Полный текст (2 303 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وإنما هو من باب خطاب الوضع، أي هو: من باب ربط الحكم
بسببه، فجناية الشخص سبب في دية العاقلة؛ لأن المصلحة اقتضت "
ذلك..
الشرط الرابع: أن يكون الفعل معدوماً.
أي: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلََّف فعله معدوماً، أي:
لم يوجد، فمثلاً: يؤمر المسلم بصلاة الظهر قبل الزوال، فصلاة
الظهر فعل أمر الشارع بفعلها قبل وجودها، وكذا يؤمر الإنسان
بخياطة ثوب معدوم، فإن هذا الأمر صحيح؛ لأن كلًّا من صلاة
الظهر والثوب لم يوجد قبل الأمر.
أما ما هو موجود فيستحيل وقوعه من المكلَّف، فلا يحسن عقلاً
الأمر بفعل شيء موجود، وهذا عند جمهور العلماء وهو الصحيح،
لوجهين:
الوجه الأول: أن يجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل، لا يرد به
الشرع، فهو مستحيل كاستحالة الجمع بين الضدين، وجعل الجسم
في مكانين في وقت واحد.
الوجه الثاني: أنه لا يحسن أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن
هو يكتب بالكتابة؛ لوجود القيام، والكتابة قبل الأمر، فكذلك هنا.
هذا هو المذهب الأول في المسألة.
المذهب الثاني: أنه يجوز الأمر بفعل شيء موجود.
ذهب إلى ذلك بعض المتكلمين.
دليل هذا المذهب:
أنه لو لم يصح الأمر بفعل الموجود للزم من ذلك أمران:
стр. 352
أولهما: أنه لا يصح ذم الكافر على كفره - الذي هو فيه في
الحال -، لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجوداً.
ثانيهما: يوجب أن لا يكون المؤمن مأموراً بالإيمان؛ لأن ما وجد
منه لا يصح الأمر به وهو على هذه الصفة.
جوابه:
يجاب عنه ت بأن الكافر إنما يستحق الذم على فعله من اعتقاد
الكفر والبقاء عليه، فهذا ليس فيه دلالة على كونه مأموراً بما قد وجد
منه.
وأما أمر المؤمن بالإيمان فليس المقصود منه الأمر الحقيقي، وإنما
المراد بالأمر هنا هو: طلب الاستمرار على الإيمان، والله أعلم.
الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدوراً للمكلَّف.
فلا يجوز تكليف ما لا يطاق، بل لا بد أن يكون الفعل يستطيع
المكلَّف فعله والقدرة عليه، فإن كان محالاً كالجمع بين الضدين،
وقلب الأجناس، وإعدام القديم، وإيجاد الموجود، ونحو ذلك،
فلا يجوز التكليف به.
ذهب إلى ذلك الغزالي، وأبو حامد الإسفراييني، وإمام الحرمين
وأبو بكر الصيرفي، وابن قدامة، وكثير من العلماء، وهو الصحيح
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ،
وقوله: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه صرح في هاتين الآيتين على اشتراط
القدرة من المكلَّف فيما يكلف به من الأفعال، وهذا يدل دلالة
стр. 353
واضحة على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، فلا يكلف اللَّه العباد
عملاً من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلََّف، وفي
مقتضى إدراكه.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
وجه الدلالة: أن التكليف بما لا يطاق فيه حرج واضح للمكلَّفين،
والله هنا - نفى أن يكلف أي إنسان بشيء فيه حرج عليه،
قال بعض العلماء: " وأي حرج فوق التكليف بما لا يطاق "،
وقال الآمدي في " الإحكام ": " ولا حرج أشد من التكليف بما لا
يطاق ".
الدليل الثالث: قوله ﷺ :
"دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
وجه الاستدلال: أن الناس إنما كلَّفوا فيما يستطيعون من الفعل،
فثبت أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.
الدليل الرابع: أن المحال - وهو: ما لا يطيقه المكلَّف لا تتصور
فيه الطاعة فلا يتصور استدعاء وطلب المحال من المكلَّف؛ قياساً على
أنه يستحيل من العاقل أن يطلب من الشجرة أن تخيط له ثوباً.
أي: كما أنه يستحيل أن يطلب العاقل من الشجرة الخياطة؟
لعدم تصور الطاعة منها، فكذلك يستحيل طلب المحال من المكلف
- وهو الذي لا يستطيع أن يفعله -؛ لعدم تصور الطاعة في ذلك:
الدليل الخامس: أن اشتراط كون الفعل ممكنا ومستطاعا أوْلى من
стр. 354
اشتراط كون المكلَّف عاقلاً فاهما للخطاب، ومن اشتراط كون الفعل
معدوماً؛ وذلك لأن الفعل المكلََّف به ممكن إيقاعه من غير العاقل،
وممكن إيقاعه من غير الفاهم، وممكن إيجاده مرة أخرى، أو يوقع
ما يماثله، ولكن يستحيل أن يوقع المكلََّف المحال، فكيف يطلب - من
المكلَّف إيقاعه، فثبت أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.
تنبيه: المعتزلة يوافقوننا على أن تكليف ما لا يطاق لا يجوز.
وقد استدلوا ببعض الأدلة السابقة، وأضافوا إليها دليلاً قويا
عندهم وهو قولهم: إن تكليف ما لا يطاق قبيح عقلاً، والله
سبحانه لا يكلف بالقبيح استناداً إلى قاعدتهم وهي: " التحسين
والتقبيح العقليين ".
هذا هو المذهب الأول في المسألة.
المذهب الثاني - في المسألة -: أنه يجوز تكليف ما لا يطاق.
ذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني، ونسب إلى أبي الحسن
الأشعري، واختاره فخر الدين الرازي، وذهب إليه كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) .
وجه الاستدلال: أن هذا تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة،
وهو يدل على جواز تكليف ما لا يطاق.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا لا يصح أن يحتج به على ما نحن فيه، وإنما
يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى
стр. 355
التكليف، وليس كذلك للإجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار
مجازاة، لا دار تكليف.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) .
وجه الاستدلال: أن هؤلاء سألوا اللَّه دفع ما لا يطيقون، ولو لم
يَكن تكليف ما لا يطاق جائزاً لما سألوا دفعه، ولا أقرهم عليه،
فلما سألوا دفعه، وحصل الإقرار على ذلك: دلَّ على جوازه.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
أولهما: أن المراد بما لا يطاق في الآية هو: الشاق الذي يثقل
على الإنسان، وعلى هذا فهم سألوا اللَّه دفع ما فيه مشقة على
النفس بحيث يؤدي إلى هلاكها، وهذا متعارف عليه في اللغة،
فيقول الشخص لما يشق عليه: " لا أطيقه ".
ثانيهما: سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكن هذه الآية معارضة بما
استدللنا به على عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وهو قوله تعالى:
(لا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها) ، وقوله: (وما جعل عليكم في
الدين من حرج) ، وقوله: (لا نكلف نفسا إلا وسعها) ، فإن
هذه الآيات قد صرحت في عدم جواز تكليف ما لا يطاق،
أما ما ذكرتموه من قوله تعالى: (ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به) ، فهي
ليست صريحة في جواز تكليف ما لا يطاق، لأنه يتطرق إليها عدة
احتمالات:
ومنها: ما قلناه في الجواب الأول.
ومنها: أن سؤال دفع ما لا يطاق حكاية حال الداعين، ولا حُجَّة
стр. 356
ومعلوم أن الصريح مقدم على غير الصريح.
الدليل الثالث: أن اللَّه كلَّف أبا جهل بالإيمان، وأمره
به، ومن الإيمان تصديق اللَّه تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر
الله عن أبي جهل أنه لا يؤمن، فقد صار مكلَّفا بأنه لا يؤمن،
ومكلَّفا بأنه يؤمن، وهذا هو التكليف بالجمع بين الضدين وهو
محال، فجاز تكليف ما لا يطاق.
جوابه:
يجاب عنه: بأن تكليف أبي جهل غير مستحيل؛ لأمور ثلاثة:
الأول: أن الأدلة النقلية والعقلية على صدق ما جاء النبي ﷺ منصوبة، وموجودة وظاهرة لا لبس فيها.
الثاني أن أبا جهل له عقل حاضر، وفهم للخطاب.
الثالث: أن أبا جهل يستطيع أن يفعل ما كلف به من غير أن يمنعه
أحد فهو من - رؤساء الكفار.
وهذه الأمور جعلت تكليف أبي جهل غير مستحيل، وممكن أن
يؤمن، لكن علم اللَّه تعالى في علمه الأزلي أن يترك أبو جهل ما
يقدر عليه، وهو: " ما كلف به من الإيمان "، وذلك حسداً
للرسول ﷺ وعناداً، وإذا علم اللَّه سبحانه أنه لا يؤمن صار عدم إيمانه معلوما، فلن يؤمن أبداً؛ لأن العلم يتبع المعلوم المقرر، ولا يمكن أن يغيره بأي حال.
مما يؤيد ذلك: أن اللَّه تعالى قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا
هذا، وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن - حيث جعل لها علامات -
ويترك إقامتها مع القدرة على ذلك، وخلاف خبره سبحانه مستحيل.
стр. 357
ولكن هذه الاستحالة لا ترجع إلى نفس الشيء، بل مستحيل
لغيره، فلا يؤثر فيه.
الدليل الرابع: إن تكليف ما لا يطاق لا يستحيل من حيث صيغته،
حيث وردت صيغته في قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) ،
وقوله: (قل كونوا حجارة أو حديداً) ، وقوله: (كن فيكون) ،
فإن هذه أوامر ظاهرها أنها مخاطبة للمكلَّفين بأن يكونوا قردة، أو
حجارة، أو أى شيء آخر، وهذا لا يستطيع المكلَّف فعله، فهذا
تكليف ما لا يطاق.
جوابه:
يجاب عنه بأنه ليس في تلك النصوص أوامر؛ حيث إن تلك
الأوامر ليست حقيقية، إذ ليس فيها مطالب.
فالمراد من قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) : التكوين من
أجل إظهار القدرة لله تعالى، وقيل: إن هذا للسخرية منهم.
والمراد من قوله تعالى: (قل كونوا حجارة أو حديداً) التعجيز؟
حيث أراد اللَّه تعالى أن يظهر قدرته عليهم وأن يعجزهم.
والمراد من قوله تعالى: (كن فيكون) ، إظهار القدرة عليهم،
لا بمعنى أنه طلب من المعدوم بأن يكون نفسه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا أثر له في الفروع، حيث لا
وقوع لها في الفروع، وإن كان لها أثر في أصول الدين في مسألة
"الاستطاعة "، وفي مسألة " القدر "، فإن شئت فارجع إلى ذلك
في كتب العقيدة فهو مبسوط هناك.
стр. 358
الشرط السادس: أن يكون - التكليف بفعل.
اعلم أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا
فعلاً، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل.
والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد
الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة والحج.
أما التكليف في النهي فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أن التكليف في النهي تكليف بفعل.
هذا مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن
الفعل، لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل،
فمثلاً: الأمر بالصوم أمر بكف النفمس عن الفطر، والكف فعل
الإنسان وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهى عن
شرب الخمر، والسرقة، والزنا، فإنه اقتضى التلبس بضد من
أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلاً تحت كسب المكلف
فيثاب عليه، فالترك. - في الحقيقة - فعل، لكونه ضد الحال التي
هو عليها.
المذهب الثاني: أن التكليف في النهي ليس تكليفا بفعل.
ذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة، وعلى رأسهم أبو هاشم.
دليل هذا المذهب:
احتجوا - على ذلك بقولهم -: إن النهي عن الشيء معناه:
طلب تركه.
والترك نفي محض لا يدخل تحت التكليف، ولا يدخل تحت
стр. 359
كسب العبد، فلا يثاب عليه، فلا يسمى الكف عن الفعل فعلاً إلا
أن يتناول التلبس بضد من أضداده، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه
يثاب على ذلك الضد المتلبِّس به، لا على مجرد الترك والكفِّ فقط.
جوابه:
يجاب عنه: بأن الترك ليس نفيا للفعل، وإنما هو فعل، فترك
الشيء هو: الأعراض البدني أو القلبي عنه، والأعراض فعل،
فمن ترك الزنا فقد أعرض عنه، وذلك الأعراض فعل، وهو من
كسب العبد، ويثاب عليه.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي لا ثمرة له؛ لاتفاق أصحاب
المذهبين على المعنى والحكم وهو: وجوب الانتهاء عما نهى اللَّه عنه
سواء كان ذلك الانتهاء عن طريق فعل الضد وكف النفس، أو عن
طريق الإبقاء على العدم الأصلي من غير تغيير، فالخلاف كان في
العبارة والاصطلاح.
стр. 360
الفصل الرابع في الحكم الوضعي وأنواعه
لقد سبق بيان أن الحكم الشرعي يتنوع إلى نوعين:
الأول: الحكم التكليفي.
الثاني: الحكم الوضعي.
أما الحكم التكليفي فقد سبق الكلام عنه بالتفصيل.
أما الحكم الوضعي فهو موضوع هذا الفصل، ويشتمل الكلام
عنه على أربعة مباثحط:
المبحث الأول: تعريف الحكم الوضعي.
المبحث الثاني: الفرق بين الحكم الوضعي، والحكم التكليفي.
المبحث الثالث: بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب
الوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع.
المبحث الرابع: أنواع الحكم الوضعي.
стр. 361
المبحث الأول في تعريف الحكم الوضعي
الحكم قد سبق بيانه.
والوضع لغة يطلق على الولادة يقال: " وضعت المرأة حملها " إذا
ولدته، ويطلق على الإسقاط يقال: " وضعت عنك الدين " إذا
أسقطته، ويطلق على الترك يقال: " وضعت الشيء بين يديه " إذا
تركته.
أما الحكم الوضعي في الاصطلاح فهو: خطاب اللَّه - تعالى -
المتعلِّق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه،
أو كون الفعل رخصة، أو عزيمة.
ومعناه:
أن الشارع وضع وشرع أموراً سميت أسباباً وشروطاً وموانع،
ونحو ذلك تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي،
وذلك لأن الأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي بوجود
الموانع، أو انتفاء الأسباب والشروط.
فالحكم الوضعي هو الوصف المتعلِّق بالحكم التكليفي، وهذا
الوصف إما أن يكون سببا كأوقات الصلاة؛ حيث إنها سبب
لوجوبها على المكلف، وبلوغ النصاب للمال، حيث إنه سبب في
стр. 362
وجوب الزكاة، أو يكون شرطا كالطهارة في الصلاة، أو يكون
مانعاً كالنجاسة تمنع من صحتها، أو يكون الفعل الواقع من المكلف
صحيحاً يترتب عليه حكمه، أو ذلك الفعل فاسداً لا يترتب عليه
شيء، أو يكون ذلك الفعل رخصة كأكل الميتة عند الاضطرار، أو
يكون الفعل عزيمة كالعبادات الخمس.
стр. 363
المبحث الثاني في الفروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
قد يلتبس على بعض الناس الحكم التكليفي مع الحكم الوضعي
لذلك سأبين الفروق المهمة بينهما فأقول:
الفرق الأول: من حيث الحد والحقيقة، فحقيقة الحكم الوضعي
تختلف عن حقيقة الحكم التكليفي، فالخطاب في الحكم الوضعي:
خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين
أمرين، بحيث يكون أحدهما سبباً للآخر، أو شرطا له.
بخلاف الخطاب في الحكم التكليفي، فإنه خطاب طلب الفعل،
أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فخطاب التكليف هو: طلب
أداء ما تقرر بالأسباب والشروط.
الفرق الثاني: يختلفان من حيث اشتراط قدرة المكلف وعدمها،
فالحكم التكليفي يشترط فيه أن يستطيع المكلف فعله، فلا يجوز
التكليف بما لا يطاق مطلقا.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدوراً
للمكلف، وقد يكون غير مقدور للمكلف.
فمن أمثلة ما يقدر المكلف على فعله وتركه: السرقة التي هي
سبب في قطع اليد، كذلك صيغ العقود والتصرفات الشرعية، فإنها
أسباب داخلة تحت تصرف المكلَّف وقدرته، فهو يستطيع أن يسرق
стр. 364
فيكون سببا في قطع يده، ويستطيع ترك السرقة، ويستطيع أن يعقد
العقد فيكون سببا في الملك، ويستطيع ترك ذلك العقد.
ومن أمثلة ما لا يقدر المكلف عليه: دلوك الشمس الذي هو سبب
لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة،
والأبوة التي هي مانعة من وجوب القصاص من الوالد لولده.
فهذه أسباب وشروط وموانع ليست في مقدور المكلف، بل هي
خارجة عن قدرته.
الفرق الثالث: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف الذي
توفرت فيه شروط التكليف وهي: البلوغ، والعقل، والفهم،
بخلاف الحكم الوضعي، فإنه يتعلق بفعل المكلف وغير المكلف
كالصبي والمجنون والنائم والناسي والساهي والغافل والسكران والمعتوه
ونحوهم، فإن هؤلاء يضمنون - مثلاً - ما يتلفونه؛ لكون الحكم
الوضعي قد وجد وهو: السبب، وهو الإتلاف.
الفرق الرابع: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل
من الشخص نفسه، فالمكلف إذا عمل عملاً موافقا لأمر الشارع فإنه
يؤجر عليه، أما إذا عمل عملاً مخالفا لذلك الأمر، فإنه يعاقب
عليه.
بخلاف الحكم الوضعي، فقد يعاقب أشخاصا بفعل غيرهم،
ولهذا وجبت الدية على العاقلة، فوجوب الدية عليهم ليس من باب
التكليف؛ لاستحالة التكليف بفعل الغير، بل إنها وجبت لأن فعل
الغير سبب لثبوت هذا الحق عليهم..
الفرق الخامس: أن الفعل في الحكم الوضعي قد يكون مقدوراَ
للمكلف، ولكنه لا يؤمر به كالنصاب للزكاة، فإنه لا يؤمر الإنسان
стр. 365
بتحصيل النصاب لتجب عليه الزكاة، ولا يؤمر بالإقامة في رمضان
ليجب عليه الصوم إذا عرض له ما يقتضي السفر.
بخلاف الحكم التكليفي فلا بد من كون الفعل مقدوراً للمكلَّف
وداخلاً تحت إمكانه، وإذا أمر بحكم تكليفي فهو أمر بكل ما يجعل
فعله المأمور به صحيحا كالطهارة للصلاة، وإذا نهي عن فعل فإنه
نهي عن كل ما يؤدي إليه.
الفرق السادس: أن الحكم التكليفي يشترط فيه أن يكون معلومة
للمكلَّف وأن يعلم أن التكليف به صادر من اللَّه تعالى حتى يصح منه
القصد والنية.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه علم المكلَّف، ولذلك
يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم
بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، كذلك لو أتلف النائم أو
الناسي، أو - الساهي، أو الغافل شيئاً، أو رمى إنسان في ملكه
فأصاب إنسانا، فإن هؤلاء يضمنون وإن كانوا لا يعلمون.
واستثنى العلماء من ذلك أمرين:
أولهما: أسباب العقوبات التي هي الجنايات كالقتل الموجب
للقصاص، فإنه يشترط فيه العلم والقصد، ولذلك لا يجب
القصاص على المخطى لعدم العلم، وكذا حد الزاني لا يجب في
الشبهة لعدم العلم.
ْئانيهما: أسباب انتقال الأملاك في المنافع والأعيان، كالبيع، والهبة،
والإجارة، ونحو ذلك من العقود، فإنه يشترط في ذلك العلم،
فلو تلفظ بلفظ ناقل للملك وهو لا يعلم مقتضاه: لم يلزمه شيء.
стр. 366
المبحث الثالث في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب
الوضع وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف
فمن أمثلة اجتماعهما: الزنا، له حكمان:
حكم تكليفي باعتبار أنه حرام.
وحكم وضعي باعتبار أنه سبب للحد.
وكذا السرقة من جهة أنها محرمة هي خطاب تكليف، ومن جهة
أنها سبب للقطع هي خطاب وضع.
فكل ما وجد فيه أحد أحكام التكليف الخمسة، وكان من جهة
أخرى ناشئاً عن سبب، أو متوقفاً على شرط، أو غير ذلك من
متعلقات خطاب الوضع، فهو مما يجتمع فيه الأمران، فالإيمان
واجب وهو سبب لعصمة الدم والمال، والإحرام واجب عند بعض
العلماء وهو مانع من فعل المحظورات فيه.
ومن أمثلة انفراد خطاب الوضع: زوال الشمس، وحلول شهر
رمضان، وحولان الحول في الزكاة، فهذه الأمور هي أوقات محدَّدة
لا قدرة للمكلف على تحصيلها، فإنها من خطاب الوضع، وليست
من خطاب التكليف؛ إذ - ليس فيها أمر، ولا نهي، ولا إذن، أما
ما يترتب على هذه الأشياء من أداء الصلاة والصوم والزكاة، فإنه
شيء آخر غيرها.
стр. 367
ولا يتصور انفراد الحكم التكليفي؛ لأنه لا تكليفِ إلا وله سبب أو
شرط، أو مانع.
وبذلك يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، إذ لا
يوجد تكليف إلا ومعه وضع، دون العكس، بينما قد يوجد خطاب
الوضع حيث لا تكليف، وذلك مثل الأمثلة السابقة، ولزوم قيمة
المتلفات، وأروش الجنايات، والزكاة على الصبي والمجنون.
стр. 368
المبحث الرابع في أنواع الحكم الوضعي
لقد اختلف في أنواع الحكم الوضعي، والسبب في هذا الاختلاف:
أن بعض العلماء أفرد كل وصف يصلح أن يكون حكما وضعيا
وجعله نوعا خاصا فقال: إن أنواعه هي: السبب، والشرط، -
والمانع، والعِلَّة، والصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة،
والأداء، والإعادة، والقضاء، والتقديرات الشرعية، والحجاج.
وبعضهم أدخل بعضها في بعض وهكذا.
والحق عندي: أن أنواع الحكم الوضعي خمسة فقط وهي:
" السبب "، و " الشرط "، و " المانع "، و " العزيمة "، و " الرخصة ".
أما العلَّة، والصحة، والفساد، والتقديرات الشرعية، والحجاج،
والأداء، والإعادة، والقضاء، فهي تدخل ضمن السبب، ولا
تخرج عنه، وسأبين ذلك - إن شاء اللَّه - في موضعه:
وللكلام عن هذه الأنواع لا بد من عقد المطالب التالية:
المطلب الأول: في السبب.
المطلب الثاني: في الشرط.
المطلب الثالث: في المانع.
المطلب الرابع: في العزيمة والرخصة.
стр. 369
المطلب الأول في السبب
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى: في حقيقة السبب:
أولاً: السبب لغة.
ثانيا: السبب اصطلاحا.
المسألة الثانية: في تقسيمات السبب.
المسألة الثالثة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء.
المسألة الرابعة: في العلَّة:
أولاً: العِلَّة لغة.
ثانيا: العِلَّة اصطلاحاً.
ثالثا: هل يوجد فرق بين السبب والعِلَّة؟
المسألة الخامسة: الصحة والفساد:
أولاً: الصحة والفساد لغة.
ثانياً: الصحة والفساد اصطلاحاً.
ثالثا: هل الصحة والفساد من الأحكام الشرعية،
أو هما من الأحكام العقلية؟
стр. 370
رابعاً: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية،
أو هما من الأحكام التكليفية؛؟
خامساً: المقصود بالصحة في العبادات.
سادساً: المقصود بالصحة في المعاملات.
سابعاً: هل الفاسد والباطل مترادفان؟
المسألة السادسة: التقديرات الشرعية والحجاج.
المسألة السابعة: الأداء والإعادة والقضاء:
أولاً: تعريف الأداء.
ثانيا: تعريف الإعادة.
ثالثاً: تعريف القضاء.
رابعاً: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فافطروا، فلما انقضى رمضان صاموا تلك الأيام التي
أفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء؟
خامسا: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟
سادساً: الدليل الموجب للقضاء.
стр. 371
المسألة الأولى: حقيقة السبب:
أولاً: السبب في اللغة هو:
كل ما يتوصل به إلى مقصود " ما " لذلك تسمى الطريق،
والحبل، والباب أسبابا؛ لأن الطريق موصل إلى المكان المقصود،
والحبل موصل إلى الماء ونحوه، والباب موصل إلى داخل البيت.
ثانيا: السبب في الاصطلاح:
لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف السبب، وأقرب
تعريفات السبب إلى الصحة وأبعدها عن الخطأ هو: " ما يلزم من
وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته ".
شرح التعريف وبيان محترزاته:
السبب هو وصف ظاهر منضبط جعله الشارع علامة على الحكم،
وربط وجود الحكم بوجوده، وعدم الحكم بعدمه، فيلزم من وجود
السبب وجود الحكم، ويلزم من عدم السبب عدم الحكم، كدخول
الوقت، وبلوغ النصاب، فيلزم من وجود دخول الوقت وجوب
الصلاة، ويلزم من عدم دخول الوقت عدم وجوب الصلاة، ويلزم
من وجود بلوغ النصاب وجوب الزكاة، ويلزم من عدم البلوغ عدم
وجوب الزكاة، وهكذا.
وقولنا: " ما يلزم من وجوده الوجود " أخرج الشرط؛ لأن
الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كالطهارة فإنها شرط
لصحة الصلاة، ولكن قد توجد الطهارة ومع ذلك لا يلزم صحة
الصلاة؛ لاحتمال عدم دخول الوقت، أما السبب فيلزم من وجود
стр. 372
دخول الوقت وجوب الصلاة طى هذا المكلف الذي دخل عليه
الوقت، ويلزم من وجود السرقة: وجود الحكم وهو قطع اليد.
وخرج بهذه العبارة أيضا المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.
وخرج المانع - أيضاً - من قولنا: " ولا يلزم من عدمه العدم "،
لأن المانع لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم مثل " الذين " يلزم من
وجوده عدم الزكاة، ولكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فلو
لم يكن على المسلم دين فلا يلزم من ذلك وجوب الزكاة عليه؟
لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا يلزم عدم وجوب الزكاة؟
لاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة.
وقولنا: " لذاته " أي: لذات السبب، وأخرجنا به ما لو قارن
السبب فقدان شرط، أو وجود مانع مثل: أن يملك النصاب، لكن
لم يدر عليه الحول، فهنا لا تجب عليه الزكاة لا لأن ذات السبب لم
يتوفر، بل توفر ووجد، ولكن انتفى الشرط وهو حولان الحول،
كذلك لو ملك النصاب وحال عليه الحول، لكن عليه دين، فهذا لا
تجب عليه الزكاة مع توفر السبب.
فهنا لا يلزم من وجود السبب وجود الحكم، ولكن لا لذاته،
بل لأمر خارج عنه وهو انتفاء الشرط، أو وجود مانع.
***
المسألة الثانية: في تقسيمات السبب:
السبب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات وجهات مختلفة إلى خمسة
تقسيمات:
стр. 373
التقسيم الأول: باعتبار قدرة المكلف:
ينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب مقدور عليه "،
و" سبب غير مقدور عليه ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المقدور عليه - فهو: ما كان
داخلاً تحت كسب المكلف وطاقته.، بحيث يستطيع فعله أو تركه
كالقتل، والسرقة، وشرب الخمر بالنسبة لما يترتب عليها - من
العقوبات، وكذا عقد البيع؛ لانتقال الملك وحل الانتفاع، وكذا:
عقد النكاح لحل الاستمتاع.
فهذه يجتمع فيها خطاب التكليف والوضع، كما قلنا سابقا.
أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المقدور عليه - فهو: ما لم
يكن من كسبه ولا دخل له في تحصيله، أو عدم تحصيله مثل: زوال
الشمس، أو غروبها، سبب لوجوب الصلوات، والموت سبب
لانتقال الملك، فهذه الأمور لا يتعلق بها خطاب تكليف؛ لأن
التكليف لا يكون إلا بمقدور، كما قلنا سابقا.
التقسيم الثاني: باعتبار المشروعية:
ينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب مشروع "،
و"سبب غير مشروع ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المشروع - فهو: ما كان سببا
للمصلحة أصالة، وإن كان مؤديا إلى بعض المفاسد تبعا مثل: الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكالجهاد في سبيل اللَّه، فإنهما سببان
لإقامة الدين، وإعلاء كلمة اللَّه، وإظهار شعائر الإسلام، وإن أدى
في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف نفس، وإضاعة أموال، كذا
إقامة الحدود والقصاص سبب للمصلحة أصالة.
стр. 374
أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المشروع - فهو: ما كان
سببا للمفسدة أصالة، وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعا مثل:
القتل، فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه بعض المصالح
كميراث ورثة المقتول.
الئقسيم الثالث: باعتبار المناسبة:
ينقسم السبب باعتبار المناسبة للحكم وعدم ذلك إلى قسمين:
" سبب مناسب للحكم "، و " سبب غير مناسب للحكم ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المناسب للحكم - فهو: الذي
يترتب على شرع الحكم عنده تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها
العقل مثل: السرقة بالنسبة لعقوبة القطع، حيث إنها تحقق مصلحة
حفظ الأموال وتدفع مفسدة ضياعها، وكذا عقوبة الزنا، فإنها تحقق
مصلحة حفظ الأنساب والأعراض، وكذا الإسكار لتحريم الخمر،
فإن الإسكار - يتضمن ضياع العقول فنهى عن شرب الخمر لمصلحة،
وهي حفظ العقول.
أما القسم الثاني - وهو: السبب غير المناسب - فهو: الذي لا
يترتب على شرع الحكم عنده تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة، مثل
دلوك الشمس، فهو سبب لوجوب الظهر، وشهود الشهر بالنسبة
لوجوب صومه.
التقسيم الرابع: باعتبار مصدره:
السبب ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: " سبب شرعي "،
و" سبب عقلي "، و " سبب عادي ".
أما القسم الأول - وهو: السبب الشرعي - فهو: ما كان
стр. 375
مستمداً من الشرع فقط كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، وبلوغ
النصاب بالنسبة لوجوب الزكاة.
أما القسم الثاني - وهو: السبب العقلي - فهو: ما كان مستمداً
من العقل، ولم يكن ثابتاً عن طريق الشرع كوجود النقيض، فإنه
سبب في انعدام نقيضه عقلاً، لعدم اجتماع النقيضين كالموت سبب
لعدم الحياة، وهكذا.
أما القسم الثالث - وهو: السبب العادي - فهو: ما كان
مستمداً من العادة الألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه عادة يتسبب
في إزهاق الروح في العادة.
والمراد بالسبب في الحكم الوضعي هو السبب الشرعي فقط.
التقسيم الخامس: باعتبار ذاته:
ينقسم السبب بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب قولي "،
و"سبب فعلي ".
أما القسم الأول - وهو: السبب القولي - فهو: ما كان عماده
القول كصيغ العقود مثلاً من بيع، وشراء، وهبة، وصدقة، وصيغ
التصرفات كالطلاق، والعتاق، والظهار، والرجعة، والنكاح.
وأما القسم الثاني - وهو: السبب الفعلي - فهو: ما كان ناشئاَ
عن الفعل كالقتل، وشرب الخمر، والسرقة، وإحياء الموات،
ونحو ذلك.
فإن قلت: هل يوجد فرق بين السبب القولي والفعلي؟
أقول: نعم بينهما فرق في الحكم؛ حيث إن الأسباب القولية لا
تصح من السفيه، والمحجور عليه، أما الأسباب الفعلية فإنها تصح
стр. 376
منه، فمثلاً: لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد، كذلك
لو احتطب، أو اصطاد، أو قتل، أو سرق، أو نحو ذلك فإنه
يترتب على تلك الأسباب آثارها.
بخلاف ما لو أعتق عبده، وكذا لو اشترى، أو وهب، أو باع،
أو تصدق، ونحو ذلك من الأسباب القولية، فإنه لا يترتب عليها
أثر.
وتعليل ذلك: أن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في
"بدائع الفوائد " -: فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، وأما
الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها؛ فلا يمكن أن يقال لمن
سرق، أو قتل، أو وطأ أمَته وولدت، أو أتلف: إنه لم يسرق،
ولم يقتل، ولم يستولد له ولد، ولم يتلف شيئاً، وقد وجدت منه
هذه الأفعال فأجرى ذلك مجرى المأذون له في صحة أفعاله.
التقسيم السادس: باعتبار اقتران السبب بالحكم وعدم ذلك:
السبب ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: " سبب متقدم على
الحكم "، و " سبب مقترن به ".
أما القسم الأول - وهو: السبب المتقدم على الحكم - فهو:
الأصل، وهو أكثر الأحكام مثل الأسباب الموجبة للصلوات،
والزكاة، والحج، والبيع، والنكاح.
أما القسم الثاني - وهو: السبب المقارن للحكم - فهو: يقع
كثيراً في الشريعة مثل: شرب الخمر، والزنا، والسرقة، وقطع
الطريق، ومثل: قتل الكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه
فوراً، ومثل إحياء الموات، فانه سبب فوري للملك وهكذا.
стр. 377
المسألة الثالثة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء:
الأصول لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيداً له ومحققاَ
للاجتهاد فيه، وإذا كان كذلك، فالتوقع أن يكون الفقهاء تابعين
للأصوليين في اعتبار حقيقة السبب.
لكن الواقع من الفقهاء غير ذلك فهم في كتب الفروع يطلقون
لفظ " السبب " على عدة أمور قد تبدو مخالفة لما اصطلح عليه
الأصوليون في مفهوم السبب، لذلك أتيت بهذه المسألة تنبيهاً على
ذلك فأقول: إن الفقهاء يطلقون لفظ " السبب " على أربعة إطلاقات
هي كما يلي:
الإطلاق الأول: أنهم يطلقونه في مقابل المباشرة فقالوا: لو حفر
زيد بئراً، ثم جاء عمرو ودفع محمداً في البئر، فتردى فيها، فهلك
محمد، فإن الحافر - وهو زيد - صاحب سبب، والمردي - وهو
عمرو - صاحب علَّة، لأن الهلاك بالتردية، لا بالحفر، ولكن وقع
ذلك عند وجود البَئر فسموا الحافر سبباً، والدافع مباشراً، وكذلك
لو ألقى شخص شخصاً آخر من شاهق فتلقاه آخر بسيف، فإن
الضمان على المتلقي بالسيف لأنه مباشر، وهناك أمثلة كثيرة على هذا
تجدها مبسوطة في قواعد ابن رجب، والأشباه والنظائر للسيوطي
وغيرهما.
الإطلاق الثاني: أنهم يطلقونه على عِلَّة العلَّة، حيث سمّوا الرمي
سبباً للقتل من جهة: أنه سبب للعلَّة، فَكان على التحقيق عِلَّة
العلَّة، لأنه علَّة للإصابة، والإصابةَ عِلَّة لزهوق النفس، ولكن لما
حصل الموت بالإصابة التوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي كان
الرمي شبيهاً بالسبب في وضع اللسان وهو: ما كان مفضياً إلى
الشيء وطريقاً إليه فسمَّوه سبباً لذلك.
стр. 378
وحكم هذا السبب حكم العلَّة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل
إليه؛ لأنه لما أضيفت العلَّة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي " علَّة
العِلَّة "، ويسميه الحنفية السبب في معنى العِلَّة ".
الإطلاق الثالث: أنهم يطلقونه على العِلَّة الشرعية بدون شرطها
كملك النصاب دون حولان الحول، فإنَّ ملك النصاب سبب في
وجوب الزكاة، لكنه لا بد من حولان الحول في وجوبها، فيطلق
السبب على ملك النصاب دون حولان الحول مع أنه لا بد منهما في
الوجوب.
وكذا اليمين دون الحنث فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه
لابد من الحنث في وجوب الكفارة، فيطلق السبب على اليمين دون
الحنث مع أنه لا بد منهما في الوجوب.
ويراد بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه كما يقال: " نصاب
الزكاة "، و " كفارة اليمين ".
ويسميه الحنفية بالسبب المجازي.
الإطلاق الرابع: أطلقوه على العلَّة الشرعية الكاملة التي توجب
الحكم وهي: المجموع المركب من مقتضي الحكم - وهو المعنى
الطالب له - وشرطه وانتفاء المانع، ووجود الأهل - وهو المخاطب
به - ووجود المحل - وهو: ما يتعلَّق به الحكم - فالسبب - على
هذا - بمعنى العلة يقال: " سبب الحكم كذا "، والمراد بذلك علته.
ووجه إطلاق السبب على العِلَّة الشرعية الكاملة: أن العلَّة في
معنى العلامة المظهرة للحكم؛ إذ أنها لا توجب الحكم لذاتهاً، بل
بإيجاب اللَّه تعالى لها فأشبهت السبب من هذه الناحية.
стр. 379
والخلاصة: أن الإطلاق الأول المراد به إيجاد الشرط؛ لأن حفر
البئر شرط لوقوع الهلاك؛ لكونه إزالة للمانع؛ إذ لولا الحفر
لاستمسكت الأرض ولم يقع الهلاك، فيكون المراد بالمباشرة هنا:
إيجاد العِلَّة، وبالتسبب إيجاد الشرط، وهكذا.
أما الإطلاقات الثلاثة الباقية فهي تنتظم في سلك العِلَّة؛ فالرمي
عِلَّة العلَّة؛ لكونه علَّة للإصابة، والإصابة علَّة للزهوقَ، والنصاب
بدون الحول عِلَّة، وَلكن تخلَّف شرطها، والإطلاق الرابع أطلقوه
على العِلَّة الكاملة.
***
المسألة الرابعة: العِلَّة:
نظراً إلى أن العلَّة تعتبر قسما من أقسام السبب، فقد جعلناها من
مسائل السبب، وإليك بيانها فأقول:
أولاً: العِلَّة لغة:
تطلق على إطلاقات، ولكن أقربها إلى الصحة هو: أنها بمعنى
الأمر المغير للشيء، ومنه سمي المرض عِلَّة؛ لأن حالة المريض تتغير
به من الصحة والقوة والنشاط إلى المرض والضعف والسقم.
وهذا أنسب التعاريف اللغوية للعلَّة؛ لتناسبه مع المعنى
الاصطلاحي وهو: التغيير، فكما يتغير الَجسم حالة حصول العلَّة،
وهي المرض من القوة إلى الضعف، فكذلك إذا وجدت العِلًّة في
المحل، فإنها تغير حكمه مما كان عليه في الأول.
ثانيا: العلة اصطلاحا:
لقد اختلفت عبارات العلماء في تعريف العِلَّة:
стр. 380
فقيل: إن العِلَّة هي: المعرِّف للحكم.
وهو تعريف فخر الدين الرازي، والبيضاوي، وكثير من العلماء.
وقيل: إن العِلَّة: المؤثر أو الموجب للأحكام بجعل اللَّه تعالى.
ذهب إلى ذلك الغزالي، وأكثر الحنفية.
وقيل: إن العِلَّة: الباعث على الحكم.
ذهب إلى ذلك ابن الحاجب والآمدي.
بيان نوع الخلاف:
الحق: أن الخلاف بين تلك الأقوال الثلاثة خلاف لفظي - كما
ذكرت ذلك في كتابي " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، فهو
راجع إلى تفسير كل أصحاب مذهب لما قالوه.
فكل أصحاب مذهب نظروا إلى جهة معينة غير ما نظر إليها
الآخر، ففسَّر العِلَّة باعتبار تلك الجهة.
فمن قال بأن العِلَّة: المعرِّف للحكم: نظر إلى أن الحكم يضاف
إليها، فيقال: وجب القصاص للقتل، ووجب القطع للسرقة، وهكذا.
ومن قال بأن العلَّة: المؤثر أو الموجب للأحكام بجعل اللَّه لها:
يرى أن العِلَّة تستلزمَ الحكم استلزاما عاديا بجعل اللَّه تعالى، أي:
أن كلًّا منَ الوصف والحكم من اللَّه، وقد جرت العادة بأنه متى ما
وجد السبب وجد المسبب.
ومن قال بأن العلَّة: الباعث على الحكم: يرى أنها لا بدَّ وأن
تكون مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع.
وأصحاب هذه الأقوال متفقون على أن الموجب للحكم - حقيقة
هو اللَّه ت تعالى - وهو: المؤثر الحقيقي وحده، دون العلل والأسباب.
стр. 381
واتفقوا على أن اللَّه حكم بوجوب ذلك الأثر بذلك الأمر وناطه
به، ورتبه عليه.
واتفقوا - أيضاً - على أن الأحكام معللة بمصالح العباد، وإن
اختلفت العبارات في مؤدى ذلك حسب ما يؤدي إليه التصور، ويدل
على ذلك: أن الكل يقول بالقياس. فالخلاف - إذاً - في العبارة
- فقط - دون المعنى.
ثالثاً: هل يوجد فرق بين السبب والعِلَّة؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العِلَّة تعتبر من أقسام السبب.
وهو من التقسيم الثالث من تقسيمات السبب السابقة، وعلى هذا
فإن السبب يكون أعم من العِلَّة.
وهذا مذهب أكثر العلماء.
وهذا هو الصحيح عندي، ولهذا جعلتها من مسائل السبب،
وإليك بيان ذلك:
أن السبب ينقسم إلى قسمين: " سبب معقول المعنى "، و " سبب
غير معقول المعنى ".
فإن كان الأول - أي: كان السبب مما يدرك العقل ارتباط الحكم
به -: كان سبباً وعلَّة كقطع يد السارق، فإن السرقة تسمى سببا
وعلَّة للقطع، وكذاً: السفر المبيح للفطر، فإن السفر يُسمَّى سببا
وعِلَّة لإباحة الفطر.
وإن كان الثاني - أي: إن كان السبب مما لا يدرك العقل ارتباط
الحكم به -: فإنه يسمى سببا لا عِلَّة، مثل: دخول الوقت،
وشهود الشهر.
فدخول الوقت يسمى سبباً لوجوب الصلاة، ولا يسمى عِلَّة "
стр. 382
لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها،
كذلك شهود شهر رمضان يسمى سببا لوجوب الصوم، ولا يسمى
عِلَّة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين شهود الشهر ووجوب رمضان.
فالسبب - على ذلك - يشمل الوصف المناسب وغير المناسب،
فيكون أعم من العِلَّة.
المذهب الثاني: أن السبب والعِلَّة متفقان، وهما اسمان لمسمى
واحد.
هذا مذهب بعض العلماء.
واحتجوا بقولهم: إننا لما دققنا النظر فيهما وجدنا أوجه التشابه
بينهما واضحة، وهي كما يلي:
الوجه الأول: أن كلًّا منهما ينبني عليه الحكم ويرتبط به وجوداً
وعدماً.
الوجه الثاني: أن كلًّا منهما أمارة وعلامة على وجود الحكم.
الوجه الثالث: أن للشارع حكمة في ربط الحكم بكل واحد منهما
وإضافته إليه، وبنائه عليه.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن معناهما واحد، فالسفر يطلق عليه
سبب، ويطلق عليه عِلَّة لإباحة الفطر، ودخول الوقت سبب وعلَّة
على وجوب الصلاة.
فأصحاب هذا المذهب: جعلوا السبب مرادفا للعلَّة، واسما من
أسمائه التي تطلق عليه دون فرق بينهما.
المذهب الثالث: أن السبب والعِلَّة متغايران تمام التغاير، فهما
وصفان متباينان.
стр. 383
ذهب إلى ذلك الحنفية؛ حيث عرفوا السبب بأنه: " ما يكون
طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود، ولا
يعقل فيه معاني العلل ".
فهنا قد صرَّحوا بأن السبب لا يضاف إليه وجود الحكم،
ولا يعقل فيه معنى التعليل، بخلاف العِلَّة، فإنه يضاف إليها الحكم
أصالة عندهم، ويكون بين هذا الوصف الذي ورد مع الحكم وبين
الحكم مناسبة ظاهرة.
إذن: لا يطلق أحدهما على الآخر - عند الحنفية - إلا مجازاً -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي في هذه المسألة، لا يترتب عليه أي أثر، وذلك
لأنا عرفنا أن كثيراً من العلماء يقسمون السبب إلى قسمين: " سبب
مناسب للحكم " و " سبب غير مناسب للحكم "، وبهذا التقسيم
تلتقي المفاهيم، ويتحد المدلول لدى الجميع.
المسألة الخامسة: الصحة والفساد:
نظراً لكون الصحة والفساد يدخلان في السبب من جهة: أن
الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه، فإن هذا سبب لصحته عند الله
وترتب آثاره عليه، وأن الفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه، فإن
هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه، أقول: نظراً لذلك فإنا
جعلناهما من مسائل السبب، وإليك بيانهما فأقول:
أولاً: الصحة والفساد لغة:
الصحة لغة: خلاف السقم، وهي: عبارة عن السلامة وعدم
стр. 384
الاختلال، فيقال: " صح فلان من عِلَّته "، أي: أصبح لا سقم
فيه.
والفساد لغة: عبارة عن تغير الشيء عن الحالة السليمة إلى حالة
سقيمة، والمفسدة نقيض المصلحة.
ثانيا: الصحة والفساد اصطلاحا:
الصحة في الاصطلاح هي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع.
والمقصود بالوجهين: " موافقة الشرع "، و " مخالفته ".
ومعناه واضح وهو: أن الصحة هي: صفة للفعل الذي يقع
موافقا للشرع؛ نظراً لاستجماعه ما يعتبر فيه شرعا من الشروط
والأركان، وانتفاء الموانع.
وأما الفساد فهو عكس الصحة، فيكون هو: مخالفة الفعل ذي
الوجهين لأمر الشارع.
فيكون الفساد: صفة للفعل الذي يقع مخالفا للشرع؛ نظراً لعدم
استجماعه ما يعتبر فيه شرعا من الشروط والأركان، أو وجود مانع.
فالصلاة فعل يوصف بأنه صحيح إذا وافق أمر الشارع بأن يكون
مستجمعا للشروط والأركان التي وضعها الشارع، مع عدم المانع،
وفعل الصلاة يوصف بأنه فاسد إذا لم يوافق أمر الشارع بأن تخلف
ركن أو شرط، أو وجد مانع.
ثالثا: هل الصحة والفساد من الأحكام الشرعية أو هما من الأحكام
العقلية؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
стр. 385
المذهب الأول: أنهما من الأحكام الشرعية.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ لأن معرفة اشتجماع الفعل لشروطه وأركانه،
وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن، والشرط، والمانع،
ومعرفة هذه الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقا، فتكون
الصحة والفساد لا يعرفان إلا من طريق الشرع.
المذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام العقلية:
ذهب إلى ذلك ابن الحاجب، والعضد، وبعض العلماء.
دليل أصحاب هذا المذهب:
استدل هؤلاء بقولهم: إن كون الفعل موافقا لأمر الشارع، أو
مخالفا له، وكون ما فعل تمام الواجب حتى يكون مسقطا للقضاء،
أو عدم كونه كذلك لا يحتاج إلى توقيف من الشارع، بل يعرف
ذلك بمجرد العقل، فهو ككونه مؤديا للصلاة أو تاركا لها سواء
بسواء، فلا يكون حصوله في نفسه ولا حكمنا به شرعيا، بل عقلي
مجرد.
جوابه:
يجاب عن ذلك بأن الصحة والفساد والحكم بهما أمور شرعية،
وكون الفعل مسقطا للقضاء، أو موافقا للشرع هو من فعل الله
تعالى، وتصييره إياه سببا لذلك، فما الموافقة، ولا الإسقاط
بعقليين، لأن للشرع مدخلا فيهما، ولو لم تكن الصحة شرعية لم
يصح أن يقضي القاضي بها عند اجتماع شرائطها، لكنه يقضي بها
بالإجماع، فدل على أنها شرعية؛ لأنه لا مدخل للأقضية في
стр. 386
العقليات، وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكما من
الشارع.
بيان فوع الخلاف:
الخلاف بين أصحاب المذهبين لفظي، لأن كلًّا من الفريقين أقر
الصحة والفساد، لكن أصحاب المذهب الأول أقروهما على أنهما
حكمان شرعيان، والآخرون أقروهما على أنهما حكمان عقليان.
رابعاً: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، أو من التكليفية؟
اختلف القائلون بأن الصحة والفساد من الأحكام الشرعية - فيما
بينهم -: هل هما من الأحكام الوضعية، أو هما من الأحكام
التكليفية على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما من الأحكام الوضعية.
وهو ما ذهب إليه كثير من العلماء كالغزالي، والآمدي،
والإسنوي، والشاطبي، وابن السبكي، والزركشي، والفتوحي
الحنبلي.
وهو الصحيح؛ لأمرين:
أولهما: أن الصحة والفساد قد ثبت أنهما من الأحكام الشرعية
- كما سبق -.
والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين فقط: " حكم تكليفي "،
و"حكم وضعي ".
ولا يمكن أن يكونا من الحكم التكليفي؛ لأنه بعد النظر في
الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما، حيث إن
стр. 387
الحكم بصحة العبادة وبطلانها، والحكم بصحة المعاملة وبطلانها لا
يفهم منه اقتضاء ولاتخيير.
فلم يبق إلا أن الصحة والفساد من الحكم الوضعي.
ثانيهما: أن الفعل إذا توفرت فيه جميع أركانه وشروطه، فإنه
يوصف عند الشارع بالصحة، وما يتبع ذلك من الآثار المترتبة عليه،
والفعل إذا لم يستوف أركانه وشروطه، فإنه يوصف بالفساد وعدم
ترتب آثاره عليه، وهذه المعاني تدخل في خطاب الوضع حقيقة؟
لأنها تكون بذلك من معاني السبب، والسبب حكم وضعي،
ووصف بعض الأصوليين كالغزالي في " المستصفى " السبب بالصحة
والفساد، فثبت بذلك: أن الصحة والفساد من أحكام الشرع
الوضعية، وهذا هو الذي جعلنا نبحث الصحة والفساد ضمن مسائل
السبب.
المذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام التكليفية:
ذهب إلى ذلك فخر الدين الرازي وكثير من أتباعه، والبيضاوي.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن الصحة والفساد يرجعان - في الحقيقة - إلى خطاب التكليف،
ولا يخرجان عن مضمونه ومدلوله؛ حيث إن معنى صحة الشيء:
إباحة الانتفاع به، ومعنى الفساد: حرمة الانتفاع به والإباحة والحرمة
من الأحكام التكليفية.
جوابه:
يجاب عنه بأن إرجاع الصحة والفساد إلى الحكم التكليفي أمر فيه
عسر وتكلف لا يخفى، فهو لا يساعد عليه اللفظ، ولا ينتظمه
المعنى.
стр. 388
أما قولهم: إن الصحة هي إباحة الانتفاع فمنقوض - كما قال
الإسنوي في " نهاية السول " - بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع، فإنه
صحيح، ولا يباح للمشتري الانتفاع به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين أقر
بالصحة والفساد وبحثهما على أنهما من الأحكام الشرعية، لكن
أصحاب المذهب الأول جعلوهما داخلين ضمن الأحكام الوضعية،
وأصحاب المذهب الثاني جعلوهما داخلين ضمن الأحكام التكليفية،
وتابعين لتلك الأحكام، وهذا مجرد اختلاف في التعبير والمنهج فقط
ولا أثر له في الفروع.
خامسا: المقصود بالصحة في العبادات:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الصحة في العبادات هي: إسقاط القضاء.
أي: أن الصحة في العبادات: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط
القضاء.
فمعنى سقوط القضاء: عدم المطالبة بالفعل مرة ثانية؛ بناء على
المطلب الأول كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها،
فعدم وجوب قضائها هو: صحتها.
هذا ما ذهب إليه الفقهاء.
وهو الصحيح؛ لأنه موافق للغة؛ فإن الآنية إذا كانت صحيحة
من جميع الجهات، فإن العرب تسميها صحيحة، وإذا كانت
صحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة، فإن العرب
стр. 389
لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلاً - قد تطرق إليها الخلل من
جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة كالآنية المكسورة من جهة.
المذهب الثاني: أن الصحة في العبادات هي موافقة الأمر الشرعي
في ظن المكلف، لا في الواقع، سواء وجب القضاء، أو لم
يجب، وعليه فكل من أمر بعبادة فوافق الأمر بفعلها بأن أتى بها على
الوجه الذي أمر به، فإنه يكون قد أتى بها صحيحة، وإن اختل
شرط من شروطها، أو وجد مانع.
ذهب إلى ذلك المتكلمون، وقالوا: إن صلاة من ظن أنه متطهر
صحيحة عند المتكلمين، وذلك لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعاً هو
حصول الظن - فقط -؛ لأنه هو الذي في وسع المكلَّف.
أما على مذهب الفقهاء، فإن تلك الصلاة غيو صحيحة؛ لكونها
لم تسقط القضاء؛ لاحتمال ظهور بطلان الظن فيجب القضاء.
وكذلك فاقد الطهورين إذا صلى على حسب حاله على الوجه
الذي أمر به في ذلك الوقت، فإن صلاته صحيحة عند المتكلمين؟
لأنه موافق للأمر الشرعي، وهي فاسدة عند الفقهاء؛ لأن شرط
الصلاة عند الفقهاء الطهارة ولم توجد في نفس الأمر.
جواب الفقهاء عما قاله المتكلمون:
قال الفقهاء: إن مذهب المتكلمين باطل؛ لأنه لو كانت الصحة
هي موافقة الأمر - فقط - لكان الحج الفاسد صحيحا؛ لأنه مأمور
بإتمامه، والمضي - فيه، فالمتمم له موافق للأمر بإتمامه، فيجب أن
يكون صحيحاً على زعمكم، لكنه فاسد بالاتفاق.
اعتراض المتكلمين على ذلك الجواب:
قال المتكلمون: لا نُسَلِّمُ أن الحج الفاسد قد وقع على موافقة
стр. 390
الأمر، بل إنه وقع على مخالفته، حيث فعل فيه ما أفسده، وحينئذ
فانتفاء صحته، إنما هو لانتفاء موافقته للأمر، وأما كون المفسد له
مأموراً بإتمامه، فلا يلزم منه أن يكون امتثاله الأمر يوجب الصحة؛ الأمر بإتمامه طرأ على الأمر الأول؛ حفظاً لحرمة الوقت من
الهتك بعد انعقاد الإحرام، أو أنه عقوبة للمفسد له على إفساده بمنعه
من التخفيف عليه، ومعارضته له بنقيض قصده؛ قياساً على من وطأ
امرأته في نهار رمضان، فإنه مأمور بالإمساك بقية يومه مع وجوب
القضاء والكفارة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي.
وهذا هو الصحيح عندي؛ حيث إنه بعد التحقيق والتدقيق قد
ثبت أنه لا يترتب على هذا الخلاف أي أثر، لأن أصحاب المذهبين
قد اتفقوا على الأحكام: فالمصلي الذي ظن نفسه أنه متطهر، ثم
تبين بعد فراغه أنه لم يكن متطهراً اتفقوا على أنه موافق لأمر الله
- تعالى - واتفقوا - أيضا - على أنه مثاب على فعله؛ لقصده امتثال
أمر اللَّه تعالى.
واتفقوا - أيضاً - على أنه لا يجب على المصلي القضاء إذا لم
يطلع على الحدث، واتفقوا على أنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على
الحدث.
فالفقهاء والمتكلمون يقولون بوجوب إعادة الصلاة على من صلى
ظاناً أنه متطهر، فبان خلافه، ولكنهما، يختلفان في وصف هذه
الصلاة قبل إعادتها.
следующие страницы →