← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومخالفة أمره والحكم بغير شريعته، وأنه لا سعادة ولا نجاة للمسلمين ولا سلامة لهم، إلا باعتصامهم بحبل الله جميعا والتعاون على البر والتقوى، وتكاتفهم ضد أعدائهم وقيامهم بأمر الله وتحاكمهم إلى شريعة الله. هذا هو الطريق السوي، وهذا هو الصراط المستقيم، الذي به نجاتهم وعزهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. الاعتصام بحبل الله: وليس هناك سبيل إلى انتصارهم على عدوهم، واستعادة أمجادهم الغابرة، وعزهم السليب، إلا بهذا السبيل، وهذا الطريق وهو الاعتصام بحبل الله جميعا، والتعاون على البر والتقوى، والتكاتف ضد الباطل وأهله، والاستنصار بالله، والتمسك بالدين، وإعداد المستطاع من القوة للجهاد في سبيل الله واسترداد الحقوق السليبة، والأمجاد الغابرة التي أخذها الأعداء، لتفرقنا وتفريطنا، وعصياننا وتخاذلنا، والله المستعان.

стр. 1087

جماعات التصوف تشغل المسلمين س: يتعرض الإسلام اليوم، وفي هذه الأيام بالذات إلى النيل منه عن طريق بعض جماعات التصوف والدجل والشعوذة والأساطير والخرافات، فما هو المنهج الذي ينبغي على علماء الإسلام أن يواجهوا به هذه الدعوات الكاذبة والبدع المضللة؟ للأسف أن أعداء الإسلام يستعينون بمن ينتسبون إلى الإسلام من الخرافيين والصوفيين، وسائر أهل البدع، ليروجوا باطلهم وليشغلوا المسلمين بما يضرهم ويسبب افتراقهم واختلافهم، حتى يتمكنوا من الحصول على مرادهم، والاستيلاء على ثروات البلاد، وتمزيق شمل المسلمين.

стр. 1088

مقاومة أهل البدع والضلالات: ولا سبيل إلى السلامة من ذلك، إلا بأن يقوم العلماء العارفون بدين الله ، والمتبصرون بسنة رسول الله ﷺ ، بتوجيه المسلمين إلى التمسك بحقيقة دينهم، ونبذ كل بدعة وكل خرافة من طرق التصوف المختلفة والمتنوعة والمخالفة لشرع الله ومن سائر أنواع البدع التي روجها كثير من الناس، والواجب على علماء المسلمين أيضا أن يحثوا المسلمين ويؤكدوا عليهم أنه لا سبيل إلى نجاتهم، وإلى اجتماع شملهم إلا بالتمسك بكتاب الله العظيم وسنة رسوله الأمين ﵊، وترك ما خالف ذلك من سائر الأهواء والبدع. المنهج واحد: وقد أكمل الله الدين، وأتم النعمة، فلا حاجة إلى التمسك بما خالف ذلك والتعصب لذلك والاختلاف من أجل ذلك. بل يجب أن يكون المنهج واحدا وهو التمسك بالقرآن العظيم والسنة المطهرة، بتوحيد الله سبحانه وإخلاص العبادة له وترك عبادة ما سواه وترك الغلو في القبور، وأهل القبور، ودعائهم والاستغاثة بهم ونحو ذلك. البدع والضلالات باطلة: فإن هذا من الشرك بالله ، والعبادة حق لله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) وقال

стр. 1089

النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي لله عنه: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١) » . فالواجب على علماء الإسلام أن ينشروا دين الله بين الناس، وأن يوضحوا لأهل البدع والتصوف والخرافات والانحراف بطلان ما هم عليه من البدع ويوضحوا لهم السنة الغراء والطريقة السمحة الواضحة، وأن يبينوا لهم أدلتها من الكتاب والسنة وأن ينبهوهم إلى أخطائهم بالأسلوب الحسن، والدليل الواضح، والبرهان القوي والحجة الدامغة، والعبارات البينة، من غير عنف ولا شدة بل بالعبارة الواضحة، والجدال بالتي هي أحسن، حتى يعرفوا الحق ويهتدوا إلى الصواب، وحتى يتبصروا وحتى يدعوا الخرافات والشركيات والبدع التي هم عليها على غير هدى وعلى غير بصيرة، والحق ضالة المؤمن متى وجده أخذه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » . يجب ترك البدع والتصدي لها: وكل بدعة وكل ضلالة وكل منهج يخالف شرع الله يجب تركه ويجب أن يسير الناس جميعا على المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ في حياته ثم سار عليه صحابته والخلفاء الراشدون من بعده ثم تابعهم الأئمة المهتدون والسلف الصالحون، تابعوهم على المنهج القويم، والصراط المستقيم. هذا هو المنهج الذي يجب الأخذ به والتمسك به والسير عليه، والدعوة إليه وكل ما يخالف ذلك مما أحدثه الناس يجب أن يترك وأن يرفض مع

стр. 1090

البيان والإيضاح حتى لا يهلك هالك إلا عن بينة.

стр. 1091

منهج الوحدة الإسلامية (وتحدث سماحته عن المنهج الذي يجب أن تقوم عليه الوحدة الإسلامية فقال:) . لا طريق للوحدة الإسلامية إلا باجتماع ولاة أمور المسلمين على دين الله واعتصامهم بحبل الله وتعاونهم على البر والتقوى، وأن يكون هدفهم نصر الحق وهداية الخلق وتحكيم شرع الله في عباد الله. بهذا يجتمعون كما قال الله ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٣) التمسك بشرع الله: فلا سبيل إلى الوحدة الإسلامية الصحيحة، والاجتماع الحقيقي إلا باجتماع القادة على دين الله وتمسكهم بشرع الله، وتعاونهم على البر والتقوى وتحكيم شرع الله فيما بينهم ونبذ تلك القوانين الوضعية والآراء البشرية والنظريات المستوردة المخالفة لشرع الله وراء ظهورهم، وأن لا يحكموا إلا شرع الله الذي حكمه رسول الله ﷺ وحكمه أصحابه وأتباعه بإحسان. هذا هو السبيل الوحيد لجمع الكلمة، ولم الشمل، ووحدة الصف، والنصر على الأعداء، واسترجاع ما غبر من أمجادنا وعزنا الذي سلبه

стр. 1092

الأعداء، لوجود أسباب التفرق والتمزق والاختلاف والتناحر والحرب التي ضرتنا وما نفعتنا. واجب العلماء وأجهزة الإعلام: (وتحدث سماحته عن واجب العلماء ورجال الدين ووسائل الإعلام تجاه ما يروجه الذين ينتسبون إلى العلم والدين في بعض الدول الإسلامية من بدع وخرافات وضلالات فقال:) . نحن في آخر الزمان ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقد انتشر الجهل، وقل العلم، كما قال الرسول ﷺ : «يتقارب الزمان ويظهر الجهل ويقل العلم (١) » . والعلماء المتبصرون اليوم في أوطان المسلمين قليلون، وعلماء السوء وأدعياء العلم، من الذين يدعون أنفسهم علماء، وليسوا بعلماء، وينتسبون إلى العلم كذبا وباطلا، هؤلاء كثيرون، ولكن لا عبرة بهم، ولا قيمة لهم لعدم علمهم بالحق، وعدم نصرهم للحق وحجة المخالفين والمبتدعين والضالين ضعيفة واهية. ومن الواجب على علماء الحق، الذين وفقهم الله للعلم بكتابه وسنة الرسول ﷺ ، وبصرهم بالحق، حتى عرفوا طريق النبي ﷺ وطريق أصحابه وعرفوا أن النصر إنما يكون بالتمسك بدين الله والعض عليه بالنواجذ، ودعوا إلى ذلك وعرفوا سنة الرسول ﷺ ، وتمسكوا بالشرع الحنيف، ودانوا بما جاء به النبي ﷺ أن ينشروا الدعوة الإسلامية ويقوموا بتنقية العقيدة من البدع والضلالات والانحرافات.

стр. 1093

هؤلاء هم العلماء الذين تعلق عليهم الآمال وتجب عليهم دعوة الناس إلى الحق، وهؤلاء يلزمهم أن يصبروا على الأذى وأن يبشروا الناس بدين الله، ويوضحوا لهم سبيل الحق، ويشرحوا لهم حقيقة الإسلام الذي بعث الله به النبي ﷺ ، حتى يزول الجهل وينقشع اللبس، ويتضح الحق لطالب الحق. الرجوع إلى الحق والصواب: وحتى يعلم أهل البدع والخرافات، من الصوفية وغيرهم ما هم عليه من الباطل فيرجعوا إلى الصواب ويأخذوا بالحق؛ لأن الكثير منهم قد التبس عليه الحق، فلو عرف الحق لأخذ به، وسار على طريقه. فإذا نشر أهل العلم والبصيرة والإيمان، الحقيقة الإسلامية، وبصروا الناس بأحكام الله، ودعوا إلى شريعة الله، وأوضحوا لهم الأدلة على ذلك فإن الله يهدي من يشاء، وبذلك يكون علماء الإسلام قد أحسنوا إلى الناس وبلغوا ما عليهم وأدوا واجبهم، ثم بعد ذلك فإن من ضل على بصيرة فأمره إلى الله في ذلك وقد وعد النار ملئها ووعد الجنة ملئها، وقال : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) إنما على أهل العلم البلاغ والبيان والتبصير، وإقامة الأدلة، والصبر على ذلك، والله يهدي من يشاء. تنقية العقيدة الإسلامية: ويجب على أجهزة الإعلام أن تنشر العقيدة الإسلامية الصافية؛ بحيث تكون نقية من كل شوائب البدع والشرك ودعاوى الدجل والتصوف حتى

стр. 1094

لا يضل الناس، وينخدعوا بما يروجه المتصوفة وأهل البدع والخرافات وهذا واجب كل وسائل الإعلام لخدمة العقيدة النقية الصافية ونشر الدعوة الإسلامية، والله المستعان.

стр. 1095

أسئلة مهمة وجوابها هذه أسئلة وجهت إلي في ٢٣ صفر سنة ١٤٠٦ هـ وجوابها: س ١: يقال: إن المشركين الأولين كانوا يعترفون بأنهم ما يعبدون آلهتهم إلا ليقربوهم إلى الله، وكانوا يعبدون أصناما، فكيف تحكمون على من تسمونهم بالقبوريين بالشرك، وهم لا يعبدون أصناما، ولا قالوا إنهم يعبدون، ولكنهم يتبركون؟ . جـ ١: العبادة ليست تعرف بآراء الناس وإنما هي بحكم الله ، فالمشركون الأولون معبوداتهم أقسام، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد غير ذلك. فليسوا على حد سواء، وقد كفرهم الله جميعا حتى يدخلوا في دين الله، وحتى يعبدوا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) فجعل عباد النبيين والملائكة كفارا، إذا لم ينصاعوا إلى الحق، ومعلوم أن

стр. 1096

أهل الطائف يعبدون اللات، وهو رجل صالح فكفرهم الله، حتى دخلوا في الإسلام، وقاتلهم النبي ﷺ حتى دخلوا في الإسلام، وهكذا النصارى يعبدون المسيح، ويعبدون أمه، والمسيح نبي، وأمه صديقة، وهم كفار بذلك، وهكذا اليهود عبدوا أحبارهم ورهبانهم وعبدوا عزيرا، وقالوا: إنه ابن الله، وهم كفار بذلك، والله جل وعلا قال في محكم التنزيل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٢) أخبر سبحانه عن بعض المشركين أنهم يعبدون ناسا صالحين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، فأنكر عبادتهم من دون الله، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن عابديهم ولا تحويله. وقد قال علماء التفسير في هذه الآية: إنها نزلت في المسيح وأمه والعزير، وفي كل رجل صالح أو نبي. وقال ابن مسعود ﵁: إنها نزلت في أناس من الإنس، كانوا يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك الإنس بعبادتهم. فالحاصل أنها نزلت في الصالحين والأنبياء، وكفر الله عابديهم بذلك، وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عن عابديهم ولا تحويله. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤)

стр. 1097

فسمى دعاءهم لهم شركا، مع أنهم لم يدعوهم إلا لأنهم شفعاء، ما دعوهم لأنهم يملكون الضر والنفع، أو يخلقون أو يرزقون، بل قال الله عنهم: إنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) فكفرهم بذلك، وهم لم يعتقدوا إلا أنهم شفعاء ومقربون، ولم يزعموا أنهم يخلقون أو يرزقون، أو ينفعون أو يضرون. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) سماهم كفارا وهم ما عبدوهم لأنهم ينفعون أو يضرون، أو يستقلون بجلب النفع، أو دفع الضر، أو يخلقون، وإنما عبدوهم لأنهم بزعمهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده. وقال : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٤) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٥) فهذه عامة للأنبياء والصالحين وغيرهم. والمقصود أن أهل العلم قاطبة، قد أجمعوا على أن من عبد غير الله: صنما أو نبيا أو صالحا أو جنيا أو غير ذلك، فهو كافر مطلقا،

стр. 1098

ولو كان المعبود نبيا أو صالحا. وهذا إجماع أهل العلم قاطبة، والأدلة على ذلك من قول الله ، وقول رسوله ﷺ واضحة، وقد تقدم بعضها، والله جل وعلا ولي التوفيق. س ٢: وأما قول السائل: أولئك قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا، فاعترفوا بالعبادة ولكن هؤلاء المتأخرين ما يقولون إنهم يعبدونهم، ولكن يقولون إنهم يتبركون بهم؟ جـ ٢: والجواب أن يقال: الاعتبار بالحقائق والمعنى لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلا أو تبركا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات والأنبياء والصالحين والذبح لهم أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم. ومن هذا القبيل قول الجماعة الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حنين لما رأوا المشركين يعلقون أسلحتهم على سدرة. قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : «الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (١) » . فجعل المقالة واحدة، مع أن هؤلاء قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فجعل قولهم مثل قول بني إسرائيل؛ لأن العبرة بالمعنى والحقائق، لا بالألفاظ.

стр. 1099

س ٣: وأما قول السائل: إنكم تدعون إلى التوحيد فما دليلكم على كلمة التوحيد، من أين اشتقت؟ جـ ٣: فالجواب أن يقال على ذلك أدلة كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والتوحيد معناه توحيد الله يعني الاعتقاد أنه واحد لا شريك له. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما الأحاديث فمنها: ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «ادعهم إلى أن يوحدوا الله (٣) » بهذا اللفظ رواه البخاري في الصحيح، وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله (٤) » فصرح بقوله: وحد الله فدل ذلك على أن هذا هو معنى لا إله إلا الله. ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس، على أن يوحد الله (٥) » الحديث، وذلك تفسير لقوله ﷺ في الرواية الأخرى: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (٦) » الحديث.

стр. 1100

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. . والله الموفق.

стр. 1101

س ٤: وأما قول السائل: عن رجل له أخوات تزوجن برجال مشركين، وعندما اهتدى أراد دعوتهم إلى التوحيد، فأجبنه أخواته، ولم يستجب له أزواجهن، فهل يفصل أخواته عن أزواجهن، أم ماذا يفعل؟ جـ ٤: إذا كن مسلمات فالنكاح باطل، ويجب عليه فصل أخواته عنهم، ويلزمه ذلك. وإذا كان في بلاد إسلامية وجب على حاكمها أن يفصلهن من أزواجهن الكفار. أما إذا كن كافرات معهم مثل يهوديات أو نصرانيات أو وثنيات فنكاحهن صحيح، فإذا أسلمن حرم عليهن البقاء معهم وهم غير مسلمين لقوله جل وعلا: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١) وعليهن أن ينفصلن عن أزواجهن الكفار، إلا إذا أسلم الزوج في العدة فهي امرأته، وهكذا بعد العدة على الصحيح إذا كانت ما تزوجت، له الرجوع إليها كما رجعت بنت النبي ﷺ زينب ﵂ إلى زوجها أبي العاص بن الربيع بعدما أسلم وقد مضت العدة. . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1102

حكم الحلف بغير الله هل يجوز الحلف بالنبي ﷺ ؟ الجواب: لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات لا بالنبي ﷺ ولا بالكعبة ولا بالأمانة ولا غير ذلك في قول جمهور أهل العلم. بل حكاه بعضهم (١) إجماعا. وقد روي خلاف شاذ في جوازه بالنبي ﷺ وهو قول لا وجه له بل هو باطل وخلاف لما سبقه من إجماع أهل العلم وخلاف للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، ومنها ما خرجه الشيخان عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٢) » وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله (٣) » ووجه ذلك أن الحالف بغير الله قد أتى بنوع من الشرك فكفارة ذلك أن يأتي بكلمة التوحيد عن صدق وإخلاص ليكفر بها ما وقع منه من الشرك. وخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٤) » وخرج أبو داود من حديث بريدة بن الخصيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حلف بالأمانة فليس منا (٥) » وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم

стр. 1103

صادقون (١) » أخرجه أبو داود والنسائي، وممن حكى الإجماع في تحريم الحلف بغير الله الإمام أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀. وقد أطلق بعض أهل العلم الكراهة فيجب أن تحمل على كراهة التحريم عملا بالنصوص وإحسانا للظن بأهل العلم. وقد تعلل بعض من سهل في ذلك بما جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال في حق الذي سأله عن شرائع الإسلام: «أفلح وأبيه إن صدق (٢) » والجواب: أن هذه رواية شاذة مخالفة للأحاديث الصحيحة لا يجوز أن يتعلق بها وهذا حكم الشاذ عند أهل العلم وهو ما خالف فيه الفرد جماعة الثقات، ويحتمل أن هذا اللفظ تصحيف كما قال ابن عبد البر ﵀ وأن الأصل أفلح والله فصحفه بعض الكتاب أو الرواة، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قال ذلك قبل النهي عن الحلف بغير الله، وبكل حال فهي رواية فردة شاذة لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتشبث بها ويخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الحلف بغير الله وأنه من المحرمات الشركية، وقد خرج النسائي بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه حلف باللات والعزى فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد (٣) » وهذا اللفظ يؤكد شدة تحريم الحلف بغير الله وأنه من الشرك ومن همزات الشيطان وفيه التصريح بالنهي عن العود إلى ذلك. وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه وصلاح القصد والعمل، وأن يعيذنا والمسلمين من اتباع الهوى ونزغات الشيطان إنه سميع قريب والله يتولانا وإياكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 1104

حكم الحلف بالنبي ﷺ * سائل رمز لاسمه بالحروف: ع. ع. أ - أرسل إلينا يقول: اعتاد بعض الناس الحلف بالنبي ﷺ وأصبح الأمر عاديا عندهم ولا يعتقدون ذلك اعتقادا فما حكم ذلك؟ الجواب: الحلف بالنبي ﷺ أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده، وقد حكى الإمام ابن عبد البر ﵀ الإجماع على أنه لا يجوز الحلف بغير الله وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك وأنه من الشرك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (١) » . وفي لفظ آخر «فليحلف بالله أو ليسكت (٢) » . وخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٣) » وصح عنه ﷺ أنه قال: «من حلف بالأمانة فليس منا (٤) » والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة، والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائنا من كان للأحاديث المذكورة وغيرها. ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم

стр. 1105

منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » . خرجه مسلم في صحيحه. والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق، وقد يكون شركا أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية. . نسأل الله أن يمن على المسلمين جميعا بالعافية من ذلك، وأن يمنحهم الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.

стр. 1106

حول تعرض الإيمان للقلق (١) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: فقد نشرت مجلة الراية في عددها الثاني رسالة للمركز الإسلامي في جنيف والتي ورد فيها أسئلة أولها عن الإيمان وتعرضه عند عدد كبير لكثير من القلق والشك، هل هذا القول صحيح إلخ. . وكانت الكلمة بقلم الأخ الدكتور سعيد رمضان. فبعد حمد الله نقول: لا ريب أن الله قد فطر العباد على الإيمان به ربا وإلها ومدبرا يخاف ويرجى ويتقرب إليه بأنواع القرب، وكما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَتَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا (٣) » . . والإيمان الشرعي هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، كما قد فسره النبي ﷺ بذلك في جوابه لسؤال جبريل ﵇ وهو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ودرج عليه سلف الأمة. وبعد هذه المقدمة وتعريف الإيمان نقول: إن هذا الإيمان يتعرض للشك والقلق وذلك لأسباب عدة:

стр. 1107

١ - أعظمها الجهل بمقتضى الإيمان وأدلته. ٢ - عدم العمل بمقتضى العلم فيضعف الإيمان شيئا بعد شيء حتى يزول ويحل محله الشك والقلق كما يدل عليه الواقع وتقتضيه النصوص. ٣ - وجود المؤمن في بيئة غير مؤمنة فتملي عليه شكوكها وشبهاتها فيتزعزع إيمانه ويضعف أمام المغريات ودواعي الانحراف، لا سيما إذا كان قليل العلم وفقد المجالس الصالح الذي يثبته ويعينه. . ويدل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول الكريم ﷺ أنه قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مسلما ويمسي كافرا ويمسي مسلما ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا (١) » . وهذا الحديث يرشد إلى أن البدار بالأعمال الصالحات من أسباب ثبات الإيمان وأن عدمها من عوامل الشك والتأثر بالفتن. وهذه الفتن يدخل فيها فتن الشهوات والشبهات وفتن الحروب، وأعظمها فتن الشهوات إذ هي أكثر إغراء وأقرب إلى النفوس الضعيفة فينخدع المؤمن أول الأمر ثم يتورط فيها حتى تسوخ قدمه في الباطل ويذهب إيمانه. وطريق السلامة والنجاة أن يتباعد المؤمن عن أسباب الفتن وأن يحذرها غاية الحذر، ويجتهد في سؤال الله الثبات على الإيمان ويقبل على كتاب الله تاليا ومتدبرا للآيات الدالة على الله والإيمان به المشتملة على الحجج العقلية والبراهين النظرية المرشدة إلى وجوده سبحانه ووحدانيته واستقلاله بتدبير الأمور كلها واستحقاقه أن يعظم ويطاع باتباع شريعته والوقوف عند حدوده، ومتى رسخ الإيمان في القلوب وذاقت حلاوته واستنارت بأدلته صعب اقتلاعه منها وندر رجوع صاحبه عنه واستبداله بغيره، كما قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن مسائل تتعلق بدعوة الرسول ﷺ : هل يرتد أحد من أصحاب محمد بعد دخوله في دينه سخطة

стр. 1108

له؟ فأجاب أبو سفيان بالسلب، فقال هرقل: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. . والواقع يشهد بما قال هرقل، ولهذا لم يرو أن الرسول أنكر عليه هذا الجواب، أما التجربة العملية لهذا فقد ذكر ابن القيم في قصيدته النونية أنه وقع له شيء من الشك والقلق بسبب النظر في كتب أهل الكلام وشبهاتهم حتى أتاح الله له شيخ الإسلام ابن تيمية فأرشده إلى الآيات والأحاديث المعرفة بالله، وكمال عظمته وأسمائه واستقلاله بتدبير الأمور فاستقام إيمانه وزال عن نفسه ما ساورها من أنواع الشكوك والقلق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1109

نصيحة عامة بمناسبة يوم الاستغاثة . الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: فبمناسبة عزم المسلمين في المملكة العربية السعودية على الاستغاثة يوم الإثنين الموافق ٢٧ شوال ١٣٨٦ هـ رأيت أن أنبه إخواني المسلمين على أمور ينبغي لكل مسلم أن ينتبه لها، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها على ما فيه صلاحها ونجاتها، وحصول ما أحبه الله منها، وسلامتها مما يضرها في الدنيا والآخرة عملا بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) أمر الله عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة أن يتقوه ، وأن ينظروا ماذا قدموا للآخرة، حتى يستقيموا على ما ينفعهم، ويرضي الله تعالى عنهم، ويحذروا ما يضرهم ويسخط الله عليهم، وهذه هي الفائدة العظيمة، من النظر فيما قدمه العبد لآخرته، وأوضح سبحانه أنه خبير بأعمال عباده، لا يخفى عليه منها خافية، ليحذروه ويخافوه، ويصلحوا بواطنهم وظواهرهم، وكرر الأمر بالتقوى لكونها هي سبيل السعادة، وطريق الإصلاح.

стр. 1110

والتقوى هي طاعة الله ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، من إخلاص لله سبحانه، ومن إيمان صادق بالله ورسوله، وبما أخبر الله به ورسوله ﷺ ، وعن رغبته فيما عند الله من المثوبة، وحذر مما لديه من العقاب. قال بعض السلف في تفسير التقوى: هي أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله. وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب الله. وقال عبد الله بن مسعود ﵁ (وهو أحد كبار أصحاب رسول الله ﷺ وعلمائهم) : تقوى الله حق تقاته، أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. ثم إن ربنا في الآية السابقة حذر عباده من مشابهة أعدائه في نسيانه سبحانه، والإعراض عن حقه حتى أنساهم أنفسهم، فأعرضوا عن أسباب نجاتها، وعن سبل سعادتها في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) ثم حكم على هؤلاء المعرضين الذين نسوا الله فأعرضوا عن طاعته، بأنهم هم الفاسقون، أي الخارجون عن طاعة الله، المنقادون للهوى والشيطان. فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله ، وأن يستقيم على طاعته، وأن يحذر هواه وشيطانه وأن يتباعد عن مشابهة أعداء الله ورسوله المعرضين عن ذكره وطاعته، ليفوز بالنجاة والسلامة في الدنيا والآخرة. ومن الأمور العظيمة التي يجب التنبه لها أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه العظيم في مواضع كثيرة، أن ما أصاب العباد من المصائب المتنوعة كقسوة القلوب، وجدب الأرض وتأخر الغيث، ونقص الأنفس والأموال والثمار،

стр. 1111

وتسليط الأعداء وغير ذلك من المصائب. كل ذلك بأسباب ما كسبه العباد من المعاصي والمخالفات، كما قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٤) ولما أخبر عن بعض الأمم الطاغية، وما أحل بهم من العقوبات قال بعد ذلك: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥) وقال عن قوم نوح لما عصوا رسولهم نوحا ﵊: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٦) والمعنى من أجل خطيئاتهم عذبوا في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بإدخالهم النار، نعوذ بالله من حالهم. وفي هذه الآيات الكريمات، وما جاء في معناها من الأحاديث عن رسول الله ﷺ والآيات الكريمات غيرها، الدلالة الظاهرة والبرهان القاطع على أن ما أصاب العباد من المصائب والسيئات التي لا يحصيها إلا الله، كل ذلك بكسبهم وذنوبهم، وما قدموا من الأعمال المخالفة للحق، لعلهم

стр. 1112

يتذكرون ويتعظون، فيتوبوا إليه سبحانه، ويرجعوا إلى طاعته، ويحذروا ما نهاهم عنه، ولهذا قال في الآية السابقة: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) والمعنى أنه سبحانه قد يذيق العباد عقوبة بعض ما عملوا من السيئات لعلهم يرجعون إلى طاعته، والإنابة إليه، والتوبة النصوح من سالف ذنوبهم، ولو يؤاخذهم بجميع ذنوبهم لهلكوا جميعا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٢) الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣) والمعنى أنه عاقب آل فرعون بالسنين، وهي الجدوب المتتابعة، مع نقص الثمرات لعلهم يتذكرون أعمالهم السيئة، فيتوبوا إلى الله منها، ويرجعوا إلى طاعته، ويستقيموا على أمره، فيرد لهم ما كان شاردا، ويصلح لهم ما كان فاسدا، ويعمر قلوبهم بالتقوى، وينزل لهم الغيث من السماء، ويخرج لهم البركات من الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤) الآية، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (٥) الآية. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٦) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٧) الآية، وقال

стр. 1113

تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) وقال أيضا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٤) ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) وقال : ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (٦) ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (٧) أخبر الله في هذه الآيات المذكورات أن العباد إذا آمنوا بربهم، واستقاموا على طاعته واتقوه في جميع أمورهم، وتضرعوا إليه عند نزول المصائب، وحلول العقوبات، تضرع التائبين الصادقين، فإنه يعطيهم ما طلبوا، ويؤمنهم مما حذروا، ويصلح لهم أعمالهم، ويغفر لهم ذنوبهم السالفة، ويخلصهم من المضائق، ويسقيهم من ماء السماء، وينزل لهم البركات في الأرض. فيا معشر المسلمين، بادروا إلى تقوى الله ، وسارعوا إلى مراضيه، وجاهدوا نفوسكم لله ، وألزموها بالتوبة النصوح من سائر الذنوب، وحاربوا الهوى والشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، وشمروا إلى الدار الآخرة، وتضرعوا إلى ربكم ، وأكثروا من دعائه وذكره واستغفاره، يجب دعاءكم، ويصلح أحوالكم، وييسر أموركم، ويغثكم من فضله، ويكشف عنكم كل كربة، ويعصمكم من كيد أعدائكم، ويجركم من كل سوء في الدنيا والآخرة، كما قال ، وهو الصادق في

стр. 1114

وعده: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢) الآية، وقال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٤) ومن القربات المناسبة في هذا الوقت، وفي كل وقت رحمة الفقراء والمحاويج، والإحسان إليهم، فإن الصدقة من أعظم الأعمال التي يدفع الله بها البلاء، وينزل بها الرحمة، كما قال الله : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) وقال : ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٨) وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار،

стр. 1115

وصلاة الرجل في جوف الليل (١) » ثم تلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢) ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وقال ﵊: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (٤) » وقال ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم (٥) » . والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، ويعمر قلوبهم بالتقوى، ويصلح قادتهم، ويمن على الجميع بالتوبة النصوح، من جميع الذنوب، والاستقامة على شريعة الله في جميع الأمور، وأن يحفظهم من مكائد الأعداء إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1116

تكذيب ونقد لبعض ما نشرته مجلة ((المصور)) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد، فقد نشرت مجلة المصور في عددها رقم ٢١٦٦ الصادر في ٢٤ \ الجمعة ١٣٨٥ الموافق ١٥ أبريل ١٩٦٦ م في الصفحة ١٥ من العدد المذكور ما نصه: المبادئ المستوردة بقلم: أحمد بهاء الدين يقول نبأ من السعودية أن نائب رئيس الجامعة الإسلامية هناك نشر مقالا منذ شهرين في جميع الصحف أهدر فيه دم كل من يقول إن الأرض كروية وإن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، وإذا كان يبدو غريبا أن يذاع هذا الرأي في ١٩٦٦ م وفي عصر الفضاء، فصاحب هذا الرأي له فضيلة واضحة وهي أنه منطقي مع ما تردده المملكة العربية السعودية هذه الأيام من أفكار وآراء، فحكام المملكة العربية السعودية لا يتحدثون الآن إلا عن الأفكار والنظريات المستوردة ولا يدعون إلى الحلف الإسلامي إلا بدعوى درء خطر الأفكار المستوردة عن المسلمين، وهم يقصدون الاشتراكية بالطبع ولكنهم لا يناقشون الاشتراكية ولا فكرة العدالة الاجتماعية، وإنما يكتفون برفضها بناء على أنها مستوردة، إلخ. . انتهى المقصود.

стр. 1117

وجوابي عن ذلك أن أقول: (سبحانك هذا بهتان عظيم) لقد نشر المقال الذي أشار إليه الكاتب في جميع الصحف المحلية في رمضان ١٣٨٥ واطلع عليه القراء في الداخل والخارج وليس فيه ذكر كروية الأرض بنفي ولا إثبات فضلا عن إهدار دم من قال بها، وقد وقع فيما نقلته في المقال من كلام العلامة ابن القيم ﵀ ما يدل على إثبات كروية الأرض فكيف جاز لأحمد بهاء الدين أو من نقل إليه هذا النبأ أن يقدم على هذا البهتان الصريح وينسبه إلى مقال قد نشر في العالم وقرأه الناس، سبحان الله ما أعظم جرأة هذا المفتري، ولكن ليس بغريب أن يصدر مثل هذا الافتراء عن أنصار الإلحاد والمذاهب الهدامة فقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان (٢) » وإنما أهدرت في المقال دم من قال إن الشمس ثابتة لا جارية بعد استتابته، وما ذلك إلا لأن إنكار جري الشمس تكذيب لله سبحانه وتكذيب لكتابه العظيم وتكذيب لرسوله الكريم، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام وبالأدلة القطعية وبإجماع أهل العلم أن من كذب الله أو رسوله أو كتابه فهو كافر حلال الدم والمال ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وليس في هذا بحمد الله نزاع بين أهل العلم. وأما قول الكاتب: إذا كان يبدو غريبا أن يذاع هذا الرأي في سنة ١٩٦٦ م وفي عصر الفضاء. إلخ. . فالجواب عنه أن يقال لا ريب أن إظهار الحق ونشره في هذا العصر ودعوة الناس إليه يعتبر من الأمور الغريبة وذلك لاستحكام غربة الإسلام

стр. 1118

وقلة دعاة الحق وكثرة دعاة الباطل، وهذا مصداق ما أخبر به نبينا ورسولنا محمد ﷺ حيث قال في الحديث الصحيح: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (١) » وفي رواية «قيل يا رسول الله: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس (٢) » وفي لفظ آخر قال: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي (٣) » فيتضح من هذا الحديث الشريف لذوي الألباب أن الدعوة إلى الحق وإنكار ما أحدثه الناس من الباطل عند غربة الإسلام يعتبر من الإصلاح الذي حث عليه النبي ﷺ وأثنى على أهله، ويتضح للقراء أيضا من هذا الحديث العظيم أنه ينبغي لأهل الحق عند غربة الإسلام أن يزدادوا نشاطا في بيان أحكام الإسلام والدعوة إليه ونشر الفضائل ومحاربة الرذائل، وأن يستقيموا في أنفسهم على ذلك حتى يكونوا من الصالحين عند فساد الناس ومن المصلحين لما أفسد الناس، والله الموفق سبحانه. وأما ما أشار إليه الكاتب في آخر كلامه من انتقاد من يحارب الأفكار والنظريات المستوردة وحمله على حكام المملكة العربية السعودية وتهمته إياهم بمحاربة الأفكار والنظريات المستوردة كالاشتراكية، وأنهم لا يدعون إلى الحلف الإسلامي إلا بدعوى درء خطر الأفكار عن المسلمين إلخ. . فجوابه أن يقال: إن الأفكار والنظريات المستوردة فيها الحق والباطل فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوها مطلقا ولا أن يردوها مطلقا بل الواجب هو التفصيل في ذلك، فما كان منها حقا أو نافعا للمسلمين مع عدم مخالفته لشرع الله سبحانه فلا مانع من قبوله والانتفاع به لأن الإسلام هو دين الله الكامل الذي دعا إلى كل خير وإلى كل إصلاح ونهى عن كل ما يضر المسلمين ويفسد مجتمعهم، وأمر أهله أن يحرصوا على ما ينفعهم ويستعينوا بالله على ذلك وأن يعدوا كلما استطاعوا من قوة لعدوهم، وأن يأخذوا حذرهم منه وأن يتكاتفوا

стр. 1119

ويتعاونوا على البر والتقوى وأن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا، وحذرهم سبحانه من اتباع أهواء أعدائهم وأخبر أن أعداءهم لن يغنوا عنهم من الله شيئا. فالأفكار النافعة والنظريات الصحيحة قد جاء بها الإسلام ودعا إليها فليست مستوردة عليهم بل هو السابق إليها وإن خفيت على بعض أتباعه وظنوا أنها مستوردة من أعدائه، وإنما قصارى ما يأتي به الأعداء من الأفكار الصحيحة والنظريات الموافقة للشرع أن يذيعوها بين الناس ويلبسوها لباسا يوهم أنها من عندهم وأنهم مبتكروها والدعاة إليها وليس الأمر كذلك، وإنما الفضل في ذلك للإسلام عليهم حيث نبههم عليها وأرشدهم إلى أصولها وثمراتها، فنسبوا ذلك إلى أنفسهم وجحدوا نسبة الحق إلى أهله إما جهلا وإما حسدا، والحكومة العربية السعودية حين تحارب الاشتراكية وغيرها من المذاهب الهدامة لم تحاربها لكونها مستوردة وإنما حاربتها لأنها نظام إلحادي مخالف للشريعة ينكر الأديان والشرائع ويحارب الله سبحانه وينكر وجوده ويحل ما حرم ويحرم ما أحل، وإن استخفى معتنقوه في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة بشيء من هذا ولم يظهروه لأسباب قد تدعوهم إلى ذلك فالأمر واضح وكتبهم تنادي بذلك وتدعو إليه وإمامهم (ماركس) اليهودي الملحد قد صرح بذلك ودعا إليه ولكن الواقع هو كما قال الله : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) والحكومة السعودية قد استوردت أشياء كثيرة نافعة ولم تحاربها لما ظهر لها نفعها، وأما قول الكاتب أن حكام السعودية حين دعوا إلى الحلف الإسلامي إنما دعوا إليه بدعوى درء خطر الأفكار المستوردة، فالجواب عنه أن يقال: إنهم لم يدعوا إلى حلف إسلامي، وإنما دعوا إلى التضامن

стр. 1120

الإسلامي والتقارب والتكاتف الذي أمر الله به ورسوله، فالله سبحانه قد أمر المسلمين أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يكون بعضهم لبعض كالبنيان المرصوص ضد أعدائهم ومناوئيهم وفي كل ما يتعلق بمصالحهم وأن يحاربوا الأفكار والمذاهب التي تخالف دينهم. وليس هذا حلفا بل هو أعلى من الحلف فهو واجب مقدس وفرض محتم على ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم بل وعلى كافتهم وأن يستقيموا على دين الله ويحافظوا عليه ويدعوا إليه، وأن يقفوا صفا واحدا متراصا ضد أعدائهم وضد ما يحاك لهم من المكائد ويبيت لهم من الأخطار عملا بقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقوله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (٤) » أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه بدون قوله «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (٥) » . وقوله ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٦) » متفق عليه، وقوله ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له

стр. 1121

سائر الجسد بالسهر والحمى (١) » ، متفق عليه، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وجلالة الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية - وفقه الله - حين قام بالدعوة إلى التضامن الإسلامي وجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم وأن يقفوا كتلة واحدة أمام الأخطار المحيطة بهم، قد أدى بذلك واجبا عظيما وعملا جليلا يشكر عليه، ويجب على سائر ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم وأعيانهم أن يساعدوه في ذلك وأن يضموا أصواتهم لصوته وجهودهم لجهوده، وأن يكونوا جميعا متكاتفين متساعدين على إعلاء كلمة الله ونصر دينه وتحكيم شريعته وتطهير عقيدة شعوبهم من المذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة والعقائد الزائفة، وأن يجمعوا جهودهم لإعداد ما استطاعوا من قوة لصد الأخطار المحدقة بهم، وأن يكونوا معسكرا متكاملا له عدته وله كيانه وله وزنه في المحيط الدولي والسياسي والاقتصادي والصناعي وسائر مقومات المجتمع ووسائل نهضته وصموده أمام كل خطر كما أمرهم بذلك دينهم وأرشدهم إليه كتاب ربهم حيث يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣) ويقول النبي ﷺ : «ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي (٤) » ويقول ﵊: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن (٥) » . . . الحديث، أخرجه مسلم في صحيحه. وأسأل الله أن يوفق قادة

стр. 1122

المسلمين من الملوك والرؤساء والزعماء والعلماء وغيرهم لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يجمع كلمتهم على الهدى وأن يمنحهم الفقه في دينه والبصيرة بحقه، وأن يعيذ الجميع من شرور النفس وسيئات العمل وكيد الأعداء، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1123

حكم من مات من أطفال المشركين (١) قارئ من الرياض يسأل: الطفل الذي ولد من أبوين كافرين ومات قبل بلوغه سن التكليف هل هو مسلم عند الله أم لا؟ علما أن رسول الله ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة (٢) » . . . الحديث. وإذا كان مسلما فهل يجب على المسلمين أن يغسلوا جنازته ويصلوا عليه؟ أفيدونا مأجورين. الجواب: إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين (٣) » . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار. وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ في امتحان أهل الفترة يوم القيامة. وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين

стр. 1124

لقول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعا. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه ((طريق الهجرتين)) تحت عنوان ((طبقات المكلفين)) .

стр. 1125

حكم من يسخر من القرآن وأهله (١) . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه: أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته مجلة الدعوة في عددها الصادر في يوم الإثنين الموافق ٢٧ \ ١ \ ١٣٩٧ هـ تحت عنوان ((صحيفة محلية تسخر من القرآن وأهله)) ثم ذكرت تحت هذا العنوان ما نصه: وطلعت علينا الصحيفة المشار إليها في عددها الصادر بتاريخ ٧ \ ٤ \ ١٣٩٧ هـ لتسخر من القرآن وأهله ولتقول ما نصه: ((والرجال يعتقدون أن المرأة كائن آخر. والمرأة في تعبيرهم ناقصة عقل ودين وهم يعتقدون أن الرجال قوامون على النساء)) انتهى ما نقلته مجلة الدعوة. ولقد دهشت لهذا المقال الشنيع واستغربت جدا صدور ذلك في مهبط الوحي وتحت سمع وبصر دولة إسلامية تحكم الشريعة وتدعوا إليها، وعجبت كثيرا من جرأة القائمين على هذه الجريدة حتى نشروا هذا المقال الذي هو غاية في الكفر والضلال، والاستهزاء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والطعن فيهما، وليس هذا ببدع من القائمين على هذه الصحيفة، فقد عرفت بنشر المقالات الداعية إلى الفساد والإلحاد والضرر العظيم على المجتمع. كما
следующие страницы →