← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

يقال: نكاح الذمية والأمة سبب للتوارث ولكن المانع قائم وهو الكفر والرق، كما أن النسب سبب للتوارث إلا إذا كان الولد رقيقا أو كافرا فالمانع قائم؛ ولهذا إذا أعتق الولد أو أسلم ورث أباه، وكذلك الزوجة إذا أسلمت في حياة زوجها ورثته باتفاق المسلمين، وكذلك إذا أعتقت في حياته واختارت بقاء النكاح ورثته باتفاق المسلمين، بخلاف المستمتع بها، فإن نفس نكاحها لا يكون سببا للإرث فلا يثبت التوارث فيه بحال، فصار هذا النكاح كولد الزنا الذي ولد على فراش زوج، فإن هذا لا يلحق بالزاني بحال فلا يكون ابنا يستحق الإرث، قال: فإن قيل: النسب قد تبعض أحكامه فكذلك النكاح، قيل: هذا فيه نزاع والجمهور يسلمونه. ولكن ليس في هذا حجة لهم، فإن جميع أحكام الزوجة منتفية في المستمتع بها، لم يثبت فيها شيء من خصائص النكاح الحلال، فعلم انتفاء كونها زوجة، وما ثبت فيها من الأحكام من لحوق النسب ووجوب الاستبراء ودرء الحدود ووجوب المهر ونحو ذلك فهذا يثبت في نكاح الشبهة فعلم أن وطء المستمتع بها ليس وطئا لزوجة لكنه مع اعتقاد الحل مثل الوطء بشبهة، وأما كون الوطء حلالا فهذا مورد النزاع فلا يحتج به أحد المتنازعين وإنما يحتج على الآخر بموارد النص والإجماع. اهـ. وممن سبق شيخ الإسلام إلى هذا الجواب أبو بكر

стр. 10887

الجصاص في أحكام القرآن: ج ٢ ص ١٤٩ قال: " الدليل على تحريمها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٣) فقصر إباحة الوطء على أحد هذين الوجهين وحظر ما عداهما بقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤) والمتعة خارجة عنها فهي إذن محرمة. فإن قيل: ما أنكرت أن تكون المرأة المستمتع بها زوجة وأن المتعة غير خارجة عن هذين الوجهين الذين قصر الإباحة عليهما؟ قيل له: هذا غلط؛ لأن اسم الزوجة إنما يقع عليها ويتناولها إذا كانت منكوحة بعقد نكاح، وإذا لم تكن المتعة نكاحا لم تكن هذه زوجة. فإن قيل: ما الدليل على أن المتعة ليست بنكاح؟ قيل له: الدليل على ذلك أن النكاح اسم يقع على أحد معنيين: الوطء والعقد، وقد بينا فيما سلف أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وإذا كان الاسم مقصورا في إطلاقه على أحد هذين المعنيين، وكان إطلاقه في العقد مجازا على ما ذكرنا، ووجدناهم أطلقوا الاسم على عقد تزويج مطلق أنه نكاح، ولم نجدهم أطلقوا اسم النكاح على المتعة، فلا يقولون: إن فلانا تزوج فلانة، إذا شرط التمتع بها لم يجز لنا إطلاق اسم النكاح على المتعة إذ المجاز لا يجوز إطلاقه إلا أن

стр. 10888

يكون مسموعا من العرب أو يرد به الشرع. فلما عدمنا إطلاق اسم النكاح على المتعة في الشرع واللغة جميعا وجب أن تكون المتعة ما عدا ما أباحه الله، وأن يكون فاعله عاديا ظالما لنفسه، مرتكبا لما حرمه الله، وأيضا فإن النكاح له شرائط قد اختص بها، متى فقدت لم يكن نكاحا، ومنها: أن مضي الوقت لا يؤثر في عقد النكاح، ولا يوجب رفعه والمتعة عند القائلين بها توجب رفع النكاح بمضي المدة، ومنها: أن النكاح فراش يثبت به النسب من غير دعوة، ولا ينتفي الولد المولود على فراش النكاح إلا باللعان، والقائلون بالمتعة لا يثبتون النسب منه فعلمنا أنها ليست بنكاح ولا فراش، ومنها: أن الدخول بها على النكاح يوجب العدة عند الفرقة، والموت يوجب العدة دخل بها أو لم يدخل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) والمتعة لا توجب عدة الوفاة، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٢) ولا توارث عندهم في المتعة. فهذه هي أحكام النكاح التي تختص بها إلا أن يكون هناك رق أو كفر يمنع التوارث، فلما لم يكن في المتعة مانع من الميراث من أحدهما بكفر أو رق ولا سبب يوجب الفرقة ولا مانع من ثبوت النسب مع كون الرجل ممن يستفرش، ويلحقه

стр. 10889

الأنساب لفراشه ثبت ذلك أنها ليست بنكاح، فإذا خرجت عن أن تكون نكاحا أو ملك يمين كانت محرمة بتحريم الله إياها في قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١) فإن قيل انقضاء المدة الموجبة للبينونة هو الطلاق، قيل له: إن الطلاق لا يقع إلا بصريح لفظ أو كناية ولم يكن منه واحد منهما فكيف يكون طلاقا؟ ومع ذلك فيجب على أصل هذا القائل أن لا تبين لو انقضت المدة، وهي حائض؛ لأن القائلين بإباحة المتعة لا يرون طلاق الحائض جائزا، فلو كانت البينونة الواقعة بمضي المدة طلاقا لوجب ألا يقع في حيض، فلما أوقعوا البينونة الواقعة بمضي الوقت وهي حائض، دل ذلك على أنه ليس بطلاق وإن كانت تبين بغير طلاق ولا سبب من قبل الزوج يوجب الفرقة، ثبت أنها ليست بنكاح. فإن قيل على ما ذكرنا من نفي النسب والعدة والميراث ليس انتفاء هذه الأحكام بمانع من أن تكون نكاحا؛ لأن الصغير لا يلحق به نسب ويكون نكاحا صحيحا والعبد لا يرث والمسلم لا يرث الكافر، ولم يخرجه انتفاء هذه الأحكام عنه من أن يكون نكاحا، قيل له: إن نكاح الصغير قد تعلق به النسب، إذا صار ممن يستفرش ويتمتع وأنت لا تلحقه نسب ولدها مع الوطء الذي يجوز أن يلحق به النسب في النكاح، والعبد والكافر إنما لم يرثا للرق والكفر، وهما يمنعنان التوارث بينهما. وذلك غير موجود في المتعة؛ لأن كل واحد منهما من أهل الميراث من صاحبه فإذا لم يكن بينهما ما يقطع الميراث ثم لم يرث مع وجود المتعة،

стр. 10890

علمنا أن المتعة ليست بنكاح؛ لأنها لو كانت نكاحا لأوجب الميراث، مع وجود سببه من غير مانع من قبلهما. اهـ.

стр. 10891

الثالث: مما أجيب به دعوى بأن المراد بقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١) متعة النساء النسخ فإن الذين قالوا ذلك من العلماء جزموا بنسخها ثم اختلفوا في ناسخها هل هو القرآن أو الحديث أو هما معا كما أوضحه الإمام أبو جعفر النحاس في كتاب: (الناسخ والمنسوخ من القرآن) حيث قال بعد استعراضه أقوال أهل العلم في تلك الآية: " قال جماعة من العلماء: كانت المتعة حلالا ثم نسخ الله جل ثناؤه ذلك بالقرآن، وممن قال هذا سعيد بن المسيب، وهو يروي عن ابن عباس وعائشة وهو قول القاسم وسالم وعروة كما قرأ علي أحمد بن محمد بن الحجاج، عن يحيى بن سليمان، قال: حدثنا علي بن هشام عن عثمان عن عطاء الخراساني عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢) قال: نسختها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) يقول الطلاق للطهر الذي لم يجامعها فيه. قرأ علي محمد بن جعفر عن

стр. 10892

يوسف بن موسى، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال: نسخت المتعة آية الميراث يعني ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (١) قال أبو جعفر: وذلك أن المتعة لا ميراث فيها، فلهذا قال بالنسخ وإنما المتعة أن يقول لها: أتزوجك يوما وما أشبه ذلك على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بينهما ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك، وهذا هو الزنا بعينه، ولذلك قال عمر بن الخطاب: لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة. قرأ علي أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: قال لي سالم بن عبد الله وهو يذاكرني: يقولون بالمتعة هؤلاء، فهل رأيت نكاحا لا طلاق فيه ولا عدة له ولا ميراث فيه. وقال: قال لي القاسم بن محمد بن أبي بكر: كيف تجترئون على الفتيا بالمتعة وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤) قال أبو جعفر: وهذا قول بين؛ لأنه إذا لم تكن تطلق ولا تعتد ولا ترث فليست بزوجة، وقال قوم من العلماء: الناسخ للمتعة الحديث عن رسول الله ﷺ كما قرأ علي أحمد بن محمد الأزدي عن إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء،

стр. 10893

قال: حدثنا جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري، أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول لابن عباس: إنك رجل تائه يعني مائل، إن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة، قال أبو جعفر: ولهذا الحديث طرق فاخترنا هذا لصحته، ولجلالة جويرية من طريق أسماء؛ ولأن ابن عباس لما خاطبه علي ﵁ بهذا لم يحاججه، فصار تحريم المتعة إجماعا؛ لأن الذين يحلونها اعتمادهم على ابن عباس، وقال قوم: نسخت المتعة بالقرآن والسنة جميعا وهذا قول أبي عبيد. اهـ. وقد روى الربيع بن سبرة عن أبيه «أن النبي ﷺ حرم المتعة يوم الفتح (١) » وقد صح من الكتاب والسنة التحريم (٢) . مواقف أئمة العلم من اختلاف الروايات في الوقت الذي حرمت فيه المتعة، مع اتفاقهم على أن هذا الاختلاف لا يقدح فيها قدحا يقتضي تركها والاستمرار على الإباحة، وأما دعوى أن اختلاف الروايات الواردة في تاريخ تحريم متعة النساء يقدح فيها قدحا يقتضي البقاء على أصل الإباحة، فقد أجيب عنها بما يلي:

стр. 10894

١ - قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم في تلك الأحاديث ما نصه: " ذكر مسلم عن سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس، ومن رواية سبرة إباحتها يوم الفتح، وهما واحد ثم حرمت يومئذ، وفي حديث علي تحريمها يوم خيبر وهو قبل الفتح، وذكر غير مسلم عن علي أن النبي ﷺ نهى عنها في غزوة تبوك، من رواية إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي، ولم يتابعه أحد على هذا، وهو غلط منه، وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ وسفيان ابن عيينة والعمري، ويونس وغيرهم عن الزهري وفيه يوم خيبر وكذا ذكره مسلم عن جماعة عن الزهري وهذا هو الصحيح. وقد روى أبو داود من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه النهي عنها في حجة الوداع، قال أبو داود: وهذا أصح ما روي في ذلك، وقد روي عن سبرة أيضا إباحتها في حجة الوداع، ثم نهى النبي ﷺ عنها حينئذ إلى يوم القيامة. وقد روي عن الحسن البصري أنها ما حلت قط إلا في عمرة القضاء، وروي هذا عن سبرة الجهني أيضا ولم يذكر مسلم في روايات حديث سبرة تعيين وقت إلا في رواية محمد بن سعيد الدارمي، ورواية إسحاق بن إبراهيم ورواية يحيى بن يحيى فإنه ذكر فيها يوم فتح مكة قالوا: وذكر الرواية بإباحتها يوم حجة الوداع خطأ؛ لأنه لم يكن يومئذ

стр. 10895

ضرورة ولا عزوبة وأكثرهم حجوا بنسائهم، والصحيح أن الذي جرى في حجة الوداع مجرد النهي كما جاء في غير رواية ويكون تجديده ﷺ النهي عنها لاجتماع الناس، وليبلغ الشاهد الغائب ولتمام الدين، وتقرر الشريعة كما قرر كل شيء وبين الحلال والحرام يومئذ وبت تحريم المتعة حينئذ؛ لقوله: " إلى يوم القيامة " قال القاضي: ويحتمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي عمرة القضاء ويوم الفتح، ويوم أوطاس أنه حدد النهي، في هذه المواطن؛ لأن حديث تحريمها يوم خيبر صحيح، لا مطعن فيه، بل هو ثابت من رواية الثقات الأثبات، لكن في رواية سفيان أنه نهى عن المتعة، ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فقال بعضهم هذا الكلام فيه انفصال، ومعناه أنه حرم المتعة، ولم يبين زمن تحريمها ثم قال: ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فيكون يوم خيبر لتحريم الحمر خاصة ولم يبين وقت تحريم المتعة ليجمع بين الروايات قال هذا القائل: وهذا هو الأشبه أن تحريم المتعة كان بمكة، وأما تحريم لحوم الحمر فبخيبر بلا شك، قال القاضي: وهذا أحسن لو ساعده سائر الروايات عن غير سفيان، قال: والأولى ما قلناه: أنه قرر التحريم لكن يبقى بعد هذا ما جاء من ذكر إباحته في عمرة القضاء، ويوم الفتح ويوم أوطاس فتحتمل أن النبي ﷺ أباحها لهم

стр. 10896

للضرورة بعد التحريم ثم حرمها تحريما مؤبدا فيكون حرمها يوم خيبر وفي عمرة القضاء ثم أباحها يوم الفتح للضرورة ثم حرمها يوم الفتح أيضا تحريما مؤبدا وتسقط رواية إباحتها يوم حجة الوداع؛ لأنها مروية عن سبرة الجهني، وإنما روى الثقات الأثبات عنه الإباحة يوم فتح مكة، والذي في حجة الوداع إنما هو التحريم، فيؤخذ من حديثه ما اتفق عليه جمهور الرواة ووافقه عليه غيره من الصحابة ﵃، من النهي عنها يوم الفتح، ويكون تحريمها يوم حجة الوداع، تأكيدا وإشاعة له كما سبق. وأما قول الحسن: إنما كانت في عمرة القضاء لا قبلها ولا بعدها، فترده الأحاديث الثابتة في تحريمها يوم خيبر، وهي قبل عمرة القضاء وما جاء من إباحتها يوم فتح مكة، ويوم أوطاس مع أن الرواية بهذا إنما جاءت عن سبرة الجهني وهو راوي الروايات الأخرى، وهي أصح، فيترك ما خالف الصحيح، وقد قال بعضهم: هذا مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين، والله أعلم " انتهى كلام القاضي عياض ونقله عنه النووي في شرح صحيح مسلم ج ٩ ص ١٨٠، ١٨١ وتعقبه ص ١٨١ بقوله: " والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة

стр. 10897

واستمر التحريم ولا يجوز أن يقال: إن الإباحة مختصة، بما قبل خيبر والتحريم يوم خيبر للتأبيد كما اختاره المازري والقاضي؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة يوم الفتح صريحة في ذلك فلا يجوز إسقاطها ولا مانع يمنع تكرير الإباحة، والله أعلم " اهـ. الثاني: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة، وشمس الدين ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد. فقد قال شيخ الإسلام في الجزء الثاني من منهاج السنة. (ج ٢ ص ١٥٦) : " قد ثبت عن النبي ﷺ أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لابن عباس ﵄ لما أباح المتعة: «إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر (١) » رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها أئمة الإسلام في زمانهم مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما ممن اتفق على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه، وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة وقد تنازع

стр. 10898

رواة حديث علي ﵁، هل قوله: عام خيبر، توقيت لتحريم الحمر فقط، أو له ولتحريم المتعة؟ والأول قول ابن عيينة، وغيره قالوا: إنما حرمت عام الفتح ومن قال بالآخر قال: إنها حرمت ثم أحلت، وادعت طائفة ثالثة: أنها أحلت بعد ذلك ثم حرمت في حجة الوداع، والروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها. وأنها بعد أن حرمت لم تحل، وأنها لما حرمت عام فتح مكة لم تحل بعد ذلك ولم تحرم عام خيبر، بل عام خيبر حرمت لحوم الحمر الأهلية وكان ابن عباس يبيح المتعة وأكل لحوم الحمر الأهلية فأنكر علي بن أبي طالب ذلك عليه، وقال له: «إن رسول الله ﷺ حرم متعة النساء وحرم لحوم الحمر يوم خيبر (١) » فقرن بينهما في الذكر، لما روى ذلك لابن عباس ﵄؛ لأن ابن عباس كان يبيحها، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنها، فأهل السنة يتبعون عمر وعليا ﵄، وغيرهما من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي ﷺ ، والشيعة خالفوا عليا فيما رواه عن النبي ﷺ واتبعوا قول من خالفه " اهـ. وقال الإمام ابن القيم في فوائد غزوة فتح مكة من زاد المعاد في هدي خير العباد حيث قال: " ومما وقع في هذه

стр. 10899

الغزوة إباحة متعة النساء، ثم حرمها أي رسول الله ﷺ قبل خروجه من مكة، واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة، على أربعة أقوال: أحدهما: أنه يوم خيبر وهذا قول طائفة من العلماء، منهم: الشافعي وغيره. والثاني: أنه عام فتح مكة وهذا قول ابن عيينة وطائفة. والثالث: أنه عام حنين، وهذا في الحقيقة هو القول الثاني لاتصال غزاة حنين بالفتح. والرابع: أنه عام حجة الوداع وهو وهم من بعض الرواة، سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع كما سافر وهم معاوية من عمرة الجعرانة إلى حجة الوداع حيث قال: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة في حجته، وقد تقدم في الحج، وسفر الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم. والصحيح أن المتعة إنما حرمت عام الفتح؛ لأنه قد ثبت في صحيح مسلم أنهم استمتعوا عام

стр. 10900

الفتح مع النبي ﷺ بإذنه ولو كان التحريم زمن خيبر للزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة ولا يقع مثله فيها، وأيضا فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات وإنما كن يهوديات، وإباحة نساء أهل الكتاب لم يكن ثبت بعد، إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة، بقوله تعالى:

стр. 10901

﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) وهذا متصل بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) وبقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ (٣) وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع أو فيها فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة زمن خيبر، ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع بنساء عدوهم قبل الفتح، وبعد الفتح استرق من استرق منهن وصرف إماء للمسلمين ". ثم قال ابن القيم: " فإذا قيل: فما تصنعون بما ثبت في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (٤) » وهذا صحيح صريح قيل هذا الحديث قد

стр. 10902

صحت روايته بلفظين هذا أحدهما. والثاني: الاقتصار على نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر هذه رواية ابن عيينة عن الزهري قال: قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة - يعني - أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة ذكره أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد ثم قال: على هذا أكثر الناس " اهـ. فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه حرم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية. واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: حرم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر فجاء بالغلط البين.

стр. 10903

قال ابن القيم: " فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد وأين المتعة من تحريم الحمر؟ قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب ﵁ محتجا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في المسألتين فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر فناظره علي بن أبي طالب في المسألتين، وروى له التحريمين وقيد تحريم لحوم الحمر الأهلية بزمن خيبر، وأطلق تحريم المتعة وقال: «إنك امرؤ تائه إن رسول الله ﷺ حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (١) » كما قاله سفيان بن عينية وعليه أكثر الناس، فروى الأمرين محتجا عليه بهما لا مقيدا لهما بيوم خيبر والله الموفق ".

стр. 10904

وقال ابن القيم في كلامه على ما في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية فقال: " فصل ولم يحرم - أي النبي ﷺ المتعة يوم خيبر وإنما كان تحريمها عام الفتح هذا هو الصواب، وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرمها يوم

стр. 10905

خيبر، واحتجوا بما في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (١) » وفي الصحيحين أيضا «أن عليا ﵁ سمع ابن عباس يلين في متعة النساء فقال: مهلا يا ابن عباس فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية (٢) » وفي لفظ البخاري عنه «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (٣) » ولما رأى هؤلاء أن رسول الله ﷺ أباحها عام الفتح ثم حرمها قالوا: حرمت ثم أبيحت ثم حرمت. قال الشافعي ﵁: ولا أرى شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة. قالوا: نسخت مرتين وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: لم تحرم إلا عام الفتح وقبل ذلك كانت مباحة. قالوا: وإنما جمع علي بن أبي طالب ﵁ بين الإخبار بتحريمها وتحريم الحمر الأهلية؛ لأن ابن عباس ﵄ كان يبيحها فروى له علي تحريمهما عن النبي ﷺ ردا عليه، وكان تحريم الحمر يوم خيبر، وقد ذكر يوم خيبر ظرفا لتحريم الحمر وأطلق تحريم المتعة ولم يقيده بزمن، كما جاء ذلك في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح «أن رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية

стр. 10906

يوم خيبر، وحرم متعة النساء (١) » وفي لفظ: «حرم متعة النساء وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (٢) » هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلا مميزا، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريمين فقيدهما به، ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المحرمين وهو تحريم الحمر، وقيده بالظرف، من هاهنا نشأ الوهم، وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات ولا استأذنوا في ذلك رسول الله ﷺ ، ولا نقله أحد قط في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر البتة، لا فعلا ولا تحريما بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة كانت فيها فعلا وتحريمها مشهور وهذه الطريقة أصح الطريقتين " انتهى كلام الإمام ابن القيم. ويقرر منه ما بينه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ج ٩ ص ١٧٠ حيث قال: " لا يصح من الروايات - أي في وقت تحريم متعة النساء - شيء بغير علة إلا غزوة الفتح، وأما غزوة خيبر وإن كانت طرق الحديث فيها صحيحة ففيها من كلام أهل العلم ما تقدم، وأما عمرة القضاء فلا يصح الأثر فيها؛ لكونه من مرسل الحسن ومراسيله ضعيفة؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد، وعلى تقدير ثبوته فلعله أراد أيام خيبر؛ لأنهما

стр. 10907

كانا في سنة واحدة كما في الفتح وأوطاس سواء. وأما قصة تبوك فليس في حديث أبي هريرة التصريح بأنهم استمتعوا منهن في تلك الحالة فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديما ثم وقع التوديع منهن حينئذ والنهي. أو كان النهي وقع قديما فلم يبلغ بعضهم فاستمر على الرخصة؛ فلذلك قرن النهي بالغضب لتقدم النهي في ذلك على أن في حديث أبي هريرة مقالا فإنه من رواية مؤمل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمار وفي كل منهما مقال. وأما حديث جابر فلا يصح فإنه من طريق عباد بن كثير وهو متروك. وأما حجة الوداع فهو اختلاف على الربيع ابن سبرة والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر، فإن كان حفظه فليس في سياق أبي داود سوى مجرد النهي، فلعله ﷺ أراد إعادة النهي ليشيع، ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك، فلم يبق من المواطن كما قلنا صحيحا صريحا سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح. وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدم، وزاد ابن القيم في الهدي أن الصحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديات يعني فيقوى أن النهي لم يقع يوم خيبر، أو لم يقع هناك نكاح متعة، لكن يمكن أن يجاب بأن يهود

стр. 10908

خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فيجوز أن يكون هناك من نسائهم وقع التمتع بهن فلا ينهض الاستدلال بما قال، ثم أعاد الحافظ ابن حجر الكلام على رواية حجة الوداع فقال ص ١٧١: " وأما حجة الوداع فالذي يظهر أنه وقع فيها النهي مجردا، إن ثبت الخبر في ذلك؛ لأن الصحابة حجوا فيها بنسائهم بعد ما وسع عليهم فلم يكونوا في شدة ولا طول غربة وإلا فمخرج حديث سبرة رواية هو من طريق ابنه الربيع عنه، وقد اختلف عليه في تعيينها والحديث واحد في قصة واحدة فتعين الترجيح. والطريق التي أخرجها مسلم مصرحة بأنها في زمن الفتح أرجح فتعين المصير إليها، والله أعلم " ومن كلام الحافظ حول اختلاف روايات الباب قوله فيما رواه عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن مالك في هذا الحديث - أي حديث النهي عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر - قال: " حنين " بمهملة أوله ونونين أخرجه النسائي والدارقطني ونبها على أنه وهم تفرد به عبد الوهاب "، وقوله فيما رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عنه بلفظ " نهي في غزوة تبوك عن نكاح المتعة " قال بعد ذكره: إنه أغرب مما روى عبد الوهاب " وهو - أي ذكر تبوك فيه - خطأ أيضا " اهـ. وأما في " تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير " فيقول ج ٣ ص ١٥٤، ١٥٥: فائدة: حكى العبادي

стр. 10909

في طبقاته عن الشافعي قال: " ليس في الإسلام شيء أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم إلا المتعة " وقال بعضهم: نسخت ثلاث مرات، وقيل: أكثر. ويدل على ذلك اختلاف الروايات في وقت تحريمها. وإذا صحت كلها فطريق الجمع بينهما الحمل على التعدد، والأجود في الجمع ما ذهب إليه جماعة من المحققين أنها لم تحل قط في حال الحضر والرفاهية بل في حال السفر والحاجة. والأحاديث ظاهرة في ذلك ويبين ذلك حديث ابن مسعود: «كنا نغزو وليس لنا نساء فرخص لنا أن ننكح (١) » . فعلى هذا كل ما ورد من التحريم في المواطن المتعددة يحمل على أن المراد بتحريمها في ذلك الوقت أن الحاجة انقضت ووقع العزم على الرجوع إلى الوطن فلا يكون في ذلك تحريم أبدا إلا الذي وقع آخرا، وقد اجتمع من الأحاديث في وقت تحريمها أقوال ستة أو سبعة نذكرها على الترتيب الزماني: الأول: عمرة القضاء قال عبد الرزاق في مصنفه: عن معمر عن عمرو عن الحسن قال: ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها. وشاهده ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث سبرة بن معبد قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما قضينا عمرتنا قال لنا: ألا تستمتعوا من هذه النساء (٢) » فذكر الحديث.

стр. 10910

الثاني: خيبر متفق عليه عن علي بلفظ «نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر (١) » واستشكله السهيلي وغيره ولا إشكال، وقد وقع في مسند ابن وهب من حديث ابن عمر مثله وإسناده قوي أخرجه البيهقي وغيره. الثالث: عام الفتح رواه مسلم من حديث سبرة بن معبد «أن رسول الله ﷺ ، نهى في يوم الفتح عن متعة النساء (٢) » . وفي لفظ له «أمر بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم يخرج حتى نهانا عنها (٣) » وفي لفظ له: «إن رسول الله ﷺ قال: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة (٤) » . الرابع: يوم حنين رواه النسائي من حديث علي والظاهر أنه تصحيف من خيبر، وذكر الدارقطني أن عبد الوهاب الثقفي تفرد عن يحيى بن سعيد عن مالك بقوله: " حنين " وفي رواية لسلمة بن الأكوع أن ذلك كان في عام أوطاس قال: السهيلي هي موافقة لرواية من روى " عام الفتح " وأنهما كانا في عام واحد. الخامس: غزوة تبوك رواه الحازمي من طريق عباد بن كثير عن ابن عقيل عن جابر قال: «خرجنا مع رسول الله إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند الثنية مما يلي الشام جاءتنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برحالنا فسألنا رسول الله ﷺ

стр. 10911

عنهن وأخبرناه، فغضب وقام فينا خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ونهى عن المتعة فتوادعنا يومئذ ولم نعد ولا نعود فيها أبدا، فبها سميت يومئذ ثنية الوداع» . وهذا إسناده ضعيف. لكن عند ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ما يشهد له، وأخرجه البيهقي من الطريق المذكورة بلفظ: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فنزلنا ثنية الوداع (١) » فذكره. . ويمكن أن يحمل على أن من فعل ذلك لم يبلغه النهي الذي وقع يوم الفتح. ولأجل ذلك غضب ﷺ . السادس: حجة الوداع رواه أبو داود من طريق الربيع بن سبرة قال: «أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع (٢) » ويجاب عنه بجوابين: أحدهما: أن المراد بذكر ذلك في حجة الوداع إشاعة النهي والتحريم لكثرة من حضرها من الخلائق. والثاني: احتمال أن يكون انتقل ذهن أحد رواته من فتح مكة إلى حجة الوداع لأن أكثر الرواة عن سبرة أن ذلك كان في الفتح والله أعلم. الثالث: ما ذكره الإمام البيهقي في باب نكاح المتعة. من السنن الكبرى ج ٧ ص ٢٠١، ٢٠٢ حيث " أخبر أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أنبأ سفيان عن

стр. 10912

إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصي، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء (١) » زاد أبو عبد الله في روايته بإسناده، قال: قال الشافعي: ذكر ابن مسعود الإرخاص في نكاح المتعة ولم يوقت شيئا يدل أهو قبل خيبر أو بعدها، وأشبه حديث علي بن أبي طالب ﵁ في نهي النبي ﷺ عن المتعة أن يكون - والله أعلم - ناسخا له، قال الشيخ ابن البيهقي ﵀: وقد روي في حديث ابن مسعود أنه قال: «كنا ونحن شباب (٢) » أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد الكعبي، ثنا محمد بن أيوب، أنبأ أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله ﵁ قال: «وكنا ونحن شباب فقلنا يا رسول الله: ألا نختصي؟ قال: لا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله: (٤) » رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 10913

قال الشيخ البيهقي: وفي هذه الرواية ما دل على كون ذلك قبل فتح خيبر أو قبل فتح مكة، فإن عبد الله بن مسعود ﵁ توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وكان يوم مات ابن بضع وستين سنة، وكان الفتح فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة، وفتح مكة سنة ثمان، فعبد الله سنة الفتح كان ابن أربعين سنة أو قريبا منها، والشباب قبل ذلك، وقد نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء زمن خيبر، وذلك بين فيما أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي وأبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد عبد الحكم أنبأ ابن وهب أخبرني مالك بن أنس ويونس بن يزيد وأسامة بن زيد أن ابن شهاب حدثهم عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ مالك (ح) وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن إسحاق أنبأ إسماعيل بن قتيبة ثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبي طالب ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (١) » - لفظ حديث الشافعي

стр. 10914

ويحيى بن يحيى - وفي رواية ابن وهب: «نهى يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية (١) » رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف وغيره عن مالك ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك وعن أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب عن يونس أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني عبد الله بن محمد الكعبي ثنا محمد بن أيوب أنبأ مسدد ثنا يحيى عن عبيد الله بن عمر قال: حدثني الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما «أن عليا ﵁ قيل له: إن ابن عباس ﵄ لا يرى بمتعة النساء بأسا، فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية (٢) » رواه البخاري في الصحيح عن مسدد، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنبأ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة ثنا الحسن بن محمد الزعفراني ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن الحسن بن محمد وعبد الله بن محمد عن أبيهما أن عليا ﵁ قال لابن عباس ﵄: «إنك رجل تائه أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية (٣) » رواه البخاري في الصحيح عن مالك بن إسماعيل عن ابن عيينة، وزاد في آخر الحديث: «زمن خيبر (٤) » ورواه مسلم عن جماعة

стр. 10915

عن ابن عيينة وابن عيينة يذهب في رواية الحميدي عنه إلى أن هذا التاريخ إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لا في النهي عن نكاح المتعة، أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنبأ عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا الزهري ثنا حسن وعبد الله ابنا محمد بن علي وكان حسن أرضى من عبد الله عن أبيهما أن عليا ﵁ قال لابن عباس ﵄: «إنك امرؤ تائه إن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر (١) » قال سفيان يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا يعني نكاح المتعة، قال البيهقي: " وهذا الذي قاله سفيان محتمل فلولا معرفة علي بن أبي طالب ﵁ بنسخ نكاح المتعة وأن النهي عنها كان البتة بعد الرخصة لما أنكره على ابن عباس ﵄ والله أعلم ".

стр. 10916

وروى ابن عمر تحريمها يوم خيبر: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ ابن وهب أخبرني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله «أن رجلا سأل عبد الله بن عمر ﵄ عن المتعة، فقال: حرام، قال: فإن فلانا يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر وما كنا مسافحين (١) » . قال البيهقي: " ثم إن رسول الله ﷺ أذن في نكاح المتعة زمن الفتح فتح مكة ثم حرمها إلى يوم القيامة " ثم ذكر النصوص الثابتة في الإذن في المتعة عام الفتح وتحريمها في ذلك العام. ٤ - ما مال إليه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمداني في كتابه " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ " ص ١٣٨ - ١٤٠ حيث قال تحت عنوان " باب نكاح المتعة ":

стр. 10917

أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر أنا مكي بن منصور أنا أحمد بن الحسن القاضي أنا محمد بن يعقوب أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء فأردنا أن نختصي فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء (١) » وهذا طريق حسن صحيح. وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الإسلام وإنما أباحه النبي ﷺ لهم للسبب الذي ذكره ابن مسعود وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أباحه لهم وهم في بيوتهم؛ ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه ﷺ في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا تأقيت فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة، إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة، ويروى عن ابن جريج جوازه. وسنذكر ما يدل على صحة ما ادعيناه أخبرني محمد بن عمر بن أبي عيسى الحافظ أنا الحسن بن أحمد أنا أحمد بن عبد الله أنا محمد بن بكر في كتابه، أنا داود حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء، فقال له رجل يقال له

стр. 10918

الربيع بن سبرة: «أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع (١) » قرأت على محمد بن ذاكر بن محمد بن أحمد المستملي أخبرك الحسن بن أحمد أنا محمد بن أحمد الكاتب أنا علي بن عمر أنا أبو بكر بن أبي داود حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا ابن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة عن موسى بن أيوب عن إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المتعة (٢) » . قال: " وإنما كان لمن لم يجد. فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت ". هذا حديث غريب من هذا الوجه وقد صح الحديث عن علي في هذا الباب من غير وجه، ورواه عنه الكوفيون من طرق وهو أشهر من أن ينكر وأكثر من أن يحصر.

стр. 10919

أخبرني محمد بن إبراهيم بن علي الخطيب أنا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد أنا محمد بن أحمد الكاتب أنا عبد الله بن محمد، أنا أبو يعلى ثنا أبو خيثمة حدثنا سفيان عن الزهري عن حسن وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية (١) » وهذا الحديث لا ينافي حديث الربيع بن سبرة عن أبيه حيث ذكر أن النهي كان في حجة الوداع لما ذكرنا بأن ذلك كان عدة مرات غير أن النهي الأخير كان في حجة الوداع. ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا ما أخبرنا به أبو الفضل الأديب أنا سعد بن علي العجلي أنا القاضي أبو الطيب، أنا علي بن عمر ثنا عبد الله بن داود، حدثنا محمد بن يحيى حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو عميس عن إياس بن سلمة عن أبيه: «أن النبي ﷺ رخص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها (٢) » قال: " ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القزويني، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الفضل الطبري حدثنا هناد بن السري حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عباد بن كثير حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة

стр. 10920

تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام جئن نسوة فذكرنا تمتعنا وهن يجلن في رحالنا، فجاءنا رسول الله ﷺ فنظر إليهن فقال: " من هؤلاء النسوة؟ " فقلنا يا رسول الله: نسوة تمتعنا منهن، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، وتغير لونه واشتد غضبه وقام فينا خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم نهى عن المتعة فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء، ولم نعد ولا نعود لها أبدا، فبها سميت يومئذ ثنية الوداع» اهـ. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج ٥ ص ١٣٠ - ١٣٢: " اختلف العلماء كم مرة أبيحت المتعة ونسخت، ففي صحيح مسلم عن عبد الله قال: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل (١) » قال أبو حاتم البستي في صحيحه: قولهم للنبي ﷺ : ألا نختصي، دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن يبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل، ثم نهى عنها عام خيبر، ثم أذن فيها عام الفتح، ثم حرمها بعد ثلاث فهي محرمة إلى يوم القيامة.

стр. 10921

وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أبيحت في صدر الإسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة فإن النسخ طرأ عليها مرتين، ثم استقرت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات. فروى ابن أبي عمرة: أنها كانت في صدر الإسلام، وروى سلمة بن الأكوع: أنها كانت عام أوطاس، ومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح، قلت: القائل القرطبي، وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم. وفي غيره عن علي نهى عنها في غزوة تبوك رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب قاله أبو عمر ﵀. وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة الوداع. وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك وقال عمرو عن الحسن: ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها، وروي هذا عن سبرة أيضا. فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت.

стр. 10922

قال أبو جعفر الطحاوي: كل هؤلاء الذين رووا عن النبي ﷺ إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر، وكذلك روي عن ابن مسعود. فأما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي ﷺ لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها. وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة فرخص لهم فيها. ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة، أنه لما كانت عادة النبي ﷺ تكرير مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة ذكر

стр. 10923

تحريمها في حجة الوداع؛ لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها، ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا " اهـ. ٦ - ما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٣: قد تكلم الناس في الحديث الوارد في الصحيحين من طريق الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية (١) » . هذا لفظ الصحيحين من طريق مالك وغيره عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة. الثاني: أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة عن معبد عن أبيه «أن رسول الله ﷺ أذن لهم في المتعة زمن الفتح ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها. وقال: " إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة (٢) » . فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أذن فيها، ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد. وعلى هذا فقد نص الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، غير نكاح المتعة، وما حداه على

стр. 10924

هذا إلا اعتماده على هذين الحديثين كما قدمناه، وقد حكى السهيلي وغيره: عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات، وقال آخرون: أربع مرات وهذا بعيد جدا، والله أعلم. واختلفوا أي وقت أول ما حرمت فقيل: في خيبر، وقيل: في عمرة القضاء، وقيل: في عام الفتح وهذا يظهر، وقيل: في أوطاس وهو قريب من الذي قبله، وقيل: في تبوك، وقيل: في حجة الوداع. رواه أبو داود. وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي ﵁ بأنه وقع فيه تقديم وتأخير، وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد ثنا سفيان عن الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما وكان حسن أرضاهما في أنفسهما أن عليا قال لابن عباس: «إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر (١) » قالوا: فاعتقد الراوي أن قوله يوم خيبر ظرف للمنهي عنهما، وليس كذلك إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر الأهلية. فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا، وإنما جمعه معه؛ لأن عليا ﵁ بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية، كما هو المشهور عنه، فقال له أمير المؤمنين علي: «إنك تائه، إن رسول الله نهى عن نكاح

стр. 10925

المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (١) » فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة. وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته آمين، ذكر ابن كثير هذا في كلامه على غزوة خيبر، وقال في بيانه كما حكم به النبي ﷺ بمكة من الأحكام في فتح مكة قال ج ٤ ص ٣١٨: " في صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهى عنها (٢) » . وفي رواية فقال: «ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة (٣) » . وفي رواية مسند أحمد والسنن: أن ذلك كان في حجة الوداع. فالله أعلم. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس ابن محمد عن عبد الواحد بن زياد عن أبي العميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه (٤) » قال البيهقي: وعام أوطاس عام الفتح فهو وحديث سبرة سواء. قلت: القائل ابن كثير من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال: إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين وقد نص على ذلك الشافعي وغيره، وقد قيل: إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين، فالله أعلم. وقيل: إنها إنما حرمت مرة واحدة وهذه
следующие страницы →