Полный текст (1 348 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن الإيمان باليوم الآخر من أجلِّ مباحث الإيمان؛ لتعلقه بما يعتقده العباد في معادهم وما يصيرون إليه من نعيم مقيم، أو عذاب أليم.
ولأهمية الإيمان باليوم الآخر نجده مرتبطًا في القرآن الكريم بالإيمان بالله جلّ وعلا في عدد من المواضع منها: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء: ٣٩].
كما نجد ذلك الارتباط أيضًا في السنة النبوية، منه قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. ." الحديث (١)، وقوله ﷺ : "من كان
_________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١٩٨٧، ح ٤٨٩٠.
стр. 2
يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت. ." الحديث (١).
فإذا أيقن العبد بالحياة الآخرة التي يكون فيها الحساب على الكبيرة والصغيرة حتى الذرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، أثمر له ذلك اليقين تقوى الله تعالى، ومراقبته، وخشيتَه في السرِّ والعلن.
فلما كان الإيمان باليوم الآخر بهذه الأهمية، والمنزلة العالية الرفيعة؛ آثرت أن يكون موضوعُ أُطرُوحَتي في هذه المرحلة: تحقيقَ كتاب من كتب أهل العلم يخدم ذلك الموضوع، فكان اختياري لكتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للعلامة أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، صاحب التفسير المشهور؛ وذلك للأسباب الآتية:
- لأن موضوع الكتاب يتعلق بركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر.
- لأنه أجمع كتاب في الموضوع حسب علمي، فجلُّ من كتب بعده عالة عليه.
- اهتمام أهل العلم بكتاب التذكرة، وذلك بكثرة النقول عنه (٢).
- انتشار الكتاب الواسع بين العامة والخاصة، فلا تكاد تخلو منه مكتبة.
- حاجة الكتاب لبيان ما اشتمل عليه من أحاديث واهية وبعض الحكايات الوعظية التي من اعتقد ما فيها حدث عنده انحراف في عقيدته وإيمانه باليوم الآخر.
- حاجة الكتاب لبيان ما اشتمل عليه من تأويلات لآيات وأحاديث الصفات، مما قد يجعل المتأثر بالكتاب في مباحث الإيمان باليوم الآخر، والموت، وعذاب القبر، يتأثر بمنهج التأويل ذلك، فوجب التنبيه على
_________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٠٩١، ح ١٤٦٨.
(٢) انظر: ص (٦٧ - ٦٨).
стр. 3
تلك الواهيات وهذه التأويلات؛ صيانة للمعتقد الصحيح.
هذا وقد قسمت العمل في خدمة الكتاب إلى قسمين:
القسم الأول: في دراسة المُؤلِّفِ والكتاب.
القسم الثاني: في تحقيق الكتاب.
القسم الأول وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التعريف بعصر المُؤلِّفِ:
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الثاني: الحالة الدينية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الثالث: الحالة العلمية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الرابع: الحالة الاجتماعية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
الفصل الثاني: في ترجمة المؤلف:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حياة المؤلف الشخصية وفيه: اسمه ونسبه وكنيته،
ومولده ونشأته، وبعض صفاته، وهجرته إلى مصر ووفاته فيها.
المبحث الثاني: حياة المؤلف العلمية، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مكانة المؤلف العلمية وثناء العلماء عليه.
المطلب الثاني: شيوخ المؤلف.
المطلب الثالث: مصنفات المؤلف.
المبحث الثالث: مذهب المؤلف العقدي والفقهي.
الفصل الثالث: في التعريف بالكتاب، ووصف مخطوطات التحقيق، ومنهج التحقيق:
وفيه ثلاثة مباحث:
стр. 4
المبحث الأول: في التعريف بالكتاب ويشتمل على اسم الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف، وعرض مجمل لموضوع الكتاب، وسبب تأليفه، ومنهج المؤلف في التأليف، وروايات المؤلف التي أسندها في هذا الكتاب، وموارده فيه، مع التنويه بأهم موارد المؤلف المتخصصة في موضوع كتابه، ذكر كتاب التذكرة ضمن موارد الكتب الأخرى، مختصراته، مزايا الكتاب، ونقده والمآخذ عليه، ثم ملحوظات إجمالية على طبعات الكتاب الحالية.
المبحث الثاني: في وصف مخطوطات التحقيق، وفيه بيان الاسم المثبت عليها، وناسخها، وتاريخ نسخها، وعدد الأوراق، والأسطر، ونوع الخط، مع وصف لمناهج النساخ في النسخ، ثم تصوير نماذج منها.
المبحث الثالث: منهجي في التحقيق.
وفيه ذكرت منهجي في ضبط النص وتقويمه، وتخريج النصوص والتعليق عليها (١).
القسم الثاني: تحقيق الكتاب.
_________
(١) انظر: ص (٩٣).
стр. 5
شكر وتقدير
الحمدُ للهِ على نعمة الإسلام، والحمدُ لله على نعمةِ طلب العلم في بلدِ نبِيه ﷺ ، والحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تتمُ الصالحات فله الحمدُ ربُّنا على إعانتِهِ وتوفيقِهِ لي بخدمةِ هذا الكتابِ خدمةً لدين الإسلام، فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدان الله، اللهم إني لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت أنت به على نفسك.
ثم الشكرُ لهذه الدولةِ الكريمةِ: خادمةِ الإسلام والمسلمين، وخادمةِ العلمِ وأهلِه: المملكةِ العربيةِ السعوديةِ على أياديها البيضاءِ، وإحسانِها لشعوبِ وأبناءِ العالمِ الإسلامي بإنشاءِ هذه المنارةِ الإسلاميةِ المباركةِ: الجامعةِ الإسلاميةِ بالمدينةِ النبويةِ التي هي من أكبرِ الحسناتِ وأعظمِ القربات، فالله أسألُ أن يكتبَ الأجرَ والثوابَ الجزيلَ لمن كان سببًا في إنشائِها واستمرارها. ثم الشكرُ موصولٌ لجميعِ المشايخِ والقائمينَ على أمرِ هذه الجامعةِ لما يبذلونه من جهدٍ مقدرٍ لتحقيقِ رسالتها.
وأخصُ بالشكرِ الجزيلِ شيخي الجليلَ فضيلةَ الدكتور محمدَ باكريم باعبد الله، المشرفَ على هذه الرسالةِ التي أولاها عنايتَه الفائقةَ منذُ الوهلةِ الأولى بالبحثِ معي في فهارس المكتباتِ عن أفضلِ النُسَخِ الخطيةِ، فكانت له بتوفيقٍ من اللهِ تعالى اليدُ الطُولَى في مساعدتي في خدمةِ هذا الكتاب بما تعلمتُه من فضيلتِهِ من خلقِ الصبرِ والمصابرةِ، ورحابةِ الصدرِ، وحسنِ الأدبِ، فقد فتح لي حفظه الله قلبَه وبابَه في جميعِ الأوقاتِ حتى في أوقاتِ راحتِهِ، ومنحني الكثيرَ من وقته الثمينِ دونَ كللٍ أو مللٍ.
وقد نفعني الله تعالى بملحوظاتِهِ الدقيقة، وآرائِهِ السديدة، فقد كان بحقٍّ مشرفًا ومربيًا، فلا أحسبُ أنه ادّخرَ جهدًا في النُصْحِ والنصيحةِ، ولا أحسبُ
стр. 6
أني أستطيع له مكافأةً غير أن أدعو له الكريمَ الوهابَ أن يباركَ في عُمُرِه وعلمِه وعقبِه، وأن يجعلَ ما قدّمه للعلمِ وطلابِهِ في ميزانِ حسناتِهِ إنه قريبٌ مجيبٌ.
وأخصُ بالشكرِ الجزيلِ أيضًا الشيخين الكريمين فضيلة الدكتور عبدَ العزيز بنَ إبراهيمَ الشهوان عضوَ هيئةِ التدريسِ بكليةِ أصولِ الدينِ بجامعة الإمامِ محمدٍ بن سعودٍ الإسلاميةِ بالرياض، وفضيلةَ الأستاذ الدكتور عبد الرزاقَ بنَ عبد المحسن البدر على مشاركتي خدمةَ هذا الكتابِ بتصويبه وتقويمِ اعوجاجه، فجزاهما الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.
هذا فما أصبتُ فيه فهو من محض توفيق الله تعالى وإعانته، وإن كانت الأخرى فراجع إلى ضعف البشر وقصورهم عن بلوغ الكمال.
стр. 7
الفصل الأول في التعريف بعصر المُؤلِّفِ
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الثاني: الحالة الدينية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الثالث: الحالة العلمية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الرابع: الحالة الاجتماعية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
стр. 8
المبحث الأول الحالة السياسية في عصر المؤلف وأثرها عليه
وُلِدَ المؤلفُ رحمه الله تعالى وعاش بداية حياته في مدينة قُرْطُبة (١) في عصر دولة الموحدين: التي كانت تحكم بلاد المغرب والأندلس في المُدةِ ما بين سنة خمس عشرة وخمسمائة إلى سنة ثمان وستين وستمائة (٥١٥ هـ إلى ٦٦٨ هـ)، والتي أسسها: محمد بن عبد الله بن تومرت المغربي (٢)، وكانت
_________
(١) قُرْطُبة بضم الأول وسكون الثاني وضم الطاء المهملة ثم الباء الموحدة، كلمة فيما يبدو أعجمية، ففي نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأحمد المقري ١/ ٤٥٨: إن قرطبة بالظاء المعجمة، ومعناه: أجر ساكنها، ثم عُرِّبت بالطاء. ا. هـ، ولكلمة قرطبة حظٌ في العربية من المعاني، فالقُرْطُبي: السيف، وقَرْطَبَهُ: صرعه على قفاه وطعنه، والقَرْطَبة: العَدْو الشديد، انظر: لسان العرب لابن منظور ١/ ٥٥٩.
فقرطبة: مدينة عظيمة بالأندلس، تتوسط بلادها، وكانت سريرًا لملكها، وبها كانت ملوك بني أمية ومعدن الفضلاء، وتقع المدينة على سفح جبل يسمى جبل العروس من جبال "سيرامورنيا" أو الجبال السوداء، كما تحتل سهلًا فسيحًا بين هذه الجبال والوادي الكبير، وتمتد عمارتها على الضفة اليمنى للوادي. وطول قرطبة ثلاثة أميال في عرض ميل. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/ ٣٢٤؛ ونفح الطيب ١/ ١٥٤، ٤٤٥، ٤٥٨؛ وتاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس ص (٢٩٢) للدكتور السيد عبد العزيز سالم.
(٢) قال ابن كثير: "كان ابتداء أمر هذا الرجل أنه قدم في حداثة سنه من بلاد المغرب، فسكن النظامية ببغداد، واشتغل بالعلم، فحصَّل منه جانبًا جيدًا: من الفروع والأصول على الغزالي وغيره، وكان يُظْهر التعبدَ، والزهدَ والورعَ، وربما كان ينكر على الغزالي حُسْنَ ملابسه، ولا سيما لما لبس خُلَعَ التدريس بالنظامية أظهر الإنكار عليه جدًّا وكذلك على غيره، ثم إنه حج وعاد إلى بلاده، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقرئ الناس القرآن ويشغلهم في الفقه، فطار ذكره في الناس، وارتفع أمره وقويت شوكته، وتَسَمّى بالمهدي، وكوّن جيشًا سماه جيش الموحدين، وألف كتابًا =
стр. 9
تحيط ببلاد الأندلس في حكم الموحدين أربع ممالك هي: قشتالة، وليون، وأراجون، ونافارا، وهذه الممالك تمثل في مجموعها ممالك الإسْبان النصرانية، التي دخلت فيما بعد في صراعٍ مريرٍ مع دولة الموحدين صاحبة السيادة على الأندلس المسلمة (١).
بدأت دولة الموحدين قوية بقوة دعاتها وحكامها الأوائل، ولكن لأسباب كثيرة ضعفت قوتها، ومن أهم أسباب هذا الضعف: الفتن والانقسامات والثورات الداخلية.
وقد نقل صاحب نفح الطيب قول أحد المؤرخين في وصف حال بلاد الأندلس بعد تفككها: "ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق إلى أن طما (٢) بمترفيها سيل العناد والنفاق، فامتاز كل رئيس منهم بصُقْع (٣) كان مسقط رأسه، وجعله مَعْقِلًا (٤) يعتصم فيه من من المخاوف بأَفْرَاسِهِ (٥)، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عُقْرِ دارِهِ (٦)،
_________
= في التوحيد، وعقيدةً تسمى المرشدة" البداية والنهاية ١٢/ ١٨٦؛ وقال عبد الواحد المراكشي: "وكان جل ما يدعو إليه: علم الاعتقاد على طريق الأشعرية، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه شديدًا. وجعلَ يذكرُ المهديَّ وشوَّق إليه، وجمع الأحاديث التي جاءت فيه من المصنفات، فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادّعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، ورفع نسبه إلى النبي ﷺ ، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم، وروى في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدي، وبسط يده فبايعوه على ذلك. توفي ابن تومرت المذكور في شهور سنة ٥٢٤ هـ، بعد أن أسس الأمور وأحكم التدبير ورسم لهم ما هم فاعلوه"، انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص (١٨٤، ١٨٧، ١٩٤).
(١) انظر: دولة الإسلام في الأندلس القسم الثاني: عصر الموحدين وانهيار الأندلس الكبرى لمحمد عنان ص (٥٨٣).
(٢) من طما الماء إذا ارتفع، الصحاح للجوهري ٦/ ٢٤١٥.
(٣) الصُقْعُ بالضم: الناحية، الصحاح ٣/ ١٢٤٣.
(٤) المَعْقِل: الملجأ، الصحاح ٥/ ١٧٦٩.
(٥) أَفْرَاس جمع فَرَس، الصحاح ٣/ ٩٥٧. ولعل المراد الفرسان الذين يحمونه.
(٦) عُقْرُ الدار بضم العين وفتحها: أصلها، وهو مَحَلّة القوم، الصحاح ٢/ ٧٥٥.
стр. 10
إلى أن ضعفوا عن لقاء عدوٍّ في الدين يعادي، ويُرَاوِحُ (١) مَعَاقِلَهُ بالعَيْثِ (٢) ويُغادي (٣)، حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ما هو في ضمانِ هُدْنَةٍ مُقدَّرةٍ وإِتَاوَةٍ (٤) في كل عام على الكبير والصغير مقررة"، قال صاحب نفح الطيب (٥): هذا قاله قبل أن يستولي العدو على جميعها.
وفي المقابل استغل النصارى الإسبان هذا التفكك والضعف، فوحدوا كلمة الممالك الإسبانية النصرانية السابقة بقيادة ملك قشتالة، وبرعايةٍ قويةٍ من البابوية؛ للقضاء على الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس، حيث كان البابا يتولى بنفسه التقارب بين ممالك الإسبان النصرانية، وتوحيد كلمتها ضد المسلمين (٦)، فبدأ النصارى الإسْبان يشنون الغارة تلو الغارة على بلاد الأندلس، وكان من بين تلك الغارات غارة شنها النصارى الإسبان على قرطبة سنة سبع وعشرين وستمائة (٦٢٧ هـ)، وكان من نتائجها قَتْلُ والد القرطبي المؤلف رحمهما الله تعالى، حيث يخبرنا القرطبي عن تلك الغارة ضمن مسألة أوردها في تفسيره (٧) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] قال: "العدو إذا صبح قومًا في منزلهم ولم يعلموا به، فقتل منهم، فهل يكون حكمه حكم قتيل المعترك، أو حكم سائر الموتى؟ وهذه المسألة نزلت عندنا بقرطبة أعادها الله، أغار العدو قصمه الله صبيحة الثالث من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجْرَانِهم (٨) على غفلة فقتلَ وأسرَ، وكان مِن جملة مَن قتل
_________
(١) الرَّوَاحُ: نقيض الصباح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، الصحاح ١/ ٣٦٨.
(٢) العَيْثُ: الإفساد، الصحاح ١/ ٢٨٧.
(٣) الغُدُوُّ: نقيض الرواح، وهو الوقت ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، الصحاح ٦/ ٢٤٤٤.
(٤) الإتَاوَةُ: الخراج، الصحاح ٦/ ٢٢٦٢.
(٥) ٤/ ٤٤٦.
(٦) انظر: دولة الإسلام في بلاد الأندلس القسم الثاني ص (٥٩٠).
(٧) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٧٤ فقرة رقم ٢٧٢.
(٨) في لسان العرب لابن منظور ١٣/ ٨٧: جَرَن جُرُونًا أي تعود أمرًا. فلعل مراد المؤلف أن الناس كانوا فيما اعتادوا عليه من أعمالهم، والله أعلم.
стр. 11
والدي ﵀، فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حُجة (١) فقال: غسله وصلِّ عليه فإن أباك لم يقتل في المعترك بين الصفين، ثم سألت شيخنا ربيع بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أبي (٢) فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك، ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قطرال (٣) وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسله وكفنه وصلِّ عليه ففعلت، ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في التبصرة لأبي الحسن اللخمي (٤) وغيرها، لو كان ذلك قبل ذلك ما غسلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه".
ثم توالت هجمات النصارى على قرطبة حتى سقطت في أيديهم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (٦٣٣ هـ) بعد حصار يقرب من أربعة أشهر، وما كاد النصارى يدخلون قرطبة حتى رفعوا الصليب على مسجدها الجامع إيذانًا بتحويله إلى كنيسة، ورفعوا علم مملكة قشتالة الإسبانية على القصر الخلافي، وبدخول النصارى إلى قرطبة هجرها العدد العظيم من أهلها مرغمين (٥).
ولا تزال قرطبة وبلاد الأندلس عامة في أيدي النصارى الإسبان إلى يومنا هذا. وكان ممن هاجر من قرطبة أبو عبد الله القرطبي المؤلف ﵀، حيث رحل إلى المشرق قاصدًا مصر.
_________
(١) انظر: ترجمته ص (٣٥).
(٢) هكذا ورد الاسم في تفسير المؤلف، ولم تتجاوز مصادر الترجمة اسم (ربيع)، ومن المحتمل إذا ضُبط الاسم أن يكون: أُبَي، مثل: أُبَي بن كعب، والله أعلم، وانظر: ترجمته ص (٣٥).
(٣) علي بن عبد الله بن محمد الأنصاري، يعرف بابن قطرال، ويكنى أبا الحسن، القاضي، من أهل قرطبة، كان مشاركًا في العديد من الفنون مع تميزه بالبلاغة، توفي سنة ٦٥١ هـ، انظر: التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار ٣/ ٢٤١ رقم الترجمة ٦٠٤.
(٤) علي بن محمد الربعي، أبو الحسن، المعروف باللخمي، كان فقيهًا فاضلًا، له تعليق كبير على المدونة سماه "التبصرة" مفيدٌ حسنٌ، لكنه ربما اختار فيه وخرّج، فخرجت اختياراته عن المذهب، توفي سنة ٤٩٨ هـ، انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي ١/ ٢٠٣.
(٥) انظر: قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس ١/ ١٥٣ - ١٥٤ للدكتور السيد عبد العزيز سالم.
стр. 12
وفي المشرق لم تكن الأوضاع الأمنية وحال الخلافة بأحسن من بلاد الأندلس، ففي سنة ست وخمسين وستمائة (٦٥٦ هـ) - وهو الوقت الذي كان فيه القرطبي في مصر كما سيأتي (١) - كانت الخلافة الإسلامية مهددة بخطر التتار، حيث وصل منهم في هذه السنة مائتا ألف جندي يتقدمهم هولاكو، فهزموا جيش الخليفة، ودخلوا بغداد فقتلوا أكثر من ألف ألف نسمة، وجمًّا غفيرًا من العلماء والفقهاء والأمراء، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقتلوا الخليفة رَفْسًا بالأَرْجُلِ.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة (٦٥٧ هـ) والأمة الإسلامية بلا خليفة، وكان صاحب مصر إذ ذاك: المنصور علي بن المعز، وأتابكه (٢) الأمير: سيف الدين قُطز المعزي مملوكًا لأبيه، فجمع الأمير قطز الأمراء والأعيان فكان ممن حضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٣) الذي أوجب على المسلمين مقاتلة العدو والنفرة لتجهيز الجيش.
وفي شعبان من سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة (٦٥٨ هـ) خرج المسلمون متوجهين إلى الشام لقتال التتار، فالتقوهم في موقعة عين جالوت الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون، وانهزم فيها التتار شر هزيمة، وأقيمت الخلافة في مصر سنة (٦٥٩ هـ) للمستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله، الذي قُتِلَ بعد ذلك بقليل، فبويع بعده في سنة ستين وستمائة (٦٦٠ هـ) للحاكم بأمر الله أحمد بن الأمير علي القُبي الذي في عهده توفي القرطبي المؤلف سنة إحدى وسبعين وستمائة (٦٧١ هـ) (٤).
_________
(١) انظر: ص (٣١).
(٢) لعل المراد بهذا اللقب: أمير الجيوش، كما جاء لقبه بذلك في البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ١٧٣.
(٣) عز الدين بن عبد السلام بن القاسم، أبو محمد الدمشقي الشافعي، صاحب التصانيف منها: القواعد الكبرى والصغرى، وكتاب الصلاة والفتاوى الموصلية، توفي سنة ٦٦٠ هـ، انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٥.
(٤) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص (٤٧١ - ٤٨٤).
стр. 13
أثر الحالة السياسية على المؤلف ﵀ -:
كان للحالة السياسية في عصر المؤلف أثرٌ واضحٌ عليه، فكان لاستيلاء العدو على بلده قرطبة، وإرغام أهلها على الهجرة منها، وقَتْل والده على أيديهم الأثر الكبير في عدم استقراره، وأدّى ذلك إلى قطعه لطلب العلم في قرطبة حيث خرج منها شابًا (١).
وفي المشرق كان خطر التتار وعدم الاستقرار يلاحقانه ﵀، مما أدى إلى تنقله في عدد من مدن مصر، واستقراره أخيرًا في صعيدها في الجنوب (٢)، حيث قضى بقية أيام عمره فيه، فأضعف عدم استقرار المشرق تلقي المؤلف للمزيد من العلوم من علمائه، فلم تذكر مصادر الترجمة ذهابه إلى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية وملتقى العلماء مع قربها من مصر.
كما أثر عدم استقراره على جهوده في التعليم والتدريس، فلا يكاد يُذكر للمصنف تلاميذ تلقوا عنه فنًا معينًا مع تمكنه من فنون عدة.
* * * * *
_________
(١) انظر: ص (٢٧).
(٢) انظر: ص (٣١ - ٣٢).
стр. 14
المبحث الثاني الحالة الدينية في عصر المؤلف وأثرها عليه
كان الخلفاء والولاة في عصر دولة الموحدين في الأندلس يعملون على تطبيق الشريعة الإسلامية بين الرعية، وفي إداراتهم، وكان لعلماء الدين الإسلامي مكانتهم الخاصة في الدولة، وفي المجتمع الأندلسي عمومًا: فمنهم الذين استعانت بهم الدولة في القضاء، والخطابة، والإفتاء، وغير ذلك من المهام العظيمة، وقد استمد هؤلاء العلماء تلك المكانة من كونهم حملة الشريعة، وحماة الدين.
هذا بالإضافة إلى الإقبال الكبير من الناس في هذا العصر على تعلم الفقه، خاصة الفقه المالكي، الذي كان سائدًا في مدن الأندلس عمومًا بما فيها قرطبة مدينة المؤلف.
أما المعتقد الذي كان سائدًا في ذلك العصر في باب الصفات خاصة: فهو معتقد الأشاعرة الذي تبناه مؤسس دولة الموحدين ابن تومرت (١).
كما كان للفلسفة وجود كبير في ذلك العصر في الأندلس خاصة على يد أبي الوليد محمد بن أبي القاسم بن رشد، الحفيد، القرطبي المتوفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، والذي كانت وفاته قبل مولد القرطبي المؤلف بقليل، فابن رشد يعتبر مؤسسًا لدعائم الفلسفة في ذلك العصر بخدمته لكتب الأوائل ونشرها
_________
(١) انظر: التاريخ الإسلامي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ للدكتور عبد الرحمن الحجي ص (٤٩٩)؛ ودولة الأندلس في نهاية المرابطين ومستهل الموحدين، عصر الطوائف الثاني ص (٢٧٢) للدكتورة عصمت دندش؛ ودولة الإسلام في الأندلس ٢/ ٥٥١، (الملاحق)، وانظر: ص (١٣).
стр. 15
في مجتمعه، والتي كان من أبرزها: كتاب جوامع كتب أرسطوطاليس، وكتاب تلخيص الإلهيات لنيقولاوس، ومقالة فيما يعتقده المشَّاؤون وما يعتقده المتكلمون في كيفية وجود العالم (١).
كما ذاع في ذلك العصر معتقدٌ خَلَطَ بين فلسفة الأوائل والتصوف على يد محيي الدين بن عربي: محمد بن علي الطائي الأندلسي، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة، الذي ألف كتاب الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، اللذين أصَّل فيهما عقيدة وحدة الوجود الكفرية، التي انتشرت فيما بعد في قطاع كبير من بقاع المسلمين داخل وخارج الأندلس (٢).
أثر الحالة الدينية على المؤلف:
يظهر أثر الحالة الدينية على المؤلف في الآتي:
١ - سلوك المؤلف مسلك المتكلمين الأشاعرة في الاعتقاد (٣) وهي العقيدة السائدة في ذلك العصر سواء في الأندلس أو في المشرق الذي رحل إليه المؤلف.
٢ - تفقهه، على المذهب المالكي الذي كان سائدًا في ذلك العصر في بلاد الأندلس، بل يعتبر المؤلف من علماء ذلك المذهب، ويعتبر كتابه الجامع لأحكام القرآن من كتب الفقه المالكي المهمة.
٣ - عناية المؤلف بالرد على انحرافات الصوفية في عصره كلما سنحت له فرصة؛ وهذا من التفاعل الإيجابي مع مجتمعه والذي ظهر أثره في عنايته بتلك الردود (٤).
_________
(١) موسوعة تاريخ الأندلس للدكتور حسين مؤنس، ٢/ ١٢٨؛ والتكملة لكتاب الصلة لابن الأبار ٢/ ٧٤؛ وسير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٠٧.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٤٨، ونفح الطيب ٢/ ٦٣٣.
(٣) انظر: مزيدًا من البيان في عقيدة المؤلف ص (٤٢).
(٤) انظر: ص (٥٠).
стр. 16
المبحث الثالث الحالة العلمية في عصر المؤلف وأثرها عليه
اتسم عصر الموحدين الذي عاش المؤلف ﵀ فيه بداية حياته العلمية في قرطبة بالاهتمام بالعلوم والآداب، والحض عليها من قبل مؤسس دولة الموحدين محمد بن تومرت (١) الذي بدأ حياته بطلب العلم كما سبق ذكره (٢)، فازدهرت الحركة العلمية في بلاد الأندلس عامة وفي قرطبة خاصة حتى قال أحد المؤرخين يصف الحركة العلمية في قرطبة: "حضرت قرطبة منذ افتتحت الجزيرة فكانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وقرارة أولي الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، ودار صوب العقول، وبستان ثمر الخواطر، وبحر درر القرائح، ومن أُفُقِها طلعت نجوم الأرض (٣)، وأعلام العصر، وفرسان النظم والنثر. بها أنشئت التأليفات الرائعة، وصنفت التصنيفات الفائقة، والسبب في تبريز القوم حديثًا وقديمًا على من سواهم أن أُفُقَهُم القرطبي لم يشتمل قط إلا على البحث والطلب لأنواع العلم والأدب" (٤).
بل عَظُم أمر قرطبة جدًّا من الناحية العلمية حتى كان عمل أهلها حجة عند بعض أهل المغرب، حتى إنهم يقولون في الأحكام: هذا مما جرى به عمل أهل قرطبة، وإن كان في المسألة نزاع بين أهل العلم منهم فيها (٥).
_________
(١) انظر: دولة الإسلام في الأندلس القسم الثاني ص (٦٤٥).
(٢) انظر: ص (١٣).
(٣) هذا لا يعني أن غير أفق قرطبة لم يخرج منه نجوم، فالآفاق مليئة بالعلماء، والحمد لله.
(٤) نفح الطيب ١/ ٤٦١ باختصار.
(٥) انظر: نفح الطيب ٢/ ٣٥١.
стр. 17
كما أُغْرِم أهل قرطبة باقتناء الكتب حتى صارت من أروج تجاراتها، حتى قيل: إذا مات عالم بإشْبِيْلية (١) فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها؛ فكانت قرطبة بذلك أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأهلها أشد الناس عناية بخزائن الكتب (٢).
وقد تلقى القرطبي العلم على عدد من علماء عصره في قرطبة ومصر (٣).
أثر الحالة العلمية في عصر المؤلف عليه:
يظهر أثر الحالة العلمية على المؤلف في كثرة مصادره خاصة في كتابيه: التذكرة والجامع لأحكام القرآن، فربما اطلع أو اقتنى من تلك الكتب التي كانت تروج تجارتها في قرطبة الشيء الكثير.
وأما في المشرق فاعتنى بالناحية الحديثية حيث نجد أن جلّ شيوخه فيها من المحدثين، وجل أسانيد المصنف خاصة التي أوردها في كتاب التذكرة عن محدثي مصر (٤).
* * * * *
_________
(١) إشبيلية: بالكسر ثم السكون وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة ولام وياء خفيفة، مدينة كبيرة عظيمة بالأندلس، انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ١/ ١٩٥.
(٢) انظر: نفح الطيب ١/ ١٥٥، ٤٦٣، ٢/ ٢٥٥.
(٣) انظر: ص (٣٤).
(٤) انظر: ص (٣٦).
стр. 18
المبحث الرابع الحالة الاجتماعية في عصر المؤلف وأثرها عليه
لم تكن الرعاية في عصر دولة الموحدين في الأندلس تقتصر على النواحي الحربية وإعداد الجيوش، والنواحي العلمية فحسب، بل كانت تتجاوز ذلك لتصل إلى النواحي العمرانية والجمالية في الأندلس، فكما أنشأت الدولة الإنشاءات العسكرية أنشأت كذلك القصور المزودة ببساتين مزينة بأنواع الغراس، وغير ذلك من مشاريع تجميل المدن، كما عملت على تهيئة المياه الجارية في المدن لسقاية الناس.
كما امتد اهتمام أهل الأندلس بالجماليات حتى في القرى، حكى صاحب نفح الطيب قول أحد الواصفين لقرى الأندلس: ومما اختصت به أن قراها في نهاية من الجمال لتصنع أهلها في أوضاعها، وتبييضها لئلا تنبو العيون عنها.
وفي هذا يقول أحد الوزراء:
لاحت قراها بين خضرة أيكها … كالدر بين زبرجد مكنون (١)
ومما يتميز به المجتمع الأندلسي عمومًا التعاون الذي يمثل السمة السائدة بينهم، خاصة بين الفلاحين في زراعة الحقول، وجمع المحصول، كما كانوا يستعيرون الدواب من بعضهم البعض خاصة في حراثة الأرض، بل بلغ بهم التعاون أن يستعير أحدهم مكانًا في دُورِ أهل البلد؛ ليحفر فيها مخزنًا لحبوبه داخل الأرض.
أما الغالب على لباس أهل الأندلس من الرجال: القميص والسراويلات،
_________
(١) انظر: نفح الطيب ١/ ٢٠٥.
стр. 19
كما يغلب عليهم ترك العمائم (١).
ولقوة علاقاتهم الاجتماعية نجد أن الأبناء في أغلب الأحيان يتزوجون ولا ينفصلون عن أُسَرِهم (٢).
أثر الحالة الاجتماعية على المؤلف:
جاء عن المؤلف نص يفهم منه أن والده كان يعمل في أحد حقول قرطبة الزراعية، كما عمل المؤلف نفسه على الدواب في نقل التراب إلى من يقومون ببعض الحِرَفِ (٣)، فربما كان الوضع الاجتماعي للفلاحين في قرطبة، وما يسوده من ترابط وتعاون هو الذي دفع المؤلف لقضاء باقي أيام عمره في منطقة بني خصيب في صعيد مصر، التي يشتهر أهلها بأنهم فلاحون إلى يومنا هذا (٤).
كذلك ذكر ابن فرحون المالكي (٥) في صفة المؤلف: وكان قد اطرح التكلف: يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.
فربما ترك القرطبي لبس الطاقية كما ذكر ابن فرحون طرحًا للتكلف، كما يحتمل أنه ترك لبسها تقليدًا لمجتمعه الذي كان يغلب على أهله ترك لبس العمائم كما مرّ بنا (٦).
* * * * *
_________
(١) انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب ١/ ١٣٦.
(٢) انظر: دولة الأندلس في نهاية المرابطين إلى مستهل الموحدين ص (٣٠٢ - ٣٠٥)؛ والتاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة ص (٥٠٠).
(٣) انظر: ص (٢٧).
(٤) انظر: ص (٣١ - ٣٢).
(٥) في الديباج المذهب ٢/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٦) انظر: ص (٢٣ - ٢٤).
стр. 20
الفصل الثاني في ترجمة المؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حياة المؤلف الشخصية.
المبحث الثاني: شخصية المؤلف العلمية.
المبحث الثالث: مذهب المؤلف العقدي والفقهي.
стр. 21
المبحث الأول حياة المؤلف الشخصية
اسمه ونسبه وكنيته:
هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْحٍ، الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي، هكذا ذكر المؤلف اسمه ونسبه في مقدمة كتابه التذكرة، وزادت بعض نسخ الكتاب ومصادر الترجمة (١) كنيتَه: أبو عبد الله.
فالنسبة إلى الخزرج التي ذكرها المصنف في نسبه أخص، لأن الخزرج من الأنصار، فقد انتقلت منهم جماعات إلى الأندلس أيام فتحها، قال صاحب نفح الطيب (٢): "ففيها - أي قرطبة - تمخضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية وإليها كانت الرحلة"، وكذلك النسبة إلى الأندلس وقرطبة؛ فقرطبة من مدن الأندلس وكانت بها نشأة المصنف وسكناه.
مولده:
لم تذكر المصادر التي اطلعت عليها، والتي ترجمت للمصنف سنة الولادة، وإنما ذكرت سنة الوفاة فقط، لكن ذكر المؤلف نصًا في تفسيره يمكن أن نستفيد منه في تقريب سنة ولادته، حيث أرّخ لسنة مقتل والده بأيدي النصارى في الثالث من رمضان من سنة سبع وعشرين وستمائة (٦٢٧ هـ) كما تقدم (٣)، فمن خلال ذلك النص نجد أن المؤلف ﵀ ذهب يستفتي مشايخه في
_________
(١) انظر: الديباج المذهب لابن فرحون المالكي ٢/ ٣١٧، وتاريخ الإسلام للذهبي ٥٠/ ٧٤ - ٧٥، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ٧/ ٥٨٤ - ٥٨٥.
(٢) انظر: نفح الطيب ١/ ٤٦١.
(٣) انظر: ص (١٥).
стр. 22
شأن والده الذي قتل في غير المعركة هل يدفنه بدمه ولا يغسله على اعتبار أنه من قتلى المعركة، أم يغسله على اعتبار أنه من سائر الموتى، فذهابه لأكثر من شيخ ليستفتيه في ذلك فيه دليل على أن المؤلف كان في ذلك الوقت في مرحلة طلب العلم أيام الشباب، فإذا علمنا أن تاريخ مقتل والده كان سنة (٦٢٧ هـ)، فلو قدرنا أنه كان حين ذهابه يستفتي في أمر دفن والده في العام السابع عشر إلى الثالث والعشرين من عمره، فيكون تاريخ مولده التقريبي ما بين سنة أربع وستمائة وسنةِ عشر وستمائة (٦٠٤ إلى ٦١٠ هـ)، فإذا علمنا أن المؤلف توفي سنة (٦٧١ هـ) فعلى التقدير الأول يكون المصنف قد عاش ٦٧ سنة، وعلى التقدير الثاني يكون قد عاش ٦١ سنة، ويُستأنس لهذا التقدير بقوله ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" (١) والله أعلم.
نشأته:
لم تذكر لنا المصادر شيئًا عن نشأة القرطبي أو عن أسرته؛ والسبب في ذلك والله أعلم أن العدو لما استولى على قرطبة وأرغم أهلها على الهجرة منها لا زال القرطبي في مرحلة طلب العلم، وعادة المؤرخين أن يؤرخوا لمشاهير العلماء، وقبل أن يشتهر القرطبي بالعلم في بلده سقطت قرطبة في أيدي العدو، كما أن المؤلف ﵀ توفي بعيدًا عنها. إلا أن القرطبي أخبرنا في كتابه التذكرة بنوع عمل كان يعمله في زمن الشباب حيث يقول: "ولقد كنت في زمن الشباب أنا وغيري ننقل التراب على الدواب من مقبرة عندنا تُسمى بمقبرة اليهود خارج قرطبة، وقد اختلط بعظام مَن هناك ولحومهم وشعورهم وأبشارهم
_________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه ٢/ ١٤١٥، ح ٤٢٦٣ واللفظ له؛ والترمذي في سننه ٥/ ٥٥٣، ح ٣٥٥٠؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده ١٠/ ٣٩٠، ح ٥٩٩٠؛ كلهم من حديث أبي هريرة ﵁، قال الترمذي: هذا حسن غريب، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه شيخ هشيم ولم يُسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد له ١٠/ ٢٠٦؛ وقال الألباني: حسن صحيح، انظر: صحيح سنن ابن ماجه له ٢/ ٤١٥، ح ٣٤١٤.
стр. 23
إلى الذين يصنعون القَرْمَدُ (١) للسُقُف"، فالذي يظهر أن القرطبي كان يتكسب من عمله هذا؛ لأن الذين يصنعون تلك الحجارة للسقف ما يصنعونها في العادة إلا لبيعها.
كذلك لما ذكر المؤلف مقتل والده بيّن لنا أن الناس كانوا في حقولهم، وخص الأرض بالذكر، فقد يفهم من ذلك أن غالب أهل قرطبة كانوا يعملون في الزراعة، وقد يكون والد المؤلف من أولئك الفلاحين.
وعلى العموم، فالذي يظهر أن القرطبي نشأ في كنف أسرة فقيرة أو متوسطة الحال.
وأما عن الناحية العلمية لأسرة المؤلف: فلم أقف على نصٍّ يدل على أن المؤلف نشأ في أسرة علمية، أو تُعنى بالعلم.
بعض صفات المؤلف:
١ - زهده وتواضعه: قال ابن فرحون المالكي عن المؤلف: "كان من عباد الله الصالحين (٢)، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف".
وقال عنه أيضًا: "وكان قد اطرح التكلف: يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية" (٣).
وقد ألف القرطبي ﵀ كتابًا في الزهد سماه: (الزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة)، وقد كان زهد المصنف عن علم وبصيرة، وقد
_________
(١) القَرْمَد: ضرب من الحجارة يوقد عليها، فإذا نضج طُلي به. الصحاح ٢/ ٥٢٤.
(٢) تُحْمل عبارة ابن فرحون على تقدير محذوف: (هكذا أحسبه، أو أظنه)؛ لأن الحكم بالصلاح القطعي لا يعلمه إلا الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فالله تعالى لا يشاركه أحدٌ من خلقه في علم ما بالقلوب أو تقواه حتى يحمل اسم التفضيل على بابه، وإنما لنا الحكم بما ظهر من حال الشخص.
(٣) انظر: الديباج المذهب ٢/ ٣١٧ - ٣١٨.
стр. 24
كان يشنِّع على الصوفية الذين لم يفهموا الزهد على المعنى الصحيح، فقد جاء عنه في تفسيره (١) ما نصه: "فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة، والله تعالى أعلم.
قلت (٢): وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات، واحتج بقول عمر ﵁: "إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر" (٣)، والجواب: أن هذا من عمر قول خُرِّج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا؛ ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله إياكم والتنعم وزي أهل العجم واخشوشنوا، ولم يُردْ ﵁ تحريمَ شيء أحلّه الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه، وقول الله أولى ما امتثل واعتمد عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقد مضى في المائدة (٤) الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام وهذه الآية ترد عليه وغيرها والحمد لله".
٢ - شجاعته وثبات جنانه: جاء في كتاب الوافي بالوفيات للصفدي (٥) ما يلي: "ترافق القرطبي المفسر، والشيخ شهاب الدين القرافي (٦) في السفر إلى الفيوم (٧)، وكلٌّ منهما شيخ فنه في عصره: القرطبي في التفسير والحديث،
_________
(١) ٧/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم الفقرة ١٩٩.
(٢) ما زال القول للقرطبي.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٥، ح ١٦٧٣؛ وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ١٤١، ح ٢٤٥٣١.
(٤) أي في تفسير سورة المائدة من تفسير المصنف الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٦٩ فقرة رقم ٢٦٢.
(٥) ٢/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٦) أحمد بن إدريس، أبو العباس شهاب الدين القرافي المالكي، برع في الفقه، والأصول، والعقليات. له مصنفات منها: شرح محصول الرازي، وكتاب التنقيح في أصول الفقه، انظر: الديباج لابن فرحون ١/ ٦٢.
(٧) مدينة مصرية تقع إلى الجنوب الغربي من القاهرة، على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة قارون. موسوعة المدن العربية والإسلامية للدكتور يحيى الشامي ص (٢٠٤).
стр. 25
والقرافي في المعقولات، فلما دخلاها ارتادا مكانًا ينزلان فيه، فدُلَّا على مكان، فلما أتياه قال لهما إنسان: يا مولانا بالله لا تدخلاه؛ فإنه معمور بالجان، فقال الشيخ شهاب الدين للغلمان: ادخلوا ودعونا من هذا الهذيان، ثم إنهما توجها إلى جامع البلد إلى أن يفرش الغلمان المكان، ثم عادا، فلما استقرا بالمكان سمعا صوت تَيْسٍ من المعز يصيح داخل الخرستان (١)، وكرر ذلك الصياح فامتقع لون القرافي وخارت قواه، ثم إن الباب فُتِحَ وخرج منه رَأْسُ تَيْسِ، جعل يصيح، فذاب القرافي خوفًا، وأما القرطبي فإنه قام إلى الرأس وأمسك بقرنيه وجعل يتعوذ ويبسمل ويقرأ: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أم عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ولم يزل كذلك حتى دخل الغلام ومعه حبل وسكين، وقال: يا سيدي تنح عنه، وجاء إليه وأخرجه وأنكاه وذبحه، فقال له: ما هذا؟ فقال: لما توجهتما (٢) رأيته فاسترخصته واشتريته لنذبحه ونأكله وأودعته هذا الخرستان، فأفاق القرافي في حاله وقال: يا أخي لا جزاك الله خيرًا ما كنت قلت لنا وإلا طارت عقولنا".
هجرة المؤلف إلى مصر، ووفاته فيها:
لما ضاق الحال بأهل قرطبة من جراء غزو النصارى الإسبان لبلدهم هجرها الكثير من أهلها حتى أهل العلم، وكان المؤلف ﵀ من بين أولئك المهاجرين، فكانت هجرته إلى مصر.
لم تذكر لنا مصادر الترجمة متى هاجر المؤلف ولماذا اختار مصر. هذه أسئلة تدور في الخاطر، حاولت أن أجد لها أجوبة من وقائع الأحداث التي وقفت عليها لسد بعض النقص في جوانب من حياة المؤلف.
- أما تاريخ هجرته من قرطبة فيحتمل أن يكون بعد سقوط قرطبة على أيدي النصارى الإسبان في سنة ٦٣٣ هـ مباشرة أو بعد ذلك بيسير، لكن من
_________
(١) لم أقف على من ذكر معناه، لكن يبدو من السياق أنه ملحق من ملحقات تلك الدار.
(٢) أي إلى جامع البلد.
стр. 26
المؤكد وصول المؤلف إلى مصر قبل يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة سبع وأربعين وستمائة (٦٤٧ هـ)؛ لأنه في هذا التاريخ نص على أنه عن روي عن شيخه الإمام الحافظ المسند أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو البكري التيمي من ولد أبي بكر الصديق ﵁ قراءة عليه بالمنصُورة (١) بالديار المصرية. لكن من المرجح أن المؤلف وصل إلى مصر قبل هذا التاريخ بكثير للفارق الزمني الكبير بين تاريخ سقوط قرطبة وتاريخ روايته عن شيخه أبي الحسن البكري المتقدم.
- أما اختيار المؤلف لمصر مع وجود عاصمة الخلافة: بغداد، وكثرة العلماء فيها، فمن المحتمل أنه أثر الابتعاد عن العاصمة؛ لأنها مسرح للأحداث، ومحل للفتن وهجمات الأعداء، فإذا كان هذا هو السبب فيكون قد صدق ظنه؛ لأن في زمن وجود المؤلف في مصر هجم التتار على بغداد وقتلوا فيها ألف ألف نسمة وأكثر العلماء والفقهاء (٢).
ومن المحتمل أيضًا أن اختياره لمصر كان لوجود بعض العلماء الذين كان يتطلع إلى التلقي منهم كشيخه أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، الذي كان مقيمًا في الإسكندرية (٣) حيث أكثر المؤلف من الرواية عنه والملازمة له.
- كما لم تذكر لنا مصادر ترجمة المؤلف أنه نزل في غير الإسكندرية، والفيوم، ومنية بني خصيب في صعيد مصر إلا ما ذكره عن نفسه أنه روى عن شيخه أبي الحسن البكري بالمنصُورة من مدن مصر.
وأيضًا لم تذكر لنا مصادر الترجمة لماذا انتقل القرطبي إلى منية بني خصيب في الصعيد وفضلها على غيرها من مناطق مصر؛ لتكون آخر محط
_________
(١) تقع مدينة المنصورة في دلتا النيل قريبًا من الزقازيق وعلى فرع النيل الشرقي، موسوعة المدن العربية الإسلامية ص (٢٠٧).
(٢) انظر: ص (١٧).
(٣) ثاني أكبر مدن مصر تقع على البحر الأبيض المتوسط على الساحل الأفريقي على خط ٣١ درجة شمالًا، بين مدينتي رشيد شرقًا، ومرسي مطروح غربًا، موسوعة المدن العربية والإسلامية ص (٢٠٢).
стр. 27
رحله؛ فلعل السبب في ذلك والعلم عند الله تعالى: هو وجود شيخه أبي الحسن علي بن هبة الله الشافعي في منية بني خصيب الذي روى عنه المؤلف، وقد أورد القرطبي في كتابه التذكرة ثلاث روايات بسنده عن شيخه أبي الحسن هذا، فمن ذلك قوله: "وأنبأناه الشيخ الفقيه الإمام المفتي أبو الأحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية بني خصيب (١) على ظهر النيل بها".
ولعل أيضًا من أسباب اختيار صعيد مصر: هو رغبة المؤلف في أن يقضي باقي أيام عمره بعيدًا عن المدنية؛ ليتفرغ لعبادة ربه ، وتأليف كتبه وتنقيح المؤلَّفِ منها، فاختار منية بني خصيب بصعيد مصر، فأهل الصعيد في جملتهم فلاحون يعيشون حياة لا تكلفَ فيها، قد تكون أقرب إلى الحياة التي عاشها المؤلف أيام شبابه في قرطبة، وأقرب إلى حياة الزهد التي يحبها.
فبقي ﵀ في منية بني خصيب إلى أن توفي فيها في أوائل سنة (٦٧١ هـ) (٢)، وقيل في شوال من السنة نفسها (٣).
* * * * *
_________
(١) تسمّى الآن بمحافظة المنيا، وتقع في وادي النيل بين أسيوط جنوبًا وبني سويف شمالًا، وهي تحاذي الصحراء الغربية لجهة الشرق، موسوعة المدن العربية والإسلامية ص (٢٠٩).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي ٥٠/ ٧٥.
(٣) انظر: معجم المؤلفين لرضا كحالة ٨/ ٢٣٩.
стр. 28
المبحث الثاني حياة المؤلف العلمية
فيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مكانة المؤلف العلمية وثناء العلماء عليه.
المطلب الثاني: شيوخ المؤلف.
المطلب الثالث: مصنفات المؤلف.
المطلب الأول مكانة المؤلف العلمية وثناء العلماء عليه
أعطى المؤلف رحمه الله تعالى الكثير من وقته وجهده للعلم والتحصيل والتصنيف، مما جعل له قدمًا راسخًا بين أهل العلم، فأُثني عليه وعلى مصنفاته.
قال الحافظ الذهبي (١) عنه: "الإمام العلّامة، أبو عبد الله الخزرجي القرطبي، إمام متفنن، متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور فضله، وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وهو كامل في معناه، وله كتاب الأسنى في الأسماء الحسنى، وكتاب التذكرة، وأشياء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه" (٢).
_________
(١) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قائماز الإمام الحافظ، مؤرخ الإسلام، أبو عبد الله المعروف بالذهبي، له مؤلفات كثيرة منها: طبقات الحفاظ، سير أعلام النبلاء، توفي سنة ٧٤٨ هـ، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٥٥.
(٢) انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي ٥٠/ ٧٤ - ٧٥.
стр. 29
وقال عنه ابن فرحون المالكي (١): "جمع في تفسير القرآن كتابًا كبيرًا في اثني عشر مجلدًا سماه: كتاب جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن، وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها نفعًا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ، وله شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب التذكار في أفضل الأذكار، وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علمًا، وكتاب التذكرة بأمور الآخرة مجلدين، وكتاب شرح التقصي، وكتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة (٢) لم أقف على تأليف أحسن منه في بابه، وله أرجوزة جمع فيها أسماء النبي ﷺ ، وله تآليف وتعاليق مفيدة غير هذه" (٣).
وقال عنه ابن العماد الحنبلي (٤): "كان إمامًا علَمًا من الغواصين على معاني الحديث، حسن التصنيف، جيد النقل".
وتتأكد مكانة المؤلف العلمية، ومكانة مصنفاته من خلال نقول أهل العلم من مصنفاته فعلى سبيل المثال: نقل الحافظ ابن حجر من كتاب التذكرة للقرطبي أربعة وعشرين نصًا في كتابه فتح الباري (٥)، رحم الله الجميع.
المطلب الثاني شيوخ المؤلف
يمكننا أن نُقَسِّمَ شيوخ المؤلف إلى قسمين: قسم روى عنهم في قرطبة، وقسم روى عنهم في مصر.
_________
(١) أبو الوفا إبراهيم بن علي بن فَرْحون اليعمري، المالكي، تفقه وبرع وصنف وجمع، توفي في سنة ٧٩٩ هـ، شذرات الذهب لابن العماد ٨/ ٦٠٨.
(٢) هكذا جاء اسم الكتاب في الديباج، وسيأتي في ص (٤١) التنبيه إلى التحريف في كلمتي (الكتب والشفاعة) والصواب: الكسب والصناعة.
(٣) في الديباج المذهب ٢/ ٣١٧.
(٤) في شذرات الذهب ٧/ ٥٨٤ - ٥٨٥.
(٥) انظر: ص (٦٧).
стр. 30
شيوخ المصنف في قرطبة:
منهم:
١ - ربيع بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، من أهل قرطبة، وقاضيها، يُكنى أبا سليمان، كان عدلًا في أحكامه، نبيه القدر، خرج من وطنه لما استولى عليه الروم يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (٦٣٣ هـ)، وتوفي إثر ذلك وكان مولده سنة تسع وستين وخمسمائة (٥٦٩ هـ) (١)، ذكره المؤلف في تفسيره ونص على أنه شيخه (٢).
٢ - وأحمد بن محمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي، أبو جعفر، يعرف بابن أبي حُجة، من كبار الأستاذين، مقرئًا متقدمًا، نحويًا محققًا، محدثًا حافظًا، أقرأ القرآن والنحو، وأسمع الحديث بقرطبة، ثم خرج عند تغلب العدو عليها إلى إشبيلية، ثم ركب البحر إلى سَبْتة (٣) فأُسِرَ هو وأهله، وحُمِلَ إلى مَنُوْرَقة (٤) ففداه أهلها، فمكث ثلاثة أيام ومات، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وستمائة (٦٤٣ هـ)، وله من المصنفات: كتاب تسديد اللسان في النحو، والجمع بين الصحيحين، وغير ذلك (٥). ذكره المؤلف في تفسيره في ثلاثة مواضع (٦)، ونص على أنه شيخه، فمن تلك المواضع قول المؤلف: "سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ النحوي المحدث أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حُجة" (٧).
_________
(١) انظر: التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار (١/ ٢٦٠).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٧٤ فقرة ٢٧٢، وانظر: ص (١٦).
(٣) سَبْتة: المشهور بفتح الأول، وقيل بكسره، وهي بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب ومرساها أجود مرسى على البحر، وهي تقابل جزيرة الأندلس، انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٣/ ١٨٢.
(٤) مَنُوْرَقة: بالفتح ثم الضم وسكون الواو وفتح الراء وقاف، جزيرة عامرة في شرقي الأندلس، معجم البلدان ٥/ ٢١٦.
(٥) انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي ١/ ٣٨٣.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٧٤ فقرة ٢٧٢، ٥/ ٢٣٧ فقرة ٣٧٠.
(٧) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٨٨ فقرة ٢٩٧.
стр. 31
شيوخ المؤلف في مصر:
منهم:
٣ - ابن رواج، المحدث رشيد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح الإسكندراني المالكي، ولد سنة أربع وخمسين وخمسمائة (٥٥٤ هـ)، وسمع الكثير من السِّلَفِي، ونسخ الكثير، وخرج الأربعين، وكان ذا دِينٍ، توفي في الثامن عشر من ذي القعدة لسنة ثمان وأربعين وستمائة (٦٤٨ هـ) حدث عنه المؤلف، وروى له بسنده في كتاب التذكرة في عدد من المواضع (١) منها قوله: "أنبأناه الشيخ المسن الحاج الراوية أبو محمد عبد الوهاب بن ظافر بن علي بن فتوح بن أبي الحسن القرشي، عُرف بابن رواج بمسجده بثغر الإسكندرية حماها الله".
٤ - والعلامة بهاء الدين أبو الحسن علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم بن علي اللخمي المصري، الشافعي، مسند الديار المصرية وخطيبها ومدرسها، ولد بمصر سنة تسع وخمسين وخمسمائة (٥٥٩ هـ)، سمع من ابن عساكر ببغداد، وسمع من السِّلفي بالإسكندرية، ورحل إليه الطلبة، وروى عنه خلائق لا يحصون، من بينهم المؤلف، وقد نص على الرواية عنه في ثلاثة مواضع من كتابه التذكرة، بل قد لازمه المؤلف في بلده بني خصيب التي توفي فيها القرطبي.
٥ - وأحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري، الأندلسي ثم القرطبي، المالكي الفقيه، عُرف بابن المزين، يُلقب بضياء الدين، من أعيان فقهاء المالكية، نزل الإسكندرية واستوطنها، ودرّس بها، كان جامعًا لعلم الحديث والفقه واللغة، وغير ذلك، وله كتاب: المفهم شرح صحيح مسلم، واختصر صحيحي البخاري ومسلم، كان مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة (٥٧٨ هـ)، وتوفي بالإسكندرية سنة ست وخمسين وستمائة (٦٥٦ هـ) (٢).
_________
(١) انظر: ص (٣٤١، ٤٩٦، ٦٢٩).
(٢) انظر: الديباج المذهب لابن فرحون ١/ ٢٤٠ - ٢٤٢؛ وشذرات الذهب لابن العماد ٥/ ٢٧٣.
стр. 32
وأبو العباس أحمد بن عمر القرطبي هو شيخ المؤلف الأول بلا منازع من حيث كثرة الرواية عنه، والنقل لأقواله خاصة في كتاب التذكرة والتفسير، فقد روى المؤلف عن طريق شيخه أبي العباس في التذكرة خمس روايات منها قوله: "أنبأنا الشيخ الإمام الفقيه المحدث أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي بثغر الإسكندرية"، وقال في موضع آخر: "وقال شيخنا أحمد بن عمر".
٦ - والبكري المحدث العالم المفيد الرّحال المصنف، صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو القرشي التيمي النيسابوري ثم الدمشقي، عمل ذيل تاريخ دمشق، وغير ذلك.
ولي حسبة دمشق وكان إمامًا عالمًا أحد الرحالين، وحصل له فالج فتحول إلى مصر مات بها في الحادي عشر من ذي الحجة سنة ست وخمسين وستمائة (٦٥٦ هـ) (١).
نص المؤلف على الرواية عنه في كتابه التذكرة في موضع واحد، حيث جاء فيه: "قلت: أخبرنا عاليًا الشيخ الإمام الحافظ المسند أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو البكري التيمي من ولد أبي بكر الصديق ﵁ قراءة عليه بالمنصورة بالديار المصرية في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب الفرد سنة سبع وأربعين وستمائة".
٧ - والمنذري عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد الحافظ الكبير، الإمام الثبت شيخ الإسلام زكي الدين أبو محمد المنذري الشامي ثم المصري، مولده في غرة شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (٥٨١ هـ)، سمع بالمدينة النبوية من الحافظ جعفر بن أمورسان، وبدمشق من عمر بن طبرزد، ومحمد بن الرتف، والتاج الكندي وطبقتهم، وبحرَّان والإسكندرية، والرها، وبيت المقدس وعمل معجمه في مجلد، واختصر
_________
(١) انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي ٢/ ٥٠٦؛ وشذرات الذهب ٥/ ٢٧٤.
стр. 33
صحيح مسلم وسنن أبي داود، توفي في رابع ذي القعدة سنة (٦٥٦ هـ) (١).
وقد نص المؤلف على أن المنذري شيخه في تفسيره في موضعين منهما قوله (٢): "قلت سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم".
٨ - والشيخ الفقيه الإمام أبو القاسم عبد الله بن علي بن خلف الكوفي، ذكره في التذكرة.
٩ - والإمام أبو محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي الإسكندراني، ذكره في تفسيره في ثلاثة مواضع (٣).
تلاميذ المؤلف:
لم أقف للمؤلف على تلاميذ إلا ما ذكره السيوطي في طبقات المفسرين (٤) من رواية ابنه عنه، قال السيوطي: "روى عنه بالإجازة ولده شهاب الدين أحمد".
المطلب الثالث مصنفات المؤلف
يمكننا أن نقسم مصنفات المؤلف إلى قسمين: قسم أحال إليه أو أشار إليه المؤلف في كتبه، والقسم الثاني: مصنفات ذكرت في مصادر الترجمة أو في المصادر المصنفة في التعريف بالكتب.
القسم الأول: مصنفات ذكرها المؤلف في كتبه.
- كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى: بهذه الصيغة ذكره المؤلف في كتابه التذكرة كما في ص (٦٩٣ - ٦٩٤)، وكذلك أورده في تفسيره ١/ ١٨١ فقرة رقم ٢٦٢ بالصيغة السابقة نفسها. وقد أورده
_________
(١) انظر: تذكرة الحافظ الذهبي ١/ ١٤٣٦ - ١٤٣٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٨ فقرة رقم ٩، والموضع الثاني في ٨/ ١١٤ رقم ١٨٠.
(٣) منها ٤/ ١٣٧ فقرة ٢١٤.
(٤) ص (٧٩).
стр. 34
بصيغة مختصرة على النحو التالي: الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في تفسيره، وذلك في سبعةٍ وعشرين موضعًا منها ١/ ٤١ فقرة رقم ٥٦، ١٨/ ٣٢ فقرة رقم ٤٨. وأورده مختصرًا جدًّا هكذا: الكتاب الأسنى، في تفسيره: ١٧/ ١٤ فقرة رقم ١٩. والكتاب مطبوع في مجلدين من طبعة دار الصحابة للتراث بطنطا، طبع للمرة الأولى سنة ١٤١٦ هـ وخرّج أحاديثه: طارق أحمد محمد، والكتاب المطبوع يحمل العنوان التالي: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ولم ترد فيه جملة (وصفات الله العلى) وما ذكره المؤلف في تذكرته وتفسيره في الصيغة الأولى أتم وأنسب لمضمون الكتاب؛ لأن الكتاب ينقسم إلى قسمين: قسم في ذكر أسماء الله تعالى وشرحها والأدلة عليها، والقسم الأخير في صفات الله تعالى.
- كتاب الإعلام في معرفة مولد المصطفى ﵊: ذكره المؤلف في تفسيره ١٥/ ٧٥ فقرة رقم ١١٣، وذكره أيضًا في تفسيره ١٥/ ١٤١ فقرة رقم ٢١٧ بصيغة: كتاب الإعلام بمولد النبي ﵇، ولم أقف عليه، ولا على من أشار إليه.
- التذكار في أفضل الأذكار: ذكره المؤلف في كتاب التذكرة في موضع واحد في ص (١٠٢٥)، وكذلك ذكره في تفسيره في ١٥/ ١٢٦ فقرة رقم ١٩٢. قال المؤلف في التذكرة عن كتاب التذكار: "وقد أشبعنا القول في قارئ القرآن وأحكامه في كتاب التذكار في أفضل الأذكار".
وقال ابن فرحون المالكي (١) عن هذا الكتاب: "وكتاب التذكار في أفضل الأذكار، وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه وأكثر علمًا" والكتاب طبعته دار الكتاب العربي ببيروت، ط. الأولى سنة (١٤٠٨ هـ) في مجلد صغير، بتحقيق فواز أحمد زمرلي.
- كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: بهذه الصيغة سماه في
_________
(١) في الديباج المذهب ٢/ ٣١٧.
стр. 35
مقدمة الكتاب نفسه، وهو هذا الكتاب موضوع الدراسة والتحقيق، وكتاب التذكرة أكثر كتب المؤلف ورودًا وذكرًا في تفسيره، فقد ذكره باسمه في أكثر من مائة موضع، سأذكر لك بعضها من أول التفسير، وأوسطه، وآخره، فمن تلك المواضع: ١/ ٩٦ فقرة رقم ١٣٧، ٢/ ٥٥ فقرة ٧٩، ٤/ ٦٤ فقرة ١٠٠؛ ٩/ ٦٤ فقرة ٩٦، ١٠/ ١٨ فقرة ٢٤، ١١/ ٧٤ فقرة ١٠٩؛ ١٨/ ١٧٤ فقرة ٢٦٩، ١٩/ ٤٦ فقرة ٧٠، ٢٠/ ١١٣ فقرة ١٦٦. وللكتاب عدة طبعات سيأتي الحديث عنها في موضعه (١) من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
- الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان: بهذه الصيغة ورد اسم الكتاب في التذكرة في ثلاثة مواضع في ص (٢٥٨، ٤٧٦، ٧٠٥)، وذكره مختصرًا في ستة مواضع.
قال الذهبي (٢) عن كتاب الجامع: "وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وهو كامل في معناه".
وقال ابن فرحون (٣): "جمع في تفسير القرآن كتابًا كبيرًا في اثني عشر مجلدًا سماه كتاب جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن، وهو من أجل التفاسير وأعظمها نفعًا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ". وهو مطبوع عدة طبعات منها: طبعة دار الكتب العلمية ببيروت الأولى لسنة (١٤٠٨ هـ)، وهي الطبعة المحال إليها في هذا التحقيق.
- قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة: بهذه الصيغة ذكره المؤلف في تذكرته في ص (١٠٧٨)، وبها ذكره أيضًا في تفسيره ١٣/ ١٣ فقرة رقم ١٦، وورد مختصرًا هكذا: كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة، في التذكرة في موضعين في ص (٧٩٢، ١٠٧٩)، وكذلك ورد
_________
(١) انظر: ص (٧٢).
(٢) انظر: ص (٣٣).
(٣) في الديباج له ٢/ ٣١٧.
стр. 36
مختصرًا في تفسيره في موضعين ٥/ ١٠٨ فقرة ١٦٥، ١٧/ ٣٠ فقرة ٤٣. والكتاب طبعته دار الصحابة للتراث بطنطا سنة ١٤٠٩ هـ، في غلاف متوسط الحجم، بتحقيق مجدي فتحي السيد، والكتاب يحمل العنوان التالي: (قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة)، والذي يظهر لي أن عنوان الكتاب المحقق قد حدث فيه تصحيف في كلمة (الكتب) وصوابها: (الكسب)، وكذلك تصحفت كلمة (الشفاعة) وصوابها: (الصناعة) كما سماه المؤلف في تفسيره وكتابه التذكرة.
- المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس: ذكره في تفسيره في ستة مواضع هي: ١/ ١٢٢ فقرة رقم ١٧٣، ٣/ ٨ فقرة رقم ٩، ٣/ ٥٦ فقرة ٨٤، ١٢/ ٦٧ فقرة ١٠٠، ١٤/ ٢١ فقرة ٣٠، ١٨/ ١٠١ فقرة ١٥٢، والكتاب لم يرد في التذكرة، ولم أقف على من أشار إليه.
النوع الثاني: مصنفات ذُكرت في مصادر ترجمة المؤلف.
- أرجوزة في أسماء النبي ﷺ مع شرحها، نسبها إليه صاحب كشف الظنون (١)، وابن فرحون المالكي (٢).
- شرح التقصي، نسبه إليه ابن فرحون المالكي (٣).
- التقريب لكتاب التمهيد (مخطوط)، قال الزركلي (٤): يوجد في مجلدين ضخمين في خزانة القرويين بفاس برقم ٨٠/ ١١٧.
* * * * *
_________
(١) ١/ ٦٢، ٨٩.
(٢) في الديباج المذهب ٢/ ٣١٧.
(٣) في الديباج ٢/ ٣١٧.
(٤) في الأعلام له ٥/ ٣٢٢.
стр. 37
المبحث الثالث مذهب المؤلف العقدي والفقهي
وقع لي شيءٌ من الحيرة في بداية جمعي لنصوصٍ من كتب المؤلف يمكن من خلالها التعرف على معتقده، خاصة في باب الأسماء والصفات.
فكنت أقف على نصوص تدل على علم القرطبي التام بمذهب السلف في باب الأسماء والصفات، بل كنت أفهم من بعضها أنه منابذ لعقائد من خالفهم، وفي بعضها الآخر أنه على مذهب مؤوِّلة نصوص الصفات.
فمن أمثلة النوع الأول: عقده بابًا في كتابه الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (١) على النحو التالي: "باب ما جاء من الآيات والأخبار في إثبات الصفات من الوجه والعين والجنب والقدم والساعد والأصابع واليدين"، ثم قال بعد ذلك: "قال أئمتنا رضوان الله عليهم: هذه صفات طريق إثباتها السمع، فنثبتها لورود ما صح من ذلك، ولا نكيفها، والكلام في هذه الصفات فرع عن الكلام في الذات".
وقال في موضع آخر من كتابه الأسنى (٢): "وروى مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله تعالى لم يخلق آدم بيده، وقالوا: معنى اليد ها هنا القدرة، وقال
_________
(١) ٢/ ١٩.
(٢) ٢/ ٢٤.
стр. 38
إسحاق بن إبراهيم (١): إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، وأما إذا قال: لله يد وسمع وبصر ولا يقول: كيد أو مثل سمع فهذا لا يكون تشبيهًا" ا. هـ.
ويقول في تفسيره (٢): "وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء؛ فإنه لا تعلم حقيقته، قال مالك ﵀: الاستواء معلوم، يعني في اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كافٍ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء" ا. هـ.
بل نجده يرد على المتكلمين صراحة في ما ذهبوا إليه في أول ما يجب على المكلف (٣) حيث يقول: "وقد اختلف العلماء في أول الواجبات: هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة؟ فذهب القاضي (٤) وغيره إلى أن أوّل الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله ﵎ لا يُعلم ضرورةً وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته، وقد استدل الباجي (٥) على من قال: إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على
_________
(١) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، الإمام الكبير، سيد الحفاظ، أبو يعقوب، حدث عنه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهما من أقرانه، توفي سنة ثلاث وستين ومائتين ٢٦٣ هـ، أعلام النبلاء للذهبي ١١/ ٣٥٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٤٠ - ١٤١ فقرة رقم ٢١٩.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢١٠ - ٢١١ باختصار.
(٤) هو القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب، ابن الباقلاني، البغدادي، الأصولي، توفي سنة ٤٠٣ هـ، سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٩٠.
(٥) أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد، القرطبي، الباجي، صاحب التصانيف منها: "مختصر المختصر في مسائل المدونة" وكتاب "التسديد في معرفة التوحيد" وكتاب "الإشارة في أصول الفقه" وغير ذلك توفي سنة ٤٧٤ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٣٥.
стр. 39
تسمية العامة والمقلد مؤمنين قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحًا لما صح أن يُسمّى مؤمنًا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال، قال: وأيضًا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل، قال وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم وألا يُقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا.
قلت: (١): هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (٢)، وذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه، وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل النار، أو كما قال.
قلت (٣): وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه؛ لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين اقتحموا في تكفير عامة المسلمين، أين هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وانتهره أصحاب النبي ﷺ : اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ : "لقد حجّرت واسعًا"، خرجه البخاري (٤) والترمذي (٥) وغيرهما (٦)، من الأئمة، أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شيء، وكم من مثله محكوم له بالإيمان، بل اكتفى ﷺ
_________
(١) أي القرطبي.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٧، ح ٢٥؛ ومسلم في صحيحه ١/ ٥٢، ح ٢١.
(٣) ما زال القول للقرطبي.
(٤) في صحيحه ٥/ ٢٢٤٢، ح ٥٦٧٩.
(٥) في جامعه ١/ ٢٧٥، ح ١٤٧.
(٦) مسلم في صحيحه ١/ ٢٣٦، ح ٢٨٤؛ وأبو داود في سننه ١/ ١٠٣، ح ٣٨٠؛ وابن ماجه في سننه ١/ ١٧٦، ح ٥٢٩.
стр. 40
من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك، ألا تراه لما قال للسوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة" (١)، ولم يكن هناك نظر ولا استدلال بل حكم بإيمانهم في أول وهلة وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة، والله أعلم".
فهذه النقول كما ترى موافقة لمذهب السلف في باب الصفات، لكن مع ذلك نجد القرطبي يؤوِّل نصوص الصفات، بل وفي بعض المواضع يدعو إلى التأويل، ويرمي مثبتي الصفات ببعض العبارات المنفرة، فمن الأمثلة على ذلك ما جاء في تفسيره (٢): "قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ابتداء وخبر: أي بل نعمته مبسوطة، فاليد بمعنى النعمة (٣)، ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة أي قدرته شاملة فإن شاء وسّع وإن شاء قتّر".
ويقول في صفة الغضب: "ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة" (٤).
وقال في كتاب التذكرة (٥): "وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه، وأن ذلك من باب حذف المضاف، والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتب الديانات.
فإن قال بعض الأغبياء: لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه، فإن فيه: "أنا الديان" وليس يصدر هذا القول حقًّا وصدقًا إلا من رب العالمين.
قيل له: إن المَلك إذا كان يقول عن الله تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى رب العالمين كما بينت".
_________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٨١، ح ٥٣٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٥ فقرة رقم ٢٣٩.
(٣) وقد مضى قريبًا في ص (٤٢) تسمية القرطبي لمن أوّل اليد بالقدرة جهميًا.
(٤) جامع أحكام القرآن ١/ ١٠٥ فقرة رقم ١٥٠.
(٥) انظر: ص (٦٥٠).
следующие страницы →