← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21529

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

عبد الكريم النملة

Полный текст (2 303 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ (تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً) المؤلف: د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة دار النشر: مكتبة الرشد - الرياض الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ٥ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلاله وعظمته، وأشكره شكراً يوافي نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، مبدع البدائع، وشارع الشرائع. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة أرجو أن يكفر بها عنا سيئات أعمالنا، ويرفع بها درجاتنا، وينجينا بها من صغير الموبقات وكبيرها. وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، العبد المرتضى، والنبي المجتبى، والرسول المصطفى، المرسل بالبراهين الساطعة، والآيات الدامغة، والبينات الواضحة صلى اللَّه عليه، وعلى آله وسلم تسليما كثيراً، ورضي اللَّه عن صحبه الهداة الأعلام الذين بذلوا النفس والنفيس، لإعلاء كلمة اللَّه. أما بعد: فإن أقوى المهمات بعد الإيمان بالله: طلب العلم، حيث إن العلم ميراث النبوة كما قال ﷺ : "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ". وقوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء "، ومما يؤكد ذلك أنه سبحانه قد جعل العلماء في درجة الأنبياء في الدعوة إلى اللَّه، فقال سبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ مهه، فإنه هنا قد جعل ولاية الإنذار والدعوة للفقهاء، وهذه درجة الأنبياء قد تركوها ميراثا للعلماء. والعلم علمان: " علم التوحيد "، و " علم الفقه ". أما علم التوحيد فالأصل فيه التمسك بما جاء في الكتاب والسُّنَّة

стр. 3

ومجانبة الهوى والبدع، كما كان عليه الصحابة ﵃ والتابعون والسلف الصالح. أما علم الفقه: فهو الخير الكثير، وهو الحكمة التي ذكرها الله تعالى بقوله: (من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) ، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " الحكمة: معرفة الأحكام من الحلال والحرام ". فدرجة العلم هي النهاية في القوة والخيرية، وهو ما أراده الرسول ﷺ بقوله: " من يرد اللَّه به خيراً يفقهه في الدين "، وقوله: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا ". لذلك تجد الصحابة ﵃ قد حرصوا على طلب العلم لما علموا درجته العليا ومنزلته الكبرى، وقصصهم في طلبه والحرص عليه لا تخفى على ذي لب، لا سيما حرص ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وعلم الفقه - وهو: معرفة الحلال والحرام من الأحكام - لا يمكن إلا بعد معرفة أدلة الأحكام، ومعرفة أدلة الأحكام وما يتعلق بها هو علم أصول الفقه، فيكون علم أصول الفقه هو أصل لذلك الخير الموجود في الفقه. فبفضله - أي: علم أصول الفقه - يتعلم الفقيه المناهج والأسس والطرق التي يستطيع عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث المتجددة. وبفضله - أيضاً - يعرف المكلَّف العلَل والحِكَم التي من أجلها شرعت الأحكام الشرعية؛ ليعبد اللَّه تعالى على بصيرة.

стр. 4

وبفضله - أيضاً - يستطيع طالب العلم تخريج المسائل والفروع على قواعد إمامه. وبفضله - أيضاً - يستطيع الداعية إلى اللَّه تعالئ: أن يدعو إلى الله وإلى دينه بناء على أسس ومناهج وطرق يستطيع بها أن يقنع الآخرين. وبفضله - أيضاً - يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام: أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه لا يوجد أي حادثة إلا ولها حكم شرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن الإسلام قاصر وعاجز عن حل القضايا المتجددة، قاتل اللَّه من قال ذلك، ولعن من نصر هذا القول وأبعده من رحمته. وبفضله - أيضاً - يستطيع أن يفسر الشخص القرآن، ويشرح الأحاديث، خيث إنه لا يمكنه معرفة دلالة النصوص، وكونها دلَّت بالمنطوق أو المفهوم، أو الإشارة، أو العبارة، أو الاقتضاء، أو الإيماء إلا بمعرفة أصول الفقه. وبفضله - أيضاً - يعرف من يريد كتابة أي بحث من البحوث العلمية كيفية كتابة ذلك البحث؛ حيث إن علم أصول الفقه قد جمع بين النقل والعقل، فمن تعمق فيه: عرف طريقة إيراد المسألة، وتصويرها؛ والاستدلال عليها، وطريقة الاعتراض، والجواب، والمناقشة بأسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم. فالمتعلم لهذا العلم - وهو أصول الفقه - والمدقق فيه يدرك من المنافع الشرعية، والأحكام الفقهية، والفوائد والمقاصد العامة ما لا يحصى.

стр. 5

فيكون هذا العلم أجل العلوم قدراً، وأعظمها نفعاً، وأعمها فائدة، وأكثرها أهمية، وأعلاها شرفاً، وأميزها ذكراً، وذلك لما يتعلق به من مصالح العباد في المعاش والمعاد. ومع هذا النفع، وعلو المرتبة والرفعة، والأهمية لهذا العلم قد ترك تعلمه كثير من طلاب العلم؛ لأسباب كثيرة، وقد يكون من أهمها: عدم معرفتهم لهذا الفضل والنفع العظيم لهذا العلم. ومنها: عدم فهمهم لهذا العلم، بسبب صعوبة عباراته، وقلة تطبيقاته، وأمثلته الفرعية. ومنها: عدم إدراكهم للغرض والقصد الذي من أجله يُدرَس هذا العلم. فسألني بعض طلاب العلم أن أضع كتاباً أجمع فيه جميع مسائل أصول الفقه مع شرحها، وبيانها، والاهتمام بتصويرها بالأمثلة بأسلوب عصري مفهوم، دون تعصب لمذهب أو رأي معين، فأجبتهم على ذلك، امتثالاً لأمر اللَّه تعالى بالتبيين للناس، وكشف الشبه والإلباس، ونظراً لشوقي لتحصيل الفضائل والتجنب عن الرذائل، ورغبة في الأجر، والمثوبة. ومما جعلني أقوم بهذا المصنف - أيضاً - ما يلي: أولاً: تيسير وتسهيل علم أصول الفقه لهؤلاء الطلاب، ولغيرهم بأسلوب عصري مفهوم. ثانياً: تكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كثرت طرق تعلمه. ثالثاً: تكثير المتعلمين والطالبين، فإن لكل جديد لذة.

стр. 6

رابعاً: التشبه بالسلف الصالح، وهم الراسخون بالعلم؛ حيث روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، واجعل رزقي تحت ظل رمحي، واجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ". فلهذه الأسباب ولغيرها قمت بتأليف هذا الكتاب، وجعلته ميسراً جامعاً، نقَّحت وهذَّبت فيه كثيراً من كلام علماء الأصول في كتبهم. وجعلته في سبعة أبواب هي كما يلي: الباب الأول: في المقدمات. الباب الثاني: في الحكم الشرعي والتكليف به. الباب الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية. الباب الرابع: في الألفاظ ودلالتها على الأحكام. الباب الخامس: في القياس. الباب السادس: في الاجتهاد والتقليد. الباب السابع: في التعارض والجمع والترجيح. وقد تكلمت في هذا الكتاب سالكاً المنهج الآتي: أولاً: جمعت كل مسائل أصول الفقه، فلم أترك أيَّ مسألة فيها فائدة لطالب العلم إلا وذكرتها في هذا الكتاب. ثانيا: هذَّبت هذه المسائل ورتبتها ونظمتها ونقحتها وانتقيتها فجعلت هذا الكتاب يتكون من سبعة أبواب، وكل باب يتكون من عدة فصول، وكل فصل يتكون من عدة مباحث، وكل مبحث

стр. 7

يتكون من عدة مطالب، وكل مطلب يتكون من عدة مسائل، وكل مسألة تتكون من عدة نقاط؛ تسهيلاً لطالب العلم؛ حيث إنه لا فائدة من كتاب لم يرتب وينظم. ثالثاً: لا أقتصر بذكر المسألة فقط، بل أقوم بشرحها وتصوير المراد منها، وبيان الجزئية التي اختلف العلماء حولها. رابعاً: أذكر المذاهب في المسألة، بادئاً بالمذهب الراجح عندي، وذكر الأدلة على ذلك، وأذكر ما وجه إلى كل دليل من اعتراضات - إن وجدت - ثم أجيب عن كل اعتراض بعد ذكره مباشرة، ثم أذكر المذاهب الأخرى، مع أدلة كل مذهب، وأجيب عن كل دليل بعد ذكره مباشرة. خامساً: إذا انتهيت من ذكر المذاهب في المسألة الواحدة، أذكر نوع الخلاف فيها: هل هو خلاف لفظي، أو معنوي؟ فإن كان لفظياً أبين دليل ذلك، وإن كان معنوياً أبين دليل ذلك، مع ذكر بعض الآثار لهذا الخلاف، وإن كان الخلاف قد اختلف فيه فقال بعض العلماء: إنه لفظي، وقال آخرون: إنه معنوي، أذكر القولين، مع دليل كل منهما، ثم أبين ما هو الراجح عندي، مع الجواب عن القول المرجوح. سادساً: أُعرِّف المصطلحات الأصولية تعريفاً لغوياً، وتعريفاً اصطلاحياً، ذاكراً في ذلك أقرب التعريفات إلى الصواب. سابعاً: أذكر أهم الأدلة للمذهب المختار، وإذا وجدت بعض الاعتراضات على بعض الأدلة: أذكر أقواها، ثم أذكر أهم الأجوبة عن كل اعتراض وأقواها، وكذلك أذكر أهم وأقوى أدلة المذهب المخالف، وأهم الأجوبة عنها.

стр. 8

ثامناً: قمت بالتحقق من نسبة الأقوال والمذاهب والآراء. تاسعاً: أستدل على إثبات القواعد الأصولية بإجماع الصحابة، فإن لم أجد: أستدل بالنصوص من الكتاب والسُّنَّة - هذا غالباً، وفي بعض القواعد الأصولية أستدل بالنص قبل إجماع الصحابة - فإن لم أجد إجماعا ولا نصاً: فإني أستدل بمعقول النصوص، فإن لم أجد: فإني أستدل بالقياس، فإن لم أجد: فإني أستدل بالأدلة الصحيحة الأخرى عندي دون تعصب لمذهب معين. عاشراً: قد أطلت بشرح وبيان بعض المسائل والقواعد، والأدلة؟ نظراً لأهميتها، وحاجة الطلاب إلى بيانها. حادي عشر: ترجمت كلام علماء السلف في أصول الفقه وجعلته في هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم. ثاني عشر: رجعت في وضع هذا الكتاب إلى أهم كتب أصول الفقه عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، سواء كانت قديمة أم حديثة. ثالث عشر: قد نهجت في هذا الكتاب بالمنهج الوسط، دون التطويل الممل، أو الاقتصار المجحف المخل. هذا وقد سميته: " المهذَّب في علم أصول الفقه المقارن - تحرير لمسائله، ودراستها دراسة نظرية تطبيقية ". حيث إني قد هذبت فيه مسائل أصول الفقه، وانتقيتها، وخلصتها من كل ما علق بها مما لا يفيد طالب العلم، وعالجتها معالجة تذهب صعوبتها من نفوس الطلاب إن شاء اللَّه، بحيث يستطيع كل طالب فهمها بيسر وسهولة، وهذا هو أصل التهذيب، وهو - كما ورد في

стр. 9

لسان العرب -: تنقية الحنظل من شحمه، ومعالجة حبه حتى تذهب مرارته، ويطيب لآكله. أرجو أن يكون كما سميته. وأخيراً: فإن هذا هو جهد من هو معرض للخطأ والصواب: فإن وفقت فمن اللَّه تعالى، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر اللَّه. وأيضاً: أنا لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت؛ لأني أقطع ويقطع غيري بأن أي مصنِّف وكاتب مهما بلغ من القدرة والجهد الذي بذله فيما كتب لا بد أن يكون في عمله نقص، وذلك لأن النقص والخطأ والسهو من طبيعة البشر، حيث إن الكمال لله وحده لا شريك له. ولكن يكفيني أني لم أقصد بهذا المصنَّف إلا نفع طلاب العلم وإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه. وأسأله سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب مؤلفه، وقارئه والناظر فيه، وجميع المسلمين بمنِّه وكرمه، وأن يجعل عملنا في هذا المؤلَّف وفي غيره صالحاً لوجهه خالصاً، ويجعل سعينَا مقرِّباً إليه، مبلِّغاً إلى رضوانه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه أ. د / عبد الكريم بن علي بن محمد النملة الأستاذ بقسم أصول الفقه، بكلية الشريعة بالرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

стр. 10

الباب الأول في المقدمات ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه. الفصل الثاني: مقدمة في المصطلحات التي يحتاج إليها دارس علم أصول الفقه.

стр. 11

الفصل الأول في مقدمة في مبادئ علم أصول الفقه ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: تعريف أصول الفقه. المبحث الثاني: الفرق بين أصول الفقه والفقه. المبحث الثالث: الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية. المبحث الرابع: في موضوع أصول الفقه. المبحث الخامس: في حكم تعلم أصول الفقه. المبحث السادس: في فوائد علم أصول الفقه. المبحث السابع: الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها. المبحث الثامن: هل يقدم تعلم أصول الفقه أو تعلم الفقه؟ المبحث التاسع: بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه. المبحث العاشر: نشأة علم أصول الفقه. المبحث الحادي عشر: طرق التأليف في علم أصول الفقه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة.

стр. 12

المبحث الأول في تعريف أصول الفقه ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: تعريف أصول. المطلب الثاني: تعريف الفقه. المطلب الثالث: تعريف أصول الفقه.

стр. 13

المطلب الأول في تعريف الأصول أولا - تعريف الأصول لغة: الأصول: جمع أصل، والأصل في اللغة يطلق على إطلاقات كثيرة، من أهمها: الإطلاق الأول: أنه يطلق على ما يبتني عليه غيره، ذهب إلى ذلك كثير من الأصوليين، كأبي الخطاب، وأبي الحسين البصري، والإيجي، والشوكاني. وهو الصحيح عندي، لأمور ثلاثة: أولها: أن الأصل - في حقيقته اللغوية - هو: أسفل الشيء، وأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء، وأساسه هو الذي يعتمد عليه في البناء. ثانيها: شموله وعمومه لكل ما ذكره العلماء من تعريفات. ثالثها: أنه موافق لتعريف الأصل في الاصطلاح؛ حيث إنه الدليل، والدليل يعتمد عليه الحكم، ويبنى عليه؛ إذ لا حكم بلا دليل يعتمد عليه. الإطلاق الثاني: أن الأصل: ما منه الشيء، ذهب إلى ذلك تاج الدين الأرموي، وصفي الدين الهندي.

стр. 14

الإطلاق الثالث: الأصل: ما يتفرع عنه غيره، وهو مذهب القفال الشاشي. الإطلاق الرابع: الأصل هو: المحتاج إليه، وهو مذهب فخر الدين الرازي، وسراج الدين الأرموي. الإطلاق الخامس: الأصل هو: ما يستند ذلك الشيء إليه، وهو ما ذهب إليه الآمدي. وهذه التعريفات - عند التحقيق - لا تعارض بينها؛ حيث إن بعض العلماء عرفوا الأصل بتعريف عام وشامل كالإطلاق الأول، والبعض الآخر عرَّفوا الأصل بتعريف خاص وبمعنى جزئي، فمن الممكن أن تدخل الجزئيات ضمن التعريفات ذات المعنى الشمولي؛ الهدف هو: تعريف الأصل بمعناه الشامل الذي تدخل فيه كل الجزئيات، لذلك رجحت الإطلاق الأول للأصل، وهو: أن الأصل: ما يبتني عليه غيره. اعتراض على ذلك: اعترض بعضهم قائلاً: إنه معروف أن الوالد أصل للولد، ولكن لا يقال: " الولد بني على الوالد "، بل الذي يقال: " إنه فرعه "، ولو كان الأصل يطلق لغة على ما يبنى عليه غيره لما امتنع ذلك. جوابه: نقول في الجواب عنه: إنه لا مانع لغة من أن يقال: إن الولد بني على الوالد إذا لاحظنا المعنى وهو: أن الولد أساسه الوالد، وهو أصله.

стр. 15

ثانياً - تعريف الأصول اصطلاحا: الأصل في الاصطلاح يطلق على معان، من أهمها: أولها: أن الأصل: الدليل. كقولنا: " الأصل في التيمم: الكتاب، والأصل في المسح على الخفين: السُّنَّة " أي: دليل ثبوت التيمم من الكتاب، ودليل ثبوت المسح من السُّنَّة. وهو: المراد من الأصل في علم أصول الفقه عندي؛ لمناسبته وموافقته لما قلناه من أن الأصل لغة يطلق على ما يبتني عليه غيره، فالدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه: أدلته. والدليل عام وشامل لجميع الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها، والقواعد الأصولية مثل: " العبرة بعموم اللفظ "، و " أن الأمر المطلق للوجوب "، و " النهي المطلق للتحريم ". اعتراض على ذلك: قال بعضهم: لا نُسَلِّمُ أنه يطلق على القواعد الأصولية أدلة، لذلك قال: أحسن عبارة في تعريف الأصل في الاصطلاح هي: "ما يبتني عليه غيره "، حتى تدخل الأدلة والقواعد، حيث تبنى على هذه الأدلة وتلك القواعد الأحكام، فيكون تعريفه اصطلاحاً هو تعريفه لغة. جوابه: أقول - في الجواب عنه -: إنه لا داعي لهذا التكلُّف، لأنه يطلق على القواعد أدلة، وهذا ما ثبت بالاستقراء والتتبع لكتب الفقه؛ حيث إن الفقهاء يستدلون بالقواعد الأصولية، ويسمون تلك القواعد أدلة.

стр. 16

ثانيها: يطلق الأصل ويراد به القاعدة الكلية المستمرة بقولهم: "تحمل العاقلة للدية خلاف الأصل "، و " الأصل أن النص مقدم على الظاهر "، و " الأصل: أن العموم يعمل بعمومه حتى يرد ما يخصصه ". ثالثها: يطلق الأصل ويراد به الرجحان كقولهم: " الأصل في الكلام الحقيقة " أي: الراجح عند السامع هو المعنى الحقيقي، دون المعنى المجازي. رابعها: يطلق الأصل ويراد به المستصحب كقولهم: " الأصل في الأشياء الإباحة "، أي: نستصحب الإباحة الثابتة في الأشياء حتى يأتي ما يحرم، وقولهم: " الأصل في الإنسان البراءة " أي: أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته بدليل.

стр. 17

المطلب الثاني في تعريف الفقه أولاً - تعريف الفقه لغة: عرف الفقه لغة بعدَّة تعريفات، من أهمها: الأول: الفقه هو: الفهم مطلقاً. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء كالآمدي، والباجي، وابن عقيل، والإسنوي، وصفي الدين الهندي، والشوكاني. وهو الصحيح عندي؛ لأنه ثبت بعد تتبع واستقراء النصوص الشرعية أن لفظ " الفقه " ورد بمعنى الفهم من ذلك: قوله تعالى: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً) أي: لا يكادون يفهمون. ومن ذلك قوله تعالى: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) أي: يفهموا قولي. ومنه قوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول) أي: ما نفهم كثيراً من قولك، ومنه قوله ﵊: " نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما وعاها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". وقلنا: الفهم مطلقاً أي: سواء كان عالِماً أو لا، وسواء فهم

стр. 18

الغرض من خطاب الشخص، أو فعله، أو إشارته، أو إيمائه، أو غير ذلك. الثاني: أن الفقه لغة هو: العلم، أي: إذا كان الشخص عالماَ بأشياء لا يعلمها غيره من الناس فهو الفقيه، وإن لم يفهم ما يعلمه، ذهب إلى ذلك ابن فارس في " المجمل "، وإمام الحرمين في "البرهان "، وأبو يعلى في " العدة "، والكيا الهراسي. الثالث: الفقه لغة هو: العلم والفهم معاً، يقال: فلان يفقه الخير والشر، و " يفقه الكلام " أي: يعلمه ويفهمه، ذهب إلى ذلك الغزالي في " المستصفى "، والآمدي فى " منتهى السول "، وابن سيده في " المحكم ". الجواب عنهما: أقول - في الجواب عنهما -: إن هذين التعريفين يدخلان ضمن التعريف الأول " حيث إن المراد بالفهم مطلقاً هو: معرفة الشيء، ومعرفة الشيء بالقلب هو: العلم به. الرابع: الفقه لغة هو: إدراك الأشياء الدقيقة. ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي في " شرح اللمع "، يقال: " فقهت كلامك " أي: أدركت دقائقه، ويقال: " فلان فقيه في الخير وفقيه في الشر " إذا كان يدقق النظر في ذلك، لكن لا يقال: " فقهت أن السماء فوقي والأرض تحتي، وأن الماء رطب، والتراب يابس ". وكان الشعراء يُسمَّون في الجاهلية فقهاء " لإدراكهم المعاني الدقيقة في أشعارهم، وتعبيرهم بها.

стр. 19

جوابه: أقول - في الجواب عنه -: إن هذا من تعريفات الفقه اصطلاحاً؟ وذلك لأنه لم يرد في كلام أهل اللغة. وإذا كان هذا من تعريفات الفقه اصطلاحا، فإنه تعريف ضعيف؟ لأنه يفضي ويؤدي إلى أن من علم الأشياء الظاهرة مثل ما علم من الدين بالضرورة، ككون الصلاة واجبة، والزنا حرام، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية لا يُسمى فقيهاً. وليس كذلك؛ حيث إن كل عالم بالأحكام عامة عن طريق الاستنباط يُسمَّى فقيهاً - وسيأتي بيان هذَا إن شاء اللَّه. الخامس: الفقه لغة: فهم غرض المتكلم من كلامه. ذهب إلى ذلك أبو الحسين البصري في " المعتمد "، وفخر الدين الرازي في " المحصول ". جوابه: أقول - في الجواب عنه -: إن هذا التعريف للفقه بعيد؛ لأمرين: أولهما: أنه مخالف لما نقل عن أهل اللغة؛ حيث إنه نقل عنهم: أن الفقه هو مطلق الفهم. ثانيهما: أن ما قيل في هذا التعريف هو تقييد للمطلق، وتخصيص للعام بدون مقيد، وبدون مخصص. ثانيا - تعريف الفقه اصطلاحاً: ١ - الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: حفظ طائفة من مسائل الأحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وما استنبط منهما، سواء كان قد حفظها مع أدلتها، أو مجرداً عنها.

стр. 20

أو تقول: إن الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: مجموع الأحكام والمسائل التي نزل بها الوحي، والتي استنبطها المجتهدون، أو أفتى بها أهل الفتوى، أو توصل إليها أهل التخريج، وبعض ما يحتاج إليه من مسائل الحساب التي ألحقت بالوصايا والمواريث. فاسم الفقيه عند الفقهاء لا يختص بالمجتهد - كما هو عند الأصوليين - بل يشمله ويشمل غيره من المشتغلين في هذه المسائل. ٢ - أما الفقه في اصطلاح الأصوليين فهو: " العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية ". شرح التعريف، وبيان محترزاته: قولنا: " العلم " هو: مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن. أي: مطلق إدراك الحكم، سواء كان عن دليل قطعي، أو عن دليل ظني راجح، فيكون المراد بالعلم هو: ما علمناه بالشرع إما بيقين أو غالب الظن. هذا هو القول الحق " لأن الأحكام الفقهية منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني، فحمل الفقه على واحد منهما ليس بسديد. والمقصود بالظن - هنا - هو ظن المجتهد الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد، وليس ظن كل أحد من العوام، أو طلاب العلم الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد. وبقولنا: إن العلم هو مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن، نسلم من اعتراض أبي بكر الباقلاني المشهور وهو: أنه قال: إنكم عرفتم الفقه بأنه " العلم بالأحكام.. "، والعلم معناه: الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل قطعي؛ الأحكام الفقهية لم تثبت

стр. 21

عن طريق أدلة قطعية، بل إن الأقل من تلك الأحكام ثبت عن دليل قطعي، وغالب الأحكام الفقهية ثبتت عن أدلة ظنية، فإدخال لفظ "العلم " في تعريف الفقه مع أن الفقه من باب الظنون باطل. وإليك بيان كيف كان الفقه ظنياً: الفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة الظنية، وإليك بيان ذلك: الأدلة تنقسم إلى قسمين: " أدلة متفق عليها "، و " أدلة مختلف فيها". والمتفق عليها من حيث الجملة: " الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس ": أما القياس: فإنه لا يفيد إلا الظن، وهو واضح. وأما الإجماع: فإنه يتنوع إلى نوعين: النوع الأول: الإجماع السكوتي، وهو لا يفيد إلا الظن، سواء نقل إلينا عن طريق التواتر، أو الآحاد. النوع الثاني: الإجماع الصريح فيه تفصيل: إن نقل إلينا بطريق الآحاد، فهو لا يفيد إلا الظن. وإن نقل إلينا بطريق التواتر، فهو يفيد القطع، لكنه في غاية البعد. أما السُّنَّة، ففيها تفصيل: إن نقلت الأحاديث عن طريق الآحاد، وهذا أكثر السُّنَّة، فلا يفيد إلا الظن، سواء كانت دلالته قطعية أو ظنية. وإن نقلت الأحاديث عن طريق التواتر - وهو قليل جداً - ففيه تفصيل:

стр. 22

إن كانت دلالة الحديث على المعنى قطعية، فيفيد القطع، وهو قليل، وإن كانت دلالة الحديث على المعنى ظنية، فلا يفيد إلا الظن. وأما الكتاب، ففيه تفصيل: إن كانت دلالة الآية على الحكم دلالة ظهية، فلا تفيد إلا الظن. وإن كانت دلالة الآية على الحكم دلالة قطعية، فإنها تفيد القطع. وما هو مقطوع الدلالة من الكتاب والسُّنَّة المتواترة، يكون من ضروريات الدين. أما الأدلة المختلف فيها كالمصالح، والاستصحاب، والعرف، وسد الذرائع، وقول الصحابي، وشرَع من قبلنا، والاستحسان، فإنها لا تفيد إلا الظن عند القائلين بها. إذاً يكون غالب الأحكام الفقهية ثابتة عن طريق أدلة ظنية، فيكون الفقه ظنياً على الغالب، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال: إن الفقه هو " العلم بالأحكام.. "، بل يقال: " إن الفقه: الظن بالأحكام الشرعية.. "، فإيراد العلم مكان الظن يكون إيراداً لضد الشيء مكانه في التعريف، فيكون التعريف باطلاً. هذا هو اعتراض الباقلاني المشهور. وبتفسيرنا " العلم " بأنه مطلق الإدراك، ومطلق الإدراك يشمل القطع والظن، نسلم من هذا الاعتراض للباقلاني. قولنا: " بالأحكام "، الباء متعلقة بمحذوف تقديره: " المتعلق" ويكون الكلام بعد التقدير: " العلم المتعلق بالأحكام الشرعية ". والمراد بتعلق العلم بالأحكام: التصديق بكيفية تعلقها بأفعال المكلفين، كأن تعلم - مثلاً - أن الوجوب ثابت للصلاة، وأن الزنا محرم.

стр. 23

والأحكام جمع " حكم "، والحكم يطلق على إطلاقات كثيرة تختلف باختلاف الاصطلاحات، وهي كما يلي: الاصطلاح الأول: أن الحكم يطلق على إدراك الوقوع أو عدم الوقوع، أي: إدراك أن النسبة واقعة أو ليست واقعة، وهذا اصطلاح المناطقة. جوابه: أقول - في الجواب عنه -: إنه لا يصح أن يراد بالحكم هنا هذا الإطلاق؛ لأن العلم هو: الإدراك - كما سبق ذكره - فإذا كان الحكم هو الإدراك فيكون التقدير: الفقه هو: إدراك الإدراك للوقوع، أو عدم الوقوع، وهو معنى فاسد. الاصطلاح الثاني: أن الحكم هو: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهذا اصطلاح الأصوليين. جوابه -: أقول - في الجواب عنه -: إنه لا يصح أن يراد بالحكم هنا هذا الإطلاق " لأن ذلك يجعل قيد: " الشرعية " الوارد في تعريف الفقه لغواً لا فائدة فيه، حيث إن الحكم بهذا الإطلاق لا يكون إلا شرعياً، فيترتب على ذلك حصول التكرار. الاصطلاح الثالث: أن الحكم هو: إسناد أمر إلى أمر آخر إيجاباً، أو سلباً، أو هو ثبوت شيء لشيء آخر، أو نفيه عنه، وهو اصطلاح اللغويين. وهذا هو المراد بالحكم هنا عندي، لأمرين: أولهما: لعمومه وشموله.

стр. 24

ثانيهما: أن الإطلاقات والاصطلاحات الأخرى ثبت عدم صحتها. والحكم على هذا الإطلاق منقسم إلى ما يلي: الحكم الشرعي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الشارع نحو: الصلاة واجبة. الحكم العقلي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من العقل نحو: الخمسة نصف العشرة. الحكم الحسي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الحواس الخمس نحو: الثلج بارد. الحكم التجريبي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من التجربة نحو: الإهليلج مسهل. الحكم الوضعي الاصطلاحي: وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الوضع اللغوي كالحكم بأن الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب. وقولنا: " بالأحكام " دخلت " أل " على الأحكام، وهي هنا تكون للعموم، فتعم شيئين: أولهما: العلم بالأحكام بالفعل. ثانيهما: العلم بالأحكام بالقوة. أي: لا يراد من العلم بجميع الأحكام: معرفتها جميعها بالفعل، بمعنى: أن يعرف حكم كل مسألة يسأل عنها، ولا يجهل شيئاً من الأحكام. بل المراد من العلم بالأحكام ومعرفتها: العلم ببعضها بالفعل، والعلم بالباقي بالقوة، بحيث تكون عنده القدرة على تحصيلها

стр. 25

بالأخذ في أسباب الحصول، وهو ما يعرف بالملكة والتهيؤ، ولا شك أن كل مجتهد عنده القدرة والملكة التي يستطيع بها استنباط الحكم واستخراجه إذا لزم الأمر وحدثت حادثة تقتضي ذلك. فيسمى فقيهاً نظراً لوجود الملكة عنده، فيكون عالماً ببعض الأحكام بالفعل، والبعض الآخر بالقوة والاستعداد. وقلنا ذلك لأن " أل " الداخلة على " الحكم ": لا يصح أن تكون للعهد؛ لأنه لم يتقدم للحكم ذكر حتى تكون للعهد الذكري، ولا يوجد بين المعرف والمخاطب معرفة وعهد حتى تكون للعهد الذهني. ولا يصح أن تكون " أل " للجنس؛ لأن أقل جنس الجمع ثلاثة، فيلزم من ذلك أن يسمى العامي فقيهاً إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها؟ لصدق اسم الفقيه عليه، وليس كذلك. ولا يصح أن تكون " أل " لمطلق الحقيقة -؛ لأنه يلزم من ذلك أن من عرف حكماً واحداً بدليله يكون فقيهاً، وليس كذلك. ولا يصح أن يكون " أل " لاستغراق الجنس؛ لأنه يلزم من كونها لاستغراق الجنس أن الشخص لا يُسمَّى فقيهاً إلا إذا علم جميع الأحكام الشرعية الفرعية، فمن لم يعلمها كلها: فإنه يخرج من زمرة الفقهاء، وهذا باطل؛ لأن الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء كانوا لا يعلمون كل الأحكام، إذ ما من إمام إلا وقد خفي عليه بعض الأحكام، فقد ذكر الهيثم بن جميل عن الإمام مالك أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: " لا أدري ". وذكر أبو القاسم بن يوسفما الحسني الحنفي: أن الإمام أبا حنيفة قال في ثمان مسائل: " لا أدري ".

стр. 26

وذكر ابن جماعة: أن محمد بن الحكم سأل الإمام الشافعي عن المتعة: أكان فيها طلاق، أو ميراث، أو نفقة؟ فقال: " والله ما ندري ". وذكر الأثرم: أنه كان يسمع الإمام أحمد يكثر من قول: " لا أدري ". والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى. قولنا: " الشرعية " أي: يجب أن تكون تلك الأحكام شرعية، أي. مستفادة من الأدلة الشرعية، سواء كانت تلك الأدلة متفق عليها، أو مختلف فيها. فلفظ " الشرعية " أخرج الأحكام المستفادة من العقل، أو من الحس، أو من الوضع اللغوي، أو من التجرية. قولنا: " العملية ": يبين أن الأحكام الشرعية ينبغي أن يكون فيها عمل جوارح كالصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والجنايات ونحو ذلك. وليس المراد بـ " العملية " هو: أن جميع الأفعال هي عملية وأفعال، بل المراد: أن أكثرها فعلي وعملي، لا كلها، وذلك لوجود بعض الأحكام الفقهية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح؛ الفقيه كما يكون فقيهاً بالعلم بوجوب الصلاة والصيام والحج، كذلك يكون فقيهاً بالعنم بوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الرياء والحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا بالقلب، فيدخل عمل الجوارح، وعمل القلب، وما هو وسيلة إلى العمل كعلم أصول الفقه. وخرج بكلمة " العملية " الأحكام الشرعية العقائدية، وهو علم

стр. 27

التوحيد، كالعلم بأن اللَّه واحد سميع بصير، فهذا ليس من الفقه في شيء. اعتراض: اعترض بعضهم كالإسنوي على هذا قائلاً: إن هذا تناقض، حيث أدخلتم في لفظ " العملية " عمل القلب كوجوب النية، ولم تدخلوا علم التوحيد فإنه عمل قلب أيضاً. جوابه: إن عمل القلب كوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الرياء، والحسد، والحقد، ونحو ذلك تشبه عمل الجوارح أكثر من شبهها بالاعتقاد " لكونها تظهر على المتصف بها ولو بعد حين، فألحقناها بعمل الجوارح لكثرة شبهها به، فلو جالست شخصاً حاقداً، أو حاسداً، أو لا إخلاص عنده، فإنك ستعلم ذلك عنه من خلال عمله وتصرفاته، ولكنك لن تعلم أن جليسك هذا أشعري، أو معتزلي من أي عمل عمله، لأنه بينه وبين اللَّه. اعتراض آخر: ذكر بعض العلماء كفخر الدين الرازي وتلميذه تاج الدين الأرموي: أن كلمة: " العملية " خرج بها - أيضاً - أصول الفقه، لأن العلم بكون الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّة - مثلاً - ليس علماَ بكيفية عمل. جوابه: أقول - في الجواب عنه -: هذا ليس بصحيح، فلا يخرج بكلمة " العملية " علم أصول الفقه، بل يدخل - كما سبق أن

стр. 28

قلناه -؛ لأن هذه القواعد - ككون الإجماع والقياس وخبر الواحد حُجَّة - هي وسيلة إلى العمل، فالغاية المطلوبة منها العمل، والموضوع عمل من أعمال المكلفين، وتلك هي مسائل المكلفين. أي: أن حكم الشرع بكون الإجماع والقياس وخبر الواحد حُجَّة معناه: أن نتعبد ونعمل بالحكم الذي يثبت عن طريق تلك الأدلة، ويجب العمل بمقتضاه، والإفتاء بموجبه. قولنا: " المكتسب من الأدلة ": لفظ " المكتسب " مرفوع، حيث إنه وصف للعلم، أي: أن هذا العلم بالأحكام الشرعية العملية مأخوذ بسبب النظر بالأدلة واستنباط الأحكام منها، فأي شخص حصل على العلم بالأحكام بدون النظر بالأدلة لا يسمى فقيهاً مهما كان. وعلى هذا خرج بهذه الكلمة - أعني: " المكتسب من الأدلة " - ما يلي: ١ - علم اللَّه تعالى؛ لأنه لا يوصف بأنه أخذ من أدلة، حيث إنه أزلي غير مكتسب. ٢ - علم الأنبياء ﵈ بالأحكام من غير اجتهاد، حيث يتلقى ذلك عن طريق الوحي. أما علم الأنبياء والرُّسُل الحاصل عن اجتهاد ونظر، فهو علم مكتسب، لذلك يوصف بأنه فقيه في هذا الذي اجتهد فيه. ٣ - علم الملائكة؛ لأنه مأخوذ من اللوح المحفوظ. ٤ - علم المقلد الذي لم يجتهد في تحصيل واستنباط أي حكم من الأحكام من أدلتها، بل أخذ الحكم عن المجتهد، فمعرفته ببعض الأحكام ليست حاصلة عن دليل أصلاً لا إجمالي، ولا تفصيلي.

стр. 29

وقولنا: " التفصيلية " أي: آحاد الأدلة، بحيث يدل كل دليل بعينه على حكم معين مثل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، وقوله: (ولا تقربوا الزنا) . وقد جيء بلفظ " التفصيلية " لإخراج الأدلة الإجمالية الكلية كمطلق الأمر، ومطلق النهي، والإجماع، والقياس، وقول الصحابي ونحو ذلك، فالبحث عن هذه الأدلة الإجمالية من عمل وشأن الأصولي. وتعريف الفقه - السابق - يبين ويوضح أن أيَّ حكم شرعي عملي أخذه هذا الشخص من دليل تفصيلي، فإنه يُسمَّى فقيهاً، سواء كان ظاهراً جلياً، أو كان غامضاً خفياً. اعتراض: اعترض فخر الدين الرازي على ذلك قائلاً: إذا كان الحكم معلوماً من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة، ووجوب الصوم، وغيرهما مما يعرف من أدلة ظاهرة جلية، فإن العارف لذلك لا يسمى فقيهاً، حيث إنه أخذ ذلك من غير نظر واستدلال. جوابه: أقول - في الجواب عنه -: ماذا يعني فخر الدين بالضرورة؟ إن كان يعني بها: أن كل من تصور الدين الذي جاء به نبينا محمد ﷺ حصل له العلم الضروري بوجوب الصلاة، ووجوب الصوم ونحوهما، فليس كذلك، لأنه في ابتداء الإسلام لم يكن الأمر كذلك، فإن الفقه كان حاصلاً بها للصحابة - رضي الله عنهم - ولم تكن ضرورية - حينئذٍ - وفقه الصحابة يجب أن يتناوله حد الفقه.

стр. 30

وإن أراد بها: بعد اشتهار الإسلام وانتشاره، فإن أكثر الأحكام كذلك تحريم الزنا، والغصب، والسرقة، والربا، ونحوها، فلو خرجت هذه الأحكام وما شابهها مما اشتهر وعرفه أكثر الناس لخرج أكثر الفقه عن أن يسمى فقهاً؛ لأن هذه المسائل هي المسائل الأصلية في الفقه، وغيرها يتفرع عنها. وبهذا يتبين: أن الفقيه هو العالم الذي علم الأحكام الشرعية العملية المكتسب والمأخوذ من الأدلة التفصيلية، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا توفرت فيه شروط المجتهد. فمن حفظ المسائل الفقهية المدونة في كتب الفقه على مذهب واحد، أو على المذاهب الأربعة بأدلتها، فلا يُسمَّى فقيها، ولكن يُسمَّى ناقل للفقه عن غيره، ولو كان حافظاً للقرآن والسُّنَّة. والله أعلم.

стр. 31

المطلب الثالث في تعريف أصول الفقه لما عرفت تعريف الأصول، وتعريف الفقه، سأبين الآن تعريف أصول الفقه، فأقول: لقد اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف أصول الفقه، ولكن أقربها إلى الصحة هو: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. شرح التعريف: المراد بالمعرفة: العلم والتصديق، دون التصور، حيث إن المعرفة تعلقت بالنسبة، ولم تتعلق بالمفرد. والمعرفة جنس دخل فيها معرفة الأدلة، ومعرفة الأحكام. والأدلة جمع " دليل "، والدليل لغة هو: المرشد إلى المطلوب، سواء كان حسيا، أو معنويا. وهو في الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. وهو شامل للدليل القطعي المفيد للقطع، وشامل للدليل الظني المفيد للظن عندنا. مثال القطعي: الدلالة على حدوث العالم، فتقول: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث.

стр. 32

ومثال الظني: الغيم الذي إذا نظرنا إليه فإنه يوصلنا إلى وقوع المطر. اعتراض: لم يسلم ذلك أبو الحسين البصري، وفخر الدين الرازي، والآمدي، بل قالوا: إن الدليل لا يستعمل إلا فيما يؤدي إلى العلم أما ما يؤدي إلى الظن فلا يسمى دليلاً، وإنما يسمى أمارة. جوابه: هذا غير صحيح؛ لأمور ثلاثة: أولها: أن أهل اللغة لم يفرقوا في التسمية بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن، فلم يكن لهذا الفرق وجه. تانيها: أن أهل الشريعة لم يفرقوا بينهما في الاعتقاد والعمل. ثالثها:. أن الدليل هو المرشد إلى المطلوب، والدليل الظني مرشد إلى المطلوب، فوجب أن يكون دليلاً كالموجب للعلم. والمقصود من معرفة أدلة الفقه: معرفة الأدلة وأحوالها المتعلقة بها مثل: أن يعرف أن الأمر يقتضي الوجوب عند الإطلاق، وأن الإجماع يفيد القطع، أو الظن، وأن القياس يفيد الحكم الظني وهكذا. وليس المراد من معرفة الأدلة هو: تصورها كأن يعرف: أن الكتاب هو: اللفظ المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته، وأن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي ﷺ ، وأن الإجماع هو: اتفاق مجتهدي أُمَّة محمد، فهذه كلها تصورات - فقط - وهي من مقاصد علم الأصول.

стр. 33

وليس المراد من معرفة الأدلة: حفظها؛ لأن حفظ الأدلة ليست من الأصول في شيء. والمقصود بالأدلة هنا: الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها، والقواعد الكلية، ولو لم نحمل الأدلة على ذلك لخرج كثير من مسائل أصول الفقه عن الحد كقاعدة: " العبرة بعموم اللفظ "، و"الأمر المطلق يقتضي الوجوب "، ونحو ذلك. ومن قال بأن القواعد الكلية لا تسمى أدلة: عرف أصول الفقه بأنه: " القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة "، ولكن ما أثبتناه هو الأصح، كما سبق بيانه. وأضفنا الأدلة إلى الفقه؛ لإخراج معرفة أدلة غير الفقه، كصرفه أدلة التوحيد مثلاً، فإن ذلك ليس من الأصول. وقولنا: " إجمالاً " هو حال من " دلائل "؛ لأن المراد هو: المعرفة التفصيلية للأدلة الإجمالية؛ حيث إن الأدلة نوعان " كلية وإجمالية "، و " جزئية ". فمعرفة أن الإجماع حُجَّة، والقياس حُجَّة، والنهي يقتضي التحريم تعتبر أدلة إجمالية؛ لأنها لا تدل على حكم معين. أما الأدلة الجزئية: فهي التي تدل على حكم معين في حالة معينة فقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) ، والإجماع على أن الخالة ترث، وقياس الجد على ابن الابن، ولا نكاح إلا بولي، هذه كلها أحكام جزئية؛ لأن كلًّا منها يستفاد منه حكم معين. فالأصولي يبحت عن أحوال الأدلة الكلية، ولا يبحث فيه عن الأدلة الجزئية؛ لأمرين: أولهما: أن الأدلة الجزئية غير محصورة.

стр. 34

ثانيهما: أن الأدلة الجزئية داخلة تحت الأدلة الكلية، فالباحث عن أحوال الأدلة الكلية يبحث عن الأدلة الجزئية بطريق التبع، وإذا تعرض الأصولي لدليل جزئي فهو عن طريق ضرب المثال. وقوله: " إجمالاً " قيد أخرج علم الخلاف؛ لأن المقصود منه معرفة أدلة الفقه التفصيلية لا لأجل أن يستفيد منها الأحكام، بل لتكون سلاحا يدافع به كل مناظر عن وجهة نظر إمامه، وهذا لا يدخل في أصول الفقه. وقولنا: " وكيفية الاستفادة منها " معطوف على " دلائل " أي: معرفة الدلائل، ومعرفة كيفية الاستفادة من تلك الدلائل. أي: أن الأصول جث فيه عن الأحوال التي تعترض للأدلة، وكيف نستفيد الحكم من تلك، فلا بد في ذلك من معرفة التعارض بين الأدلة، وكيفية فك هذا التعارض، والترجيح بينها، وذلك لأن الغرض من البحث عن أحوال الأدلة إنما هو التوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، ومعروف أن الأدلة المفيدة للأحكام ظنية، فهي قابلة للتعارض. وعند التعارض لا بد في استفادة الحكم من دليله من الترجيح بينه وبين معارضه. لذلك لا بد من معرفة متى تتعارض الأدلة، وإذا تعارضت فبأي شيء يكون الترجيح؟ وكذلك لا بد أن يعرف أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين، وبين قاطع وظني، وإذا تعارضت الأدلة الظنية فهناك مرجحات كثيرة، بعضها يرجع إلى راوي الخبر، وبعضها يرجع إلى نفس النص، وبعضها يرجع إلى أمور أخرى، فلا بد أن يعرف ذلك كله.

стр. 35

ولذلك يرجح الخبر الذي رواته أكثر على من قلَّت رواته " لأن احتمال الكذب والغلط على الأقل أقرب، ويرجح خبر صاحب الواقعة على خبر غيره، فرجح العلماء خبر عائشة: " إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا والرسول " على خبر ابن عباس: "الماء من الماء "، ونحو ذلك، كما سيأتي تفصيله في الباب السابع. وقولنا: " وحال المستفيد " معطوف على دلائل، فيكون التقدير: " ومعرفة حال المستفيد "، والمستفيد هو طالب الحكم من الدليل، وهو المجتهد، فيكون المراد بالمستفيد هو المجتهد. والمقصود: أن من مواضع أصول الفقه هو البحث عن حال المجتهد والشروط التي يجب أن تتوفر فيه. وإنما كان البحث عن حال المجتهد من أصول الفقه، لأننا قلنا فيما سبق: فائدة البحث عن أحوال الأدلة إنما هو لأجل أن يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من الأدلة، ومعروف أن الأدلة ظنية. ومعروف أنه لا يوجد بين الدليل الظني ومدلوله ارتباط عقلي " لأنه يجوز أن لا يدل الدليل عليه، فكان لا بد من رابط يربط بينهما والرابط هو: الاجتهاد، فلذلك بحث في الأصول عن الاجتهاد، وذكر فيه الشروط التي يجب توافرها في المجتهد. وإذا علمت أن المراد بالمستفيد هو المجتهد، فإن المقلد لا يدخل هنا فالمقلد وشروطه وبحثه ليس من علم الأصول، وإنما ذكر ذلك استطراداً لذكر المجتهد.

стр. 36

المبحت الثاني في الفرق بين الأصول والفقه بعد ما تبينت لنا حقيقة الفقه، وأصولى الفقه: ظهر لنا الفرق بينهما، ولعلي ألخص ذلك وأبين وظيفة الفقيه ووظيفة الأصولي فيما يلي، فأقول: إن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل. أما الفقه فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة والمستنبطة من أدلتها التفصيلية. وعلى هذا تكون وظيفة الفقيه هي: أن يأخذ هذه القواعد والأدلة الإجمالية التي أغناه عن التوصل إليها الأصولي، ويطبقها على الجزئيات. أو أقول بعبارة أخرى: إن أصول الفقه عبارة عن المناهج والأسس التي تبين الطريق وتوضحه للفقيه، الذي يجب عليه أن يلتزمه في استخراج الأحكام من أدلتها، فيرتب الأصولي تلك الأدلة فيقدم الكتاب على السُّنَّة، والسُّنَّة على الإجماع، وهكذا. أما الفقه: فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة مع التقيد بتلك المناهج. وأن مثل علم الأصولى بالنسبة للفقه كمثل علم المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، فهو ميزان يضبط العقل ويمنعه من الخطأ في الفكر.

стр. 37

المبحث الثالث في الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية تبيَّن - فيما سبق - وجود ارتباط وثيق بين أصول الفقه، والفقه، وهذا لا يعني أنهما علم واحد، بل إن كلًّا منهما علم مستقل بحد ذاته، ولكل منهما قواعده، ونظراً إلى أنه قد تختلط القواعد الأصولية بالقواعد الفقهية عند بعض طلاب العلم - حيث إن لكل منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات - ذكرتُ هذه الفروق بينهما وهي: الفرق الأول: أن القواعد الأصولية عبارة عن المسائل التي تشملها أنواع من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط التشريع منها. أما القواعد الفقهية: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في أصول الفقه، ويلجأ الفقيه إلى تلك القواعد الفقهية تيسيراً له في عرض الأحكام، فهو - مثلاً - إذا قال: " إن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني " أغناه عن أن يقول في كل جزئية: " البيع منعقد بلفظ كذا "، وأن يقول: " الإجارة تنعقد بلفظ كذا ". الفرق الثاني: أن القواعد الأصولية كلية تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها، فكل نهي مطلق - مثلاً - للتحريم، وكل أمر مطلق للوجوب.

стр. 38

أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية، يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات. الفرق الثالث: أن القواعد الأصولية وسيلة لاستنباط الأحكام الشرعية العملية. أما القواعد الفقهية فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى عِلَّة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها، والغرض من ذلك هو: تسهيل المسائل الفقهية وتقريبها. الفرق الرابع: أن القواعد الأصولية ضابط وميزان لاستنباط الأحكام الفقهية، ويُبين الاستنباط الصحيح من غيره، فهو بالنسبة لعلم الفقه كعلم المنطق يضبط سائر العلوم الفلسفية، وكعلم النحو يضبط النطق والكتابة بخلاف القواعد الفقهية. الفرق الخامس: أن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع؟ حيث إنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط. أما القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع. هذه أهم الفروق بينهما. وإليك أهم كتب القواعد الفقهية على المذاهب الأربعة: ١ - الأشباه والنظائر لابن السبكي تاج الدين (ت ٧٧١ هـ) : "المذهب الشافعي ". ٢ - الأشباه والنظائر لابن الوكيل (ت ٧١٦ هـ) : " المذهب الشافعي ". ٣ - الأشباه والنظائر للسيوطى (ت ٩١١ هـ) : " المذهب الشافعي ".

стр. 39

٤ - الأشباه والنظائر لابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) : " المذهب الشافعي ". ٥ - الأشباه والنظائر لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) : " المذهب الحنفي ". ٦ - تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي (تْ ٤٣ هـ) : " المذهب الحنفي ". ٧ - شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقاء: " المذهب الحنفي ". ٨ - الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية لابن حمزة (ت ١٣٠٥ هـ) : " المذهب الحنفي ". ٩ - الفروق للقرافي (ت ٦٨٢ هـ) : " المذهب المالكي ". ْا - القواعد لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) : " المذهب الحنبلي ". ١١ - القواعد للمقَّري (ت ٧٥٨ هـ) : " المذهب المالكي ". ١٢ - القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) : "المذهب الحنبلي ". ١٣ - قواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد لأحمد القاري (ت - ١٣٥٨ هـ) . ١٤ - المجموع المذهب في قواعد المذهب للعلائي (ت ٧٦١ هـ) . ١٥ - المنثور في القواعد للزركشي (ت ٧٩٤ هـ) .

стр. 40

المبحث الرابع في موضوع أصول الفقه لقد اختلف في موضوع علم أصول الفقه على مذهبين: المذهب الأول: أن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية، وهو مذهب الجمهور، أي: أن موضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها على وجه كلي، وهو الصحيح عندي، لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة وثمرة الشىء تابعة له. فالأصولي يبحث في حجية الأدلة الإجمالية، ثم يبحث عن العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو ظاهرة، أو نصاً، أو منطوقاً، أو مفهوماً، وكون اللفظ أمراً، أو نهياً، ومعرفة هذه الأمور هي مسائل أصول الفقه. فمثلاً الكتاب، وهو دليل سمعي كلي لم ترد نصوصه على حَالة واحدة، بل منها ما هو بصيغة الأمر، أو النهي، أو العام، أو الخاص -، أو المطلق، أو المقيد إلى آخره، فهذه الأمور - وهي: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل، والمطلق والمقيد، وغيرها، تعتبر من أنواع الدليل الشرعي العام الذي هو الكتاب،
следующие страницы →