرديء، والحق
والباطل، وما دام الأمر كذلك فما المانع من تكليفه، وقد توفر فيه
الشروط التي تشترط في البالغ وهو العقل والفهم؛
стр. 313
جوابه:
يجاب عنه بأنا لا نعلم متى فهم وأدرك وعقل حتى يكلف
بالتكاليف الشرعية ويطالب بها، وذلك لأن نمو العقل وتزايد الفهم
وتطوره خفي عنا، ويصعب علينا - إن لم يستحيل - الوقوف على
الحدِّ الذي به يمكن أن نحكم عليه بأنه عاقل وفاهم للخطاب.
ثم إن الصبيان يختلفون باختلاف تنشأتهم، وبيماتهم، ومعاملتهم،
ونحو ذلك، وقد يكون عقل وفهم هذا الصبي يختلف عن عقل
وفهم صبي آخر، مما يلزم منه اختلاف الحكم باختلاف الصبيان.
فسداً لذلك ورفعا للحرج: بيَّن الشارع علامة لا نختلف عند
وجودها وهي: " البلوغ "، فإذا بلغ الشخص كان مكلَّفا، أما قبل
البلوغ فلا يمكن تكليفه.
المذهب الثالث: الفرق بين الصبي المميز البالغ عشر سنين وبين
الصبي المميز غير البالغ عشر سنين.
فالبالغ عشر سنين يكلف بالصلاة، أما من هو أقل من ذلك فلا
يكلف، ذهب إلى ذلك الإمام أحمد في رواية عنه، وابن سريج من
الشافعية.
دليل هذا المذهب:
قوله ﷺ :
"مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر".
وجه الاستدلال: أن الصبي المميز مأمور بالصلاة ومعاقب على
تركها، وهذا يدل على تكليفه، ولو لم يكن مكلَّفا لما ضُرِب على
تركها.
стр. 314
جوابه:
يجاب عنه: بأن الأمر بصلاة الصبي المميز والأمر بضربه ليس من
جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، والعبارة تدل على ذلك
حيث قال: " مروا ... وأضربوهم " يعني: أيها الأولياء مروا
أولادكم، واضربوهم ... ، وقلنا ذلك لأن الصبي يفهم خطاب
الولي، ويخاف ضربه، فصار أهلاً لذلك، ولكنه لا يفهم خطاب
الشارع أصلاً، ولا يفهم عقابه، فالصبي مأمور ومعاقب من قبل
الولي.
ثم الأمر والضرب هنا: للتأديب والتهذيب.
المسألة الخامسة: المجنون هل هو مكلَّف؟
المجنون مأخوذ لغة من جن يجن: إذا استتر، ويقال: جن
يجن، جناً، وجنوناً، ومجنة، أي: زال عقله، ومنه قوله
تعالى: (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) ، والجنون معناه: زوال العقل، أو فساد فيه.
والجنون اصطلاحاً هو: اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة
والقبيحة المدركة للعواقب، بأن لا يظهر آثارها وتتعطل أفعالها.
وهو نوعان: " جنون أصلي "، و " جنون عارض ".
أما الجنون الأصلي فهو: أن يولد الإنسان فاقد العقل، ويستمر
على ذلك.
أما الجنون العارض فهو: أن يبلغ الإنسان سليم العقل، كامل
الفهم، ثم يطرأ له الجنون.
والمجنون اختلف في تكليفه على مذهبين:
стр. 315
المذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الحق: لعدم فهمه للخطابات الواردة من الشارع، وعدم
إدراكه وعلمه للفعل المكلَّف به، وكيفية امتثاله، وعدم وجود النية
والقصد منه، وهو يصدق عليه الدليل الدال على عدم تكليف الصبي
غير المميز.
المذهب الثاني: أنه مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك بعض الناس كما حكى ذلك ابن تيمية في " المسوَّدة ".
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الجنون قد وجه إليه الخطاب بدفع الزكاة،
ودفع قيمة المتلف، ودفع أروش الجنايات، ولو لم يكن مكلَّفا لما
وجه إليه خطاب، ولما أخذت تلك الحقوق من ماله.
جوابه:
قد سبق الجواب عنه، وهو جوابنا عن الدليل الأول من أدلة
القائلين: إن الصبي غير المميز مكلَّف.
الدليل الثاني: أن الزكاة، وقيمة المتلفات، وأرش الجناية قد
ثبتت في ذمة المجنون، وهذا يفيد أنه مكلَّف، إذ لو لم يكن مكلَّفاَ
لما ثبت في ذمته شيء.
جوابه:
قد سبق الجواب عنه، وهو جوابنا عن الدليل الثاني من أدلة
القائلين بأن الصبي غير المميز مكلَّف.
стр. 316
المذهب الثالث: الفرق بين المجنون المطبق، والمجنون غير المطبق،
فالمجنون المطبق - وهو الذي لا يفيق - غير مكلف مطلقاً.
أما المجنون غير المطبق - وهو الذي يفيق أحياناً - فهذا مكلَّف،
وقد حُمِل على هذا المذهب ما روي عن الإمام أحمد: أن المجنون
يقضي الصلاة والصوم.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن دليل عدم تكليف المجنون المطبق هو دليل الجمهور في المذهب
الأول.
أما دليل تكليف المجنون غير المطبق فهو: أنه يعقل ويفهم خطاب
الشارع في إفاقته، فينبغي تكليفه بناء على ذلك.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأن إفاقته ليست واضحة جلية حتى نكلفه أثناء
تلك الإفاقة، فلا يمكننا الوقوف على أول وقت الإفاقة وأول وقت
فهمه للخطاب، ونظراً لعدم معوفتنا لذلك بالتحديد فإنه يستحيل
تكليفه.
***
المسألة السادسة: هل المعتوه مكلَّف؟
المعتوه لغة مأخوذ من العته، وهو نقص العقل من غير جنون.
وهو في الاصطلاح: آفة ناشئة عن الذات توجب خللاً في العقل
فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء،
وبعضه كلام المجانين.
стр. 317
وقلنا بأنه: " آفة ناشئة عن الذات " لإخراج الآفة الناشئة بسبب
عارض كالمخدرات والخمور وغيرها.
الفرق بين المجنون والعتوه:
يوجد بين المجنون والمعتوه فروق إليك أهمها:
الفرق الأول: أن المعتوه له عقل ولكنه ضعيف عن إدراك وفهم
الخطاب، أما المجنون فإنه لا عقل له.
الفرق الثاني: أن المعتوه قد يكون مميزا، وقد يكون غير مميز،
بخلاف المجنون، فلا يكون مميزا أبداً.
الفرق الثالث: المعتوه لا يصاحبه تهيج واضطراب، بخلاف
المجنون فقد يصاحبه تهيج واضطراب.
فالمعتوه الذي يفهم خطاب الشارع - هل هو مكلف؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه غير مكلَّف مطلقا.
وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ قياسا على المجنون،
وعلى الصبي غير المميز، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق
الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.
المذهب الثاني: أنه مكلَّف مطلقاً.
ذهب إلى ذلك بعض الناس.
دليل هذا المذهب:
استدلوا بنفس الأدلة التي استدل بها القائلون: إن الصبي والمجنون
مكلَّفان من حيث وجوب دفع الزكاة، وقيمة المتلفات، وأروش
الجنايات عليه، ومن وجوب ذلك في ذمته.
стр. 318
جوابه:
الجواب عن ذلك هو نفس ما أجبنا به عن الدليلين السابقين،
فاستحضرهما من هناك.
المذهب الثالث: الفرق بين العبادات وغيرها.
فالمعتوه تجب عليه العبادات ويكلف بها دون غيرها من الأحكام.
ذهب إلى ذلك أبو زيد الدبوسي من الحنفية.
دليله: الاحتياط، حيث إن العبادات يحتاط لها أكثر من غيرها.
جوابه:
يجاب عنه: بأن هذا غير صحيح، لأن العبادات لازمة في حق
من يفهم الخطاب عند سماعه به وتوجيهه إليه، والمعتوه لا يفهم
الخطاب، فاختل شرط المكلف وهو: " فهم الخطاب "، وإذا
اختل شرط من شروط المكلف فإنه لا تكليف مطلقا.
وبناء عليه لا تجب العبادات ولا غيرها من الأحكام الشرعية.
المسألة السابعة: هل الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى
عليه مكلَّفون؟
الناسي مأخوذ من النسيان - بكسر النون وسكون السين - وهو:
ضد الذكر والحفظ، هذا لغة.
وهو اصطلاحاً: عاهة تنشأ عن اضطراب أو عطب في المخ، أو
عن اضطراب شديد في الحياة العقلية يسببه القلق والصراع النفسي.
وقيل: معنى يعتري الإنسان بدون اختياره، فيوجد الغفلة عن
الحفظ.
стр. 319
وقيل: هو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة إليه.
أما السهو: فهو أخف من النسيان؛ لأن النسيان هو: زوال
الصورة عن المدركة والحافظة معاً، فيحتاج - حينئذٍ - إلى سبب
جديد بخلاف السهو، فإنه زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في
الحافظة، فيتنبه بأدنى تنبه.
أما الغفلة فهي قريبة من السهو.
أما النوم فهو لغة: السكون، والهدوء، والكساد.
وهو اصطلاحاً: فترة طبيعية تحدث بالإنسان بلا اختيار منه، وتمنع
الحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها، وتمنع استعمال
العقل مع قيامه.
أما المغمى عليه فهو في اللغة: فقد الحس والحركة.
وهو في الاصطلاح: فتور يزيل القوى ويعجز ذو العقل عن
استعماله فترة مع قيامه حقيقة.
إذا عرفت ذلك فهل هؤلاء مكلَّفون؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الغافل والناسي والساهي والنائم والمغمى عليه
غير مكلَّفين حال الغفلة، والنسيان، والسهو، والنوم، والإغماء.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرط
التكليف وهو: الفهم، فالغافل في حالة غفلته، والناسي في حالة
نسيانه، والساهي في حالة سهوه، والنائم في حالة نومه، والمغمى
عليه في حالة الإغماء لا يدركون معنى الخطاب، فكيف يخاطبون
стр. 320
ويقال للواحد منهم " افهم " مع أن الفهم منعدم وهم في حالتهم
تلك؛ فلو كلفوا الامتثال وهم لا يفهمون الخطاب لكان تكليفاَ
بالمحال.
المذهب الثاني: أن الغافل، والناسي، والساهي، والنائم،
والمغمى عليه مكلّفون مطلقا.
ذهب إلى ذلك بعض الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إن تكليف هؤلاء بالإتيان بالفعل امتثالاً هو تكليف
بما لا يطاق، والتكليف بما لا يطاق جائز، فتكليفهم جائز.
جوابه:
يقال في الجواب عنه: إنا لا نُسَلِّمُ لكم جواز تكليف ما لا يطاق
لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وقوله: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، ولأن الأمر استدعاء وطلب، والطلب
يستدعي مطلوباً وينبغي أن يكون مفهوماً.
ولو فرضنا - مع الفرض الممتنع -: أن تكليف ما لا يطاق جائز -
وهو رأي كثير من العلماء - فإنهم أجازوه إذا أمكن أن يكون له فائدة
اختبار اللَّه تعالى للعبد هل يأخذ في مقدمات ما كلف به؟
والغافل، والساهي، والناسي، والنائم، والمغمى عليه،
لا يمكنهم الامتثال بما كلَّفوا به - ولا بمقدماته - وهم في حالتهم تلك
- فكان - تكليفهم محالاً.
الدليل الثاني: إن هؤلاء لو أتلفوا شيئاً - وهم في حالة الغفلة،
والسهو، والنسيان، والنوم، والإغماء، لوجب ضمان المتلف