Полный текст (2 303 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
العقليات، وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكما من
الشارع.
بيان فوع الخلاف:
الخلاف بين أصحاب المذهبين لفظي، لأن كلًّا من الفريقين أقر
الصحة والفساد، لكن أصحاب المذهب الأول أقروهما على أنهما
حكمان شرعيان، والآخرون أقروهما على أنهما حكمان عقليان.
رابعاً: هل الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، أو من التكليفية؟
اختلف القائلون بأن الصحة والفساد من الأحكام الشرعية - فيما
بينهم -: هل هما من الأحكام الوضعية، أو هما من الأحكام
التكليفية على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما من الأحكام الوضعية.
وهو ما ذهب إليه كثير من العلماء كالغزالي، والآمدي،
والإسنوي، والشاطبي، وابن السبكي، والزركشي، والفتوحي
الحنبلي.
وهو الصحيح؛ لأمرين:
أولهما: أن الصحة والفساد قد ثبت أنهما من الأحكام الشرعية
- كما سبق -.
والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين فقط: " حكم تكليفي "،
و"حكم وضعي ".
ولا يمكن أن يكونا من الحكم التكليفي؛ لأنه بعد النظر في
الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما، حيث إن
стр. 387
الحكم بصحة العبادة وبطلانها، والحكم بصحة المعاملة وبطلانها لا
يفهم منه اقتضاء ولاتخيير.
فلم يبق إلا أن الصحة والفساد من الحكم الوضعي.
ثانيهما: أن الفعل إذا توفرت فيه جميع أركانه وشروطه، فإنه
يوصف عند الشارع بالصحة، وما يتبع ذلك من الآثار المترتبة عليه،
والفعل إذا لم يستوف أركانه وشروطه، فإنه يوصف بالفساد وعدم
ترتب آثاره عليه، وهذه المعاني تدخل في خطاب الوضع حقيقة؟
لأنها تكون بذلك من معاني السبب، والسبب حكم وضعي،
ووصف بعض الأصوليين كالغزالي في " المستصفى " السبب بالصحة
والفساد، فثبت بذلك: أن الصحة والفساد من أحكام الشرع
الوضعية، وهذا هو الذي جعلنا نبحث الصحة والفساد ضمن مسائل
السبب.
المذهب الثاني: أن الصحة والفساد من الأحكام التكليفية:
ذهب إلى ذلك فخر الدين الرازي وكثير من أتباعه، والبيضاوي.
دليل أصحاب هذا المذهب:
أن الصحة والفساد يرجعان - في الحقيقة - إلى خطاب التكليف،
ولا يخرجان عن مضمونه ومدلوله؛ حيث إن معنى صحة الشيء:
إباحة الانتفاع به، ومعنى الفساد: حرمة الانتفاع به والإباحة والحرمة
من الأحكام التكليفية.
جوابه:
يجاب عنه بأن إرجاع الصحة والفساد إلى الحكم التكليفي أمر فيه
عسر وتكلف لا يخفى، فهو لا يساعد عليه اللفظ، ولا ينتظمه
المعنى.
стр. 388
أما قولهم: إن الصحة هي إباحة الانتفاع فمنقوض - كما قال
الإسنوي في " نهاية السول " - بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع، فإنه
صحيح، ولا يباح للمشتري الانتفاع به.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأن كلًّا من أصحاب المذهبين أقر
بالصحة والفساد وبحثهما على أنهما من الأحكام الشرعية، لكن
أصحاب المذهب الأول جعلوهما داخلين ضمن الأحكام الوضعية،
وأصحاب المذهب الثاني جعلوهما داخلين ضمن الأحكام التكليفية،
وتابعين لتلك الأحكام، وهذا مجرد اختلاف في التعبير والمنهج فقط
ولا أثر له في الفروع.
خامسا: المقصود بالصحة في العبادات:
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن الصحة في العبادات هي: إسقاط القضاء.
أي: أن الصحة في العبادات: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط
القضاء.
فمعنى سقوط القضاء: عدم المطالبة بالفعل مرة ثانية؛ بناء على
المطلب الأول كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها،
فعدم وجوب قضائها هو: صحتها.
هذا ما ذهب إليه الفقهاء.
وهو الصحيح؛ لأنه موافق للغة؛ فإن الآنية إذا كانت صحيحة
من جميع الجهات، فإن العرب تسميها صحيحة، وإذا كانت
صحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة، فإن العرب
стр. 389
لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلاً - قد تطرق إليها الخلل من
جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة كالآنية المكسورة من جهة.
المذهب الثاني: أن الصحة في العبادات هي موافقة الأمر الشرعي
في ظن المكلف، لا في الواقع، سواء وجب القضاء، أو لم
يجب، وعليه فكل من أمر بعبادة فوافق الأمر بفعلها بأن أتى بها على
الوجه الذي أمر به، فإنه يكون قد أتى بها صحيحة، وإن اختل
شرط من شروطها، أو وجد مانع.
ذهب إلى ذلك المتكلمون، وقالوا: إن صلاة من ظن أنه متطهر
صحيحة عند المتكلمين، وذلك لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعاً هو
حصول الظن - فقط -؛ لأنه هو الذي في وسع المكلَّف.
أما على مذهب الفقهاء، فإن تلك الصلاة غيو صحيحة؛ لكونها
لم تسقط القضاء؛ لاحتمال ظهور بطلان الظن فيجب القضاء.
وكذلك فاقد الطهورين إذا صلى على حسب حاله على الوجه
الذي أمر به في ذلك الوقت، فإن صلاته صحيحة عند المتكلمين؟
لأنه موافق للأمر الشرعي، وهي فاسدة عند الفقهاء؛ لأن شرط
الصلاة عند الفقهاء الطهارة ولم توجد في نفس الأمر.
جواب الفقهاء عما قاله المتكلمون:
قال الفقهاء: إن مذهب المتكلمين باطل؛ لأنه لو كانت الصحة
هي موافقة الأمر - فقط - لكان الحج الفاسد صحيحا؛ لأنه مأمور
بإتمامه، والمضي - فيه، فالمتمم له موافق للأمر بإتمامه، فيجب أن
يكون صحيحاً على زعمكم، لكنه فاسد بالاتفاق.
اعتراض المتكلمين على ذلك الجواب:
قال المتكلمون: لا نُسَلِّمُ أن الحج الفاسد قد وقع على موافقة
стр. 390
الأمر، بل إنه وقع على مخالفته، حيث فعل فيه ما أفسده، وحينئذ
فانتفاء صحته، إنما هو لانتفاء موافقته للأمر، وأما كون المفسد له
مأموراً بإتمامه، فلا يلزم منه أن يكون امتثاله الأمر يوجب الصحة؛ الأمر بإتمامه طرأ على الأمر الأول؛ حفظاً لحرمة الوقت من
الهتك بعد انعقاد الإحرام، أو أنه عقوبة للمفسد له على إفساده بمنعه
من التخفيف عليه، ومعارضته له بنقيض قصده؛ قياساً على من وطأ
امرأته في نهار رمضان، فإنه مأمور بالإمساك بقية يومه مع وجوب
القضاء والكفارة.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة قد اختلف فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف لفظي.
وهذا هو الصحيح عندي؛ حيث إنه بعد التحقيق والتدقيق قد
ثبت أنه لا يترتب على هذا الخلاف أي أثر، لأن أصحاب المذهبين
قد اتفقوا على الأحكام: فالمصلي الذي ظن نفسه أنه متطهر، ثم
تبين بعد فراغه أنه لم يكن متطهراً اتفقوا على أنه موافق لأمر الله
- تعالى - واتفقوا - أيضا - على أنه مثاب على فعله؛ لقصده امتثال
أمر اللَّه تعالى.
واتفقوا - أيضاً - على أنه لا يجب على المصلي القضاء إذا لم
يطلع على الحدث، واتفقوا على أنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على
الحدث.
فالفقهاء والمتكلمون يقولون بوجوب إعادة الصلاة على من صلى
ظاناً أنه متطهر، فبان خلافه، ولكنهما، يختلفان في وصف هذه
الصلاة قبل إعادتها.
стр. 391
فالفقهاء يقولون: إنها لا توصف بالصحة؛ لأنها لم تسقط
القضاء؛ لأن المكلف لا يزال مطالبا بفعلها مرة ثانية.
والمتكلمون يقولون: إنها توصف بالصحة؛ نظراً لموافقتها لأمر
الشارع، وذلك لأن الشرع قد أمر المصلي أن يصلي بطهارة متيقنة،
أو مظنونة، وقد جعل ذلك على حسب حاله، لذا قالوا: إنها
توصف بالصحة نظراً لهذه الموافقة، وقالوا: أما إعادتها فقد جاء
من أمر آخر وهو: تبين الخطأ في الظن.
القول الثاني: أن الخلاف معنوي؛ حيث قال أصحاب هذا القول:
إن الخلاف قد ترتب عليه آثار في بعض المسائل الفقهية، ومنها:
١ - صلاة من ظن نفسه أنه متطهر ثم تبين بعد فراغه أنه لم يكن
متطهراً.
فعلى المذهب الأول وهو مذهب الفقهاء: الصلاة غير صحيحة؟
لكونها لم تسقط القضاء.
وعلى المذهب الثاني - وهو مذهب المتكلمين: فإن الصلاة
صحيحة؛ لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعا هو حصول الظن؟
حيث إنه هو الذي في وسع المكلَّف.
٢ - صلاة فاقد الطهورين - الماء والتراب - إذا صلى على حسب
حاله غير صحيحة عند الفقهاء، وعليه إعادتها مرة ثانية إذا وجد ماء
أو ترابة على الأرجح، أما عند المتكلمين فصلاته صحيحة.
جوابه:
قلت: ما رتبه أصحاب القول الثاني من المسائل الفقهية للدلالة
على أن الخلاف معنوي غير مسلم؛ حيث إن الفقهاء والمتكلمين
اتفقوا على أن المصلي وهو قد ظن نفسه أنه متطهر، فبان أنه غير
متطهر يجب عليه القضاء.
стр. 392
والقائلون: إن المتكلمين لا يوجبون القضاء بنو ذلك على فهمهم
من تصريح المتكلمين بالصحة في صلاة من ظن الطهارة، وهو
محدث.
وهذا البناء غير صحيح؛ لأنه لا يلزم من وصف المتكلمين للصلاة
بالصحة أنهم لا يوجبون قضاءها، فإنه لا تلازم بين الوصف
بالصحة وسقوط القضاء، فليس كل صحيح يسقط، فالمتكلمون
- أنفسهم - صرحوا بوجوب القضاء، ولكن بأمر جديد، وهو تبين
خطأ الظن، ويؤيد ذلك: أن صلاة المتيمم لبرد، أو في الحضر
موصوفة بالصحة، ومع ذلك يجب قضاؤها.
وهذا الكلام يجاب به عن كل مثال ذكره أصحاب القول الثاني
لبيان أن الخلاف معنوي.
أما المثال الثاني - وهو مثال فاقد الطهورين، فالكل قد اتفقوا
على أنها غير موافقة لأمر الشارع بالصلاة بالوضوء، أو التيمم.
ولكن من قال: إنها صحيحة - وهم المتكلمون - أرادوا أنه مأمور
بها تشبيهاً بالمصلين احتراماً للوقت.
ومن قال: إنها باطلة أراد أنها غير موافقة لأمر الشارع بالصلاة مع
الوضوء عند القدرة على الماء أو التيمم عند العجز، فهي باتفاق غير
مسقطة للقضاء.
سادسا: المقصود من الصحة في المعاملات:
الصحة في المعاملات: ترتب أحكامها المقصودة عليها، وذلك
لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع،
وملك البضع في النكاح، فإذا أفاد مقصوده فهو صحيح، وحصول
стр. 393
مقصوده هو: ترتب آثار حكمه عليه؛ لأن العقد مؤثر لحكمه
وموجب له، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد.
إذن يكون الفاسد من العقود: كون الشيء لا يترتب عليه أثره
المطلوب منه؛ لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع
المعدوم، أو بيع الميتة، فكل عقد أو تصرف يفقد ركناً أو شرطاً،
فهو فاسد باطل لا يترتب عليه أثره الشرعي من حل، أو ملك، أو
انتفاع.
فالخلاصة: أن الصحيح هو الذي له ثمرة من حل أو ملك أو
انتفاع.
والفاسد أو الباطل هو الذي لم يثمر شيئاً ولا يترتب عليه أثر
شرعي من حل، أو ملك، أو انتفاع.
سابعا: هل الفاسد والباطل مترادفان؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنهما مترادفان.
ذهب إلى ذلك الجمهور.
وهو الصحيح؛ لأن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال:
" بطل الشيء ": إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة،
فوجب عدم التفريق بينهما في الشرع؛ حملاً للمقتضيات الشرعية
على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
وعلى هذا: فتعريف الباطل هو نفس تعريف الفاسد السابق
الذكر، فالباطل والفاسد اسمان لمسمى واحد، ولفظان مترادفان،
فكل فاسد باطل، وكل باطل فاسد، ومعناهما اصطلاحاً:
" مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع ".
стр. 394
فيكون الفساد والبطلان في العبادات: مخالفة أمر الشارع، أو
عدم سقوط القضاء بالفعل كالصلاة التي تخلف فيها شرط أو ركن،
أو وجد مانع فإنها باطلة وفاسدة.
والفساد والبطلان في عقود المعاملات هو: تخلف الأحكام عنها
وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام كالعقد الذي لم يستجمع
شروطه وأركانه، فإنه باطل وفاسد، لكونه غير مثمر، ولا يمكن أن
تترتب عليه آثاره، أي: أنه غير محصل شرعا للأملاك واستباحة
الأبضاع، وجواز الانتفاعات، ونحو ذلك.
فلا فرق بين الباطل والفاسد مطلقا عندنا.
المذهب الثاني: التفصيل:
أما في باب العبادات وباب النكاح من العقود، فإن الفاسد
والباطل مترادفان.
أما في باب المعاملات، فإنه يوجد فرق بين الباطل والفاسد.
هذا ما ذهب إليه الحنفية.
أي: أن الحنفية قدْ أثبتوا فرقاً بين الباطل والفاسد في المعاملات،
حيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية، وجعلوا
الفاسد مرتبة متوسطة بين الصحيح والباطل، فهو قسم ثالث مغاير
- عندهم - للصحيح والباطل، فقالوا:
الصحيح هو؛ ما كان مشروعا بأصله ووصفه جميعاً، أي: ما
استجمع أركانه وشروطه، بحيمسا يكون معتبراً شرعاً كالبيع الصحيح.
والباطل هو: ما لم يكن مشروعاً بأصله، ولا بوصفه.
أي: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، وذلك
стр. 395
إما لانعدام معنى التصرف كبيع الدم والميتة، وإما لانعدام أهلية
التصرف كما في بيع الصبي والمجنون.
والفاسد: ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه كبيع الدرهم
بالدرهمين، فإنه مشروع بأصله من حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه،
ولا في محله، ولكنه غير مشروع بوصفه، وهو: الفضل؛ لأنه
زيادة في غير مقابل، فكان فاسداً، لا باطلاً، لملازمته للزيادة وهي
غير مشروعة، ولكن لو حذفت تلك الزيادة لصح البيع ولم يحتج
إلى عقد جديد.
دليل هذا المذهب:
العلَّة التي جعلت الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل في باب
المعاملاَت خاصة هي: أنه لما كان المقصود من العبادات هو التعبد
- فقط -، وهو لا يكون إلا بالامتثال والطاعة، فإن المخالفة فيها
تكون مفوتة للمقصود، فلا يظهر وجه للتفرقة بين باطل وفاسد فيها،
فذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة.
أما المعاملات فإنه لما كان المقصود منها أولاً وبالذات هو مصالح
العباد الدنيوية، فإن المجال مفتوح فيها، وتحققها في نفسها ممكن
حتى مع وجود خلل في وصفها، فلا تنعدم بالكلية إلا إذا كان الخلل
فيها راجعاً إلى الحقيقة والماهية.
فجعلوا الباطل فيما إذا كان الخلل فيه راجعاً إلى أركان العقد، أو
إلى العاقدين، أو إلى محل العقد، كما في بيع الملاقيح - وهي ما
في بطون الحوامل من الأجنة - وكما في بيع المضامين - وهي ما في
أصلاب الفحول من الماء، فإن بيع الحمل وحده، أو الماء وهو في
صلب الفحل غير مشروع ألبتة، وليس امتناعه لأمر عارض، فكان
باطلاً لذلك.
стр. 396
وجعلوا الفاسد فيما إذا كان الخلل فيه راجعاً إلى أوصاف العقد
الخارجية، لا إلى أركانه، وذلك كما في بيع الدرهم بالدرهمين؟
حيث إن الدراهم في ذاتها قابلة للبيع، وإنما امتنع هذا البيع، نظراً
لاشتمال أحد الجانبين فيه بالزيادة، فهو مشروع من حيث إنه بيع،
وممنوع من حيث انعقاد الربا، ولذلك قالوا: لو حذفنا تلك الزيادة
- وهي الدرهم - لصح البيع.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: إنا لا نُسَلِّمُ تفسير الحنفية للفاسد - وهو: ما كان
مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه -؛ لأن كل ممنوع بوصفه، فهو
بلا شك ممنوع بأصله، حيث إنه لا يثمر ولا يترتب عليه آثار.
فإذا كان الفاسد لا يثمر، والباطل لا يثمر - أيضاً - فهما
متساويان ولا فرق بينهما.
الجواب الثاني: أن هذا التفريق بين الفاسد والباطل غير مسلم من
جهة النقل، بيان ذلك:
أن مقتضى هذا التفريق هو: أن يكون الفاسد هو: الموجود على
نوع من الخلل، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه، وقد
سمى اللَّه تعالى الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسداً، حيث
قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فسمى السموات
والأرض فاسدة على تقدير الشريك ووجوده، ودليل التمانع يقتضي
أن العالم على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع
لا أنه يكون موجوداً على نوع من الخلل، فقد سمى اللَّه تعالى
- هذا - الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسداً.
стр. 397
فالذي لا تثبت حقيقته بوجه يطلق على الفاسد والباطل فلم يكن
- على هذا - بينهما فرق.
بيان نوع الخلاف:
الحنفية لما فرَّقوا بين الباطل والفاسد بنوا على هذا التفريق فروعا
فقهية، ومنها:
١ - أن الشخص لو باع داراً بشرط عدم سكناها، أو بيعها، فإن
هذا البيع فاسد؛ لأجل الشرط المخالف لمقتضى العقد، وهو غير
باطل؛ لأن البيع مشروع في أصله، ولا خلل في أركانه، وإنما لحقه
الفساد من جهة الوصف، وهو اشتماله على الشرط الفاسد.
٢ - بيع الدرهم بالدرهمين فاسد؛ لأنه مشروع من حيث كونه
بيعا، ولكنه ممنوع من اتصافه بالربا المنهي عنه.
وقالوا: إن النهي هذا قد ورد لمعنى في غير البيع، وهو الفضل
الخالي عن العوض، فلا ينعدم بذلك أصل المشروعية، فكان
فاسداً، لا باطلاً.
جوابه:
قلت: بعد التحقيق والتدقيق ثبت أنه مع تفريع الحنفية على هذا
التفريق بين الباطل والفاسد، فإن خلافهم مع الجمهور - وهو
مذهبنا - خلاف لفظي لا يترتب عليه آثار؛ فتفريق الحنفية بين الباطل
والفاسد في بعض الأحكام لا يعني أن الخلاف بينهم وبين الجمهور
معنوي؛ بل هو لفظي؛ لأن منشأ التفرقة في الأحكام ليس هو
التفرقة في التسمية، وإنما منشأه عندهم: كون النهي وارداً عن الفعل
لأصله، أو لوصفه، فما ورد النهي عنه لأصله لم يصح بحال.
وما ورد النهي عنه لوصفه يمكن أن يصح إذا زال هذا الوصف.
стр. 398
فلما اختلفت الأحكام - عندهم - رأوا أن يميزوا بينهما،
فاصطلحوا على تسمية أحدهما بالباطل، وتسمية الآخر بالفاسد،
إذن اختلاف التسمية نشأ عن اختلاف الأحكام.
المسألة السادسة: التقديرات الشرعية، والحجاج:
هذان النوعان من أنواع الحكم الوضعي داخلان ضمن السبب،
بيان ذلك:
أن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو
إعطاء المعدوم حكم الموجود.
مثال الأول - وهو: إعطاء الموجود حكم المعدوم -: الماء في
حق المريض والخائف.
ومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود -: المقتول
خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست
في ملكه قبل موته، فيُقدر دخوله في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى
ورثته، فقدرنا المعدوم - هنا - موجوداً للضرورة.
وأما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاة في الأحكام كالشهود،
والإقرار، واليمين مع النكول، أو مع الشاهد الواحد، فإذا نهضت
تلك الحُجَّة عند القاضي وجب عليه الحكم.
وهذا لو دققت النظر فيه لوجدته يرجع إلى السبب؛ لأن هذه
التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها، فكانت من قبيل
الأسباب.
стр. 399
المسألة السابعة: الأداء، والإعادة، والقضاء:
بعض العلماء جعل تلك الأمور تقسيماً للحكم باعتبار متعلِّقة،
وهو: الفعل؛ لأن هذه الأمور أقسام للفعل الذي تعلق به الحكم.
وجعلها فريق آخر من أنواع الحكم الوضعي.
والحق: أنها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب
للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وبطلان الفعل سبب للإعادة.
إذا علمت ذلك فاعلم أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أو لا.
أما العبادة التي لم يُعيَن الشارع لها وقتاً، فإما أن يكون لها سبب أو لا.
فالعبادة التي لم يعين الشارع لها وقتاً، والتي لها سبب كسجود
السهو سببها قراءة آية السجدة، والتي لا سبب لها، كفعل بعض
الأذكار المطلقة، فهذه العبادة لا توصف بأداء ولا بقضاء.
وأما العبادة التي عين الشارع لها وقتا محدداً، فهي إما أن تقع
قبل وقتها القدر شرعاً، أو في وقتها، أو بعد وقتها.
فإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعا، حيث جوَّزه الشارع: فهو
تعجيل مثل إخراج الزكاة قبل تمام الحول، وإخراج زكاة الفطر في
أول شهر رمضان، فهذا الإخراج للزكاة يُسمَّى تعجيلاً؛ لأن وقت
إخراج الزكاة لا يكون إلا بعد مرور الحول، وإخراج زكاة الفطر
يكون في آخر ليلة منه.
أما العبادة التي تقع في وقتها القدر شرعا دون أن تسبق بأداء مختل
فهو أداء.
стр. 400
أما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعاً، ولكن سبقت بأداء
مختل فهو إعادة.
وإن فعلت العبادة بعد وقتها المقدر شرعا فهو القضاء.
وإليك بيان حقيقة كل واحد من تلك الأقسام:
أولاً: تعريف الأداء:
الأداء هو: ما فعل أولاً في وقته المقدَّر له شرعاً.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " ما فعل " جنس يشمل الثلاثة كلها: الأداء، والإعادة،
والقضاء.
قولنا: " أولاً " أخرج الإعادة؛ لأنها تفعل ثانياً لخلل في الأول.
قولنا: " في وقته المقدر له " أخرج أمرين:
أولهما: القضاء؛ حيث إنه يفعل بعد الوقت المقدر.
ثانيهما: ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، فلا يوصف ذلك بأداء ولا قضاء، ولا إعادة.
قولنا: " شرعاً " أي: يجب أن يكون التعيين والتحديد صادراً
من الشارع، وخرج بهذا القيد: ما فعل في وقته المقدر له عقلاً كما
لو قضى الدين عند المطالبة به، فإنه فعل في وقته المقدر له، وهو:
ما يتسع له، ولكن هذا التقدير ليس بالشرع، بل بالعقل، وكذلك
الزكاة لو قدَّر الإمام شهراً معيَّناً مثلاً لإخراجها فيه، - فهو توقيت
عقلي، لا شرعي.
سؤال: هل يشترط وقوع جميع الفعل في وقته المحدد حتى يكون
أداء؟
стр. 401
جوابه: لا يشترط هذا، بل لو وقع بعضه في وقته القدر شرعاَ
كركعة من الصلاة مثلاً، فالصحيح أن الجميع أداء؛ لأن الركعة من
الصلاة مشتملة على معظم وغالب ما بعدها، فهو تكرار لها،
فيكون تابعا لها.
أما إذا أدرك أقل من الركعة، فالكل يكون قضاء عند الجمهور،
كما ذكره النووي في ""روضة الطالبين ".
وبعض العلماء يقول: إنه إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج
الوقت، فإن الصلاة تكون أداء، وهذا رأي الحنفية، وكثير من
الحنابلة.
ثانيا: تعريف الإعادة:
الإعادة هي: ما فعل ثانيا في وقت الأداء لخلل في الأول.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " مما فعل ": جنس يشمل الأداء، والإعادة، والقضاء.
قولنا: " ثانياً ": أخرج الأداء؛ لأنه يفعل أولاً.
قولنا: " في وقت الأداء ": أخرج القضاء؛ لأنه يفعل بعد
خروج وقت الأداء.
قولنا: " لخلل في الأول ": أخرج ما يفعل ثانياً، لكن بدون
خلل في الأول كالمنفرد إذا صلى مرة ثانية مع الجماعة، فإن صلاته
الأولى ليس فيها خلل، فلا توصف الثانية بالإعادة شرعا، بل هي
أداء كالأولى.
وعلى هذا فالإعادة قسم من الأداء، وليست قسيما له؛ لأن الأداء
في الحقيقة اسم لما يقع في الوقت المحدد شرعاً مطلقا، سواء كان
стр. 402
سابقاً أو مسبوقاً، أو منفرداً، فإن سبق بأداء مختل سمي إعادة،
وعلى ذلك فكل إعادة أداء، دون العكس.
فيكون فعل العبادة إما أن يكون في وقته المحدد شرعا أو لا.
فإن كان في وقته المجدد شرعاً فهو أداء، أو إعادة.
وإن لم يقع في وقته، بل بعد خروج الوقت فهو قضاء.
ثالثا: تعريف القضاء:
القضاء: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعا مطلقاً.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قولنا: " ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعاً ": أخرج الأداء
والإعادة، لأنهما يفعلان في وقتهما المحدد شرعا كما سبق.
قولنا: " مطلقا " فيه بيان: أن اسم القضاء مخصوص بفعل
العبادة بعد فوات وقته المحدد له شرعاً مطلقاً، أي: سواء كان فوات
الوقت لعذر، أو لغير عذر، فإنه لا فرق في تأخير الواجب عن
وقت الأداء بين أن يكون التأخير بعذر أو لغير عذر، وسواء كان
التأخير مع التمكن من الفعل كالمسافر والمريض يستطيع الصوم مع
السفر والمرض.
أو كان مع عدم التمكن من فعله، إما لمانع شرعي كما في الحيض
والنفاس، لعدم صحة الفعل شرعاً، أو لمانع عقلي كنوم، أو
سهو، أو إغماء، فإنه لا يمكن عقلاً أداء الصلاة من النائم والساهي،
والمغمى عليه " لأنها تفتقر إلى النية والقصد، وذلك محال مع وجود
النوم والإغماء والسهو.
стр. 403
رابعا: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف أو مرض آخر في رمضان
فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى
فعلهم هذا قضاء أوأداء؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يُسمى قضاء.
ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لأمرين:
أولهما: إجماع العلماء على أنه إذا صام المسافر والمريض والحائض
بعد زوال عذرهم، فإنه تجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء،
وأي شيء وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء؛ لأنه لو كان أداء لما جاز
أن ينووا القضاء؛ لأنهم - حينئذ - ينوون غير الواجب عليهم.
ثانيهما: أنه روي عن عائشة ﵂ أنها قالت:
"كنا نحيض على عهد رسول اللَّه ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ".
وجه الدلالة: أن عائشة - هنا - سمَّت فعل الصوم - بعد انتهاء
الشهر، وبعد زوال الحيض - قضاء، فلو كان أداءً لما سمته باسم
القضاء، والآمر هو النبي ﷺ ، وإذا اشتهر بهذه التسمية فلا يمكن أن يطلق عليه بأنه أداء.
المذهب الثاني: أن الحائض إذا فاتها أيام من رمضان، فإنه يجب
عليها أن تصومها بعد رمضان، وصيامها هذا لا يُسمَّى قضاء، وإنما
يُسمَّى أداءً.
دليل هذا المذهب:
أنه لا يجب على الحائض صيام رمضان حال حيضها، بل إن
стр. 404
صومها وهي في تلك الحال حرام، ومعلوم: أن فعل الحرام معصية،
ولا يمكن أن تؤمر أن تفعل ما تعصى في فعله، ولو ماتت قبل أن
تتمكن من صيام تلك الأيام التي تركتها لا تكون عاصية بالإجماع.
فلما لم تتمكن الحائض من أن توقع الصيام في وقته المقدَّر شرعا
للعذر - وهو الحيض - فإن فعْلها فيما بعد هو نفس الأداء الذي لم
تتمكن من فعله، وعلى هذا فلا يمكن أن يُسمَّى قضاء.
جوابه:
يجاب عنه بما ورد عن عائشة ﵂ من أنها سمَّت
فعل الصوم - بعد انتهاء رمضان - قضاء، كما سبق.
والقضاء لا يمكن أن يطلق عليه أداء ولا العكس.
أما عدم وجوب الأداء أثناء الحيض فلأن التكليف تشريف، وعبادة
لله ، ويمتنع ذلك مع حالتها المستقذرة تلك، والشيء
الذي لم يجب هو الأداء، أما جعل ذلك في الذمة، فهو واجب لا
شك فيه.
أما عدم العصيان إذا تركت الصيام حال الحيض وماتت: فهذا
مرجعه إلى كونها غير مكلفة بفعل الصيام أداء؛ للعذر وهو:
"الحيض "، فإذا زال رجع إليها التكليف، لكن تبقى ذمتها مشغولة
حتى تفعل ما وجب عليها قضاء.
المذهب الثالث: أن المسافر والمريض لا يلزمهما الصوم في شهر
رمضان، وإذا كان الصيام في الشهر لا يلزمهما، ولا يجب عليهما
حال السفر وحال المرض، ثم فعلا الصيام بعد رمضان سمي ذلك
الفعل أداء، وليس بقضاء.
стр. 405
ومستند عدم وجوب الصيام على المسافر قوله ﷺ :
" ليس من البر الصيام في السفر "،
ومستند عدم وجوب الصيام على المريض:
وجود المشقة التي تحصل له عند صومه، والمشقة تجلب التيسير.
وكذا أجمع العلماء على أن من أخر رمضان لسفر أو لمرض من
غير تفريط، ثم مات - بعد ذلك - وقبل القضاء، فإنه لا يكون
عاصياً لتأخيره.
جوابه:
يجاب عنه بأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا صام المسافر والمريض
بعد زوال عذرهما، فإنه تجب عليهما نية القضاء؛ لا نية الأداء،
وما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولو كان أداء كما زعم
أصحاب هذا المذهب لما نووا القضاء؛ لأن حقيقة الأداء غير حقيقة
القضاء، ولأنه يلزم من ذلك أنهم ينوون غير الواجب عليهم.
أما عدم لزوم الصوم أثناء العذر وهو السفر والمرض، فقد ثبت
نظراً لحالتهما فلا يطلب أداء الصوم وهما في حالتهما تلك، لكن
تبقى ذمتهما مشغولة بالواجب فلا تبرأ إلا بالقضاء؛ لخروج وقت
الأداء.
أما عدم العصيان لما تركا الصيام حال السفر والمرض، فهذا
مرجعه إلى أنهما غير مكلَّفين بفعل الصيام أداءً؛ لعذر السفر
والمرض، وهو من باب الرخص والتيسير ورفع الحرج عن الأمة،
لكن تبقى ذمتهما مشغولة حتى يفعلا ما وجب عليهما قضاء.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي - في هذه المسألة - كما هو واضح؛ حيث إن
стр. 406
أصحاب المذاهب اتفقوا على أن الحائض والمريض والمسافر إذا أفطروا
في نهار رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فإنه يجب عليهم
صيام تلك الأيام التي تركوها بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن
اختلفوا في تسمية هذا الفعل، فالجمهور يسمونه قضاء؛ لانطباق
حقيقة القضاء عليه، وأصحاب المذهبين الأخيرين يسمونه أداء،
فصار الخلاف في التسمية والتعبير فقط.
خامساً: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟
اتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب،
واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين؟
بخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به الأداء، ولا الإعادة، ولا
القضاء.
هذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا
فات المندوب المؤقت: فإنه يقضى مطلقا، كما قال العلماء: إن
قضاء السنة سُنَّة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة
المقضي.
دليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه
الناحية، ويشملهما حد القضاء.
المذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلَّق بالمندوب.
ذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب
فقط؛ تنزيلاً عن درجة الواجب بسبب: أن طلبه غير جازم.
واستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السُّنة إذا
стр. 407
كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي
سُنَّة الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته
السُّنَّة دون الفرض فلا قضاء لها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف - هنا - لفظي؛ للاتفاق على أن المندوب إذا لم يقضه
المكلف فإنه لا تنشغل الذمة فيه، ولا يطالب به؛ لأن حقيقة المندوب
- كما سبق -: عدم العقاب على تركه.
سادساً: الدليل الموجب للقضاء:
اختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد،
ودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب
ويلازمه في الوقت وبعده؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل
الذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص
جديد.
ذهب إلى ذلك عامة الحنفية والمالكية، وكثير من الشافعية،
وجمهور أهل الحديث.
وهو الصحيح عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبا مستحقا على المكلَّف في
الوقت المحدد شرعاً، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن
الواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق،
أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما
يسقط الواحب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا
الشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة - فقط -.
стр. 408
الدليل الثاني: القياس على الدين، بيان ذلك:
أن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط
بترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته
المعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفاداً من
الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.
المذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ.
ذهب إلى ذلك أكثر المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر،
ولكان أداءً لا قضاء.
جوابه:
يجاب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع
نقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت
قضاء، لا أداءً.
الدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، بيانه:
أن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين،
وهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك،
فلا يجوز فعله بمكان آخر.
كذلك الأمر إذا علق بوقت معيَّن، وتعذَّر فعله بهذا الوقت فإنه
يسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر.
جوابه:
يجاب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه
стр. 409
قياس مع الفارق؛ حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين
تعلقه بمكان من وجهين:
أولهما: أنْ الزمان يتعلق بعضه ببعض، حيث إن الزمان الثاني
تابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه
ينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث، وهكذا،
ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه ولو في آخر العمر.
بخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله
في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.
ثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى
غيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.
الدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت، بيانه:
إنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه،
كذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل،
ويحتاج إلى أمر جديد.
جوابه:
يجاب عنه بأن هذا القياس قياس فاسد؛ لأن الكلام في الواجب،
ولا وجوب قبل الوقت.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي: جواز
الاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب
الأول.
وعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني.
стр. 410
ومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده
هل يجب عليه القضاء أو لا؟
فبناء على المذهب الأول - وهو: أن القضاء بالأمر الأول - فإنه
يجب القضاء بذلك الأمر، وهو الصحيح.
وبناء على المذهب الثاني - وهو: أن القضاء يحتاج إلى أمر
جديد - فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد.
وأيضا من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها
بالأمر الأول، وهو الصحيح.
واختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين:
القول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر
جديد، ولا يوجد أمر.
القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها،
لورود الأمر الجديد، وهو قوله ﷺ :
"فدين اللَّه أحق أن يقضى".
وبعضهم قال: يجب عليه القضاء بأمر جديد وهو: القياس على
النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما.
стр. 411
المطلب الثاني في الشرط
ويشتمل على ما يلي:
المسألة الأولى: في حقيقة الشرط.
المسألة الثانية: تقسيمات الشرط.
المسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب.
стр. 412
المسألة الأولى: في حقيقة الشرط:
أولاً: الشرط لغة هو:
إلزام شيء والتزامه في البيع، وجمعه شروط وشرائط.
والشرط - بتحريك الراء -: العلامة، ومنه قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) .
والأصوليون يقولون: إن الشرط في اللغة بمعنى العلامة - مطلقاً -
وهذا فيه تساهل؛ حيث إن الذي هو بمعنى العلامة هو: الشرَط
- بفتح الراء - وليس الشرط الذي هو بتسكين الراء، والذي يعنينا
هو الشرط - بتسكين - الراء - وهو الذي بمعنى الإلزام.
ثانيا: الشرط في الاصطلاح هو:
هو: " ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا
عدم لذاته ".
فمثلاً: الطهارة، فإنه يلزم من عدم الشرط وهو الطهارة عدم
الحكم، وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وهو
الطهارة وجود الحكم، وهي صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة
ويصلي، ولكن قبل دخول الوقت، فهنا لا تصح الصلاة، وقد
توجد الطهارة ويصلي بعد دخول الوقت بدون مانع فتصح الصلاة.
بيان محترزات التعريف:
قولنا: " ما يلزم من عدمه العدم ": أخرج المانع؛ لأن المانع لا
يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع
لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب.
стр. 413
قولنا: " ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ": أخرج السبب؛ السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع، لأن المانع يلزم
من وجوده العدم.
قولنا: " لذاته ": احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب،
فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا
لذاته، بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع.
فمثلاً: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة،
ولا يلزم من وجوفى هـ وجوب الزكاة " لاحتمال عدم بلوغ النصاب،
ولا يلزم عدم وجوبها " لاحتمال بلوغ المال النصاب.
أما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة،
ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب.
وإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب
الزكاة، ولكن العدم ثبت نظراً لقيام المانع، لا لذات الشرط.
المسألة الثانية: تقسيمات الشرط:
الشرط ينقسم إلى عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وإليك بيان
ذلك:
التقسيم الأول: ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:
" شرط عقلي "، و " شرط عادي "، و " شرط لغوي "،
و"شرط شرعي ".
أما القسم الأول - وهو: الشرط العقلي - فهو: ما لا يوجد
المشروط ولا يمكن عقلاً بدونه مثل اشتراط الحياة للعلم، فإن العقل
стр. 414
يحكم بأن العلم لا يوجد بدون حياة، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم،
ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم.
ومثل: اشتراط الفهم في التكليف، فإن العقل يحكم بأن
التكليف لا يوجد بدون فهم الخطاب، فإذا انتفى الفهم انتفى
التكليف.
أما القسم الثاني - وهو: الشرط العادي - فهو: ما يكون شرطاَ
عادة مثل: نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقضي بأنه لا
يمكن صعود السطح إلا بوجود السلم، أو نحوه مما يقوم مقامه.
أما القسم الثالث - وهو الشرط اللغوي - فهو: ما يذكر بصيغة
التعليق مثل: " إن "، أو إحدى أخواتها مثل: قول الزوج لزوجته:
" إن دخلت الدار فأنت طالق "، فأهل اللغة وضعوا هذا التركيب
ليدل على أن ما دخلت عليه أداة الشرط هو: الشرط، والآخر
المعلَّق عليه هو: الجزاء.
وهذا ما ذهب إليه كثير من الأصوليين.
وذهب بعض العلماء كابن القيم، والقرافي، وابن السبكي،
والزركشي، وابن القشيري، وابن الحاجب إلى أن الشروط اللغوية
من قبيل الأسباب، لا من قبيل الشروط، وذلك لأنه يتحقق فيها
تعريف السبب؛ حيث يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها
العدم، ففي المثال السابق يلزم من دخول الزوجة الطلاق، ويلزم من
عدم الدخول عدم الطلاق.
أما القسم الرابع - وهو: الشرط الشرعي -: فهو: ما جعله
الشارع شرطا لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة، فإن
стр. 415
هذا الشرط لم نعرفه من العقل، أو اللغة، أو العادة، وإنما الشارع
هو الذي حكم بأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة.
وهذا الشرط هو المقصود في الأصل - كما ذكر الشاطبي - فإن
حدث التعرض لشرط من الشروط السابقة - كالشرط العقلي
واللغوي والعادي - فمن حيث تعلق به حكم شرعي في خطاب
الوضع، أو خطاب التكليف، ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا الاعتبار
فيدخل تحت قسم الشرط الشرعي.
أنواع الشرط الشرعي:
الشرط الشرعي أنواع: " شرط وجوب "، و " شرط صحة "،.
و" شرط أداء " -
فشرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلَّفاً كالنقاء من الحيض
والنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى
شخص؛ حيث إنه شرط في وجوب الإيمان عليه.
وشرط الصحة هو: ما جعل وجوده سبباً في حصول الاعتداد
بالفعل وصحته مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القِبْلة.
وشرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع
الفعل، فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم،
فإنهم غير مكلَّفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم.
التقسيم الثاني: ينقسم الشرط باعتبار قصد الشارع له وعدم ذلك
إلى قسمين:
القسم الأول: ما قصده الشارع قصداً واضحا.
القسم الثاني: ما ليس للشارع قصد في تحصيله.
أما القسم الأول - وهو: ما قصده الشارع قصداً واضحا - فهو
стр. 416
الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو إما أن يكون مأموراً بتحصيله
كالطهارة للصلاة، واستقبال القِبْلة.
وإما أن يكون منهياً عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة
لزوجها الأول.
أما القسم الثاني - وهو: ما ليس للشارع قصد في تحصيله - فهو
الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن إبقاء
النصاب حتى يكمل الحول حتى تجب الزكاة ليس بمطلوب الفعل،
ولا هو مطلوب الترك.
التقسيم الثالث: ينقسم الشرط باعتبار مصدره إلى قسمين:
"شرط شرعي "، و " شرط جعلي ".
أما الشرط الفسرعي فهو: ما كان مصدر اشتراطه الشارع، وهو
الراد من الشرط عند الإطلاق؛ حيث إنه هو المقابل للسبب والمانع،
ومنها: الطهارة لصحة الصلاة، وحولان الحول للزكاة، والإحصان
في الرجم.
أما الشرط الجعلي فهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف؛ حيث
يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته، كالاشتراط في البيوع،
والنكاح، والطلاق، والعتق.
والشروط الجعلية مقيدة بحدود شرعية معينة، فليس للشخص أن
يشترط ما شاء لما شاء.
فالشروط المعتبرة والتي سمح للمكلَّف أن يشترطها هي: كل ما
جاء مكملاً لحكمة المشروط، بحيث لا ينافيها بحال من الأحوال،
وهي الشروط الموافقة لمقتضى مشروطاتها في العقود والتصرفات
стр. 417
الشرعية، بحيث لا تخالفها ولا تنفي مضمونها مثل: اشتراط
الرهن، أو الكفيل بالدين، واشتراط الصيام في الاعتكاف،
واشتراط الكفاءة في النكاح، واشتراط الحرز في السرقة، ونحو
ذلك، فإن هذه الشروط صحيحة؛ لما فيها من الموافقة الشرعية.
وأما الشروط التي لا تلائم مقصود المشروط ولا مكملاً لحكمته،
بل جاء على الضد من ذلك فهي لا تعتبر شرعاً، أي: أن الشروط
التي تخالف مقتضى المشروطات في العقود والتصرفات الشرعية
وتناقض مدلولاتها تعتبر شروطاً فاسدة، كما إذا اشترط الزوج أن لا
ينفق على زوجته، أو اشترط في عقد البيع عدم الانتفاع بالمبيع.
المسألة الثالثة: الفروق بين الشرط والسبب:
يوجد بين الشرط والسبب فروق، من أهمها:
الفرق الأول: أن الشرط مقارن للحكم غير مفارق له، بخلاف
السبب، فلا تلزم فيه المقارنة فقد يقع تأخير حكم الشيء عن سببه.
الفرق الثاني: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم فقط،
بخلاف السبب، فإنه يؤثر في الحكم من جهة الوجود والعدم، كما
سبق في تعريف كل واحد منهما.
الفرق الثالث: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، بخلاف
السبب، فإنه مناسب في ذاته، فمثلاً النصاب فإنه سبب في وجوب
الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه
ليس فيه مناسبة في نفسه، وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب،
وذلك بالتمكين من تنمية المال في جميع الحول.
стр. 418
المطلب الثالث في المانع
ويشتمل على مسألتين هما:
المسألة الأولى: في حقيقة المانع.
المسألة الثانية: في تقسيمات المانع.
стр. 419
المسألة الأولى: حقيقة المانع
أولاً: المانع لغة هو:
الحائل بين الشيئين، يقال: " منعه الأمر "، و " منعته منه "،
فهو ممنوع أي: محروم، والمانع: اسم فاعل من المنع ضد الإعطاء.
ثانيا: المانع في الاصطلاح هو:
" ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم
لذاته ".
شرح التعريف وبيان محترزاته:
الدَّين - مثلاً -: يلزم من وجوده عدم وجود الحكم - وهو:
وجوب الزكاة -، ولا يلزم من عدم الدين وجود الحكم - وهو:
وجوب الزكاة - ولا عدم وجوده: فقد يكون الشخص غير المدين
غنيا يملك النصاب مع حولان الحول، فهنا يوجد الحكم - وهو:
وجوب الزكاة -، وقد يكون الشخص غير المدين فقيراً لم يبلغ المال
الذي عنده النصاب، فهنا لا يوجد الحكم - وهو وجوب الزكاة -.
فقولنا: " ما يلزم من وجوده العدم ": أخرج السبب؛ لأن
السبب يلزم من وجوده وجود الحكم، وأخرج الشرط؛ لأن الشرط
لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم - كما سبق بيانه -.
وقولنا: " ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ": أخرج الشرط -
أيضاً - لأن الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم.
وقولنا: " لذاته " للاحتراز عن مقارنة عدم المانع لوجود سبب
آخر، فإنه يلزم الوجود، ولكن لا لعدم المانع، وإنما لوجود
стр. 420
السبب الآخر، مثل: المرتد القاتل لولده، فإن هذا يقتل بالردة وإن
لم يقتل قصاصاً، لأن المانع إنما منع أحد السببين - فقط - وهو:
القصاص، وقد حصل القتل بسبب آخر، وهو: الردة.
المسألة الثانية: تقسيمات المانع:
ينقسم المانع إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة، إليك بيان ذلك:
التقسيم الأول: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بالحكم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يمكن اجتماعه مع الطلب.
القسم الثاني: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلاً.
أما القسم الأول - وهو ما يمكن اجتماعه مع الطلب - فهو نوعان:
النوع الأول: ما يرفع أصل الطلب شرعاً، وإن أمكن حصوله
معه عقلاً مثل الحيض بالنسبة للصلاة، حيث إنه يمكن اجتماع الحيض
مع الطلب - وهو طلب الصلاة - عن طريق العقل، ولكن الشارع
اعتبره مانعاً من أصل الطلب بهذه العبادة، ولو صلت الحائض لا
تصح الصلاة منها، بل تأثم بفعل الصلاة.
النوع الثاني: ما لا يرفع أصل الطلب، ولكنه يمنع اللزوم فيه،
ويحوله من طلب جازم إلى مخير، وهذا النوع شيئان:
أولهما: ما يكون منع اللزوم فيه بمعنى التخيير، وذلك كالرق
والأنوثة بالنسبة لصلاة الجماعة، والعيدين، حيث إن الرق والأنوثة
لا يرفعان أصل الطلب بهذه العبادة " حيث لو وقعت تلك الصلاة
منهما لصحت، ولكنهما يرفعان اللزوم والانحتام في هذا الطلب.
ثانيهما: ما كان منع اللزوم له بمعنى رفع الإثم والمؤاخذة من
стр. 421
المخالف للأمر كالسفر بالنسبة لقصر الصلاة، وترك الجمعة،
والصيام، فإن السفر لا يرفع أصل الطلب في هذه العبادات، وإنما
يرفع اللزوم فيها فقط، ولذلك فلو فعلها المسافر لصحت منه وأجزأته
ولكنه لا حرج عليه في تركها.
ويقال هذا في كل سبب من أسباب الرخص، فكل واحد من
أسباب الرخص يعتبر مانعاً من اللزوم والحتم، فلا حرج على من
ترك العزيمة للأخذ بالرخصة، هذا القسم الأول.
أما القسم الثاني - وهو: ما لا يمكن اجتماعه مع الطلب أصلاً -
فهو ما يمنع من أصل الطلب جملة عقلاً وشرعاً مثل زوال العقل
بنوم، أو إغماء، أو غفلة، أو جنون، أو نحو ذلك، فإن زوال
العقل يمنع مطالبة النائم، أو المغمى عليه.، أو المجنون بالفعل؟
لأمرين:
أولهما: أنهم لا يفهمون الخطاب، والفهم شرط مهم من شروط
التكليف.
ثانيهما: أن خطاب الشارع إلزام والتزام، ومن زال عقله لا يمكن
إلزامه، فلا يتأتى بالنسبة إليه التزام كما لا يمكن ذلك في البهائم
والجمادات.
التقسيم الثاني: المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب
إِلى قسمين: " مانع الحكم "، و " مانع السبب ".
أما القسم الأول - وهو: مانع الحكم - فهو: كل وصف
وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق
السبب مثل: الحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب
стр. 422
وهو: دخول الوقت، فهنا: ترتب على وجود المانع عدم ترتب
المسبب على سببه.
ومثل: الأبوة في منع القصاص من والد لولده، فالحكم الذي
هو القصاص قد وجد سببه وهو: القتل العمد العدوان، وكون
القاتل أباً للمقتول منع من القصاص؛ لأن الزجر المقصود بشرعية
القصاص يعارض حال الأبوة المقتضي للعطف والحنان، بحيث يمنع
ذلك من التفكير في القتل إلا في النادر اليسير، فليس بحاجة إلى
العقوبة الزاجرة في مثل تلك الحالة النادرة.
أنواع مانع الحكم:
يتنوع مانع الحكم إلى أنواع ثلاثة هي:
النوع الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون استمراره مثل:
الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد
أن صار مملوكاً فلا ينقطع عنه الرق، وكذا: الحج، فإنه يمنع ابتداء
النكاح حال الإحرام، ولكنه لا يمنع من الدوام على نكاح قبله.
النوع الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون
ابتداء الحكم مثل الطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول،
ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.
النوع الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع - أيضاً - استمراره
مثل: الرضاع، فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من
الرضاع، كما يمنع استمراره إذا طرأ عليه، وكذلك: " الحدث "
فإنه يمنع انعقاد العبادة ابتداء، كما يمنع استمرار صحتها إذا طرأ عليها.
وأما القسم الثاني - وهو: مانع السبب - فهو: كل وصف
يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب.
стр. 423
مثل الدين في باب الزكاة، حيث إنه مانع - عندنا - من وجوب
الزكاة، لأن السبب في وجوب الزكاة هو بلوغ النصاب، حيث إنه
يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل
ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدين في المال لم يدع فضلاً
يواسي به الفقير، لأن النصاب هذا قد صار مشغولا بحقوق
الغرماء، فهنا قد أخل الدين بحكمة السبب؛ لأنه ليس مع الدين
استغناء، والإخلال بالحكمة يسقط العلية وهي: الزكاة.
أي: أن حكمة الدين هي براءة الذمة، وهي لا شك مخلة
بحكمة النصاب التي هي مواساة الفقراء، فكانت رعاية براءة الذمة
أوْلى من رعاية مواساة الفقراء، لأمرين:
أولهما: أن فيها البداية بالنفس، وهي ألزم ما يكون.
ئانيهما: أنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، ولا
شك أن حق الغرماء أقوى من حق الفقراء، حيث إن المستحق إذا
تعين ترجح على مستحق لم يتعين.
وذهب بعض الشافعية إلى أن الدين لا يمنع من الزكاة لاستغنائه بما
في يده، وتعلق الدين بذمته.
التقسيم الثالث: المانع ينقسم من حيث ارتباطه بخطاب الشارع
إلى قسمين: " ما يكون داخلاً تحت خطاب التكليف "، و " ما
يكون داخلاً تحت خطاب الوضع ".
أما القسم الأول - وهو: ما يكون داخلاً تحت خطاب التكليف -
فهو: يشمل المأمور به، والمنهي عنه، والمخير فيه والمأذون فيه،
مثال المأمور به: الإسلام، حيث إنه مأمور به، وهو المانع من
انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما.
стр. 424
ومثال المنهي عنه: الكفر، فإنه مانع من صحة العبادات.
ومثال المخير فيه: الاستدانة التي هي مانعة من انتهاض سبب
وجوب الزكاة، وإن كان النصاب موجوداً.
أما القسم الثاني - وهو: ما يكون داخلاً تحت خطاب الوضع -
فهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا
في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطبا برفع الدين عن
نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب
غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب؛ لأن المانع
من خطاب الوضع، فلا يكون مأموراً به ولا منهيا عنه.
стр. 425
المطلب الرابع في العزيمة والرخصة
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: في تعريف العزيمة.
المسألة الثانية: في تعريف الرخصة.
المسألة الثالثة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي،
أو من أقسام الحكم الوضعي؟
المسألة الرابعة: في أقسام الرخصة.
المسألة الخامسة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟
المسألة السادسة: حكم الرخصة.
следующие страницы →