← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أبيحت في صدر الإسلام، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة فإن النسخ طرأ عليها مرتين، ثم استقرت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات. فروى ابن أبي عمرة: أنها كانت في صدر الإسلام، وروى سلمة بن الأكوع: أنها كانت عام أوطاس، ومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح، قلت: القائل القرطبي، وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم. وفي غيره عن علي نهى عنها في غزوة تبوك رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب قاله أبو عمر ﵀. وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة الوداع. وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك وقال عمرو عن الحسن: ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها، وروي هذا عن سبرة أيضا. فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت.

стр. 10922

قال أبو جعفر الطحاوي: كل هؤلاء الذين رووا عن النبي ﷺ إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر، وكذلك روي عن ابن مسعود. فأما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي ﷺ لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها. وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة فرخص لهم فيها. ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة، أنه لما كانت عادة النبي ﷺ تكرير مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة ذكر

стр. 10923

تحريمها في حجة الوداع؛ لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها، ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا " اهـ. ٦ - ما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٣: قد تكلم الناس في الحديث الوارد في الصحيحين من طريق الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية (١) » . هذا لفظ الصحيحين من طريق مالك وغيره عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة. الثاني: أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة عن معبد عن أبيه «أن رسول الله ﷺ أذن لهم في المتعة زمن الفتح ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها. وقال: " إن الله قد حرمها إلى يوم القيامة (٢) » . فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أذن فيها، ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد. وعلى هذا فقد نص الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، غير نكاح المتعة، وما حداه على

стр. 10924

هذا إلا اعتماده على هذين الحديثين كما قدمناه، وقد حكى السهيلي وغيره: عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات، وقال آخرون: أربع مرات وهذا بعيد جدا، والله أعلم. واختلفوا أي وقت أول ما حرمت فقيل: في خيبر، وقيل: في عمرة القضاء، وقيل: في عام الفتح وهذا يظهر، وقيل: في أوطاس وهو قريب من الذي قبله، وقيل: في تبوك، وقيل: في حجة الوداع. رواه أبو داود. وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي ﵁ بأنه وقع فيه تقديم وتأخير، وإنما المحفوظ فيه ما رواه الإمام أحمد ثنا سفيان عن الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما وكان حسن أرضاهما في أنفسهما أن عليا قال لابن عباس: «إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر (١) » قالوا: فاعتقد الراوي أن قوله يوم خيبر ظرف للمنهي عنهما، وليس كذلك إنما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر الأهلية. فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا، وإنما جمعه معه؛ لأن عليا ﵁ بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية، كما هو المشهور عنه، فقال له أمير المؤمنين علي: «إنك تائه، إن رسول الله نهى عن نكاح

стр. 10925

المتعة ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (١) » فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الإباحة. وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته آمين، ذكر ابن كثير هذا في كلامه على غزوة خيبر، وقال في بيانه كما حكم به النبي ﷺ بمكة من الأحكام في فتح مكة قال ج ٤ ص ٣١٨: " في صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة، ثم لم يخرج حتى نهى عنها (٢) » . وفي رواية فقال: «ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة (٣) » . وفي رواية مسند أحمد والسنن: أن ذلك كان في حجة الوداع. فالله أعلم. وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس ابن محمد عن عبد الواحد بن زياد عن أبي العميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أنه قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه (٤) » قال البيهقي: وعام أوطاس عام الفتح فهو وحديث سبرة سواء. قلت: القائل ابن كثير من أثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال: إنها أبيحت مرتين وحرمت مرتين وقد نص على ذلك الشافعي وغيره، وقد قيل: إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين، فالله أعلم. وقيل: إنها إنما حرمت مرة واحدة وهذه

стр. 10926

المرة في غزوة الفتح. اهـ.

стр. 10927

١٦٠ - الجواب عما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يتوهم منه أنه أول من حرم المتعة: أما ما ثبت عن عمر ﵁ أنه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ . أنا أنهى عنهما متعة النساء ومتعة الحج (١) » . فقد رواه البيهقي في السنن الكبرى ج ٧ ص ٢٠٦ من حديث همام عن قتادة عن ابن نضرة عن جابر ﵁، قال: «قلت: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة وإن ابن عباس يأمر بها، قال: على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر ﵁ فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن رسول الله ﷺ هذا الرسول وإن هذا القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما؛ إحداهما: متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة، والأخرى متعة الحج افصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم (٢) » رواه البيهقي هكذا، وقال: أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام، ثم أجاب عنه البيهقي بقوله: نحن لا نشك في كونها على عهد رسول الله ﷺ ، لكنا وجدناه نهى عن نكاح المتعة عام الفتح بعد

стр. 10928

الإذن فيه، ثم لم نجده أذن فيه بعد النهي عنه حتى مضى لسبيله ﷺ ، فكان نهي عمر بن الخطاب ﵁ عن نكاح المتعة، موافقا لسنة رسول الله ﷺ فأخذنا به، ولم نجده ﷺ نهى عن متعة الحج في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر ﵁ ما دل على أنه أوجب أن يفصل بين الحج والعمرة ليكون أتم لهما فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه وعلى

стр. 10929

اختيار الإفراد على غيره لا على التحريم، وبالله التوفيق. اهـ. وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية في ج ٢ في منهاج السنة ص ١٥٦ عما يتعلق من الحديث المذكور بنهي عمر عن متعة النساء بقوله: " وأما ما ذكره الرافضي من نهي عمر عن متعة النساء، حيث قال الرافضي: استمرت - أي المتعة - زمن النبي ﷺ ومدة خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر إلى أنه صعد المنبر وقال: متعتان كانتا محللتين على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما، فقد ثبت عن النبي ﷺ «أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال (١) » . هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن الحنفية «عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لابن عباس ﵁ لما أباح المتعة: إنك امرؤ تائه إن رسول الله ﷺ حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر (٢) » رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها أئمة الإسلام في زمنهم مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وغيرهما ممن اتفق على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول، ليس في أهل العلم من طعن فيه. وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرمها في غزوة الفتح إلى يوم القيامة " واستمر

стр. 10930

شيخ الإسلام إلى أن قال: " فأهل السنة يتبعون عمر وعليا ﵄ وغيرهما من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي ﷺ . والشيعة خالفوا عليا فيما رواه عن النبي ﷺ واتبعوا قول من خالفه " اهـ. أما ما رواه مسلم في صحيحه قال: " حدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث (١) » . فقد أجاب ابن القيم: وعما ثبت من قول عمر: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحج (٢) » أجاب عنهما في زاد المعاد في هدي خير العباد. بقوله في فوائد

стр. 10931

صفحة فارغة

стр. 10932

فتح مكة: " الناس في هذا طائفتان، طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها، وقد أمر رسول الله ﷺ باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون، ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح، فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، وقد تكلم فيه ابن معين، ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدة الحاجة إليه، وكونه أصلا من أصول الإسلام، ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به، قالوا: ولو صح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها، ويحتج بالآية

стр. 10933

أي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) وأيضا لو صح لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه ﷺ حرمها ونهى عنها، قالوا: ولو صح لم تفعل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقا. والطائفة الثانية رأت صحة حديث سبرة ولو لم يصح، فقد صح حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ «حرم متعة النساء (٢) » فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر ﵁، فلما وقع النزاع ظهر تحريمها واشتهر وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها، وبالله التوفيق. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ج ٩ من فتح الباري ص ١٧٢ نقلا عن البيهقي: " ثبت نهي رسول الله ﷺ عنها - أي متعة النساء - في حديث الربيع بن سبرة بن معبد عن أبيه بعد الإذن فيه ولم نجد عنه الإذن فيه بعد النهي عنه، فنهي عمر موافق لنهيه ﷺ ، ثم قال الحافظ: " قلت: وتمامه أن يقال: لعل جابرا ومن نقل عنه استمرارهم

стр. 10934

على ذلك بعده ﷺ إلى أن نهى عنها عمر لم يبلغهم النهي، ومما يستفاد أيضا أن عمر لم ينه عنها اجتهادا وإنما نهى عنها مستندا إلى نهي رسول الله ﷺ ، وقد وقع التصريح بذلك فيما أخرجه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال: لما ولي عمر خطب فقال: «إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها (١) » . . وأخرج ابن المنذر والبيهقي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: «صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة بعد نهي رسول الله ﷺ عنها» وفي حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه في صحيح ابن حبان فقال رسول الله ﷺ : «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» وله شاهد صحيح عن سعيد بن المسيب أخرجه البيهقي. اهـ.

стр. 10935

١٦١ - نظرة ابن عباس حينما أباح متعة النساء وهل رجع عنها أم لا ؟ وأما ما جاء عن ابن عباس ﵄ في إباحة متعة النساء فقد ذكر الإمام ابن القيم في ثلاثة مواضع من كتابه: (زاد المعاد في هدي خير العباد) : أنه كان يرى تحريم متعة النساء إنما هو عند الاستغناء عنها فأباحها عند الحاجة إليها، فلما توسع الناس فيها رجع عنها، قال في بيانه

стр. 10936

لما في غزوة خيبر من الأحكام: " فيها - أي متعة النساء - طريقة ثالثة هي أن رسول الله ﷺ لم يحرمها تحريما عاما البتة، بل حرمها عند الاستغناء عنها، وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة ابن عباس حتى كان يفتي بها ويقول: هي كالميتة والدم ولحم الخنزير تباح عند الضرورة، وخشية العنت. فلم يفهم عنه أكثر الناس في ذلك، وظنوا أنه أباحها إباحة مطلقة وشببوا ذلك بالأشعار فلما رأى ابن عباس ذلك رجع إلى القول بالتحريم ". وقال في كلامه على لطائف غزوة فتح مكة وفقهها: " هنا نظر آخر أي: في متعة النساء وهو: أنه هل حرمها تحريم الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر، هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسع فيها من توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلها ورجع عنه " وقال في كلامه على تحريم المتعة في ذكر أقضية النبي ﷺ وأحكامه في النكاح قال: " هل هو - أي تحريم متعة النساء - تحريم بتات أو تحريما مثل تحريم الميتة والدم، وتحريم نكاح الأمة، فيباح عند الضرورة وخوف العنت، هذا هو الذي لحظه ابن عباس وأفتى بحلها للضرورة، فلما توسع الناس فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع عنها " انتهى ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد.

стр. 10937

وقال في تهذيب سنن أبي داود (١) : " إنه أي ابن عباس ﵄ سلك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة، ولم يبحها مطلقا فلما بلغه إكثار الناس منها رجع، وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها. وقال الخطابي: حدثنا ابن السماك حدثنا الحسن بن سلام حدثنا الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام عن الحجاج عن أبي خالد عن المنهال عن ابن جبير قال: قلت لابن عباس: هل ترى ما صنعت وبما أفتيت، قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء. قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى رجعة الناس فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت، ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير (٢) ، وقد تعقب الإمام الخطابي في معالم

стр. 10938

السنن تلك النظرة من ابن عباس، فإنه قال بعد الرواية التي ساقها ابن القيم من طريقه: " فهذا يبين لك أنه إنما سلك فيه مذهب القياس وشبهه بالمضطر إلى الطعام وهو قياس غير صحيح؛ لأن الضرورة في هذا الباب لا تتحقق كهي في باب الطعام الذي به قوام الأنفس، وبعدمه يكون التلف. وإنما هذا من باب غلبة الشهوة، ومصابرتها ممكنة وقد تحسم مادتها بالصوم والعلاج، فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر " انتهى كلام الخطابي، وقد نقله عنه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار وتلقاه بالقبول. وممن لم ترقه هذه النظرة من ابن عباس أبو بكر الجصاص، قال في أحكام القرآن ج ٢ ص ١٤٨: " روي عنه أي عن ابن عباس أنه جعلها - متعة النساء - بمنزلة الميتة ولحم الخنزير والدم، وأنها لا تحل إلا لمضطر، وهذا محال؛ لأن الضرورة المبيحة للمحرمات لا توجد في المتعة؛ وذلك لأن الضرورة المبيحة للميتة والدم هي التي يخاف معها تلف

стр. 10939

النفس إن لم يأكل وقد علمنا أن الإنسان لا يخاف على نفسه ولا على شيء من أعضائه التلف، بترك الجماع وفقده، وإذا لم تحل في حال الرفاهية، والضرورة لا تقع إليها، فقد ثبت خطرها واستحال قول القائل أنها تحل عند الضرورة كالميتة والدم فهذا قول متناقض مستحيل وأخلق بأن تكون هذه الرواية عن ابن عباس، وهما من رواتها؛ لأنه كان ﵀ أفقه من أن يخفى عليه مثله، فالصحيح إذا ما روي عنه من خطرها وتحريمها، وحكاية من حكى عنه الرجوع عنها " انتهى كلام أبي بكر الجصاص، فلما ذكره هو والخطابي والحازمي يقتصر بعض أهل العلم على القول بالتحريم. أما رجوع ابن عباس عن إباحته متعة النساء فقد ذكره كثير من أهل العلم منهم من يلي: ١ - الترمذي قال في جامعه في باب تحريم نكاح المتعة ج ٥ ص ٤٩ بعد أن ذكر أن العمل عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم على تحريم نكاح المتعة، قال: " وإنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة في المتعة، ثم رجع عن قوله حيث أخبر أن النبي ﷺ حرمها ". ٢ - أبو بكر الجصاص قال في أحكام القرآن ج ٢ ص ١٤٨، ١٤٩: " روي عن جابر بن زيد أن ابن عباس نزل

стр. 10940

عن قوله في الصرف. وقوله في المتعة، ثم قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (١) قال: نسختها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) قال: وهذا يدل على رجوعه عن القول بالمتعة. واستمر الجصاص إلى أن قال: فالذي حصل من أقاويل ابن عباس القول بإباحة المتعة في بعض الروايات من غير تقييد لها بضرورة، ولا غيرها. والثاني: أنها كالميتة تحل للضرورة، والثالث: أنها محرمة. وقد قدمنا ذكر سنده وقوله أيضا: أنها منسوخة. ومما يدل على رجوعه عن إباحتها ما روى عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أن أبا إسحاق مولى بني هاشم حدثه أن رجلا سأل ابن عباس فقال: كنت في سفر ومعي جارية لي ولي أصحاب فأحللت جاريتي لأصحابي يستمتعون منها، فقال: ذلك السفاح. وقال الجصاص أيضا: كان الذي شهر عنه إباحة المتعة من الصحابة عبد الله بن عباس واختلفت الروايات عنه في ذلك، فروي عنه

стр. 10941

إباحتها بتأويل الآية ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١) وقد قدمنا أنه لا دلالة في الآية على إباحتها بل دلالات الآية ظاهرة في حظرها وتحريمها، من الوجوه التي ذكرنا، ثم روي عنه أنه جعلها بمنزلة الميتة ولحم الخنزير والدم، وأنها لا تحل إلا لمضطر، وهذا محال؛ لأن الضرورة المبيحة للمحرمات لا توجد في المتعة، وذلك لأن الضرورة المبيحة للميتة والدم هي التي يخاف معها تلف النفس إن لم يأكل، وقد علمنا أن الإنسان لا يخاف على نفسه ولا على شيء من أعضائه التلف، بترك الجماع وفقده، وإذا لم تحل في حال الرفاهية، والضرورة لا ترقى إليها، فقد ثبت حظرها واستحال قول القائل: إنها تحل عند الضرورة كالميتة والدم، فهذا قول متناقض مستحيل. وأخلق بأن تكون هذه الرواية عن ابن عباس وهما من رواتها؛ لأنه كان ﵀ أفقه من أن يخفى عليه مثله. فالصحيح إذا ما روي عنه من حظرها وتحريمها، وحكاية من حكى عنه الرجوع عنها ". اهـ. ٣ - الباجي قال في المنتقى شرح الموطأ ج ٣ ص ٣٣٤ في كلامه على نكاح المتعة: قد روى ابن حبيب أن ابن عباس وعطاء كانا يجيزان المتعة ثم رجعا عن ذلك، ولعل عبد الله بن عباس إنما رجع لقول علي له. والله أعلم. ٤ - أبو بكر بن العربي نقل القرطبي في الجامع لأحكام

стр. 10942

القرآن ج ٥ ص ١٣٢ أنه قال: " قد كان ابن عباس يقول بجوازها - أي متعة النساء - ثم ثبت رجوعه عنه فانعقد الإجماع على تحريمها ". ٥ - الحازمي قال في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص ١٤١: " أما ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته - أي نكاح المتعة - للمضطرين إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة. ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به ويوشك أن يكون سبب رجوعه قول علي له ﵁ ". ٦ - البغوي قال في شرح السنة ج ٩ ص ١٠٠: " روي عن ابن عباس شيء، جواز نكاح المتعة مطلقا، وقيل عنه بجوازها عند الضرورة، والأصح عنه الرجوع إلى تحريمها، واتفق على تحريمها سائر فقهاء الأمصار ". ٧ - شيخ الإسلام ابن تيمية في ج ٢ من منهاج السنة ص ١٥٦ قال في إباحة ابن عباس المتعة وأكل لحوم الحمر: " روي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك لما بلغه النهي عنها " اهـ. لكن رغم هذا كله نرى من أئمة العلم، من لا يثبت رجوع ابن عباس عن إباحته لها، فقد قال الحافظ ابن كثير في الجزء الرابع من البداية والنهاية بعد إيراده في غزوة خيبر من طريق مسند الإمام أحمد بن حنبل حديث سفيان عن الزهري

стр. 10943

عن الحسن وعبد الله ابني محمد عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: «إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر (١) » . قال ج ٤ ص ١٩٤: " ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحة الحمر والمتعة، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم، وأما المتعة فإنه كان يبيحها عند الضرورة في الأسفار، وحمل النهي عن ذلك في حال الرفاهية والوجدان، وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم، ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز إلى زمن ابن جريج ". وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج ٩ ص ١٧٣: " أما ابن عباس فروي عنه أنه أباحها - أي متعة النساء - وروي عنه أنه رجع عن ذلك، قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة وإجازة المتعة عنده أصح " اهـ. وقال العلامة علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج ٣ ص ٤٢٧: " قال ابن الهمام: ويدل على أنه - ابن عباس - لم يرجع حين قال له علي ذلك: «مهلا يا ابن عباس فإني سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية (٢) » - ما في صحيح مسلم عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: «إن ناسا

стр. 10944

أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة - يعرض برجل - فناداه، فقال: إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين يريد رسول الله ﷺ ، فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك (١) » . . . " الحديث، ورواه النسائي أيضا ولا تردد في أن ابن عباس هو الرجل المعرض به وكان قد كف بصره، فلذا قال ابن الزبير: " كما أعمى أبصارهم " وهذا إنما كان في حال خلافة عبد الله بن الزبير وذلك بعد وفاة علي كرم الله وجهه، فقد ثبت أنه مستمر القول على جوازها ولم يرجع إلى علي " اهـ. ومما جاء في الرد على ابن عباس ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق إسحاق بن راشد عن الزهري عن سالم: «أتي ابن عمر فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال: معاذ الله، ما أظن ابن عباس يفعل هذا. فقيل: بلى، قال: وهل كان ابن عباس على عهد رسول الله ﷺ إلا غلاما صغيرا. ثم قال ابن عمر: نهانا عنها رسول الله وما كنا مسافحين» . قال الحافظ في تلخيص الحبير ج ٣ ص ١٥٤: " إسناده قوي " وما رواه عبد الرزاق في باب المتعة من مصنفه ج ٧ ص ٥٠٢ عن معمر عن الزهري عن سالم قال: " قيل لابن عمر: إن ابن عباس يرخص في متعة النساء

стр. 10945

فقال: ما أظن ابن عباس يقول هذا. قالوا: بلى والله إنه ليقوله. قال: أما والله ما كان ليقول هذا في زمن عمر، وإن كان عمر لينكلكم عن مثل هذا وما أعلمه إلا السفاح " وروى ابن أبي شيبة في نكاح المتعة من مصنفه ج ٤ ص ٢٩٣ عن عبيدة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر سئل عن المتعة فقال: حرام. فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها. فقال: فهلا تزمزم بها في زمن عمر. وما رواه عبد الرزاق في مصنفه ج ٤ ص ٥٠٢ عن معمر قال: «أرخص ابن عباس في المتعة فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: ما هذا يا ابن عباس؟ فقال ابن عباس: فعلت مع إمام المتقين. فقال ابن أبي عمرة: اللهم غفرا، إنما كانت المتعة رخصة كالضرورة إلى الميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين بعد (١) » .

стр. 10946

١٦٢ - تخصيص الترخيص في المتعة حينما رخص فيها بالعزبة في حال السفر: قال الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: " إنما كان ذلك - أي الترخيص فيها - أولا: يكون في

стр. 10947

أسفارهم ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أباحه لهم وهم في بيوتهم ". وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه. . . " الحديث. فمدار إسناده على موسى بن عبيدة الربذي من طريقه رواه إسحاق بن راهويه والترمذي. قال إسحاق بن راهويه: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عباس، قال: كانت المتعة في أول الإسلام متعة النساء، فكان الرجل يقدم بسلعته البلد ليس له من يحفظ عليه ضيعته، ويضم إليه متاعه، فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يقضي حاجته، وقد كانت تقرأ: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن " الآية حتى نزلت: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (١)

стр. 10948

إلى قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١) فتركت المتعة وكان الإحصان، إذا شاء طلق وإذا شاء أمسك، ويتوارثان، وليس لهما من الأمر شيء. ومن طريق إسحاق هذا رواه أبو بكر محمد بن موسى الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص ١٤٠ طبعة المطبعة المنيرية، قال: قرأت على محمد بن عمر الحافظ أخبرنا أبو علي أنبأنا أبو نعيم أنا أبو أحمد العبدي أنا عبد الله بن محمد أنا إسحاق الحنظلي أنا روح بن عبادة فساقه الحافظ الحازمي بسنده ومتنه المذكورين ثم قال في إسناده: " هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة وهو الربذي، كان يسكن الربذة ". اهـ. ومن طريق إسحاق بن راهويه أيضا، أورد ابن القيم هذه الرواية في تهذيب سنن أبي داود (٢) جنب رواية الخطابي المتقدمة وقال: " هاتان الروايتان المقيدتان عن ابن عباس تفسران مراده - أي ابن عباس - من الرواية المطلقة، ولم يتعرض ابن القيم لا لتضعيفها الذي ذكره هذا الحافظ، ولا لشذوذها الذي سيأتي في كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني إضافة إلى تضعيف السند.

стр. 10949

وقال الترمذي في باب تحريم نكاح المتعة من (جامعه) (١) : حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا سفيان بن عقبة أخو قبيصة ابن عقبة، حدثنا سفيان الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد ابن كعب عن ابن عباس، قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شيئه حتى نزلت الآية: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٢) قال ابن عباس: فكل فرج سوى هذين حرام، وهذه الرواية قال فيها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ج ٩ ص ١٧١، ١٧٢ ونص الفتح: (وأما ما أخرجه الترمذي من طريق محمد ابن كعب عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له فيها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يقيم، فتحفظ له متاعه. فإسناده ضعيف، وهو شاذ، مخالف لما تقدم من علة إباحتها، يشير الحافظ بقوله: مخالف لما تقدم من علة إباحتها إلى ما رواه البخاري في باب نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة، أخيرا من صحيحه حيث قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي حمزة قال: سمعت ابن عباس يسأل عن متعة

стр. 10950

النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة، أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم. وإلى ما في رواية الإسماعيلي: إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل، وإلى ما أورده الحافظ في شرح ذلك الحديث أي حديث البخاري، من أحاديث فقد قال: وعند مسلم من طريق الزهري عن خالد بن المهاجر أو ابن أبي عمرة الأنصاري قال: قال رجل - يعني ابن عباس وصرح به البيهقي في روايته - إنما كانت - يعني المتعة - رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير، قال: ويؤيده ما أخرجه الخطابي والفاكهي من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء - يعني في المتعة - فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن سعيد بن جبير وزاد في آخره: " ألا إنما هي كالميتة والدم ولحم الخنزير "

стр. 10951

وأخرجه محمد بن خلف المعروف بوكيع في كتاب الغرر من الأخبار بإسناد أحسن منه، عن سعيد بن جبير بالقصة، لكن ليس في آخره قول ابن عباس المذكور، وفي حديث سهل الذي أشرت إليه قريبا نحوه، ثم قال الحافظ ابن حجر: فهذه أخبار يقوي بعضها ببعض، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال السفر، وهو يوافق حديث ابن مسعود الماضي في أوائل النكاح، وأخرج البيهقي من حديث أبي ذر بإسناد حسن: إنما كانت المتعة لحربنا وخوفنا) . اهـ.

стр. 10952

١٦٣ - الجواب عما جاء عن ابن مسعود في متعة النساء: أما ما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (٢) » .

стр. 10953

فإن في قراءة عبد الله لهذه الآية عقب هذا الحديث ردا على من يحرم المتعة، وإيضاحا أنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله ﷺ ، فقد أجيب عن الاستدلال به بأمور: أحدها: ما أورده ابن القيم في كلامه على ما في غزوة فتح مكة من الفقه واللطائف، في زاد المعاد، وهو أن قراءة ابن مسعود لهذه الآية عقب ذلك الحديث تحتمل أن يكون المراد بها آخر الآية يرد ابن مسعود على من أباح المتعة مطلقا، ويبين أنه معتد، فإن رسول الله ﷺ إنما رخص فيها للضرورة، وعند الحاجة في الغزو، وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة، فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء، وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين.

стр. 10954

الثاني: ما أورده ابن القيم في أقضية رسول الله ﷺ في الأنكحة، من زاد المعاد حيث قال: ظاهر كلام ابن مسعود إباحتها - أي متعة النساء - فإن في الصحيحين عنه - أي ابن مسعود ﵁: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء فقلنا: يا رسول الله ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (٢) » . ولكن في الصحيحين عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ حرم متعة النساء، وهذا التحريم إنما كان بعد الإباحة وإلا لزم منه النسخ مرتين ولم يحتج به على ابن عباس ﵃. اهـ. الثالث: أجاب به البيهقي في (السنن الكبرى) ج ٧ ص ٢٠١ عنه، وهو أنه قد روي في حديث ابن مسعود هذا أنه قال: كنا ونحن شباب. قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد الكعبي، ثنا محمد بن أيوب، أنبأ أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله ﵁، قال: «كنا ونحن

стр. 10955

شباب. . . فقلنا: يا رسول الله ألا نختصي؟ قال: لا. ثم رخص رسول الله ﷺ لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (٢) » . رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال البيهقي: وفي هذه الرواية ما دل على كون ذلك قبل فتح خيبر أو قبل فتح مكة، فإن عبد الله بن مسعود ﵁ توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة وكان يوم مات ابن بضع وستين سنة، وكان الفتح فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، فعبد الله سنة الفتح كان ابن أربعين سنة أو قريبا منها، والشباب قبل ذلك. هذا ما قاله البيهقي مؤيدا به قول الشافعي، في حديث ابن مسعود: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصي، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء (٣) » . فقد قال الشافعي فيه: ذكر ابن مسعود الإرخاص في نكاح المتعة ولم يوقت شيئا يدل أهو قبل خيبر، أو بعدها، وأشبه حديث علي بن أبي طالب ﵁ في نهي النبي ﷺ عن المتعة أن يكون ناسخا له (٤) .

стр. 10956

الرابع: ما ذكره القرطبي وهو أن ابن مسعود لم يكن حين يقول هذا القول قد بلغه الناسخ ثم بلغه، فرجع بعد، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج ٩ ص ١١٩ (في باب ما يكره من التبتل والخصاء) قال - أي الإسماعيلي -: (وفي رواية لابن عيينة عن إسماعيل، ثم جاء تحريمها بعده، وفي رواية معمر عن إسماعيل ثم نسخ) وممن مال إلى القول بأن ابن مسعود حين كان يقول هذا القول لم يبلغه النسخ، الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، قال: (وقوله أي ابن مسعود في حديثه المذكور ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) فيه إشارة إلى أنه كان يعتقد إباحتها، كقول ابن عباس، وأنه لم يبلغه نسخها) اهـ. الجواب عن دعوى ابن حزم ثبوت عدد من الصحابة على إباحة المتعة بعد رسول الله ﷺ ، وإباحة عدد من التابعين: أما ما نقله الحافظ في الفتح عن ابن حزم أنه قال: ثبت على إباحتها - أي متعة النساء - بعد رسول الله ﷺ ابن مسعود ومعاوية وأبو سعيد وابن عباس وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، وجابر وعمرو بن حريث ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال: ومن التابعين طاوس

стр. 10957

وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة، فقد تعقبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في ج ٩ من فتح الباري ص ١٧٤ بقوله: قلت: وفي جميع ما أطلقه نظر. أما ابن مسعود فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح. وقد بينت فيه ما نقله الإسماعيلي من الزيادة فيه المصرحة عنه بالتحريم، وقد أخرجه أبو عوانة من طريق أبي معاوية عن إسماعيل ابن أبي خالد، وفي آخره ففعلنا ثم ترك ذلك، وأما معاوية فأخرجه عبد الرزاق من طريق صفوان بن يعلى بن أمية، أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف، وإسناده صحيح، لكن في رواية أبي الزبير عن جابر عند عبد الرزاق أيضا أن ذلك كان قديما ولفظه: استمتع معاوية

стр. 10958

مقدمه الطائف بمولاة لبني الحضرمي، يقال لها: معانة، قال جابر: ثم عاشت معانة إلى خلافة معاوية فكان يرسل إليها بجائزة كل عام، وقد كان معاوية متبعا لعمر مقتديا به، فلا يشك أنه عمل بقوله بعد النهي، ومن ثم قال الطحاوي: (خطب عمر فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النبي ﷺ فلم ينكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليل على متابعتهم له على ما نهى عنه. وأما أبو سعيد فأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أن عطاء قال: أخبرني من شئت عن أبي سعيد قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سويقا، وهذا مع كونه ضعيفا للجهل بأحد رواته، ليس فيه التصريح بأنه كان بعد النبي ﷺ . وأما ابن عباس فتقدم النقل عنه والاختلاف هل رجع أم لا؟) . وأما سلمة ومعبد فقصتهما واحدة اختلف فيها هل وقعت لهذا أو لهذا؟ فروى عبد الرزاق بسند صحيح عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: " لم يرع عمر إلا أم أراكة قد خرجت وهي حبلى، فسألها عمر، فقالت: استمتع بي سلمة بن أمية وأخرج من طريق أبي الزبير عن طاوس فسماه معبد بن أمية، وأما جابر فمستنده قوله: " فعلناها " وقد بينته قبل، ووقع في رواية أبي نضرة عن جابر عند مسلم " فنهانا عمر فلم نفعله بعد " فإن كان قوله: " فعلنا " يعم

стр. 10959

جميع الصحابة فقوله: " ثم لم نعد " يعم جميع الصحابة فيكون إجماعا، وقد ظهر أن مستنده الأحاديث الصحيحة التي بيناها، وأما عمرو بن حريث، وكذلك قوله: " رواه جابر عن جميع الصحابة " فعجيب وإنما قال جابر: " فعلناها " وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة بل يصدق على فعل نفسه وحده. وأما ما ذكره عن التابعين فهو عند عبد الرزاق عنهم بأسانيد صحيحة، وقد ثبت عن جابر عند مسلم " فعلناها " مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عمر فلم نعد لها فهذا يرد، عده جابرا فيمن ثبت على تحليلها، وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها لثبوت قوله ﷺ : «إنها حرام إلى يوم القيامة (١) » قاله فأمنا بهذا القول نسخ التحريم. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ في فتح الباري. وقد ذكر ابن حزم في المحلى ج ٩ ص ٥١٩: أسماء

стр. 10960

بنت أبي بكر ﵄ ضمن أولئك الصحابة الذين ثبتوا بعد رسول الله ﷺ على تحليل متعة النساء، وذكر أيضا رواية أخرى عن عمر بن الخطاب بأنه أنكر متعة النساء إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وأباحها بشهادة عدلين، ولم يتعرض لأي واحد من الأمرين، وإنما ذكرهما في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وأفرد ما ذكره عن أسماء بالتخريج، حيث قال ج ٣ ص ٥٩: وأما ما ذكره - أي ابن حزم - عن أسماء فأخرجه النسائي من طريق مسلم القرى قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت: فعلناها على عهد رسول الله ﷺ ، فلم يجب عن هذه الرواية؛ فلذلك أذكر مستند ابن حزم في دعواه أن هناك رواية أخرى عن عمر بن الخطاب أنكر فيها متعة النساء إذا لم يشهد عليها عدلان، وأباحها بشهادة عدلين ثم أجيب عن الروايتين. فأقول: أما الرواية عن عمر بذلك فعند عبد الرزاق في مصنفه ج ٧ ص ٥٠٠، ٥٠١ روي عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن عمر بن حوشب استمتع بجارية بكر من بني عامر بن لؤي، فذكرت ذلك لعمر، فسألها فقالت: استمتع منها عمر بن حوشب، فسأله فاعترف، فقال عمر: من أشهدت؟ قال: لا أدري قال أمها أو أختها، أو
следующие страницы →