Полный текст (2 303 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المبحت الثاني في الفرق بين الأصول والفقه
بعد ما تبينت لنا حقيقة الفقه، وأصولى الفقه: ظهر لنا الفرق
بينهما، ولعلي ألخص ذلك وأبين وظيفة الفقيه ووظيفة الأصولي فيما
يلي، فأقول:
إن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل.
أما الفقه فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة
والمستنبطة من أدلتها التفصيلية.
وعلى هذا تكون وظيفة الفقيه هي: أن يأخذ هذه القواعد والأدلة
الإجمالية التي أغناه عن التوصل إليها الأصولي، ويطبقها على
الجزئيات.
أو أقول بعبارة أخرى: إن أصول الفقه عبارة عن المناهج والأسس
التي تبين الطريق وتوضحه للفقيه، الذي يجب عليه أن يلتزمه في
استخراج الأحكام من أدلتها، فيرتب الأصولي تلك الأدلة فيقدم
الكتاب على السُّنَّة، والسُّنَّة على الإجماع، وهكذا.
أما الفقه: فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة مع التقيد
بتلك المناهج.
وأن مثل علم الأصولى بالنسبة للفقه كمثل علم المنطق بالنسبة لسائر
العلوم الفلسفية، فهو ميزان يضبط العقل ويمنعه من الخطأ في الفكر.
стр. 37
المبحث الثالث في الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية
تبيَّن - فيما سبق - وجود ارتباط وثيق بين أصول الفقه، والفقه،
وهذا لا يعني أنهما علم واحد، بل إن كلًّا منهما علم مستقل بحد
ذاته، ولكل منهما قواعده، ونظراً إلى أنه قد تختلط القواعد
الأصولية بالقواعد الفقهية عند بعض طلاب العلم - حيث إن لكل
منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات - ذكرتُ هذه الفروق بينهما وهي:
الفرق الأول: أن القواعد الأصولية عبارة عن المسائل التي تشملها
أنواع من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط التشريع منها.
أما القواعد الفقهية: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها
أحكام الفقه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في
أصول الفقه، ويلجأ الفقيه إلى تلك القواعد الفقهية تيسيراً له في
عرض الأحكام، فهو - مثلاً - إذا قال: " إن العبرة في العقود
بالمقاصد والمعاني " أغناه عن أن يقول في كل جزئية: " البيع منعقد
بلفظ كذا "، وأن يقول: " الإجارة تنعقد بلفظ كذا ".
الفرق الثاني: أن القواعد الأصولية كلية تنطبق على جميع
جزئياتها وموضوعاتها، فكل نهي مطلق - مثلاً - للتحريم، وكل
أمر مطلق للوجوب.
стр. 38
أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية، يكون الحكم فيها على أغلب
الجزئيات.
الفرق الثالث: أن القواعد الأصولية وسيلة لاستنباط الأحكام
الشرعية العملية.
أما القواعد الفقهية فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع
إلى عِلَّة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها، والغرض من
ذلك هو: تسهيل المسائل الفقهية وتقريبها.
الفرق الرابع: أن القواعد الأصولية ضابط وميزان لاستنباط
الأحكام الفقهية، ويُبين الاستنباط الصحيح من غيره، فهو بالنسبة
لعلم الفقه كعلم المنطق يضبط سائر العلوم الفلسفية، وكعلم النحو
يضبط النطق والكتابة بخلاف القواعد الفقهية.
الفرق الخامس: أن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع؟
حيث إنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط.
أما القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع.
هذه أهم الفروق بينهما.
وإليك أهم كتب القواعد الفقهية على المذاهب الأربعة:
١ - الأشباه والنظائر لابن السبكي تاج الدين (ت ٧٧١ هـ) :
"المذهب الشافعي ".
٢ - الأشباه والنظائر لابن الوكيل (ت ٧١٦ هـ) : " المذهب
الشافعي ".
٣ - الأشباه والنظائر للسيوطى (ت ٩١١ هـ) : " المذهب
الشافعي ".
стр. 39
٤ - الأشباه والنظائر لابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) : " المذهب
الشافعي ".
٥ - الأشباه والنظائر لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) : " المذهب
الحنفي ".
٦ - تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي (تْ ٤٣ هـ) : " المذهب
الحنفي ".
٧ - شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقاء: " المذهب الحنفي ".
٨ - الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية لابن حمزة (ت
١٣٠٥ هـ) : " المذهب الحنفي ".
٩ - الفروق للقرافي (ت ٦٨٢ هـ) : " المذهب المالكي ".
ْا - القواعد لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) : " المذهب الحنبلي ".
١١ - القواعد للمقَّري (ت ٧٥٨ هـ) : " المذهب المالكي ".
١٢ - القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) : "المذهب
الحنبلي ".
١٣ - قواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد
لأحمد القاري (ت - ١٣٥٨ هـ) .
١٤ - المجموع المذهب في قواعد المذهب للعلائي (ت ٧٦١ هـ) .
١٥ - المنثور في القواعد للزركشي (ت ٧٩٤ هـ) .
стр. 40
المبحث الرابع في موضوع أصول الفقه
لقد اختلف في موضوع علم أصول الفقه على مذهبين:
المذهب الأول: أن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية،
وهو مذهب الجمهور، أي: أن موضوع علم أصول الفقه هو:
الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية، وأقسامها، واختلاف
مراتبها، وكيفية استثمار الأحكام الشرعية منها على وجه كلي، وهو
الصحيح عندي، لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة وثمرة الشىء
تابعة له.
فالأصولي يبحث في حجية الأدلة الإجمالية، ثم يبحث عن
العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة
أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو ظاهرة، أو نصاً، أو منطوقاً،
أو مفهوماً، وكون اللفظ أمراً، أو نهياً، ومعرفة هذه الأمور هي
مسائل أصول الفقه.
فمثلاً الكتاب، وهو دليل سمعي كلي لم ترد نصوصه على حَالة
واحدة، بل منها ما هو بصيغة الأمر، أو النهي، أو العام، أو
الخاص -، أو المطلق، أو المقيد إلى آخره، فهذه الأمور - وهي:
الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل، والمطلق والمقيد،
وغيرها، تعتبر من أنواع الدليل الشرعي العام الذي هو الكتاب،
стр. 41
فيبحث الأصولي هذه الأمور وما تفيده، فبعد بحثه وتمحيصه يتوصل
إلى أن الأمر يفيد الفور أو التكرار، ويتوصل إلى أن النهي يفيد
التحريم، وأن العام يدل دلالة ظنية، وهكذا.
فهذه كلها وجوه الاستدلال بالكتاب، والدليل واحد، وهو نفس
الكتاب.
ْوالفقيه يأخذ الدليل الإجمالي، أو القاعدة الكلية التي توصل
إليها الأصولي، فيجعلها مقدمة كبرى، بعد أن يقدم لها بمقدمة
صغرى موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة، ودليل تفصيل
يعرفه الفقيه، كالأمر بالصلاة في قوله تعالى: (أقيموا الصلاة)
فيكون عندنا مقدمتان ونتيجة:
المقدمة الصغرى: الصلاة مأمور بها في قوله تعالى: (وأقيموا
الصلاة) ، وهذا دليل تفصيلي.
المقدمة الكبرى: وكل مأمور به - إذا تجرد عن القرائن - فهو
واجب، وهذه قاعدة أصولية، أو دليل كلي إجمالي.
فتكون النتيجة: الصلاة واجبة.
المذهب الثاني: أن موضوع علم أصول الفقه هو: الأدلة
والأحكام معاً، وذهب إلى ذلك بعض العلماء كصدر الشريعة،
وسعد الدين التفتازاني، وبعض العلماء.
وقالوا: إنه يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية،
وهي: إثباتها للأحكام، وعن العوارض الذاتية للأحكام وهي:
ثبوتها بتلك الأدلة، وعلَّلوا قولهم هذا: بأنه لما كانت بعض مباحث
الأصول ناشئة عن الأدلة كالعموم والخصوص والاشتراك، وبعضها
ناشئاً عن الأحكام ككون الحكم متعلقاً بفعل هو عبادة أو معاملة،
стр. 42
ولا رجحان لأحدهما على الآخر، فالحكم على أحدهما بأنه
موضوع، وعلى الآخر بأنه تابع تحبهم وهو باطل.
جوابه:
أقول - في الجواب عنه -: إن موضوع أصول الفقه هو: الأدلة
الإجمالية، وغير الأدلة يأتي بالتبع، ولا تحكم في ذلك " لأنه كما
قلنا: إن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي، لأن كلًّا من الفريقين قد ذكر الأدلة والأحكام
وبحثهما في أصول الفقه، ولكن أصحاب المذهب الأول قد بحثوا
الأحكام على أنها تابعة، وأصحاب المذهب الثاني قد بحثوها على
أنها أصلية.
стр. 43
المبحث الخامس في حكم تعلم أصول الفقه
إن تعلم أصول الفقه يختلف باختلاف المتعلمين، فإن كان
الشخص - يهيئ نفسه للوصول إلى درجة الاجتهاد في هذه الشريعة
الإسلامية، ويريد رفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن غيره، فإن
تعلم أصول الفقه بالنسبة إليه فرض عين، لأنه لا يمكن له أن يتوصل
إلى درجة الاجتهاد بدون تعلمه، بل هو أهم العلوم التي يجب
تحصيلها والوقوف عليها حتى يكون مجتهداً وقادراً على استنباط
الأحكام الشرعية من أدلتها.
أما إن كان الشخص طالباً للعلم بصورة عامة، فإن تعلم أصول
الفقه فرض كفاية، شأنه شأن أي علم يجب أن يقوم به البعض.
стр. 44
المبحث السادس في فوائد علم أصول الفقه
لقد بيَنت في مقدمتي لهذا الكتاب فضل علم أصول الفقه،
وأهميته، ومنزلته من بين العلوم، وهذا المبحث يزيد من أهميته
وفضله، حيث إن الأهمية والفضل لا يتضحان لعلم من العلوم إلا
إذا كان له فوائد عظيمة، لذلك عقدت هذا المبحث لبيان ماله من
فوائد، وإليك بيان تلك الفوائد:
الفائدة الأولى: إنه يُبين المناهج والأسس والطرق التي يستطيع
الفقيه عن طريقها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث المتجددة، فإن
المجتهد إذا كان عالماً بتلك الطرق - من أدلة إجمالية وقواعد
أصولية - فإنه يستطيعَ إيجاد حكم لأي حادثة تحدث. وهذا موضوع
أصول الفقه، وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة الثانية: إن طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد،
يستفيد من دراسة أصول الفقه، حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه
عند استنباطه للأحكام، فمتى ما وقف ذلك الطالب للعلم على
طرق الأئمة، وأصولهم، وما ذهب إليه كل منهم من إثبات تلك
القاعدة، أو نفيها، فإنه تطمأن نفسه إلى مدرك ذلك الإمام الذي
قلَّده في عين ذلك الحكم أو ذاك، فهذا يجعله يمتثل عن اقتناع،
وهذا يفضي إلى أن يكون عنده القدرة التي تمكنه من الدفاع عن وجهة
نظر إمامه.
стр. 45
الفائدة الثالثة: أن العارف بأصل هذا الإمام في هذا الحكم أعظم
أجراً من الشخص الذي يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو
سُنَّة، ولا يعرف الأصل الذي اعتمد عليه في هذه الفتوى.
الفائدة الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يُخرِّج
المسائل والفروع غير المنصوص عليها على قواعد إمامه.
الفائدة الخامسة: أن العارف بتلك القواعد الأصولية يستطيع أن
يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه، بناء على أسس ومناهج وطرق
يستطيع بها أن يقنع الخصم بما يريد أن يدعوه إليه.
الفائدة السادسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يُبيِّن لأعداء
الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه موجد لكل
حادثة حكماً شرعياً، وأنه لا يمكن أن توجد حادثة إلا ولها حكم
شرعي في الإسلام، بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن
الإسلام قاصر عن حل القضايا المتجددة. قاتلهم الله.
الفائدة السابعة: أن أهل اللغة يستفيدون من تعلم علم أصول
الفقه " حيث إن أهل اللغة يبحثون عن اشتقاقات الكلمة، وهل هي
نقلية أو قياسية، أما أهل الأصول فإنهم يبحثون عن معاني تلك
الألفاظ، لذلك تجد الأصوليين قد توصلوا إلى نتائج لم يتوصل
إليها اللغويون وذلك بسبب جمعهم بين معرفة اللغة ومعرفة الشريعة.،
لذلك تجد أكثر أهل اللغة لهم إلمام في علم أصول الفقه.
الفائدة الثامنة: أن المتخصص بعلم التفسير وعلم الحديث محتاج
إلى دراسة علم أصول الفقه، حيث إنه يبين دلالات الألفاظ، وهل
تدل على الحكم بالمنطوق أو بالمفهوم، أو بعبارة النص، أو بإشارته،
أو بدلالته، أو باقتضائه، ونحو ذلك، لذلك تجد أكثر المفسرين
والشارحين للأحاديث هم من الأصوليين.
стр. 46
الفائدة التاسعة: أن كل شخص يريد كتابة أيَّ بحث من البحوث
العلمية محتاج إلى معرفة علم أصول الفقه، ذلك لأن علم أصول
الفقه قد جمع بين النقل والعقل، ومن تعمق فيه عرف طريقة إيراد
المسألة، وتصويرها والاستدلال عليها، والاعتراض على بعض
الأدلة، والجواب عن تلك الاعتراضات بأسلوب مبني على أسس
ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم.
الفائدة العاشرة: أن كل شخصٍ يريد أن يتخصص بالإعلام محتاج
إلى معرفة أصول الفقه، وذلك لأن علم أصول الفقه قد اعتنى عناية
فائقة ومميزة في الأخبار، وكيف أنها تنقسم إلى متواتر، وآحاد،
ومشهور، وكيف العمل عند تعارض تلك الأخبار، وطريقة
الترجيح فيما بينها، واعتنى - أيضاً - في بيان أنه عند إعلان الأخبار
لا بد من مراعاة مصالح الناس وأعرافهم.
стр. 47
المبحث السابع الشبه التي أثيرت حول علم أصول الفقه وأجوبتها
مع تلك الفوائد التي ذكرتها لأصول الفقه، فإنه لم يسلم من
بعض الاعتراضات التي وجهت إليه، والشبه التي أثيرت حوله،
وإليك بيان أهمها، والأجوبة عنها فأقول:
الشبهة الأولى:
ورد عن بعض الناس أنهم ذمّوا علم أصول الفقه، وحقَّروه في
نفوس طلاب العلم، وذكروا أنه لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في
الآخرة.
جوابها:
يجاب عنها: بأن سبب ذمهم لهذا العلم وتحقيرهم له هو:
جهلهم بهذا العلم، وعدم قدرتهم على فهمه بالتفصيل، وقديما
قيل: " من جهل شيئاً عاداه ".
إذ كيف يذمون علما هو من أهم شروط الاجتهاد؛ حيث إنه إذا
لم يتعلمه الفقيه بالتفصيل، فإنه لن يتوصل إلى درجة الاجتهاد،
ولا يمكنه - بأي حال - استنباط حكم شرعي من دليل، بل لو لم
يعرف القياس - فقط - لانتفت عنه صفة الفقه، كما قال الإمام
الشافعي: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وكما قال الإمام
أحمد: " لا يستغني أحد عن القياس "؟!
стр. 48
وكيف يذمون علما هو أهم علوم الشريعة؟ ؛ لأنه لولا علم
أصول الفقه لم يثبت من الشريعة لا قليل ولا كثير، بيانه:
إن كل حكم شرعي لا بد له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه
وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه: ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا
حكم ولا سبب، حيث إن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده وبمجرد
الهوى خلاف الإجماع.
الشبهة الثانية:
أن هذا العلم لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولا عهد الصحابة، ولا عهد التابعين لهم، فهو علم مبتدع، وما كان كذلك، فلا نفع فيه.
جوابها:
يجاب عنها بأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم في عهده ﷺ وبعد عهده، وكذلك التابعين كانوا يتخاطبون بأن هذه الآية ناسخة لتلك
الآية، وأن تلك الحادثة مشابهة لتلك الحادثة المنصوص على حكمها،
وأن هذا خبر واحد يستدل به على إثبات حكم شرعي، وأن هذا
قول صحابي في مسألة " ما "، وأن هذه مصلحة ينبغي أن تراعى،
ونحو ذلك، وهذه هي موضوعات أصول الفقه، فأصول الفقه
موجود عندهم، وإن لم يسموا ذلك بالمصطلحات الموجودة الآن،
وعلى هذا لا يكون علما مبتدعا.
الشبهة الثالثة:
أنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد،
فلا يمكن لأي شخص أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا إذا كان عارفا مدققا
في أصول الفقه، كيف يستقيم ذلك، وقد كان الصحابة ﵃ -
стр. 49
وأتباعهم من كبار المجتهدين، ولم يكن هذا العلم
موجوداً حتى جاء الإمام الشافعي وصنَّف فيه، وسمَّاه بهذا الاسم؟
جوابها:
يجاب عنها بأن الصحابة ﵃ وأتباعهم من كبار
التابعين كانوا من أعلم الخلق بالعلوم التي يتهذب بها الذهن،
ويستقيم بها اللسان كأصول الفقه، وعلم العربية، فالله
الذي اختارهم ليكونوا أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه اختارني واختار لي أصحاباً وأصهاراً "، فلم يقع عليهم الاختيار، إلا لأنهم خير من غيرهم في كل الأمور.، فهم الذين بذلوا النفس والنفيس من أجل نصرة اللَّه ورسوله، وهم الذين حملوا الشريعة إلى من بعدهم حتى وصلت إلينا.
ولذلك كانوا أفهم الخلق بدلالات الألفاظ، والصحيح من الأدلة
من الفاسد، وكانوا عالمين بالقواعد الشرعية، ومقاصد الشريعة،
متتبعين لها، محيطين بها، وكانوا متمرسين على ذلك، وهذه
الممارسة أكسبتهم قوة يفهمون من خلالها مراد الشارع، وما يصلح
من الأدلة، وما لا يصلح، وعرفوا كل ذلك بسبب مشاهدتهم نزول
الوحي، وسماعهم الحديث من فيِّ النبي ﷺ ، ومن كانت تلك صفاتهم فإنهم عارفون لكل ما يبحث في علم أصول الفقه، وإن لم
يسموه بهذا الاسم.
ولكن بعد ذهابهم قد فسدت الألسن، وتغيرت المفهوم، وكثرت
الحوادث التي تحتاج إلى المجتهد لاستنباط أحكام شرعية لتلك
الحوادث، فالشخص الذي يريد بلوغ درجة الاجتهاد لاستنباط أحكام
شرعية لتلك الحوادث من الكتاب والسُّنَّة يحتاج إلى قواعد يستند
стр. 50
إليها؛ ليكون أخذه منهما صحيحاً، فوضع الإمام الشافعي قواعد
لذلك وجمعها في علم مستقل، وسماه بأصول الفقه، وهي تسمية
صحيحة مطابقة لمسماها، والمقصود: أدلة الفقه والقواعد التي يستند
إليها الفقيه، إذا أراد استنباط حكم شرعي من دليل تفصيلي.
الشبهة الرابعة:
أن هذا العلم لا يُتعلَّم - لقصد صحيح، بل يُتعلَّم للرياء والسمعة.
جوابها:
يجاب عنها بأن هذا غير صحيح جملة وتفصيلاً، حيث إنا بينا
القصد من تعلم أصول الفقه، وهو معرفة كيفية استنباط الأحكام
الشرعية من الأدلة.
وكل شخص سيحاسب عن قصده في تعلم أيِّ علم من العلوم.
الشبهة الخامسة:
أن هذا العلم يتعلم للتغالب والجدال والمناظرة، لا لقصد صحيح.
جوابها:
يجاب عنها بأن الجدال الموجود في أصول الفقه وسيلة إلى الحق،
وإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب به، ولا تنقص قيمته من أجله،
حيث إن الجدال الحق من شأن اللَّه تعالى، وشأن خاصته من رسله
وأنبيائه.
فقد أقام اللَّه سبحانه الحجج وعامل عباده بالمناظرة، فقال: (لئلا
يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ، وقال: (فللَّه الحجة
البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) ، وقال لملائكته: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض) .
стр. 51
وذلك لما قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) .
وتناظرت الملائكة، قال تعالى: (ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون) ، وتجادلت الأنبياء فيما بينهم، فقد روى أبو هريرة ﵁: أنه احتج آدم وموسى، فقال موسى:
يا آدم، أنت أبونا، أخرجتنا من الجنَّة، فقال له آدم: أنت موسى
اصطفاك اللَّه بكلامه، أتلومني على أمر قدره اللَّه عليّ قبل أن يخلقني
بأربعين سنة، فقال النبي ﷺ : "فحج آدم موسى، فحج آدم موسى".
وجادلت الأنبياء أممها وحاجتها، قال تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) ، وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا
بالتي هي أحسن) ، وقال: (وجادلهم بالتي هي أحسن) .
والجدال كالسيف.
فالسيف ذو حدين: ممدوح، ومذموم.
فإن السيف يمدح إذا استعمل في الجهاد في سبيل اللَّه.
ويكون مذموماً إذا استعمل في قطع الطريق، وإخافة المسلمين.
فالسيف في نفسه آلة لا تمدح ولا تذم، وإنما الذم والمدح حسب
الاستعمال.
فكذلك الجدال في نفسه لا يذم ولا يمدح، وإنما المدح والذم
حسب الاستعمال.
فمن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل، فهو مذموم.
ومن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر اللَّه به، فهو
стр. 52
ممدوح، والجدال الذي جاء به أصول الفقه استعمل للوصول به إلى
الحق، فيكون على هذا ممدوحا.
الشبهة السادسة:
أن أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من علوم شتى، حيث
إن بعضه مأخوذ من اللغة، كالكلام عن الأمر والنهي، والعام
والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل، والمبين، والمنطوق،
والمفهوم، والحقيقة، والمجاز، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من النحو كالكلام عن حروف المعاني، والكلام
عن الاستثناء، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه، كالكلام عن مباحث النسخ،
والقراءة الشاذة، ووجود المجاز في القرآن -، وهل فيه ألفاظ بغير
العربية، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من السُّنَّة، كالكلام عن الآحاد والمتواتر،
والمشهور، وحجية كل نوع، وشروط الراوي المتفق عليها والمختلف
فيها.
وبعضه مأخوذ من أصول الدين وعلم الكلام، كالكلام عن
الحكم الشرعي وأقسامه، وأفعال النبي ﷺ ، والتأسي به، وتكليف ما لا يطاق، وتكليف المعدوم، وشرط الإرادة في الأمر، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، ومسألة شكر المنعم، ونحو ذلك.
وبعضه مأخوذ من علم الفقه وعلم الجدل، كالكلام عن القياس،
وقوادح العِلَّة، والتعارض والترجيح.
وهكذا علمت أن علم أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من
стр. 53
تلك العلوم، فمن أراد أن يتعلم تلك المباحث فليتعلمها من تلك
العلوم، دون الرجوع إلى علم أصول الفقه، وبهذا لو جرد الذي
ينفرد به أصول الفقه ما كان إلا شيئاً يسيراً جداً، فتصير فائدة أصول
الفقه قليلة جداً بعكس ما كنت قد صورته لنا من أن له فوائد كثيرة.
جوابها:
أجيب عنها بأنه لا ينكر أن علم أصول الفقه قد استمد من تلك
العلوم التي ذكرتموها.
ولكن اهتم الأصوليون بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن
دراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة، فقد دقق الأصوليون في
فهم أشياء لم يصل إليها المتخصصون بتلك العلوم.
فمثلاً: توصل الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم
يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فالنظر في كلام العرب متشعب،
فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، واشتقاقاتها، دون
المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي المتعمق بالعلوم الشرعية
وقواعده، فلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستثناء، لم
يتوصل إليها النحاة في كتبهم،
كذلك صيغة " افعل " أو صيغة "لا تفعل "،
ودلالة الأولى على الوجوب، ودلالة الثانية على التحريم،
وغير ذلك من الاستعمالات لو بحثت عن ذلك في كتب
اللغة لم تجد شيئاً من ذلك.
فالأصوليون يبحثون فيما أخذوه من تلك العلوم - وهي علم اللغة
والنحو، وأصو ل الدين، والقرآن، والسُّنَّة، والفقه، والجدل -
стр. 54
بحثاً خاصاً في جهة الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية الفقهية،
وأحوال تلك الأدلة.
فنظرة الأصولي إلى ما أخذه من تلك العلوم تختلف عن نظرة
المتخصصين بتلك العلوم.
وبهذا لا يمكن أن يتعلم طالب العلم مباحث الأصوليين بالرجوع
إلى تلك العلوم، دون الرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه.
فثبت بذلك أن أصول الفقه فيه ما لا يوجد في غيره.
стр. 55
المبحث الثامن هل يُقدَّم تعلُّم أصول الفقه أم تعلُّم الفقه ؟
لقد اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن تعلُّم أصول الفقه يقدم على تعلم الفقه.
ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي في " شرح اللمع "، وابن
برهان في " الوصول "، وابن عقيل في " الواضح "، وأبو بكر
القفال الشاشي، وغيرهم.
وهو الصحيح عندي، وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل
فيه، ويكون قادراً على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك
إلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم
بمقدماتها، وعلى هذا: ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول،
ثم حينئذِ تبنى عليها الفروع، لذلك تجد بعض الفقهاء من المالكية
وغيرهم يَجعلون القواعد الأصولية كمقدمة لكتبهم الفقهية.
المذهب الثاني: أن تعلُّم الفقه والفروع يُقدم على تعلُّم الأصول.
ذهب إلى ذلك أبو يعلى في " العدة "، وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
إن من لم يعتد طرق الفروع والتصرف فيها لا يمكنه الوقوف على
ما يبتغى بهذه الأصول من الاستدلال، والتصرف في وجوه القياس.
أي: أنه بتعلُّم الفروع تحصل الدربة والملكة التي تجعله يستفيد من
تلك الأصول والقواعد استفادة صحيحة.
стр. 56
جوابه:
يُجاب عنه: بأنه يمكنه الوقوف على المقصود بتلك القواعد
الأصولية بمجرد ضرب مثال أو مثالين من الفقه.
والحاصل: أنه إذا أتقن علم أصول الفقه أمكنه التوصل إلى
الأحكام بصورة صحيحة، قال العكبري: " أبلغ ما يتوصل به إلى
إحكام الأحكام أصول الفقه وطرف من أصول الدين ".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ حيث إنه لا تأثير لذلك الخلاف في الأصول
ولا في الفروع.
стр. 57
المبحث التاسع في بيان المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه
أصول الفقه قد استمد مادته من مصادر كثيرة - وقد سبق بيان
ذلك في الشبهة السادسة - ولكن هنا سأحصر تلك المصادر، وأُبيِّن
سبب استمداده من كل علم، فأقول:
استمد أصول الفقه مادته من مصادر كثيرة، وأهمها ثلاثة:
المصدر الأول: أصول الدين.
المصدر الثاني: علم اللغة العربية.
المصدر الثالث: الأحكام الشرعية.
أما أصول الدين - وهو علم الكلام -: فإن علم أصول الفقه قد
استمد منه: مسائل، من أهمها: مسألة الحاكم، والتحسين
والتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم،
وحكم الأشياء قبل البعثة، والمجتهد يخطئ ويصيب، وخلو الزمان
من مجتهد، وشكر المنعم، وبعض مسائل النسخ، وشرط الإرادة
في الأمر، ونحو ذلك.
وسبب استمداده من أصول الدين وهو علم الكلام هو: توقف
الأدلة الشرعية على معرفة البارئ، وصدق رسول اللَّه ﷺ المبلغ عنه
فيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعبة.
أما اللغة العربية: فإن علم أصول الفقه قد استمد منها مسائل،
стр. 58
ومنها: - الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد،
ومعاني الحروف، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والاستثناء،
والمنطوق، والمفهوم، والإشا رة، والتنبيه، والاقتضاء، والإيماء،
ونحو ذلك.
وسبب استمداده من اللغة العربية هو: أن كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله
قد نزلا بلغة العرب، فيحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية
يستطيع بسببها معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها.
فلا يمكنه فهم دلالات الألفاظ من الكتاب والسُّنَّة، والأقوال
المنقولة عن مجتهدي الأُمَّة، وأقوال السَّلَف والخلف إلا إذا كان فاهما
للغة العربية، واستعمالاتها.
وأما الأحكام الشرعية، فإن علم أصول الفقه قد استمد منه
بسبب: أن المقصود والغرض من هذا العلم هو - إثبات الأحكام
الفرعية، فلا بد للأصولي أن يعرف قدراً ليس بالقليل من الفقه
والأحكام الشرعية، ليتمكن عن طريق معرفته تلك من إيضاح
المسائل، وضرب أمثلة لتصوير القاعدة الأصولية، وليتأهل بالبحث
فيها للنظر والاستدلال.
стр. 59
المبحث العاشر في نشأة علم أصول الفقه
كان الصحابة ﵃ في زمن ﷺ إذا حدثت حادثة أخذوا حكمها من الوحي، سواء كان مباشراً وهو القرآن، أو
غير مباشر وهو السُّنَّة، فكانوا يلجأون في هذا كله إلى النبي ﷺ .
فلما توفي النبي ﷺ كان الصحابة ﵃ يأخذون حكم أي حادثة من الكتاب، فإن لم يجدوا حكمها فيه، أخذوه من السُّنَّة، فإذا لم يجدوا في السُّنَّة، اجتهدوا وبحثوا عن الأشباه
والأمثال، - ومعرفة العلل الشرعية، فيقيسون ما لم يكن بما كان،
ويجتهدون في معرفة المقاصد والمصالح، ونحو ذلك، ويحرصون
كل الحرص على الأخذ برأي الجماعة.
وسار التابعون ﵏ على هذا المنهج، وزاد بعضهم
أصلاً آخر، وهو الرجوع إلى فتاوى الصحابة ﵃.
فكثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، وتعددت وجوهه، فبعضهم
يكتفي بظاهر النص، وبعضهم لا يكتفي بذلك، بل يغوص على
المعاني، فيرى أن أكثر الأحكام معللة، ثم يبنون على هذه العلل
الأحكام وجوداً وعدماً.
فلما جاء عصر الأئمة المجتهدين: أصبح لكل إمام قواعد قد
اعتمدها في الفتوى والاجتهاد.
стр. 60
وهذه القواعد موجودة ومنتشرة في مواضع مختلفة في كتبهم وكتب
تلاميذهم، وقد راعى هؤلاء الأئمة المجتهدون هذه القواعد في معرفة
الأحكام الشرعية، وكيفية استنباطها من أدلتها التفصيلية، ومن
هؤلاء الإمام الشافعي ﵀ الذي وضع قواعده التي
اعتمدها في كتاب سمّاه بـ " الرسالة "، والإمام الشافعي لم يضع
القواعد الأصولية - كلها - في هذا الكتاب، ولكنه بهذا العمل
لفت أنظار العلماء من الباحثين المدققين إلى متابعة التدقيق، والبحث
والترتيب حتى أصبح علم أصول الفقه علما مستقلاً رتبت أبوابه،
وحررت أكثر مسائله، وجمعت مباحثه، وألَّفت فيه المؤلفات
والمصنفات على اختلاف في الطرق التي اتبعوها في التأليف
والتصنيف.
стр. 61
المبحث الحادي عشر طرق التأليف في أصول الفقه وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة
العلماء والباحثون في أصول الفقه اختلفوا في الطرق التي اتبعوها
في التأليف والتصنيف في أصول الفقه، فنشأ عن ذلك كثير من
الطرق هي كما يلي:
الطريقة الأولى: طريقة الحنفية.
الطريقة الثانية: طريقة الجمهور.
الطريقة الثالثة: الجمع بين الطريقتين.
الطريقة الرابعة: طريقة تخريج الفروع على الأصول.
الطريقة الخامسة: طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد، والمفهوم العام.
وإليك بيان ذلك:
أما الطريقة الأولى - وهي: طريقة الحنفية - فإنها تتميز بأمرين:
أولهما: أنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من
الفروع عن أئمتهم.
ثانيهما: أنها تغوص على النكت الفقهية.
وسميت هذه الطريقة بطريقة " الفقهاء "؛ لأنها أمس بالفقه،
وأليق بالفروع، وسبب ذلك: أن تلك القواعد قد أخذت من
الفروع؛ ذلك لأن الحنفية المتأخرين لاحظوا واستقرأوا وتتبعوا الفتاوى
стр. 62
الصادرة عن أئمتهم المتقدمين، فعمدوا إلى تلك الفتاوى والفروع
واستخلصوا منها القواعد والضوابط، وجعلوها أصولا لمذهبهم
لتكون لهم سلاحا في مقام الجدل والمناظرة.
وقد ألِّف على هذه الطريقة كتب كثيرة، ومنها:
١ - مآخذ الشرائع لأبي منصور الماتريدي.
٢ - رسالة في الأصول لأبي الحسن الكرخي.
٣ - الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص.
٤ - تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي.
٥ - أصول البزدوي، مطبوع مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري.
٦ - مسائل الخلاف لأبي عبد اللَّه الصيمري.
٧ - أصول السرخسي لأبي بكر السرخسي.
٨ - ميزان الأصول لأبي بكر السمرقندي.
٩ - المنار لأبي البركات عبد اللَّه النسفي.
وذكرت جانبا من تلك الطريقة في كتابي: " طرق دلالة الألفاظ
على الأحكام عند الحنفية وأثرها الفقهي ".
أما الطريقة الثانية - وهي طريقة الجمهور - فإنها تتميز بما يلي:
أولاً: أنها اهتمت بتحرير المسائل، وتقرير القواعد على المبادئ
المنطقية.
ثانيا: الميل الشديد إلى الاستدلال العقلي.
ثالثاً: البسط في الجدل والمناظرات.
стр. 63
رابعاً: تجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، وقد أشبهت
بذلك طريقة أهل الكلام، لذلك سميت طريقتهم بطرياقة المتكلمين.
وهذه الطريقة قد سار عليها علماء الشافعية، والمالكية، والحنابلة،
والظاهرية، والمعتزلة، وذلك من حيث الترتيب والتنظيم.
وإليك ذكر بعض الكتب التي أُلِّفت على هذه الطريقة، ولقد
رتبت ذلك على المذاهب:
أولاً: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب المالكي على حسب مذهب
المؤلف:
١ - التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد للقاضي أبي بكر
الباقلاني.
٢ - إحكام الفصول في أحكام الأصول، والإشارة، والحدود -
كلها لأبي الوليد الباجي.
٣ - منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب،
وقد اختصر هذا الكتاب بكتاب سمَّاه: " مختصر المنتهى ".
وشرح هذا المختصر كثير من العلماء، ومنهم:
(أ) عضد الدين الإيجي، شرحه بكتاب سمَّاه: " شرح
المختصر".
(ب) ابن السبكي تاج الدين شرحه بكتاب سمَّاه: " رفع
الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ".
(ج) شمس الدين الأصفهاني (ت ٧٤٩ هـ) شرحه بكتاب
سمَّاه: " بيان المختصر ".
٤ - الضياء اللامع شرح جمع الجوامع لحلولو المالكي، حققته
وطبع بعض المجلدات منه.
стр. 64
٥ - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي.
٦ - نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي، وقد قمت بتحقيق
جزء منه، ولم يطبع.
٧ - شرح البرهان للمازري.
ثانيا: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب الشافعي على حسب مذهب
المؤلف:
١ - الرسالة للإمام الشافعي، وقد شرح هذه الرسالة الإمام
الصيرفي، والقفال الشاشي الكبير، وأبو محمد الجويني، وغيرهم.
٢ - اللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي.
٣ - البرهان، والتلخيص، والورقات لإمام الحرمين.
٤ - قواطع الأدلة لابن السمعاني.
٥ - المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل وأساس القياس
للغزالي.
٦ - الوصول إلى الأصول لابن برهان.
٧ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.
٨ - المحصول للرازي، وقد شرحه كل من القرافي في " نفائس
الأصول "، وشمس الدين الأصفهاني (ت ٦٨٨ هـ) في:
"الكاشف عن المحصول ".
واختصره كل من:
تاج الدين الأرموي في كتاب سمَّاه: " الحاصل من المحصول ".
سراج الدين الأرموي في كتاب سمَّاه: "التحصيل من المحصول ".
النقشواني في كتاب سمَّاه: " تلخيص المحصول ".
التبريزي في كتاب سماه: " تنقيح المحصول ".
стр. 65
٩ - منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، وشرحه كثير
من العلماء، ومنهم:
شمس الدين الأصفهاني شرحه بكتاب سمَّاه: " شرح منهاج
البيضاوي "، وقد حققته وطبع بمجلدين.
الإسنوي شرحه في كتاب سمَّاه: " نهاية السول ".
ابن السبكي شرحه في كتاب سمَّاه: " الإبهاج في شرح المنهاج ".
البدخشي شرحه في كتاب سمَّاه: " مناهج العقول ".
١٠ - البحر المحيط للزركشي.
ثالثاً: بعض الكتب المؤلَّفة على المذهب الحنبلي - على حسب
مذهب المؤلف:
١ - العدة لأبي يعلى.
٢ - التمهيد لأبي الخطاب.
٣ - الواضح لابن عقيل.
٤ - روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة، وقد قمتُ بتحقيقه،
وطبع بثلاثة مجلدات.
٥ - شرح الكوكب المنير لابن النجار.
٦ - إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر، قمتُ بتأليفه وطبع
في ثمان مجلدات.
رابعا: الكتب المؤلفة على المذهب الظاهري:
١ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم.
٢ - النبذ لابن حزم.
خامسا: الكتب المؤلفة على المذهب المعتزلي:
١ - العمد للقاضي عبد الجبار بن أحمد.
стр. 66
٢ - المعتمد لأبي الحسين البصري.
٣ - شرح العمد لأبي الحسين البصري.
أما الطريقة الثالثة - وهي الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور -
فقد حقق من جمع بين الطريقتين القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة
النقلية والعقلية، وطبقوها في الفروع الفقهية، فجاءت مؤلفاتهم
مفيدة في خدمة الفقه، وتمحيص الأدلة، وكتب في هذه الطريقة
جمع من علماء الجمهور، وعلماء الحنفية، ومن أهم كتبهم ما يلي:
١ - بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والأحكام للساعاني.
٢ - تنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وقد
شرحه التفتازاني في كتاب سمَّاه: " التلويح ".
٣ - جمع الجوامع لتاج ابن السبكي، وقد شرحه كثيرون،
ومنهم:
(أ) جلال الدين المحلي شرحه بكتاب سمَّاه: " شرح جمع
الجوامع ".
(ب) الزركشي شرحه بكتاب سمَّاه: " تشنيف المسامع ".
(ب) حلولو المالكي شرحه بكتاب سمَّاه: " الضياء اللامع "،
وقد حققته.
٤ - التحرير لكمال الدين ابن الهمام، وقد شرحه كثيرون،
ومنهم:
أمير الحاج شرحه بكتاب سمَّاه: " التقرير والتحبير ".
أمير بادشاه شرحه بكتاب سماه: " تيسير التحرير ".
стр. 67
٥ - مسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور الحنفي، وقد
شرحه الأنصاري في كتاب سمَّاه: " فواتح الرحموت ".
٦ - كتابي هذا، فإنه يعتبر من هذه الطريقة، وهو " المهذب في
علم أصول الفقه المقارن ".
أما الطريقة الرابعة - وهي طريقة تخريج الفروع على الأصول -
فهي تتميز بذكر خلاف الأصوليين في المسألة، مع الإشارة إلى بعض
أدلة الفِرَق المختلفة، ثم ذكر عدد من المسائل الفقهية المتأثرة بهذا
الخلاف، والغاية منها هو: ربط الفروع بالأصول، ولا يذكر في
الكتب المؤلَّفة على هذه الطريقة إلا المسائل التى اختلف العلماء فيها،
والخلاف فيها معنوي له ثمرة، أما إذا كان الخلاف لفظيا فلا يرد
فيها، لذلك صنَّفت كتابا ذكرت فيه المسائل التي جاء الخلاف فيها
لفظيا، وقد طبع في مجلدين.
وقد أُلِّف على هذه الطريقة - وهي الطريقة الرابعة - مؤلفات
كثيرة، ومنها:
١ - تخريج الفروع على الأصول للزنجاني " شافعي ".
٢ - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني
"مالكي ".
٣ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي "شافعي ".
٤ - القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام " حنبلي ".
أما الطريقة الخامسة - وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال
المقاصد - فلم تسلك هذه الطريقة مسلك المتقدمين، وهي: ذكر
القواعد تحت عناوين وأبواب معينة، بل سلكت طريقة أخرى وهي:
عرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة، والمفهوم العام الكلي
للتكليف، وقد ألَّف على هذه الطريقة أبو إسحاق الشاطبي المالكي
كتابه: " الموافقات في أصول الشريعة ".
стр. 68
الفصل الثاني مقدمة في المصطلحات التي يحتاج إليها دارس علم أصول الفقه
ويشتمل على مباحث:
المبحث الأول: بيان التصوُّر والتصديق.
المبحث الثاني: بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها
تدرك العلوم.
المبحث الثالث: في الحد وأقسامه.
المبحث الرابع: في البرهان وما يتعلق به.
المبحث الخامس: في الألفاظ.
المبحث السادس: في المعاني وأقسامها.
المبحث السابع: في تأليف مفْردات المعاني.
стр. 69
المبحث الأول في بيان التصوّر والتصديق
اعلم إنه لا يمكن أن تحيط بعلم شيء من الأشياء أو أمر من الأمور
إلا إذا عرفت مفرداته أولاً، ثم عرفت وأدركت نسبة تلك المفردات
بعضها إلى بعض.
فيكون إدراك العلوم على ضربين هما: " التصوُّر " و " التصديق ".
فأما الضرب الأول وهو التصوُّر فهو علم الذوات المفردة - فقط -
كأن تعلم معنى " العالم "، ومعنى " الحادث "، ومعنى "الجسم "،
ومعنى " القديم "، ومعنى " الحركة "، نعلم معاني تلك الكلمات،
ونفهمها كل واحدة على حدة بدون إضافتها إلى غيرها، وهذا يُسمَّى
بالتصوّر.
أي: إدراك وفهم وعلم ماهية الشيء بلا حكم عليها بنفي أو
إثبات، فلم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن - فقط -.
والتصور لا يمكن أن يدخله التصديق أو التكذيب، لأمرين:
أولهما: أن إدراك الذوات المفردة وعلمها فقط هو: إدراك لماهية
الشيء بلا حكم عليها بنفي أو إثبات، فأين الذي يُصدَّق أو يُكذَّب؟
تانيهما: أن التصديق والتكذيب لا يتطرق إلا إلى الخبر، والذوات
المفردة، مثل: " العالم "، و " الإنسان "، و " السماء "، ليست
стр. 70
أخباراً؛ لأن أقل ما يتركب منه الخبر مفردان ينسب أحدهما إلى
الآخر.
فالتصوُّر هو: إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام.
وهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرفه ابن سيناء بقوله: " هو
العلم الأول، ويكتسب بالحد وما يجري مجراه مثل تصورنا ماهية
الشيء "، وعرَّفه ابن رشد: " بأنه العلم بماذا يدل عليه اسم
الشيء".
وسمي - تصوراً؛ لأنه لم يحصل سوى صورة الشيء في الذهن.
ويسميه النحاة: مفرداً.
أقسام التصوُّر:
* والتصؤُر - وهو إدراك وفهم المفردات وحدها - قسمان:
القسم الأول: أَوَّلي: وهو: ما يُفهم معناه من غير بحث أو
طلب، وهو المُسمَّى بـ " الضروري "، وهو الذي لا يحتاج إلى
إدراكه وفهمه ومعرفته إلى تأمل ونظر، مثل: لفظ " الموجود "،
فإن كل شخص يعلم ضرورة أن هذا الشيء موجود وليس بمعدوم،
وكذلك الحرارة، والبرودة، والبياض، والسواد، ونحو ذلك من
المفردات التي تدرك وتعلم بمجرد الحس.
القسم الثاني: مطلوب، وهو: ما لا يفهم معناه إلا ببحث
وطلب، وهو المُسمَّى بـ " النظري "، وهو الذي يحتاج لمعرفة وفهم
معناه إلى تأمل ونظر، حيث إن الاسم يدل على أمر مجمل غير
مفصل أو مفسر، فيطلب تفسيره بالحد والبيان، مثل: إدراك معنى
" العقل " و " الجوهر ".
стр. 71
وأما الضرب الثاني وهو التصديق فهو: علم نسبة المفردات
بعضها إلى بعض بالنفي، أو الإثبات، فمثال نسبة مفرد إلى مفرد
آخر بالنفي قولك: " الجسم ليس بمتحرك "، و " العالم ليس
بحادث ".
ومثال نسبة مفرد إلى مفرد آخر بالإثبات قولك: " الجسم متحرك "
وقولك: " العالم حادث " و " زيد كاتب ".
وهذا يمكن أن يتطرق إليه التصديق والتكذيب؛ لأن فيه نسبة شيء
إلى شيء آخر، وهذا لا يكون إلا من مفردين، فيكون الأول وصفا
والآخر موصوفاً، فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بإثبات أو نفي،
كأن تقول: " العالم حادث "، و " الجسم متحرك "، أو تقول:
"العالم ليس بحادث "، فإن هذا قابل للصدق والكذب.
أي: أن هذه النسبة قد تكون صحيحة، فيكون صادقا، وقد
تكون غير صحيحة فيكون كاذبا.
والتصديق هو: إدراك نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو النفي.
وهذه تسمية أهل المنطق، لذلك عرَّفه ابن رشد بأنه: " العلم بأن
الشيء موجود أو غير موجود ".
وسمي تصديقاً؛ لأن فيه حكماً قد يصدق فيه، أو يكذب.
فإن قلت: لماذا سموه بالتصديق مع احتمال الكذب؟
قلت: سمي بأشرف لازمي الحكم في النسبة.
ويسميه النحاة: " جملة ".
وكل علم يتطرق إليه التصديق، فمن ضرورته ولازمه أن يتقدم
عليه معرفتان:
стр. 72
الأولى: معرفة المفرد - فقط - وهو معرفة البسيط - مثل:
" العالم "، و " الحادث ".
الثانية: معرفة نسبة ذلك المفرد إلى مفرد آخر - وهو معرفة
المركب - مثل: " العالم حادث ".
فلا يمكن للشخص أن يعرف المركب من مفردين إلا إذا عرف
المفردين واحداً واحداً، فمن لا يفهم معنى " العالم " بمفرده
ويتصوره، ولا يعرف معنى " الحادث " بمفرده ويتصوره، فكيف
يعرف أن " العالم حادث "؟
فكل تصديق متضمن لعدة تصورات: تصوُّر المحكوم عليه،
وتصوُّر المحكوم به، وتصوّر نسبة أحدهما إلى الآخر، فالحكم
يكون تصوراً رابعاً، لأنه تصور تلك النسبة هل هي موجبة أو
تصورها منفية.
فمثلاً: إذا قلنا: " زيد قائم "، فقد اشتمل قولنا هذا على
تصورات أربعة:
١ - تصوُّر المو ضوع وهو " زيد ".
٢ - تصوُّر المحمول وهو " قائم ".
٣ - تصور النسبة بينهما وهو " تعلق المحمول بالموضوع " أي:
تصور قيام زيد.
٤ - تصور وقوع القيام من زيد.
فالتصديق هو: التصوُّرات الأربعة عند الرازي، وعلى هذا يكون
التصديق مركباً من الحكم والتصورات الثلاث باعتبارها أجزاء له.
стр. 73
أما عند الحكماء، فإن التصور الرابع يسمى تصديقا، والثلاثة
قبله شروط له.
أقسام التصديق:
كما انقسم التصوُّر إلى قسمين: أَوَّلي، ومطلوب، كذلك
التصديق وهو معرفة وإدراك نسبة المفردات بعضها إلى بعض - ينقسم
إلى قسمين:
القسم الأول: أوَّلي: وهو الذي يفهم معناه من غير نظر ولا
بحث، وهو المُسمَّى بـ " الضروري "، وهو ما يدركه الإنسان
بالضرورة بدون تأمل وطلب مثل: إدراك وقوع النسبة في قولنا:
"الخمسة نصف العشرة "، و " الواحد نصف الاثنين "، و " السماء
فوقنا "، و " النار محرقة "، و " الثلج بارد "، ونحو ذلك مما
يتوصل إليه الإنسان بدون أي تفكير.
القسم الثاني: مطلوب، وهو الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك
إلا ببحث وطلب واستدلال، وهو المُسمَّى بـ " النظري "، أي:
الذي يحتاج إلى نظر وتأمل وتفكير، مثل: إدراك وقوع النسبة في
قولنا: " الواحد نصف سدس الاثني عشر "، وإدراك النسبة في
قولنا: " العالم حادث "، ونحو ذلك مما لا يتوصل إليه الشخص
إلا بعد تفكير دقيق وتأمل طويل.
стр. 74
المبحث الثاني في بيان كيف أن الحد والبرهان هما الآلة التي بها تدرك العلوم
لقد علمنا في المبحث الأول أن إدراك العلوم على ضربين:
التصوُّر وهو: إدراك المفردات، والتصديق وهو: إدراك النسبة بين
تلك المفردات.
وعلمنا - أيضاً - أن كلًّا منهما ينقسم إلى أوَّلي، ومطلوب.
إذا علمت ذلك فاعلم أن المطلوب، وهو الذي لا يعرف إلا
بطلب وبحث ونظر من التصوُّر لا يمكن أن يعرف ويفهم إلا بالحد.
وكذا المطلوب من التصديق لا يمكن أن يفهم إلا بالبرهان.
فالحد والبرهان هما الالة التي بها تفهم وتدرك سائر العلوم
المطلوبة.
فمثال التصوُّر: أن يسمع الإنسان اسما لا يفهم معناه، كمن
قال: " ما العقار؟ "، فتقول له: هو الخمر، فإن لم يفهمه باسمه
يفهم بحده، فيقال له: " الخمر هو: شراب معتصر من العنب
مسكر "، فيحصل بذلك علم تصوري بذات الخمر.
ومثال التصديق: أن يجهل الإنسان أن للعالم صانعا، فيقول:
هل للعالم صانع؛ فتقول له: نعم للعالَم صانع، وتُبيِّن ذلك
بالحُجة والبرهان والأدلة التي لا تقبل الشك.
ولذلك كان لا بد من بيان الحد وما يتعلق به، والبرهان وما يتعلق
به في المباحث التالية.
стр. 75
المبحث الثالث في الحد وأقسامه
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الحد لغة واصطلاحا، وبيان أقسامه.
المطلب الثاني: الحد الحقيقي وشروطه، وأقسامه.
المطلب الثالث: الحد الرسمي وشروطه، وأقسامه.
المطلب الرابع: الحد اللفظي وشروطه.
следующие страницы →