← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المطلب الثالث في المباح وفيه مسائل: المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا. المسألة الثانية: في حقيقة المباح: أولاً: المباح لغة. ثانياً: المباح اصطلاحا. المسألة الئالثة: في صيغ المباح. المسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟ المسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها. المسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟ المسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟ المسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟ المسألة التاسعة: هل يُسمَّى المباح حسنا؟

стр. 247

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المباح هنا: مناسبة ذكره بعد الواجب والمندوب هي: أن هذه الثلاثة تشترك في فعل المكلف الذي تعلَّق به الحكم الشرعي، لا في تركه. المسألة الثانية: في بيان حقيقة المباح: أولاً: المباح لغة: المباح: اسم مفعول مشتق من الإباحة، وهو يطلق على الإظهار والإعلان، يقال: " باح بسره " أي: أظهره وأعلنه. ويطلق ويراد به: الإطلاق والإذن، يقال: " أباح الأكل من بستانه " أي: أذن بالأكل منه، وهذا هو أقرب المعاني لمراد الأصوليين من المباح. ثانيا: المباح اصطلاحا: المباح هو: ما أذن اللَّه - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقاً من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته. شرح التعريف، وبيان محترزاته: قولنا: " ما " للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل في ذلك الأحكام التكليفية - كلها - الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. وقولنا: " أذن اللَّه تعالى " أي: صدر هذا من اللَّه وهو الشارع الحكيم. وقد احترزنا بذلك من أفعال اللَّه، حيث قيل: إنها خالية من

стр. 248

الثواب والعقاب، ومع ذلك فهي ليست مباحة، فذكرنا هذا القيد؟ لإخراج هذا الزعم؛ لأن الإذن صدر من اللَّه للمكلفين. وقولنا: " للمكلفين " جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي. وخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي والنائم، والبهيمة، فأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم. وقولنا: " في فعله وتركه مطلقا " أي: من غير بدل. وخرج بهذا: " الواجب الموسَّع "، و " الواجب المخير"؛ حيث إن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة أو تلك من غير ذم ولا مدح في تركها: فالمكلف مخيَّر بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في وسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا يترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازما على فعلها في وسط أو آخر وقتها. وكذلك في الواجب المخيَّر: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازما على فعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين - مثلاً -. فذكرنا في التعريف " مطلقا " لإخراج ذلك، أي: أن الترك في المباح يكون مطلقا غير مشروط. قولنا: " من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه " معناه: أن التارك لا يُذَم، ولا يُمدح، والفاعل لا يُذم ولا يُمدح، فالفعل والترك - وهما الطرفان - متساويان عند الشارع. وهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي:

стр. 249

١ - " الواجب " لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم. ٢ - " المندوب " لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه. ٣ - " الحرام " لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم. ٤ - " المكروه " لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم. قولنا: " لذاته " أي: تارك المباح وفاعله لا يذم ولا يمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى. فخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجباً، وأخرج المباح الذي يستعين به على واجب. وهناك تعريفات أخرى للمباح قد تعرضت لبعضها في كتابي "إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر". المسألة الثالثة: في صيغ المباح: هناك صيغ تستعمل في الإباحة هي كما يلي: الأولى: " الإحلال " أو " أحل "، ومنه قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ، وقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) . الثانية: " لا جناح "، ومنه قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) ، وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) . الثالثة: " لا حرج "، ومنه قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ "، وقوله ﷺ : "افعل ولا حرج ".

стр. 250

الرابعة: صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، فهذا الأمر بالانتشار هو للإباحة، والقرينة التي صرفت الأمر إلى الإباحة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) ، حيث إنه كان الانتشار لطلب الرزق ممنوعاً إذا نودي للصلاة، ثم أباحه بعد الصلاة. المسألة الرابعة: هل المباح من الشرع؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المباح من الشرع، أي: أنه حكم شرعي، ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الراجح؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن الإباحة: تخيير بين الفعل والترك، وهو متوقف في وجوده على الشرع كبقية الأحكام الشرعية، فتكون الإباحة حكماً شرعياً. فهذا الدليل قائم على القياس، وهو قياس الإباحة على بقية الأحكام الشرعية، كالواجب والمندوب بجامع: أن كلًّا منها متوقف في وجوده على الشرع. الدليل الثاني: الأفعال ثلاثة أقسام: قسم صرَّح الشرع فيه بالتخيير بين فعله وتركه، فقال: " إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه "، فهذا خطاب من الشارع صريح وهو حكم شرعي.

стр. 251

وقسم لم يرد من الشارع خطاب فيه بالتخيير، ولكن دلَّ دليل السمع على نفي الحرج من فعله وتركه، فهذا عرف بدليل السمع، ولولا وجود هذا الدليل الشرعي لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه، حيث يبقيه على النفي الأصلي، فاجتمع في هذا القسم دليل السمع والعقل. وقسم لم يرد فيه خطاب صريح، ولا دليل من الشرع، أي: أن هذا القسم لم يتعرض الشرع له لا بصريح لفظ الشارع، ولا هو مفهوم من دليل من أدلة السمع، فهذا يجري فيه احتمالان: الأول: أنه يحتمل أن يقال: لا حكم له؛ لأنه لم يرد فيه خطاب صريح من الشرع، ولم يرد فيه دليل شرعي. وهذا الاحتمال بعيد جداً؛ لأنه لا توجد حادثة إلا ولها حكم شرعي. الثاني: أنه يحتمل أن يقال: قد دلَّ السمع - بصورة عامة - على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف مخير فيه أو بانعقاد الإجماع على ذلك، وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي لا نهاية لها. وعلى هذا لا يبقى فعل إلا وقد دلَّ عليه من جهة الشرع فتكون إباحته من الشرع. المذهب الثاني: أن الإباحة ليست بحكم شرعي. ذهب إلى ذلك بعض المعتزلة واحتجوا على ذلك بقولهم: إنه لا معنى للمباح إلا انتفاء الحرج من فعله وتركه، وهذا ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، وعلى هذا لا يكون حكماً شرعياً.

стр. 252

بيان نوع الخلاف: لقد بيَّنت في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، وفي كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ": أن الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ ودليل ذلك: أنه إن أراد أصحاب المذهب الثاني بالمباح: ما لا حرج في فعله ولا في تركه لا غير، أو أرادوا بالحكم الشرعي الحكم الذي يخالف حكم العقل الذي كان ثابتا قبله: فالمباح ليس حكما شرعيا. وإن أرادوا بالمباح: ما أُعلم فاعله أو دُل بطريق شرعي على أنه لا حرج في فعله أو تركه، أو أرادوا بالحكم الشرعي خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير: فالمباح حكم شرعي؛ وذلك لأن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير أعم من أن يكون ذلك على وجه التقرير، أو على وجه التغير. فلم تتوارد أقوال أصحاب المذهبين على محل واحد، فلا خلاف في المعنى. المسألة الخامسة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها: لقد اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب: المذهب الأول: الإباحة أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها:. مباحة: إن شاء المكلف انتفع بها واستعملها، وإن شاء تركها لا ذم ولا مدح لفاعلها ولا لتاركها. ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية، وبعض الحنابلة كأبي الحسين التميمي

стр. 253

وأبي الخطاب، وبعض المالكية كأبي الفرج، وبعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق، وأبي العباس ين سريج، وأبي حامد المروزي، وبعض المعتزلة كأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم. وهذا هو الراجح عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) . وجه الاستدلال: أن هذه الآية دلَّت على إباحة الأشياء وجواز الانتفاع بها، حتى يرد دليل يغيِّر ذلك، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) . فهو سبحانه أتى بلفظ " لكم " وكررها ليبين لنا - في موطن الامتنان علينا - أنه خلق لنا ما في الأرض وسخره لنا، واللام في قوله " لكم " في الآيتين للاختصاص أو الملك - وهو تمليك مجازي وليس بحقيقي -؛ لأن المالك الحقيقي هو اللَّه فإذا كان الله - تعالى - قد خصَّنا بهذه الأشياء وملكنا إياها فلا بد أن نتحصل على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها. الدليل الثاني: قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ... ) . وجه الدلالة: أن اللَّه جعل - في هذه الآية - الإباحة أصلاً في هذه الأشياء إلا ما استثني من ذلك. الدليل الثالث: قوله تعالى:

стр. 254

(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) . وجه الدلالة: أن هاتين الآيتين جعلتا الإباحة أصلاً في هذه الأشياء إلا ما صرَّح اللَّه بتحريمه. الدليل الرابع: أن النبي ﷺ سئل عن السمن والجبن والفراء فقال: " الحلال ما أحل اللَّه في كتابه، والحرام ما حِرَّم اللَّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه ". وجه الدلالة: أن الأشياء المسكوت عنها قد عفى اللَّه لمن فعلها ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة. الدليل الخامس: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) . وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه بين أنه لا يجوز لأي شخص أن يحرم شيئاً قد أخرجه لعباده دون دليل صادر عنه سبحانه. فهذه النصوص الشرعية دلت بعمومها على أن حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها هو: الإباحة. تنبيه: لقد استدل القائلون بالإباحة بأدلة عقلية، ولكن تلك الأدلة ضعيفة، وقد أجبت عنها واعترضت عليها في كتابي " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، فإن شئت فارجع إليه. المذهب الثاني: الوقف، أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها: لا حكم لها.. ذهب إلى ذلك: بعض الحنفية، وابن الحاجب، والغزالي، وفخر الدين الرازي، والآمدي، وأبو بكر الصيرفي، وأبو علي

стр. 255

الطبري، وأبو الحسن الأشعري، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الحسن الخرزي الحنبلي، وعامة أهل الظاهر، وكثير من أهل العلم. تنبيه: لقد اختلف في تفسير المراد بالوقف هنا: فبيَّن بعض الأصوليين أن المراد بالوقف هنا: أن الحكم متوقف على ورود الشرع بحكم تلك الأفعال، ولا حكم لهذه الأشياء في الحال؛ لأن الحكم موقوف على ورود الشرع، ولم يرد الشرع بذلك، وليس المراد: عدم العلم، فلا يدري أهي محظورة أم مباحة؟ وهذا تفسير الغزالي، والآمدي، وعضد الدين الإيجي. أما ناصر الدين البيضاوي، فقد فسَّر الوقف بأنه عدم العلم. أي: أن هذه الأشياء لها حكم، ولكن لم نعلم ما هو. وأشار فخر الدين الرازي إلى هذين التفسيرين. والصواب عندي: أن التفسيرين صالحان؛ لأن الشخص إذا لم يعلم هذا الشيء، فإما أنه لم يعلمه؛ لعدم ورود الشرع بذلك، فلا حكم عنده في الحال. وإما أنه لم يعلمه؛ لأنه ورد في الشرع، ولكن هذا الشخص لم يعلمه هو في الحال. فهنا يتوقف في هذا حتى يرد عليه الشرع بذلك. أي: أن الشرع لم يرد بالحكم بالنسبة لهذا الشخص الجاهل. دليل أصحاب هذا المذهب: أصحاب المذهب الثاني وهم القائلون بالتوقف استدلوا بقولهم: إن المباح: ما أذن فيه صاحب الشرع، والمحظور: ما حرَّمه صاحب الشرع.

стр. 256

فإذا لم نجد ورود الشرع في عين بحظر، ولا إباحة، فليس أمامنا إلا التوقف؛ لأن طريق الإباحة الإذن ولم يوجد، وطريق التحريم المنع ولم يوجد، والعقل لا مدخل له في الأحكام الشرعية، فلا يحرم شيئاً ولا يبيحه بمجرد استحسانه أو استقباحه، فنتوقف فيها حتى يرد الشرع ببيان حكمها. جوابه: يمكن أن يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أنا نسلم بأن العقل لا يحظر شيئاً ولا يبيحه بعد ورود الشرع، وخلافنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمنع أن نقول: إنه قبل ورود الشرع يمكن للعقل أن يحظر ويبيح إلى أن يرد الشرع ويمنع ذلك. الجواب الثاني: أنه يمكن معرفة حكم تلك الأشياء قبل ورود الشرع عن طريق آخر، وهو: الشرائع السابقة؛ إذ لا يخلو زمن من شرع. فإذا ثبت ذلك فليس للعقل مدخل في التحريم والإباحة، بل يكون ذلك للشرائع. وهذا الجواب أقوى من الأول، والله أعلم. المذهب الثالث: الحظر والتحريم، أي: أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها: محرمة. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية، وابن أبي هريرة، وأبو بكر الأبهري، والحسن بن حامد، وتلميذه أبو يعلى، والحلواني.

стр. 257

أدلة أصحاب هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بأدلة، من أهمها: الدليل الأول: أن هذه الأعيان ملك لله تعالى، لأنه خلقها وأنشأها، والانتفاع بملك الغير بغير إذنه قبيح فلا يجوز، قياساً على ملك المخلوق، فكما لا يجوز التصرف في ملك الإنسان بغير إذنه، فكذلك لا يجوز التصرف والانتفاع بما خلقه اللَّه تعالى بغير إذنه، وهو لم يأذن، فيبقى على التحريم. جوابه: يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن قياسكم الخالق على المخلوق قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الخالق لا يتضرر إذا انتفعنا بما خلقه وما ملكه، وأما المخلوق فإنه يتضرر إذا انتفعنا بأملاكه، بيان ذلك: أن العادة تقضي: أن التصرف في ملك الغير من المخلوقين بغير إذنه يقبح إذا كان هذا الغير يتضرر ويتأثر كمن أكل من طعام غيره، أو شرب من شرابه، فإنهما يؤثران في الطعام والشراب. أما إذا كان ذلك الغير لا يتضرر ولا يتأثر فلا يقبح التصرف في ملكه بغير إذنه عادة، كمن نظر إلى مرآة غيره، أو من استظل بجدار غيره؛ حيث إن هذه الأمور وما شابهها لا يؤدي إلى استهلاك أو ضرر المرآة، أو الجدار. فإذا ثبت أن الشيء الذي لا يتضرر به المالك من الآدميين يقبح أن يمنع من الانتفاع به، فيجب أن لا يمنع الانتفاع بشيء من الأعيان التي يملكها اللَّه وكل شيء ملكه ؛ لأنه لا ضرر على اللَّه تعالى في الانتفاع بشيء من ذلك.

стр. 258

الدليل الثاني: أن أخذنا بالحظر والتحرير أحوط وأبعد عن الخطر. بيان ذلك: أن تلك الأعيان والأفعال يحتمل أن يكون الانتفاع بها مباحاً، فلا يأثم المكلف بذلك، ويحتمل أن يكون الانتفاع بها حراماً، فيأثم المكلَّف على ذلك، ويترتب على ذلك ضرر عليه. وبناء على هذين الاحتمالين، فإننا إذا - أقدمنا على الانتفاع بهذه الأشياء لم نأمن العقوبة من اللَّه تعالى؛ لاحتمال كونه حراماً. وإذا تركنا ذلك: سلمنا من ذلك الاحتمال. فكان القول بالحظر والتحريم أحوط وأبعد عن الخطر؛ لأن فعل الحرام يعاقب عليه مطلقاً، أما ترك المباح فهو جائز. جوابه: يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن قولكم هذا لو كان صحيحاً في إثبات الحظر والتحريم لجاز أن يجعل هذا الدليل طريقاَ في إيجاب بعض العبادات كالصوم والصلاة قبل ورود الشرع بإيجابهما خوفاً من أن تكون واجبة، فيقال: لا نأمن من العقاب على تركها، فيجب أن يكون ذلك واجباً قبل ورود الشرع بإيجابهما، ولما لم يصح هذا بالإجماع - حيث إننا لم نعلم إيجاب الصلاة والصوم إلا بعد ورود الشرع بذلك -: لم يصح ما ذكروه؛ لعدم اطراده. بيان نوع هذا الخلاف: لبيان نوع الخلاف في هذه المسألة لا بد من التفصيل الآتي: أولاً: الخلاف بين المذهب الأولى - وهو الإباحة - والثاني - وهو الوقف - خلاف لفظي، بيان ذلك: إن القائل بالوقف هو موافق في الحقيقة للقائل بالإباحة؛ حيث إن

стр. 259

مراد القائلين بالوقف هو: أنه لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم بفعله، وهذا هو حقيقة الإباحة. أي: أنه لا عقاب على أحد في ما يفعله، ولا ثواب في شيء يفعله، ولا وجوب بشيء من الأشياء حتى يرد الشرع به، وهذا هو حد الإباحة. ومراد القائلين بالإباحة: أنه لا حرج في الفعل والترك، وهذا هو الوقف؛ لأن المتوقف يقول: لا حكم لهذا الشيء فيعمل كيفما شاء. فلا خلاف حقيقي بين القائلين بالإباحة والقائلين بالتوقف، وهو اختيار إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وأبي يعلى الحنبلي. ثانياً: يرى بعض العلماء كابن عقيل، وشمس الدين الأبياري: أن الوقف موافق للحظر، فيكون الخلاف بين القائلين بالوقف، والقائلين بالحظر خلافا لفظيا، وهذا هو الصحيح، بيان ذلك: أن المتوقفين لم يتوقفوا في التصرف في هذه الأشياء، ولم ينتفعوا بها إلا لأنهم حرموها على أنفسهم؛ حيث لا يوجد دليل من الشرع، ولا من العقل يفيد الإذن في الانتفاع بها، وهو معنى قول القائلين بالحظر والتحريم كما يستفاد ذلك من أدلة الفريقين. ثالثاً: أن الخلاف بين أصحاب المذهب الأول وهم القائلون بالإباحة، وبين أصحاب المذهبين الثاني والثالث خلاف معنوي له ثمرة، بيان ذلك: أن الشيء الذي سكت عن حكمه الشارع، فلم يوجد له في الشرع لا نفي ولا إثبات، أو وُجد دليلان متعارضان متكافئان فيه

стр. 260

اختلف العلماء فيه، ويرجع كل واحد من العلماء في ذلك إلى أصله قبل الشرع، ويستصحب ذلك الأصل إلى ما بعد ورود الشرع. فالقائلون بأن الأصل في الأشياء قبل الشرع الإباحة يقولون: إن حكم هذا الشيء الذي سكت عنه الشرع الإباحة؛ استصحابا للإباحة السابقة قبل الشرع، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يأتي دليل يغير الحالة. والقائلون بأن الأصل في الأشياء قبل الشرع الحظر يقولون: إن حكم هذا الشيء الذي سكت عنه الشرع: الحظر والتحريم؟ استصحابا للحال السابقة قبل الشرع. وبناء على ذلك فقد اختلف العلماء في الحيوان المشكل أمره كالزرافة، والحشرات، والنبات المجهول تسميته، حيث إن هذه الأشياء لم يأت الشارع بحكمها. فالقائلون بالإباحة قالوا: إن تلك الأشياء على الإباحة فيجوز أكلها. والقائلون بالحظر قالوا: إن تلك الأشياء محرمة، فلا يجوز أكلها والله أعلم. *** المسألة السادسة: المباح هل هو مأمور به؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المباح غير مأمور به من حيث هو مباح. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لأنه يعلم كل عاقل من نفسه الفرق بين أن يأذن

стр. 261

الله تعالى لعبده في الفعل وبين أن يأمره به ويقتضيه منه، وأنه إن أذن له فليس بمقتض له. وبهذا تبين لك الفرق بين معمى " الأمر "، ومعنى " الإباحة ". فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي عن تركه، ومعمى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، أي: تعليق الفعل المباح بمشيئة المأذون له في الفعل، وإطلاق ذلك له. وإذا ثبت الفرق بين ما يقتضيه الأمر، وما تقتضيه الإباحة: لزم من ذلك أن المباح غير مأمور به. تنبيه: إن ورد واستعمل وأطلق لفظ الأمر على المباح فإن هذا الاستعمال والإطلاق ليس على الحقيقة، وذلك لأن الاسم الحقيقي للمباح هو: المأذون فيه، ويجوز إطلاق عليه اسم الأمر مجازاً من إطلاق اللازم على الملزوم، لأنه يلزم من خطاب اللَّه - تعالى - بالتخيير فيه كونه مأموراً باعتبار أصل الخطاب، كما أن الرجل الشجاع يطلق عليه اسم " أسد " مجازاً لقرينة، مع أنه اسم حقيقي لذلك الحيوان المفترس، كذلك هنا. المذهب الثاني: أن المباح مأمور به. وينسب إلى الكعبي، وأبي الفرج المالكي، وأبي بكر الدقاق. دليل هذا المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن فعل المباح لا يتحقق إلا بترك حرام، وترك الحرام مأمور به، وعلى هذا: يكون المباح مأمور به، بيان ذلك: أنه لا يمكن التلبس بفعل مباح إلا ويستلزم ذلك ترك محرم، بل قد يستلزم ترك محرمات.

стр. 262

فمثلاً: السكوت المباح يترك به الكفر والقذف والكذب، والسكون المباح يترك به الزنا والسرقة وترك الكفر، والقذف، والكذب، والزنا، والسرقة مأمور به، ولا يمكن ترك هذه الأمور إلا بالسكوت والسكون، فيكونان مأموراً بهما. وعلى هذا يكون السكون المباح، والسكوت المباح مأموراً بهما. فينتج: أن المباح مأمور به. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عن قولهم في استدلالهم -: إننا لو سلكنا هذا المنهج فإنه يلزم أن المباح يكون واجبا؛ لأن ترك الحرام واجب؛ حيث إن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، فيكون السكوت عن الكذب - مثلاً - واجب؛ لأنه لا يتم ترك الكذب إلا بالسكوت عنه فيصبح واجبا. ويلزم - أيضا -: أن يكون المندوب واجبا؛ حيث إنه يترك به الحرام، فمثلاً المشتغل في السواك قد يترك به شرب الخمر، فيكون المندوب واجبا، لأنه ترك به حراما، وهو شرب الخمر. ويلزم - أيضا - أن يكون الحرام واجبا؛ حيث يُترك به حرام آخر، فمثلاً: المشتغل بالسرقة فإنه - وهو في تلك الحالة - يِترك به الزنا فتكون - بناء على ذلك المسلك - السرقة واجبة؛ لأنه ترك بها حراما آخر وهو الزنا، وهكذا. هذه الأمور وغيرها تلزم لو سلكنا ونهجنا ذلك المسلك الذي سار عليه الكعبي في استدلاله على أن المباح مأمور به.

стр. 263

وهي باطلة - كلها -؛ لأمرين: أولهما: أنه نتج - كما سبق - من تلك الإلزامات: أن يكون المباح واجبا، والحرام واجبا، والمندوب واجبا، ونحو ذلك، وهذا تناقض ظاهر في الشريعة، وهو لا يجوز عقلاً فضلاً على أنه لا يجوز شرعا. ثانيهما: أن كون المباح واجبا يقتضي كون أفعال المكلفين التي تتعلق بها الأحكام أربعة؛ ضرورة كون المباح واجبا - حينئذٍ - وهو خلاف الإجماع. بيان نوع الخلاف: الخلاف بين أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور القائلون: إن المباح غير مأمور به، وبين أصحاب المذهب الثاني - وهم الكعبي وأتباعه القائلون: إن المباح مأمور به، هو خلاف لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين في المعنى؛ حيث إننا لو تدبرنا ودققنا فيما استدل به الكعبي وأتباعه، لوجدنا أن ظاهر كلام الكعبي يدل دلالة واضحة على أن المباح غير مأمور به من جهة ذاته، فلم يخالف غيره من الجمهور في ذلك، ويدل على أن المباح مأمور به من حيث ما عرض له من تحقق ترك الحرام وغيره، ولا يخالفه الجمهور في ذلك؟ حيث إن صيرورة المباح مأمور به لعارض مما اتفق عليه. والخلاصة: أن الكعبي لا ينكر المباح، ولا يقول: إن المباح مأمور به من حيث ذاته، وهو: المخير بين فعله وتركه، وإنما يقول - كما نقله عنه كثير من الأصوليين -: إن المباح مأمور به من حيث ما لزم عليه من ترك للحرام؛ لأن ترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا لم يتم ترك الحرام إلا بفعل

стр. 264

المباح، فالمباح واجمما، وهو إنما يصفه بالوجوب أثناء فعله، أما قبل الفعل فيجوز للمكلَّف - عنده - أن يفعله ويفعل غيره من أقسام الحكم مما يتعلق به ترك الحرام. ويلزمه - على هذا - أن يصف جميع الأحكام بالوجوب من حيث ما يلزم عليها من ترك للحرام، ويلزم - أيضاً - من ذلك أن يصف الحرام نفسه بالوجوب من حيث لزم عليه من ترك لحرام أعظم منه، وكذا يقال في بقية الأقسام. وعلى هذا: فهو يقول في المباح: هو مباح من حيث هو مخير بين فعله وتركه، واجب من حيث ما لزم عليه من ترك للحرام. وهذا ما نقله عنه أكثر الأصوليين، والجميع يسلِّم له ذلك، فظهر أن الخلاف لفظي، وأن من نسب إليه إنكار المباح لم يحرر مذهبه. وقد تكلمت عن ذلك في كتاب " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، وكتاب " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ". المسألة السابعة: هل الإباحة تكليف؟ اختلف العلماء في الإباحة هل تدخل تحت التكليف أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أن الإباحة ليست تكليفاً. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة - كما هو معروف - ليس فيها مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة

стр. 265

كمشقة الندب والكراهة، وهي: مشقة فوات الفضيلة، بل إن المكلَّف في المباح يخير بين الفعل والترك مطلقاً، وهذا لا تكليف فيه، وبناء على ذلك فلا تكليف في المباح. المذهب الثاني: أن الإباحة تدخل تحت التكليف. ذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، واستدل بقوله: إن التكليف هو: وجوب اعتقاد إباحته، وأنه من الشرع، فيكون المباح يكلف به من حيث وجوب اعتقاده. جوابه: يمكن أن يجاب عما قاله الأستاذ في استدلاله بأن يقال: إننا لو قلنا مثل ذلك للزم أن نقول مثله في جميع الأحكام الشرعية؛ لأنه لا فرق بين المباح، والحرام، والمندوب، والمكروه في وجوب اعتقاد الحكم من إباحة، أو حرمة، أو ندبية، أو كراهة، والكلام ليس في هذا الاعتقاد فإنه لا يسمى مباحاً، وإنما الكلام في نفس الفعل الذي تعلقت به الإباحة كالأكل والشرب. سبب وضع المباح ضمن الأحكام التكليفية: قد يقول قائل: إذا كان المباح لا يدخل في التكليف كما رجحت ذلك، وأجبت عن دليل من قال بأنه من التكليف، فلماذا اعتبر من أقسام الأحكام التكليفية الخمسة؟ أقول - في الجواب عن ذلك -: إن المباح صار من أقسام الأحكام التكليفية الخمسة؛ لأنه يختص بالمكلفين. أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو الترك، أما الناسي، والنائم، والمجنون، والصبي، ومن في

стр. 266

حكمهم فلا إباحة في حقهم، فهذا معنى جعل المباح من أقسام الأحكام التكليفية الخمسة، لا بمعنى أن المباح مكلف به. بيان نوع الخلاف في هذه المسألة: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لعدم وروده على محل واحد، فالنزاع راجع إلى الاختلاف في تفسير لفظ "التكليف ". فمن فسَّر " التكليف " بأنه طلب ما فيه مشقة وكلفة بصيغة الأمر أو النهي قال: إن المباح ليس مكلفاً به، وهو مذهبنا -. ومن فسَّر " التكليف " بأنه: وجوب اعتقاد إباحته، وأنه من الشرع قال: إن المباح مكلف به، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق. أو تقول في الدليل على كون الخلاف لفظياً: إن أبا إسحاق أراد بقوله: المباح مكلف به: أنه يجب اعتقاد إباحته، فلم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحاً، والوجوب من خطاب التكليف. والجمهور لا يخالفونه في كون المباح من التكليف بهذا الاعتبار، وهو لا يخالفهم في أن المباح ليس من التكليف باعتبار الفعل والترك. فالخلاف لم يرد على محل واحد، فكان الخلاف لفظيا. المسألة الثامنة: هل المباح من جنس الواجب؟ لقد اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء.

стр. 267

وهو الصحيح؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أنه يوجد فرق بين الواجب والمباح في الحقيقة، فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، أي: لا فرق بين الترك والفعل. أما الواجب فغير مطلق الترك - كما سبق بيان ذلك من خلال تعريفهما -. الدليل الثاني: أن المباح لو كان جنساً للواجب: لوجب صدقه عليه كصدق الحيوان على الإنسان. المذهب الثاني: أن المباح من جنس الواجب، أي: أن المباح يدخل في مسمى الواجب. ذهب إلى ذلك بعض العلماء واحتجوا بقولهم: إن المباح هو: المأذون في فعله، وهذا المعنى متحقق في الواجب، والزيادة التي اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عن ذلك -: إن كلًّا من المباح والواجب يختلف عن الآخر، فالمباح مأذون في فعله، ومأذون في تركه بخلاف الواجب - فإنه وإن كان مأذوناً في فعله - كما أشرتم - فإنه غير مأذون في تركه فافترقا. بيان نوع الخلاف في هذه المسألة: إن الخلاف في هذه المسألة - شلاف لفظي؛ راجع إلى تفسير "المباح " ما هو؟ :

стр. 268

فمن فسَّر المباح بأنه المأذون - فقط - فلا شك أن هذا مشترك بين الواجب وغيره، فيكون المباح جنساً للواجب. ومن فسَّر المباح بأنه المأذون فيه مع عدم المنع من الترك، فلا شك أن المباح يكون نوعاً مبايناً للواجب، فلم يكن جنساً له. أو تقول - في بيان الدليل على كون الخلاف لفظياً -: إن من قال بأن المباح جنس للواجب عني بالمباح الذي هو بمعنى: " الجائز " الذي لا يمتنع شرعاً، فلا شك: أن ذلك يشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه. ومن قال: إن المباح ليس بجنس للواجب، فإنه عني بالمباح: المباح الذي هو: ما خيَّر الشارع بين فعله وتركه. المسألة التاسعة هل يسمى المباح حسنا؟ أجمعوا على أن المباح لا يُسمَّى قبيحاً. واختلفوا: هل يُسمَّى حسناً أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أن المباح يُسمَّى حسناً، وهو الصحيح؛ لأن الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رفع الحرج عن فعله فإنه يكون حسناً، فالمباح يكون حسناً. المذهب الثاني: أن المباح لا يُسمَّى حسناً، لأنه لا يستحق فاعله المدح والثناء. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، راجع إلى بيان المراد

стр. 269

بـ "الحسن "، فإن كان المراد من " الحسن " كل ما رفع الشارع الحرج عن فعله، سواء كان على فعله ثواب أو لم يكن، فإن المباح يكون حسناً. وإن كان المراد بـ " الحسن ": ما يستحق فاعله الثناء والمدح والثواب، فإن المباح لا يكون حسناً، والله أعلم.

стр. 270

المطلب الرابع في المكروه ويشتمل على مسائل: المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا. المسألة الثانية: في حقيقة المكروه. أولاً: المكروه لغة. ثانياً: المكروه اصطلاحا. المسألة الثالثة: في صيغ المكروه. المسألة الرابعة: فيما يطلق عليه المكروه. المسألة الخامسة: في إطلاق " المكروه " بين الجمهور والحنفية. المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟ المسألة السابعة: في حكم المكروه. المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه؟ المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟

стр. 271

المسألة الأولى: في مناسبة ذكر المكروه هنا: لقد ذكرنا المكروه هنا؛ لأمرين: الأول: أنه بعد ذكر المأذون في فعله - وهو الواجب والمندوب، والمباح لا بد أن نذكر الممنوع من فعله. الثاني: أنه يشترك مع الحرام - الذي سيأتي ذكره - فيما يلي: ١ - أن كلًّا من المكروه والحرام مطلوب تركه، لكن الحرام طُلب تركه طلباً جازماً، والمكروه طُلِب تركه طلباً غير جازم. ٢ - أن كلًّا من المكروه والحرام منهي عنه، لكن المكروه منهي عنه نهياً غير جازم، والحرام منهي عنه نهياً جازماً. المسألة الثانية: في حقيقة المكروه: أولاً: المكروه لغة: المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: " كرهت الشيء " إذا لم تحبه. وقيل: المكروه مأخوذ لغة من الكريهة، وهي الشدة في الحرب، ومنه سمي يوم الحرب: " يوم الكريهة ". والكره - بضم الكاف -: المشقة كما نقله الجوهري في الصحاح عن الفراء. وعلى هذا يكون المكروه هو: ما نفر عنه الشرع والطبع؛ لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن شدة ومشقة تلحق بالمكلف.

стр. 272

ثانيا: المكروه اصطلاحا: المكروه هو: " ما تركه خير من فعله ولا عقاب في فعله ". شرح التعريف، وبيان محترزاته: قولنا: " ما " جنس في التعريف شمل كل متعلقات الحكم التكليفي الخمسة؛ لأن المراد بها فعل المكلف. قولنا: " تركه خير من فعله " قيد أخرج الأحكام التكليفية الثلاثة وهي: " الواجب، والمندوب، والمباح "، وبيان ذلك: أن الواجب خرج، لأن فعله "خير من تركه، وفي تركه عقاب. وأما المندوب فقد خرج، لأن فعله خير لحصول الثواب، ولا عقاب في تركه. وأما المباح فقد خرج، لأن فعله وتركه سواء، فلا يوصف أحدهما بالخيرية. وقولنا: " ولا عقاب في فعله " أخرج الحرام " لأن الحرام تركه خير من فعله، وفي فعله عقاب. المسألة الثالثة: في صيغ المكروه: الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي كما يلي: الأولى: لفظة " كره " وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن اللَّه كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ". الثانية: لفظة " بغض " وما يشتق منها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق ".

стр. 273

الثالثة: لفظة النهي: " لا تفعل " إذا احتفت بها قرينة تصرفها عن التحريم إلى الكراهة مثل قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ، فإن النهي في قوله: " لا تسألوا " للكراهة، وليس للتحريم، وقد صُرِف النهي عن التحريم إلى الكراهة بسبب قرينة صارفة، وهي آخر الآية، وهي قوله تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ، فالسؤال عما لا يعرف ليس بحرام. وهناك صيغ غير ما ذكرنا للكراهة تعرف من سياق الكلام. المسألة الرابعة: ما يطلق عليه المكروه: اختلف في إطلاقات المكروه على ما يلي: فبعض العلماء يطلق لفظ " مكروه "، ويريد به الحرام والمحظور، وقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد ﵏ جميعاً - وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعاً منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) ، فكرهوا - لذلك - إطلاق لفظ التحريم. وبيَّن ابن القيم في " أعلام الموقعين " بأن هذا كان من أسباب غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ " الكراهة "، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة.

стр. 274

وبعضهم يطلق لفظ " مكروه " على ما نهي عنه نهياً تنزيهياً، وهو الذي عرفناه هنا. وإذا أطلق لفظ " مكروه " انصرف إلى هذا، وهو المكروه كراهة تنزيه، وهو الذي نحن بصدده - الآن -؛ لأن كلًّا من الأحكام الأربعة خص باسم غلب عليه كالواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، فاقتضى ذلك اختصاص " المكروه " باسم غالب عليه كغيره من الأحكام، ويكون هذا الاسم هو " المكروه ". وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع. وبعضهم يطلقه ويريد به ترك ما مصلحته راجحة كترك المندوبات. بيان نوع الخلاف: هذا الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي؛ لأن الإطلاقات السابقة اختلفت باختلاف مراد كل مطلق من إطلاقه، فلم يرد الخلاف على موضع واحد فمن أطلق الإطلاق الأول - وهو أنه مراد به الحرام - حدَّه بحد الحرام. ومن أطلق الإطلاق الثاني - وهو ما نهي عنه نهي تنزيه - حدَّه بالنهي عنه الذي لا ذم على فعله - وهو الموضوع الذي نحن بصدده الآن. ومن أطلق الإطلاق الثالث - وهو: ما وقعت الشبهة في تحريمه - حدَّه بأنه الذي فيه شبهة وتردد.

стр. 275

ومن أطلق الإطلاق الرابع - وهو: ما أريد به ترك ما مصلحته راجحة - حده بترك الأولى. المسألة الخامسة: إطلاق " المكروه " بين الجمهور والحنفية: الجمهور إذا أطلقوا لفظ " مكروه " انصرف إلى المكروه كراهة تنزيهية - وهو الذي عرفناه فيما سبق - وذلك لأنهم لا يسمون بهذا الاسم غيره، وإن كانوا لا يخالفون في جواز إطلاقه على الحرام - كما سبق في المسألة الرابعة -. أما الحنفية، فإنهم إذا أطلقوا لفظ " المكروه " انصرف هذا اللفظ غالباً إلى المكروه تحريماً. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ حيث إنه راجع إلى اصطلاح كل من الفريقين، ولا مشاحة في الاصطلاح. المسألة السادسة: هل المكروه منهي عنه حقيقة؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المكروه منهي عنه حقيقة. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء. وهو الصواب؛ للأدلة الآتية: - الدليل الأول: أن استعمال المنهي في المكروه قد شاع في لسان اللغة والشرع، والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولا يوجد شيء يمنع من ذلك.

стр. 276

الدليل الثاني: أن كلمة " النهي " تطلق على ما كان النهي فيه لحرمته كما تطلق على ما كان النهي فيه لكراهته وعدم استحسانه، ولا فرق بينهما إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه. المذهب الثاني: أن المكروه منهي عنه مجازاً، وليس حقيقة. وهو لبعض العلماء مستدلين بقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا) . وجه الدلالة: أن هذا النص يقتضي أن الانتهاء لازم عن المنهي عنه، وترك المكروه غير لازم، فكان المكروه - منهيا عنه مجازاً لا حقيقة، أي: لو كان المكروه منهياً عنه حقيقة للزم من ذلك الانتهاء عن فعله، وإن لم ننته حلَّ العقاب، ولكن حقيقة المكروه أنه طلب الانتهاء عنه، ولكن لو فعلناه لما كان علينا عقاب، إذن يكون النهي عنه نهيا مجازاً، لا حقيقة. جوابه: يمكن أن يقال في الجواب عنه: إننا نظرنا إلى غير ما نظرتم إليه، فنحن نظرنا إلى إطلاق لفظ النهي على المكروه، وأنتم نظرتم إلى حكمه، ففرق بينهما. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا يترتب عليه أي أثر؟ وذلك لاتفاقنا مع أصحاب المذهب الثاني على أن المكروه مطلوب ترك فعله وإن كان طلبا غير جازم.

стр. 277

المسألة السابعة: في حكم المكروه: إن المكلف يثاب في ترك المكروه امتثالاً، وإذا فعله فلا يعاقب على فعله، ولكن يقال عنه بأنه مخالف. قال القاري في " فتح العناية": " إنما يكون - فعله لوثة مخالفة في صحيفة الإنسان ". المسألة الثامنة: هل الأمر المطلق يتناول المكروه: اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الأمر المطلق لا يتناول المكروه. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجرجاني، والإمام مالك، وبعض المالكية كابن خويز منداد، وأكثر الشافعية، والحنابلة. وهو الراجح عندي؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: أن المكروه - كما سبق - منهي عنه نهياً غير جازم، والنهي يقتضي ترك الفعل، أما الأمر فإنه يقتضي إيجاد الفعل، فيلزم من ذلك أن الأمر والنهي متضادان، وإذا كانا متضادين فإنه لا يمكن أن يطلب ترك الشيء في حين أنه يطلب فعله. أي: يستحيل أن يكون الشيء مأموراً به منهيا عنه في آن واحد، فينتج: أن المكروه لا يتناوله الأمر المطلق. الدليل الثاني: أنه إذا كان المباح ليس مأموراً به - كما سبق بيانه - مع أنه ليس منهيا عنه، فمن باب أوْلى أن المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق؛ لأنه منهي عنه. الدليل الثالث: أنه يوجد تنافي بين حقيقة الأمر، وحقيقة المكروه

стр. 278

فالأمر هو: استدعاء وطلب، والمأمور به مستدعى ومطلوب فعله كالواجب والمندوب. أما المكروه فهو مطلوب الترك، إذن: ليس مستدعى ولا مطلوباً فعله، فيكون المكروه منهياً عنه. المذهب الثاني: أن الأمر المطلق يتناول المكروه. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية كالجصاص، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه يجوز أداء صلاة عصر يومه بعد تغير الشمس، فهو مأمور به شرعاً، وهو مكروه. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في صلاة العصر، بل إن سبب الكراهة هو: التشبه بعباد الشمس. الدليل الثاني: أن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) ، يتناول طواف المحدث، وهو صحيح عند الحنفية، وهو مكروه. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إن الكراهة ليست في الطواف، لأنه تعظيم للبيت، بل الكراهة لوصف في الطائف، وهو المحدث، والحدث ليس من الطواف. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة في كثير من المسائل الفقهية، ومنها:

стр. 279

١ - لو طاف مكلف على غير طهارة، أو طاف منكوسا وهو - المقلوب الذي رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل "، فهل يدخل في الأمر الوارد في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . اختلف العلماء في ذلك، وكان سبب اختلافهم هو: اختلافهم في المسألة السابقة: فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا يتناول المكروه - ذهبوا إلى عدم دخول تلك الصورة المؤداة في الأمر، ولو فعل لا يكون مجزئاً بسبب: أن المكروه لا يدخل في مطلق الأمر. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق يتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن ذلك الفعل بتلك الصورة المؤداة يدخل في الأمر، وإن كان حكمه مكروهاً إلا أنه يجزي عن الطواف. ٢ - لو توضأ مكلف وضوءاً منكساً دون ترتيب، فهل يدخل في مطلق الأمر بالوضوء ويجزئ عنه؟ اختلف العلماء في ذلك، وسبب اختلافهم هو اختلافهم في المسألة السابقة. فأصحاب المذهب الأول - وهم القائلون: إن الأمر المطلق لا يتناول المكروه - ذهبوا إلى أن الوضوء المنكس لا يدخل في مطلق الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك لا يجزئ. أما أصحاب المذهب الثاني - وهم القائلون: إن الأمر المطلق يتناول المكروه - فقد ذهبوا إلى أن الوضوء المتكس يدخل في مطلق الأمر بالوضوء، وأنه إذا وقع مثل ذلك فإنه يجزئ.

стр. 280

المسألة التاسعة: هل المكروه من التكليف؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن المكروه ليس من التكليف. ذهب إلى ذلك جمهور العلماء. وهو الصحيح؛ لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمكروه لا كلفة ولا مشقة فيه - كما اتضح ذلك من بيان حقيقة المكروه السابق في المسألة الثانية، ومن بيان حكم المكروه السابق في المسألة السابعة -. حيث بيَّنا: أن المكلَّف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر وثواب، وإن لم يتركه فلا إثم عليه، وهذا لا مشقة ولا كلفة فيه، بخلاف الواجب والحرام، فالمشقة والكلفة فيهما واضحة؛ حيث إن المكلَّف إن فعل الواجب فله أجر، وإن تركه فعليه إثم، وإن ترك الحرام فله أجر، وإن فعله فعليه إثم، وكل ذلك للابتلاء. المذهب الثاني: أن المكروه من التكليف. ذهب إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وبعض الشافعية وبعض الحنابلة. دليل هذا المذهب: استدل هؤلاء بقولهم: إن المكروه لا يخلو من مشقة وكلفة، فشمله معنى التكليف. جوابه: يمكن أن يقال - في الجواب عنه -: إننا لو رجعنا إلى حقيقة المكروه لوجدنا أنه لا مشقة حقيقية فيه، ولا إلزام في ترك الفعل.

стр. 281

تنبيه: إنني صححت في كتابي " إتحاف ذوي البصائر " أن المكروه من التكليف، ولكني في كتابي الآخر وهو: " الخلاف اللفظي عند الأصوليين " صححت: أن المكروه ليس من التكليف، وكذا في هذا الكتاب. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي لا ثمرة له راجع إلى تفسير التكليف ما هو. فمن فسَّر التكليف بأنه: إلزام ما فيه كلفة، قال: المكروه ليس من التكليف، لأنه لا إلزام في المكروه. ومن فسَّر التكليف بأنه الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة، أو هو الخطاب بأمر أو نهي: قال: المكروه من التكليف. إذن: أصحاب المذهبين قد اتفقوا على المعنى وهو: أن المكروه مطلوب تركه إلا أن أصحاب المذهب الأول وهم الجمهور رفع عنه اسم التكليف، نظراً لعدم الإلزام في طلب الترك، أما أصحاب المذهب الثاني أثبتوا له اسم التكليف لوجود الكلفة والمشقة في طلب الترك.

стр. 282

المطلب الخامس الحرام ويشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: في مناسبة وضع الحرام هنا. المسألة الثانية: في حقيقة الحرام: أولاً: الحرام لغة. ثانياً: الحرام اصطلاحا. المسألة الثالثة: في صيغ الحرام. المسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع حراما واجباً؟ المسألة الخامسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجبا من جهة واحدة؟ المسألة السادسة: هل يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجبا من جهتين؟ المسألة السابعة: في مقدمة الحرام. المسألة الثامنة: في الحرام المخيَّر. المسألة التاسعة: هل الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضدِّه؟

стр. 283

المسألة الأولى: مناسبة وضع الحرام هنا: مناسبة وضع الحرام بعد المكروه هي: أنهما يشتركان في شيء واحد وهو: أن كلًّا منهما مطلوب تركه، لكن المكروه مطلوب تركه طلباً غير جازم، والحرام مطلوب تركه طلباً جازماً. المسألة الثانية: في حقيقة الحرام: أولاً: الحرام لغة: الممنوع، يقال: " حرمه الشيء ": إذا منعه إياه، ومنه قوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن. ثانيا: المحرم اصطلاحا: هو: ما ذُمَّ شرعاً فاعله. شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: " ما " جنس في التعريف، والمراد منه: " الفعل "، والتقدير: " الفعل الذي يذم شرعاً فاعله "، والمقصود: فعل المكلَّف. ودخل في ذلك كل أقسام الحكم التكليفي وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. قولنا: " ذُمَّ " الذم هو: الاستنقاص من الشارع الذي يصل إلى حدِّ العقاب، وهو قيد في التعريف، أخرج المندوب، والمكروه، والمباح، بيان ذلك: أنه أخرج المندوب؛ لأن المندوب لا ذم على تركه.

стр. 284

وأنه أخرج المكروه؛ لأن المكروه لا ذم على فعله. وأنه أخرج المباح؛ لأن المباح لا ذم على فعله ولا على تركه. قولنا: " شرعا " قيد في التعريف لبيان أن الذم المعتبر هو الذم الوارد من الشارع فقط، بخلاف ما تقوله المعتزلة من أن العقل يذم ويقبح، ويمدح ويحسن. قولنا: " فاعله " أخرج الواجب؛ لأنه الواجب يذم على تركه. والمراد بالفعل هو: كل ما يصدر من الشخص، وذلك يشمل فعل الجوارح كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، ويشمل الأقوال المحرمة كالكذب، والنميمة، والغيبة، ويشمل الأعمال القلبية المحرمة كالحقد، والحسد، والنفاق. *** المسألة الثالثة: في صيغ الحرام: الحرام له صيغ وأساليب، ومنها: الأولى: لفظة " التحريم " ومشتقاتها، مثل قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) . الثانية: صيغة النهي المطلق، مثل قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) . الثالثة: التصريح بعدم الحل، مثل قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) ، وقوله ﵊: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ".

стр. 285

الرابعة: أن يذكر الشارع فعلاً ثم يرتب عليه عقوبة، فهذا يدل على أن الفعل حرام، ومنه قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) . الخامسة: صيغة الأمر التي تطلب الترك والمنع من الفعل، كقوله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) ، وقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) ، فإن هذه الصيغة تعتبر من أساليب النهي؛ ترجيحاً لجانب المعنى على جانب اللفظ؛ حيث إن معنى هذه الأوامر: النهي. وبعضهم اعتبرها من أساليب الأمر؛ حيث إنها تفيد الطلب بصيغة الأمر. بيان نوع الخلاف: الخلاف في الصيغة الخامسة خلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأن المعنى - وهو الحكم الشرعي - متفق عليه، وهو - هنا - تحريم قول الزور وتحريم الربا. لكن بعضهم عبَر عنه بالأمر باجتناب قول الزور، والأمر بترك الربا. وبعضهم عبَّر عنه بالنهي عن الزور والربا، فكان الخلاف في التعبير فقط. المسألة الرابعة: هل يجوز أن يكون الواحد بالنوع (١) حراماً واجباً؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
следующие страницы →