قال: «مفاتيح الغيب خمس ثم قرأ قوله تعالى: (٢) » الآية. فالواجب على أهل العلم أن ينبهوا على ما يقع فيه الناس من الخطأ العظيم في هذا الباب وغيره؛ لأنهم مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) وكذا الاعتقاد أن بني هاشم ذنبهم مغفور ولو فعلوا ما فعلوا وهذا غاية الجهل والضلال. فإن الله لا ينظر إلى الأحساب والأنساب والأموال وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، فمن امتثل أوأمره واجتنب نواهيه ولازم التقوى وابتعد عن المعاصي والمخالفات فهو الكريم عند الله سواء كان عربيا أو عجميا وسواء كان من بني هاشم أو من غيرهم، فالأحساب والأنساب لا تنفع أحدا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٤) وقال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (٥) » وقال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (٦) » . وهذا أبو طالب وهو عم رسول الله ﷺ لم ينفعه قربه من رسول الله ﷺ ونسبه العريق، وقد حرص رسول الله على أن يشهد أن لا إله إلا الله حتى يحاج له بها عند الله فلم يفعل لأن الله سبحانه كتب في الأزل أنه يموت على دين الآباء والأجداد وهو الشرك وعبادة الأصنام، ونهى الله نبيه عن الاستغفار له فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٧) وأخبر أن النبي لا يملك هداية أحد إذا لم يهده الله فقال:
стр. 1052
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وهكذا أبو لهب وهو عم النبي ﷺ مات على الكفر وأنزل الله في ذمه سورة تتلى إلى يوم القيامة وهي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢) فالمعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي كما قال ﷺ : «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٣) » وقال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا (٤) » ، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة. ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء.
ومن الأمور المنكرة والاعتقاد الفاسد والضلال المبين ما يعتقده بعض المغفلين والجهال في بعض المخرفين والمشركين الضالين المضلين أنهم يشفون المرضى ويدفعون عنهم الضر ويجلبون النفع، نعوذ بالله من العمى والضلال. وهذا ينافي الإيمان بالله وأنه النافع الضار الرازق المحيي المميت المدبر القادر تعالى الله وتقدس عما يقوله الضالون المفترون، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٥) فمن اعتقد أن أحدا ينفعه أو يضره أو يشفيه من دون الله فقد كفر بالله وبكتابه وبملائكته ورسله، قال تعالى لأكرم خلقه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (٦) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٧) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ (٨) وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٩) وقال رسول الله ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت
стр. 1053
فاستعن بالله (١) » . فالنبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا لغيره، فغيره من باب أولى. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح أو ولي من الأولياء وظن فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا فلان اشفني أو انصرني أو ارزقني أو أغنني ونحو ذلك فإن هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. وكذا من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم فإنه يكفر إجماعا، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو جني أو روح أو غير ذلك تأثيرا في كشف كربة أو قضاء حاجة أو رفع مرض أو دفع بلاء دون الله سبحانه فقد وقع في ضلال كبير وفي واد من الجهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير لكونه قد أشرك بالله العظيم، وهكذا من ذكر أحدا من الصالحين والأولياء وغيرهم على وجه طلب الإمداد منه فقد أشركه مع الله إذ لا قادر على الدفع والنفع غيره . أما دعاء الحي الحاضر القادر والاستعانة به فيما يقدر عليه مما يجوز شرعا فلا حرج في ذلك وليس داخلا في أنواع الشرك بإجماع المسلمين لقول الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) ولأدلة أخرى من الكتاب والسنة في هذا المعنى، والله ولي التوفيق.
ومن الأمور المنكرة أن بعض من يدعي أنه من بني هاشم يقولون إنه لا يكافئهم أحد فهم لا يزوجون غيرهم ولا يتزوجون من غيرهم، وهذا خطأ عظيم وجهل كبير وظلم للمرأة وتشريع لم يشرعه الله ورسوله قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣)
стр. 1054
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) وقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب (٤) » وقال ﷺ : «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين (٥) » متفق عليه.
وقال النبي ﷺ : «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (٦) » خرجه الترمذي وغيره بإسناد حسن، وقد زوج النبي ﷺ زينب بنت جحش الأسدية من زيد بن حارثة مولاه، وزوج فاطمة بنت قيس القرشية من أسامة بن زيد وهو وأبوه عتيقان. وتزوج بلال بن رباح الحبشي بأخت عبد الرحمن بن عوف الزهرية القرشية. وزوج أبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة القرشي ابنة أخيه الوليد سالما مولاه وهو عتيق لامرأة من الأنصار. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٧) وكذا زوج النبي ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم عثمان وزوج أبا العاص ابن الربيع ابنته زينب وهما من بني عبد شمس وليسا من بني هاشم، وزوج علي عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم وهو عدوي لا هاشمي، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي وهو أموي لا هاشمي، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة وليس هاشميا بل أسدي من
стр. 1055
أسد قريش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب الهاشمية ابنة عم النبي ﷺ وهو كندي لا هاشمي، وهذا شيء كثير. والمقصود بيان بطلان ما يدعيه بعض الهاشميين من تحريم تزويج الهاشمية بغير الهاشمي أو كراهة ذلك، وإنما الواجب في ذلك اعتبار كفاءته في الدين. فالذي أبعد أبا طالب وأبا لهب عدم الإسلام والذي قرب سلمان الفارسي وصهيبا الرومي وبلالا الحبشي إنما هو الإيمان والصلاح والتقوى واتباع الشرع والسير على النهج المستقيم، ومما ينجم عن هذا الجهل والتصرف الباطل حبس النساء الهاشميات وتعطيلهن من الزواج أو تأخيره فيحصل ما لا تحمد عقباه من الفساد وتعطيل النسل أو تقليله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فأمر بإنكاح الأيامى أمرا مطلقا ليعم الغني والفقير وسائر أصناف المسلمين. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد رغبت في الزواج وحثت عليه فإن على المسلمين أن يبادروا إلى امتثال أمر الله وأمر رسوله، حيث قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٢) » متفق على صحته، فعلى الأولياء أن يتقوا الله في مولياتهم فإنهن أمانة في أعناقهم وأن الله سائلهم عن هذه الأمانة فعليهم أن يبادروا إلى تزويج بناتهم وأخواتهم وأبنائهم حتى يؤدي كل دوره في هذه الحياة ويقل الفساد والجرائم. ومن المعلوم أن حبس النساء عن الزواج أو تأخيره سبب في فشو الجرائم الأخلاقية وانتشارها التي هي من معاول الهدم والدمار، فيا عباد الله اتقوا الله في أنفسكم وفيمن ولاكم الله عليهم من البنات والأخوات وغيرهن وفي إخوانكم المسلمين واسعوا جميعا إلى تحقيق الخير والسعادة في
стр. 1056
المجتمع وتيسير سبل نموه وتكاثره وإزالة أسباب انتشار الجرائم. واعلموا أنكم مسئولون ومحاسبون ومجزيون على أعمالكم قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٣) وبادروا إلى تزويج بناتكم وأبنائكم مقتدين بنبيكم ﷺ وصحابته الكرام ﵃ والسائرين على هديهم وطريقتهم، وأوصيكم بتقليل مؤن الزواج وعدم المغالاة في المهور، واقتصدوا في تكاليف الزواج واجتهدوا في اختيار الأزواج الصالحين الأتقياء ذوي الأمانة والعفة.
رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه وأعاذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وجنبنا وإياكم مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله أن يصلح ولاة أمور المسلمين ويصلح بهم إنه على ذلك قدير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 1057
الدعوة إلى الله
وأثرها في انتشار الإسلام
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فإني أشكر للمسئولين في الرابطة ما تكرموا به من تقديم الدعوة إلي للمشاركة في موسم الرابطة الثقافي لهذا العام ١٣٩١ هـ.
وأسأل الله أن ينفع المسلمين بهذا الموسم، وأن يكلل جهود القائمين عليه بالنجاح، وأن يجزل لهم المثوبة، إنه خير مسئول.
وقد رأى المسئولون في الرابطة أن تكون المحاضرة في أثر الدعوة في انتشار الإسلام. وقد أجبتهم إلى ذلك، ورأيت أن يكون العنوان ما سمعتم وهو فضل الدعوة. ومن هذا يعلم أن هذه المحاضرة ذات شقين: أحدهما يتعلق بفضل الدعوة، والثاني: يتعلق بأثرها في انتشار الإسلام.
أما ما يتعلق بفضل الدعوة، فكل من له أدنى إلمام بالعلم، يعرف أن الدعوة شأنها عظيم وأنها مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل عليهم
стр. 1058
الصلاة والسلام هم الأئمة في هذا الشأن، وهم الأئمة في الدعوة، وهي وظيفتهم؛ لأن الله جل وعلا بعثهم دعاة للحق، وهداة للخلق عليهم الصلاة والسلام، فكفى الدعوة شرفا، وكفاها منزلة عظيمة أن تكون وظيفة الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة. قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) فبين أن الرسل جميعا بعثوا لهذا الأمر العظيم للدعوة إلى عبادة الله وحده، واجتناب الطاغوت.
والمعنى أنهم بعثوا لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه بها، دون كل ما سواه، وتحرير الناس من عبادة الطاغوت، إلى عبادة الله وحده.
والطاغوت كل ما عبد من دون الله من شجر وحجر، أما ما عبد من دون الله من الأنبياء والصالحين والملائكة فليس المعبود منهم طاغوتا، ولكن الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى ذلك وزين ذلك، وإلا فالرسل والصالحون يبرءون إلى الله من عبادة من عبدهم.
فالطاغوت كل ما عبد من دون الله من الجمادات، ومن العقلاء الذين يرضون بذلك كفرعون وأشباهه، أما من لا يرضى بذلك فالطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادته وزينها.
وقال : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢) فبين أن الرسل بعثوا مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاعهم بالنصر والتأييد والجنة والكرامة، ومنذرين من عصاهم بالخيبة والندامة والنار.
стр. 1059
وفي بعثهم إقامة الحجة، وقطع المعذرة، حتى لا يقول قائل ما جاءنا من بشير ولا نذير، فالله بعث الرسل إقامة للحجة، وقطعا للمعذرة، وهداية للخلق، وبيانا للحق، وإرشادا للعباد إلى أسباب النجاة، وتحذيرا لهم من أسباب الهلاك عليهم الصلاة والسلام فهم خير الناس وأصلح الناس، وأنفع الناس للناس، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢) فأخبر سبحانه أنه بعث هذا الرسول الكريم محمدا ﵊ شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله - فعلم بذلك أن وظيفة الدعوة إلى الله هي تبليغ الناس الحق، وإرشادهم إليه، وتحذيرهم مما يخالفه ويضاده. وهكذا أتباعهم إلى يوم القيامة. مهمتهم الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى ما خلقوا له، وتحذيرهم من أسباب الهلاك، كما قال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فأمر الله نبيه أن يبلغ الناس أن سبيله التي هو عليها الدعوة إلى الله ، وهكذا أتباعه هم على ذلك. والمعنى قل يا محمد، أو قل يا أيها الرسول للناس: هذه سبيلي أنا ومن اتبعني. فعلم بذلك أن الرسل وأتباعهم هم أهل الدعوة، وهم أهل البصائر، فمن دعا على غير بصيرة فليس من أتباعهم، ومن أهمل الدعوة فليس من أتباعهم، وإنما أتباعهم على الحقيقة هم الدعاة إلى الله على بصيرة، يعني أتباعهم الكمل الصادقين الذين دعوا إلى الله على بصيرة، ولم يقصروا في ذلك، وعملوا بما يدعون إليه، وكل ما حصل من تقصير في الدعوة، أو في البصيرة كان نقصا في الاتباع، ونقصا في الإيمان وضعفا فيه، فالواجب على الداعية إلى الله عز
стр. 1060
وجل، أن يكون ذا بصيرة، أي ذا علم، فالدعوة على جهل لا تجوز أبدا؛ لأن الداعية إلى الله على جهل يضر ولا ينفع، ويخرب ولا يعمر، ويضل ولا يهدي، فالواجب على الدعاة إلى الله التأسي بالرسل بالصبر والعلم والنشاط في الدعوة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١) فالدعوة إلى الله هي سبيل الرسل وطريقهم عليهم الصلاة والسلام، وفي ذلك غاية الشرف والفضل للدعاة أتباع الرسل، المقتدين بهم السائرين على منهاجهم عليهم الصلاة والسلام، ومن شرط ذلك أن يكون الداعية على بصيرة وعلم وبينة، بما يدعو إليه، ومما يحذر منه حتى لا يضر الناس، وحتى لا يدعو إلى ضلالة وهو لا يدري، أو يدعو إلى باطل وترك حق وهو لا يدري، حتى يكون على بينة ليعرف ما يدعو إليه، وما يدعو إلى تركه، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) هذا الأمر العظيم، وإن كان موجها إلى الرسول العظيم ﷺ ، فهو أمر للأمة جميعا وإن خوطب به النبي ﷺ فهو الأصل والأساس، وهو القدوة ﵊، ولكنه مع ذلك موجه للأمة جميعا؛ لأن القاعدة الشرعية أن أمته تابعة له في الأمر والنهي إلا ما دل الدليل على أنه خاص به ﵊، فالدعوة إلى الله فرض على الجميع، وواجب على الجميع، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣) فعلى المسلمين أن يتأسوا بنبيهم ﵊ في الدعوة إلى الله، والتوجيه إليه، وإرشاد العباد إلى أسباب
стр. 1061
النجاة، وتحذيرهم من أسباب الهلاك، وفي هذه الآية العظيمة بيان كيفية الدعوة وأسلوبها، ونظامها وما ينبغي للداعي أن يكون عليه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١) قال جماعة من علماء التفسير: معنى ذلك: الآيات والأحاديث: يعني ادع إلى الله بآيات الله وبسنة رسول الله ﵊، لما فيها من الحكمة، ولما فيها من الفقه والردع والبيان والإيضاح، والكلمة الحكيمة هي التي فيها الردع عن الباطل، والتوجيه إلى الخير، وفيها الإقناع والتوجيه إلى ما فيه السعادة.
فالداعي إلى الله جل وعلا، ينبغي له أن يتحرى في دعوته ما يقنع المدعو، ويوضح الحق، ويردعه عما يضره، بالأسلوب الحسن الطيب، اللين الرقيق، ولهذا قال بعده: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٢) فليكن الداعي ذا حكمة، وذا موعظة حسنة، عند الحاجة إليها، فهو يوضح الحق ويبينه، ويرشد إليه بالآيات والأحاديث الواضحة البينة الصحيحة، حتى لا يبقى شبهة للمدعو.
ومن الحكمة إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو وبلغته التي يفهمها حتى لا تبقى عنده شبهة، وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان، أو بسبب عدم إقناعه بلغته، أو بسبب تعارض بعض الأدلة، وعدم بيان المرجح، فإذا كان هناك ما يوجب الموعظة وعظ وذكر بالآيات الزواجر، والأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، حتى ينتبه المدعو ويرق قلبه، وينقاد للحق، فالمقام قد يحتاج فيه المدعو إلى موعظة وترغيب وترهيب على حسب حاله، وقد يكون مستعدا لقبول الحق، فعند أقل تنبيه يقبل الحق، وتكفيه الحكمة، وقد يكون عنده بعض التمنع وبعض الإعراض فيحتاج إلى موعظة وإلى توجيه، وإلى ذكر آيات الزجر
стр. 1062
والترغيب، وأحاديث الزجر والترغيب والترهيب حتى يلين قلبه، ويقبل الحق.
وقد يكون عنده شبه فيحتاج إلى جدال بالتي هي أحسن، حتى تزاح الشبهة، ويتضح الحق ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)
فإذا كان المدعو عنده بعض الشبه، فعليك أيها الداعي أن توضح الحق بدلائله، وأن تزيح الشبهة بالدلائل التي تزيحها، حتى يبقى معك المدعو على أمر بين واضح، وليكن هذا بالتي هي أحسن لأن العنف والشدة قد يضيعان الفائدة، وقد يقسو قلب المدعو بسبب ذلك ويحصل له به الإعراض والتكبر عن القبول فعليك بالرفق والجدال بالتي هي أحسن حتى يقبل منك الحق، وحتى لا تضيع الفرصة، وتذهب الفائدة سدى، بسبب العنف والشدة، مادام صاحبك يريد منك الحق، ولم يظلم ولم يتعد، أما عند الظلم والتعدي فله نهج آخر، وسبيل آخر، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢) فإذا كان أهل الكتاب يجادلون بالتي هي أحسن، فالمسلمون من باب أولى أن يجادلوا بالتي هي أحسن، لكن من ظلم ينتقل معه إلى شيء آخر، فقد يستحق الظالم الزجر، والتوبيخ، وقد يستحق التأديب والسجن، إلى غير ذلك على حسب ظلمه.
والآيات في فضل الدعوة، والحث عليها كثيرة، ولكن من أهم ذلك وأوضحه ما بينا، ومن هذا قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ففي هذه الآية
стр. 1063
الكريمة بيان أنه لا أحسن قولا ممن دعا إلى الله، وفي ذلك غاية الحث على الدعوة، وغاية التحريض عليها، إذا كان لا أحسن قولا، ممن دعا إلى الله، فحقيق بالمؤمن، وحقيق بطالب العلم أن يبادر ويسارع إلى هذا المقام العظيم، مقام الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو الدعوة إلى الله والإرشاد إلى دينه الحق، وهذه الطائفة رأسها وأئمتها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أحسن الناس قولا، وهم أئمة الهدى والدعوة، وهم أولى الناس بالدخول في هذه الآية الكريمة؛ لأنهم القدوة والأساس في الدعوة إلى الله عليهم الصلاة والسلام.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضا، ولهذا قال بعده ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٢) فالداعي إلى الله يكون داعية باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولا من هذا الصنف من الناس، هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم.
وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال والسيرة، وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال ولا سيما العامة وأرباب العلوم القاصرة فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة وذا عمل صالح وذا خلق فاضل حتى يقتدى بأفعاله وأقواله
стр. 1064
وسيرته. ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) يعني الداعي يصرح بما هو عليه ويبين أنه على المنهج الأسمى، على الحق، يقول هذا معتزا به فرحا به مغتبطا به لا مرائيا ولا مفاخرا ولكنه مبين للحق يقول إني على صراط مستقيم، أنا من المسلمين. لست نصرانيا ولا يهوديا ولا وثنيا ولكنني مسلم حنيف أدعو إلى الله على بصيرة أدعو إلى ديني أدعو إلى الحق، ويقول هذا عن اغتباط وعن سرور وعن اعتراف صادق وعن إيمان بما يدعو إليه حتى يعلم المدعوون أنه على بينة وأنه على طريق واضح ومنهج صحيح وأنه إذا دعا إلى الإسلام فإنه يدعو إليه وهو من أهله، ليس يدعو إليه وهو من غير أهله بل هو يدعو إليه وهو عليه آخذ به ملتزم به. وكثير من الدعاة قد يدعون إلى شيء وهم على خلافه، لكن دعوا إليه إما لمال أخذوه وإما رياء وإما لأسباب أخرى لكن الداعي الصادق إلى الله يدعوا إلى الإسلام لأنه دينه ولأنه الحق الذي لا يجوز غيره، ولأنه سبيل النجاة وسبيل العزة والكرامة ولأنه دين الله الذي لا يرضى سواه سجانه وتعالى.
فهذه الآية العظيمة فيها الحث والتحريض على الدعوة إلى الله وبيان منزلة الدعاة وأنهم أحسن الناس قولا إذا صدقوا في قولهم وعملوا الصالحات، وهم أحسن الناس قولا ولا أحد أحسن منهم قولا أبدا وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم أتباعهم على بصيرة إلى يوم القيامة.
стр. 1065
ومن الدعاة إلى الله الداخلين في هذه الآية المؤذنون فإنهم دعاة إلى الله ينادون على رءوس الأشهاد بتكبير الله وتعظيمه والشهادة له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ﵊، فهم من الدعاة إلى الله وهم داخلون في هذه الآية الكريمة.
ومما صح في السنة عن رسول الله ﵊ في شأن الدعوة وفضلها «قوله ﵊ لما بعث عليا رضي الله عنه
стр. 1066
إلى خيبر قال: ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (١) » متفق عليه من حديث سهل بن سعد ﵁.
أقسم ﵊ وهو الصادق، وإن لم يقسم، أن هداية رجل واحد على يد علي ﵁ خير له من حمر النعم فدل ذلك على أن الدعوة إلى الله شأنها عظيم وأنها منزلة عظمى. وفي هذا بيان أن المقصود من الدعوة والجهاد ليس قتل الناس ولا أخذ أموالهم ولكن المقصود هدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من الباطل وإخراجهم من الظلمات إلى النور وانتشالهم من وهدة الضلالة وأوحال الرذيلة إلى عز الهدى وشرف التقوى. ولهذا قال ﵊: «والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢) » .
وفيه من الفوائد حث الغزاة وأئمة الغزو على التريث وعدم العجلة في القتال وأن يجتهدوا في الدعوة وإرشاد المدعوين وتنبيههم على أسباب النجاة لعلهم يرجعون ويجيبون الداعي، ولعلهم يتركون القتال ويدخلون في دين الله ، فليس مقصود المسلمين ولا مقصود الإسلام والجهاد القتل وسبي النساء والذرية والأموال، وإنما المقصود من ذلك هداية الناس وإرشادهم إلى الحق الذي خلقوا له كما سبق، فإذا امتنعوا وأصروا ولم يقبلوا الحق بعد ذلك فالجهاد يفر إليه عند الحاجة أما إذا كفت الدعوة وقبلوا الحق فلا حاجة إلى الجهاد، وإنما يصار إليه عند امتناع المدعو وعدم قبوله الحق فعند هذا شرع الله الجهاد بالسلاح لقمع المبطلين وإزاحتهم عن طريق الدعوة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وفتح الطريق أمام الدعوة إلى الله حتى ينتشر الإسلام في أرض الله. وفيه من الفوائد أيضا الدلالة
стр. 1067
على أن هداية واحد خير من حمر النعم، يعني: أن الهداية لواحد من الكفار على يدك أيها الداعي أو أيها الأمير فيه خير عظيم وفضل كبير. قال بعض الأئمة: معنى ذلك: خير من الدنيا وما عليها لأن الدنيا زائلة والآخرة باقية فخيرها ولو كان قليلا خير من الدنيا وما عليها، ولهذا قال ﷺ : «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها (١) » .
وإنما ذكر ﷺ حمر النعم لأن حمر النعم، أنفس أموال العرب وأرفعها عندهم فمثل بها، وإلا فالمقصود أن هداية رجل واحد أو أكثر من ذلك خير من الدنيا وحطامها الزائل الفاني. .
وقال ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » أخرجه مسلم في الصحيح وهو يدل على أن من دعا إلى الخير وأرشد إليه كان له مثل أجر فاعله، وهذه فضيلة عظيمة للدعوة وشرف عظيم للدعاة أن الله يعطيهم مثل أجور من هداه الله على أيديهم. فيا له من خير ويا له من فضل ويا لها من منزلة. يا أخي تدعو إلى ربك وإلى دينك وإلى اتباع نبيك ﵊ ويحصل لك مثل أجور من هداه الله على يديك هذه مزية عظيمة وفضل كبير، وفي ذلك حث وتحريض للدعاة على الدعوة والصبر عليها إذا كنت تحصل بذلك على مثل أجور من هداه الله على يدك، فحقيق بك أن تشمر وأن تسارع إلى الدعوة وأن تصبر عليها وفي هذا خير عظيم، وقال ﵊ فيما رواه مسلم أيضا في الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا (٣) » وهذا أيضا فضل عظيم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه (٤) » وهذا مثل ما تقدم في حديث: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥) » .
стр. 1068
وهذه الأحاديث وما جاء في معناها فيها الحث والتحريض على الدعوة وبيان فضلها وأنها في منزلة عظيمة من الإسلام وأنها وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد بعث الله تعالى الرسل جميعا دعاة لله ومبشرين بدينه ومنذرين من عصاه فحقيق بك أيها المؤمن أن تسير على منهاجهم الصالح، وأن تستمر على طريقهم الواضح بالدعوة إلى الله والتبشير بدينه، والتحذير من خلافه، وإنما يتم هذا الفضل ويحصل هذا الخير ويتضاعف، بالصبر والإخلاص والصدق، فمن ضعف صبره أو ضعف صدقه أو ضعف إخلاصه لا يستقيم مع هذا الأمر العظيم ولا يحصل به المطلوب كما ينبغي، فالمقام يحتاج إلى إخلاص فالمرائي ينهار ولا يثبت عند الشدائد ويحتاج إلى صبر، فذو الملل وذو الكسل لا يحصل به المقصود على التمام فالمقام يحتاج إلى إخلاص وإلى صدق وإلى صبر، كما قال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١) وكما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) فلا بد من الصدق كما قال : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٤) ولا بد من الصبر كما قال جل وعلا: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥) وكما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٦) فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين - فالدعاة إلى الله إذا صبروا وصدقوا وكانت دعوتهم على علم وعلى بصيرة، صاروا أئمة للناس يقتدى بهم في الشدة والرخاء، والعسر واليسر، كما
стр. 1069
سبق في قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١) فعليك يا عبد الله بالصبر على دعوتك وإيمانك وعملك الصالح وعليك باليقين في أعمالك، كن على بصيرة، تعلم وتفقه وتثقف في الدين وكن على بينة في أمورك حتى تكون دعوتك عن صبر وعن يقين، وبهذا تكون إماما يقتدى به، وتكون إماما وقدوة وأسوة صالحة في أعمالك الطيبة وسيرتك الحسنة، وبهذا ينتهي الكلام على فضل الدعوة وهو الشق الأول.
أما الشق الثاني: وهو أثرها في انتشار الإسلام، فنقول: إن الله جل وعلا بعث الرسل كما سبق عليهم الصلاة والسلام دعاة للحق وهداة للخلق ولم يبلغنا أن الرسل الأولين كانوا يجاهدون على دعوتهم، وإنما ذكر الله الجهاد بعد بعث موسى ﵊.
ومن وقت آدم إلى نزول التوراة كان الرسل دعاة فقط ليس هناك جهاد فانتشر الإسلام بالدعوة والبيان والكتب المنزلة من السماء فكان الرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون إلى الله وينذرون الناس فانتشر دينهم وإسلامهم بالدعوة من عهد آدم إلى أن بعث الله موسى ﵊.
والإسلام هو دين الله، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) فهو دين الله لجميع المرسلين وجميع الأمم كما قال عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وهو أول الرسل وقال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كان بين آدم ونوح عليهما
стр. 1070
الصلاة والسلام عشرة قرون كلهم على الإسلام حتى وقع الشرك في قوم نوح» وقال جل وعلا في قصة إبراهيم وإسماعيل وهما يعمران الكعبة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) فطلبا أن يكونا مسلمين، وقال في قصة يوسف: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢) وقال في قصة موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال عن بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) فالدين عند الله هو الإسلام، ولكن الله بعث محمدا ﵊ بأكمله وأتمه، بعثه بالإسلام وبشريعة كاملة في الإسلام، فالذي بعث الله به محمدا ﷺ هو أكمل الدين وأتمه، بعثه بالإسلام الذي هو دين الله وبعثه بشريعة كاملة صالحة لجميع الزمان والمكان حتى تقوم الساعة، أما ما بعث الله به الأنبياء الماضين فهو دين الإسلام ولكن بشرائع خاصة لأقوامهم خاصة، شرائع خاصة لأقوامهم، كل رسول بعثه الله إلى قومه بشريعة خاصة والدين هو الإسلام، وهو توحيد الله كما قال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) فكل أمة بعث إليها رسول ليدعوهم إلى الإسلام، والاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، فكل رسول بعثه الله بهذا الإسلام وهو دين الله وتوحيده بإفراده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه وبعث معه شريعة خاصة تلائم زمانه وتناسب وقته وقومه حتى ختم الله جل وعلا
стр. 1071
الشرائع والنبوات ببعث محمد ﵊ وبشريعة كاملة ودين شامل ونظام عام لجميع الأمة في حاضرها وقت نزول القرآن وفي مستقبلها إلى يوم القيامة. وجعله دينا شاملا لجميع الشئون؛ شئون الدين والدنيا، شئون العبادة وشئون المعاملة، وشئون الأحوال الشخصية وشئون الجنايات، وغير ذلك في جميع الأمور جعله دينا شاملا منظما لجميع مصالح العباد، منظما لجميع ما يحتاجون إليه في شئونهم العاجلة والآجلة مفصلا لكل ما يتطلبه العاقل وتقتضيه الحاجة. وبهذا يعلم أن انتشار الإسلام في عهد آدم وما بعده وعهد نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وهو إسرائيل ويوسف عليهم الصلاة والسلام جميعا والأنبياء بعدهم كان بالدعوة: انتشر الإسلام بالدعوة وظهر بالدعوة. كان الرسل يدعون وهكذا أنصارهم وأتباعهم يدعون إلى الله جل وعلا.
فانتشر الإسلام في أممهم بالدعوة لا بالجهاد ولا بالسيف فلم يذكر الله في كتابه العزيز عن أولئك أنهم جاهدوا بالسيف وإنما دعوا إلى الله وأنذروا الناس وبشروهم فقبل الدعوة من هداه الله وأباها من سبقت له الشقاوة نعوذ بالله من ذلك.
وكانت الأمم قبل موسى ﵊ إذا عاندوا الرسول وأبوا اتباعه جاءهم العذاب فأهلكوا عن آخرهم إلا من آمن بالله. فآدم ﵊ ومن كان في زمانه من ذريته إلى عهد نوح كانوا على الإسلام والهدى ولا يلزم من ذلك أن لا يكون فيهم معصية، فقد عصى قابيل وقتل أخاه هابيل بغير حق ولكنهما كانا على الإسلام. ثم زين الشيطان لقوم نوح الغلو في الصالحين في قالب المحبة لهم ودعاهم إلى تصوير صورهم ونصبها في مجالسهم، ثم بعد ذلك زين لمن بعدهم التعلق بها
стр. 1072
وعبادتها حتى وقع الشرك في قوم نوح بسبب الغلو في الصالحين وتصوير الصور والابتداع في الدين، ولهذا حذر الرسول ﵊ من الصور وحذر من البدع لأن البدع هي وسائل الشرك نسأل الله العافية. ولما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة بالكنيسة التي رأتها في الحبشة وما فيها من الصور، قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (١) » .
فأخبر ﵊ أنهم شرار الخلق بسبب غلوهم في صالحيهم باتخاذ المساجد على قبورهم وتصوير الصور عليها، وهكذا وقع في قوم نوح فالإسلام انتشر بالدعوة فلما أبى قوم نوح إلا العناد والشرك ولم يستجيبوا لداعيهم نوح ﵊ ألف سنة إلا خمسين عاما أرسل الله عليهم الطوفان فأهلكهم عن آخرهم بالغرق إلا من كان مع نوح في السفينة، نسأل الله العافية.
وقوم هود هلكوا بريح عقيم وقوم صالح بالرجفة والصيحة حتى هلكوا عن آخرهم، هكذا عاقب الله كثيرا من الأمم بأنواع من العقوبات بسبب كفرهم وضلالهم وامتناعهم عن قبول الدعوة الإسلامية. ثم شرع الجهاد في عهد موسى ﵊ لنصر الحق وقمع الباطل، ثم شرع الله الجهاد على يد نبينا محمد ﷺ على الوجه الأكمل، ونبينا ﵊ لما بعثه الله مكث في مكة بضعة عشر عاما يدعو إلى الله ولم يكن هناك جهاد بالسيف ولكنه الدعوة والتبشير بالإسلام. وقد أنكر قومه دعوته وآذوه وآذوا أصحابه ولكنه صبر على ذلك ﵊ وكان مستترا بها أولا ثم أمره الله بالصدع فأظهر الدعوة وصبر على الأذى وهكذا أصحابه. وكان من السابقين إلى ذلك أبو بكر الصديق ﵁ سبق إلى الإسلام والدعوة وخديجة ﵂ وعلي ﵁ وزيد بن حارثة هؤلاء الأربعة هم السابقون إلى الإسلام والدعوة، ثم تابعهم الناس،
стр. 1073
وكان الصديق ﵁ شريفا في قومه معظما مألوفا ذا معروف وإحسان وذا تجارة ومال وذا خلق كريم، فكان يدعو إلى الله سرا ويبشر بالإسلام حتى أسلم على يديه جم غفير منهم عثمان ﵁ والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله رضي الله عن الجميع. وأسلم جم غفير في مكة بالدعوة لا بقهر ولا بجهاد ولكن بالدعوة والتوجيه وقراءة القرآن وشرح محاسن الإسلام، كان الرسول ﷺ يدعو ويقرأ عليهم القرآن ويبين لهم ما أشكل عليهم فيتقبلون الحق ويرضون به ويدخلون في دين الله جل وعلا.
стр. 1074
ثم انتشر الإسلام والدعوة إليه في القبائل والبادية والقرى المجاورة لمكة بسبب الدعوة، وبسبب ما يسمعونه من الصحابة الذين أسلموا وأجابوا النبي ﵊، وكان النبي ﵊ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج كل عام يطلب منهم أن يجيبوه وأن يؤووه وأن ينصروه حتى يبلغ رسالة ربه ﵊ فلم يقدر الله سبحانه ذلك إلا للأنصار ﵃ وأرضاهم، فأجابه الأنصار واجتمعوا به عند الجمرة في المرة الأولى وكانوا ستة دعاهم إلى الإسلام فأجابوا وقبلوا الحق وصاروا رسلا إلى قومهم فذهبوا إلى المدينة ودعوا إلى الله ، وبشروا بالإسلام فأجاب إلى الإسلام منهم بشر كثير ثم قدم منهم في السنة الثانية اثنا عشر منهم الستة الأقدمون ومن جملتهم أسعد بن زرارة ﵁ وجماعة كانوا من الخزرج سوى اثنين من الأوس وقيل ثلاثة، فاجتمعوا به ﵊ أيضا في وسط أيام التشريق وتلا عليهم القرآن وبايعوه على الإسلام ثم رجعوا إلى بلادهم فدعوا إلى الله وانتشر الإسلام في بيوت الأنصار إلا قليلا منهم ودخل في دين الله جم غفير من الأنصار، ثم تنازعوا على أن يطلبوا من النبي على أن يهاجر إليهم وأن ينقذوه من حال المشركين وأذاهم.
стр. 1075
وكان قد بعث إليهم ﵊ مصعب بن عمير بعد البيعة الأولى فكان يعلم ويرشد في المدينة، فكان يعلم الناس ويرشدهم وأسلم على يديه جماعة كثيرة وانتشر الإسلام بسبب ذلك، ومن جملة من أسلم على يديه سيد الأوس سعد بن معاذ، والسيد الثاني من الأوس أسيد بن الحضير، وبسبب إسلامهما انتشر الإسلام في الأوس، وبسبب إسلام أسعد بن زرارة هو وسعد ابن عبادة وجماعة من الخزرج انتشر الإسلام في الخزرج وظهر دين الله هناك ثم قدموا في السنة الثالثة قدم منهم سبعون رجلا من الأنصار، وقيل ثلاثة وسبعون وبايعوا النبي ﷺ على الإسلام والنصرة والإيواء، وتم ذلك بحضرة عمه العباس ﵁، ثم شرع المسلمون في الهجرة إلى المدينة بإذنه ﵊، ثم هاجر ﵊ إلى المدينة وقام بالدعوة إلى الله هناك ونشر الإسلام، وهكذا المسلمون الذين أسلموا من الحاضرة والبادية نشروا الإسلام بالدعوة ومن جملتهم أبو ذر الغفاري وعمرو بن عبسة السلمي وغيرهما.
ثم شرع الله الجهاد على أطوار ثلاثة: أولا أذن فيه، ثم أمروا أن يقاتلوا من قاتلهم ويكفوا عمن كف عنهم، ثم شرع الله الجهاد العام طلبا ودفاعا، وهذه الأطوار باقية على حسب ضعف المسلمين وقوتهم فإذا قوي المسلمون وجب عليهم الجهاد طلبا ودفاعا وإذا ضعفوا عن ذلك وجب عليهم الدفاع وسقط عنهم الطلب حتى يقدروا ويستطيعوا.
والمقصود من الجهاد كما تقدم هو نشر الإسلام وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وإزاحة العقبات من طريق الدعوة والقضاء على العناصر الفاسدة التي تمنع الدعوة وتحول بين الدعاة إلى الله وتبيين مقاصدهم الطيبة، ولهذا شرع الله الجهاد لإزاحة العراقيل عن طريق الدعوة ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور وانتشالهم من الباطل إلى الحق والهدى وإخراجهم من ظلم الأديان وضيق الدنيا إلى سعة الإسلام وعدل الإسلام، ومضى على ذلك نبي الله ﵊ وأصحابه الكرام
стр. 1076
وأتباعهم بإحسان حتى ظهر دين الله وانتشر الحق بالدعوة الصحيحة الإسلامية وبالجهاد الذي يناصرها ويؤيدها إذا وقف في طريقها أحد، حتى أزاحوا الروم عن الشام واستولوا على مملكة الفرس وانتشر الإسلام في اليمن وغيره من أنحاء الجزيرة العربية بسبب الدعوة إلى الله والجهاد الصادق في سبيل الله، وأزيحت العقبات عن طريق الدعوة. وبهذا يعلم أن انتشار الإسلام بالدعوة كان هو الأساس وهو الأصل، وأما الجهاد بالسيف فكان منقذا للحق وقامعا للفساد عند وجود المعارضين الواقفين في طريق الدعوة.
وبالجهاد والدعوة فتحت الفتوحات بسبب أن أكثر الخلق لا يقبل الدعوة بمجردها لمخالفتها لهواه ولما في نفسه من حب للشهوات المحرمة ورياسته الفاسدة الظالمة، فجاء الجهاد يقمع هؤلاء ويزيحهم عن مناصبهم التي كانوا فيها عقبة كأداء في طريق الدعوة، فالجهاد مناصر للدعوة ومحقق لمقاصدها ومعين للدعاة على أداء واجبهم،
والدعوة إلى الله على حالين:
إحداهما - فرض عين والثانية فرض كفاية، فهي فرض عين عند عدم وجود من يقوم باللازم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كنت في بلد أو قبيلة أو منطقة من المناطق ليس فيها من يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأنت عندك علم فإنه يجب عليك عينا أن تقوم بالدعوة وترشد الناس إلى حق الله وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. أما إذا وجد من يقوم بالدعوة ويبلغ الناس ويرشدهم فإنها تكون في حق الباقين العارفين بالشرع سنة لا فرضا. وهكذا الجهاد كله فرض كفاية عند وجود من يكفي فيسقط الجهاد والأمر والنهي والدعوة عن الباقين ويكون في حقهم سنة مؤكدة، وعند عدم وجود من يكفي يتعين الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 1077
المنكر، والدعوة إلى الله عليك حسب طاقتك وحسب إمكانك كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) وقد قام الصحابة ﵃ وأرضاهم بالدعوة والجهاد بعد نبيهم ﵊ قياما عظيما، فأبو موسى ومعاذ وعلي بعثوا إلى اليمن في حياة النبي ﷺ فقاموا بالدعوة هناك ثم رجع معاذ في عهد الصديق ورجع علي وأبو موسى في حجة الوداع، فقام خلفاؤهم بالدعوة هناك ونشر الإسلام.
وقام الصحابة الذين سافروا إلى العراق والشام بالدعوة إلى الله هناك ونشر الإسلام، ثم بعد وفاة النبي ﷺ قاموا بالدعوة والجهاد والتعليم والتفقيه في الشام والعراق واليمن ومصر وغير ذلك وفي شرق وشمال أفريقيا ثم لم تزل الدعوة تنتشر في أفريقيا كلها، وفي الشرق كله حتى ظهرت الدعوة وانتشرت في أقصى المغرب والمشرق.
وفي وقتنا هذا ضعف أمر الجهاد لما تغير المسلمون وتفرقوا وصارت القوة والسلاح بيد عدونا وصار المسلمون الآن إلا من شاء الله لا يهتمون إلا بمناصبهم وشهواتهم العاجلة وحظهم العاجل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فلم يبق في هذه العصور إلا الدعوة إلى الله والتوجيه إليه، وقد انتشر الإسلام بالدعوة في هذه العصور في أماكن كثيرة في أفريقيا شرقها وغربها ووسطها وفي أوروبا وفي أمريكا وفي اليابان وفي كوريا وفي غير ذلك من أنحاء آسيا، وكل هذا بسبب الدعوة إلى الله بعضها على أيدي التجار وبعضها على أيدي من قام بالدعوة وسافر لأجلها وتخصص لها. وبهذا يعلم
стр. 1078
طالب العلم ومن آتاه الله بصيرة أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات وأن واجبها اليوم عظيم لأن الجهاد اليوم مفقود في غالب المعمورة والناس في أشد الحاجة إلى الدعاة والمرشدين على ضوء الكتاب والسنة، فالواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوا دعوة الله وأن يصبروا على ذلك وأن تكون دعوتهم نابعة من كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ﵊ وعلى طريق الرسول وأصحابه ومنهج السلف الصالح ﵃، وأهم من ذلك الدعوة إلى توحيد الله وتخليص القلوب من الشرك والخرافات والبدع لأن الناس ابتلوا بالبدع والخرافات إلا من رحم الله، فيجب على الداعية أن يهتم بتنقية العقيدة وتخليصها مما شابها من خرافات وبدع وشركيات، كما يقوم بنشر الإسلام بجميع أحكامه وأخلاقه والطريق إلى ذلك وتفقيه الناس في القرآن والسنة، فالقرآن هو الأصل الأصيل في دعوة الناس إلى الخير ثم السنة بعد ذلك تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وتوضح معناه وتبينه، وخلق النبي ﷺ يجب أن يتأسى المسلمون به ويقتدوا به ﵊.
قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن فالداعية إلى الله ينبغي له أن يهتم بالقرآن الكريم وأن يعنى به تلاوة وتدبرا وقراءة على الناس وتوجيها لهم إليه حتى يدرسوه ويتعلموه ويعملوا به، وهكذا السنة يعلمهم إياها ويبشرهم بها ويحثهم عليها ويوضح سيرة النبي ﷺ ، وسيرة أصحابه حتى يسيروا على طريقهم الصالح وعلى نهجهم الطيب، وهذا هو الطريق والسبيل إلى نشر الإسلام وتخليص الناس من الشرك والخرافات والبدع وهو دعوتهم إلى الله وإرشادهم إلى الله بالحكمة
стр. 1079
والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن على ضوء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والطريقة السلفية التي سار عليها رسول الله ﵊، وسار عليها أصحابه الكرام وأتباعهم بإحسان.
وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، وأن يهدينا صراطه المستقيم وأن يمن علينا وعلى المسلمين جميعا بسلوك طريق نبينا محمد ﷺ وطريق أصحابه والثبات عليه والدعوة إليه والذب عنه والتحذير من خلافه، كما نسأله سبحانه أن يصلح ولاة أمر المسلمين وأن يمن عليهم بالتوفيق والهداية وأن يجمعهم وشعوبهم على الحق والهدى وأن ينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل وأن يقيم بهم علم الجهاد لنصر دين الله، الجهاد الصالح الشرعي حتى يكونوا دعاة إلى الله ومرشدين إليه إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
стр. 1080
حكم من لم تصله دعوة الإسلام (١)
س: هناك ملايين في هذه المعمورة لم تصلهم دعوة الإسلام. ما حكمهم؟ هل مصيرهم جهنم؟ وإذا كان الجواب نعم فما هو ذنبهم حيث لم تصلهم رسالة الإسلام؟ أم أنهم سيدخلون الجنة؟ ولكن كيف يدخلونها وهم لم يؤدوا واجبات ربهم في الدنيا. أرجو توضيح هذه المسألة جزاكم الله خيرا؟
جـ: أحسن ما قيل في هذا الصنف من الناس أنهم يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع الأمر دخل الجنة ومن عصى دخل النار، لقول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)
وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في هذه الطائفة في آخر كتابه: (طريق الهجرتين في بحث طبقات المكلفين) فمن أراده فليراجعه يجد ما يشفي ويكفي إن شاء الله، وبالله التوفيق. .
стр. 1081
الوحدة الإسلامية وجماعات التصوف وترويج البدع والضلالات وما يجب على أهل السنة نحوها
[- سعدت مجلة التضامن الإسلامي بلقاء سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
- وسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من علماء المملكة العربية السعودية، والأمة الإسلامية، وهو علم من أعلام التربية الإسلامية، ورائد من رواد الفكر الإسلامي في هذا العصر، وله جهود كبيرة في خدمة العقيدة الإسلامية الصافية، وتنقيتها من الشوائب، ونشر الدعوة الإسلامية في كافة أقطار العالم.
- تفضل سماحته بالإجابة عن الأسئلة التي طرحها مندوب المجلة، حول الكثير من القضايا التي تهم الأمة الإسلامية.
- وفيما يلي نص حديث سماحته:] .
стр. 1082
قضية القدس وأفغانستان:
(- تحدث سماحته عن أثر المؤتمرات واللقاءات الإسلامية التي يترأسها سماحته على العمل الإسلامي والعقيدة الإسلامية، والصحوة الإسلامية بنوع خاص فقال:) .
بسم الله الرحمن الرحيم. . اللهم صل وسلم على رسول الله وآله وصحبه أجمعين:
- إن هذه اللقاءات التي نجتمع فيها بالأخوة من رجال الإسلام، وأهل العلم والفكر الإسلامي من سائر أقطار الدنيا، نرجو فيها الخير والبركة للمسلمين، وهي لقاءات في صالح الإسلام وأهله.
- ومن أهم هذه اللقاءات، لقاء أعضاء المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في هذه الأيام، لدراسة قضايا المسلمين، وبذل المستطاع في بيان وإيجاد الحلول السليمة، التي نرجو أن ينتفع بها المسلمون، وأن تحل مشكلاتهم.
- وأهم قضية تهم المسلمين، هي قضية الشرق الأوسط، فإنها قضية مزمنة، ثم قضية فلسطين والقدس، وما حدث بعد ذلك في لبنان، من أعداء الله اليهود، ومن الصراع الذي بين أهل لبنان أنفسهم، فزاد الطين بلة، وعظمت المصيبة.
المستقبل للمجاهدين:
ولهذا فإن المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي يعطي هاتين القضيتين أهم العناية، وقد قرر وأوصى فيهما بما يرى، وأسأل الله سبحانه أن ينفع بذلك المسلمين.
стр. 1083
- ومن القضايا التي تهم المسلمين أيضا: قضية الحرب الدائرة بين المجاهدين الأفغان، وبين الحكومة الشيوعية العميلة في كابول.
ودون شك في أن هذا الجهاد يهم المسلمين جميعا، والواقع بحمد الله يبشر بخير، وانتصارات المجاهدين المسلمين الأفغان متوالية؛ لأنهم مظلومون في بلادهم، ومضيق عليهم في دينهم، فنرجو لهم النصر، ونسأل الله لهم حسن العاقبة، والبشائر الموجودة الآن، كلها تدل على أن المستقبل في صالح المجاهدين، وأن الله سينصرهم على عدوهم، ويعيدهم إلى بلادهم غانمين منصورين، مرفوعي الرأس، وأن الله سيذل عدوهم العميل، ومن قام بتأييده ومساعدته.
ونسأل الله سبحانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وينصرهم بالحق، وينصر الحق بهم.
الرجوع إلى الصلح والصواب:
ومن أهم القضايا التي تهم المسلمين أيضا الحرب الدائرة بين العراق وإيران، فقد طالت كثيرا وكثر بها سفك الدماء، وتخريب بلدان كثيرة، وحدث بها شر على الطائفتين.
نسأل الله أن يرد الطائفتين جميعا إلى الصواب، وأن يرفع هذه الحرب على حال تنفع المسلمين، وتضر أعداء الدين، وأن يوفق كلا من الطائفتين للرشد والصواب، والرجوع إلى ما فيه خيرهما وحسن العاقبة لهما.
وإن المسلمين في كل مكان يرون أن الواجب على حكومة إيران الرجوع إلى الصواب، والموافقة على الحل السلمي، كما وافقت العراق؛ لأن استمرار الحرب، وعدم الاستجابة للوساطة الصالحة، أمر لا يليق ولا ينبغي ولا
стр. 1084
يجوز. ومن الواجب الرجوع إلى الصلح، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)
حكم القرآن:
فإذا كانت كل من الطائفتين ترى أن الإسلام حق، وأن القرآن حق، فالواجب عليهما الرجوع إلى حكم القرآن. والرضا بما قرره القرآن، وتوسيط الأخيار لحل المشكلة، من الذين ليس لهم حظ في هؤلاء ولا هؤلاء. بل هدفهم الحق، وإيصال الحق إلى أهله، وهدفهم القسط والإصلاح حتى تنتهي هذه الحرب المدمرة. وحتى يعود كل منهم إلى الصواب والحق. وحتى يستعملوا ما أعطاهم الله من سلاح ومال وعتاد، ورجال فيما يرضي الله، وفيما ينفع المسلمين، لا فيما يضرهم، ويضر أوطانهم وأرواحهم وثرواتهم ونفوسهم. . والله المستعان.
стр. 1085
الصحوة الإسلامية
(وتحدث سماحته عن واجب العلماء المفكرين الإسلاميين في الأمة الإسلامية تجاه الصحوة الإسلامية في هذا العصر فقال:) .
الواجب على علماء المسلمين في كل مكان أن ينصحوا المسلمين. . وأن يجتهدوا في إرشادهم إلى أسباب النجاة. وأن يذكروهم بما حذرهم منه ، وبما حذرهم منه رسولهم ﷺ . . من مغبة معاصي الإله،
стр. 1086
ومخالفة أمره والحكم بغير شريعته، وأنه لا سعادة ولا نجاة للمسلمين ولا سلامة لهم، إلا باعتصامهم بحبل الله جميعا والتعاون على البر والتقوى، وتكاتفهم ضد أعدائهم وقيامهم بأمر الله وتحاكمهم إلى شريعة الله.
هذا هو الطريق السوي، وهذا هو الصراط المستقيم، الذي به نجاتهم وعزهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
الاعتصام بحبل الله:
وليس هناك سبيل إلى انتصارهم على عدوهم، واستعادة أمجادهم الغابرة، وعزهم السليب، إلا بهذا السبيل، وهذا الطريق وهو الاعتصام بحبل الله جميعا، والتعاون على البر والتقوى، والتكاتف ضد الباطل وأهله، والاستنصار بالله، والتمسك بالدين، وإعداد المستطاع من القوة للجهاد في سبيل الله واسترداد الحقوق السليبة، والأمجاد الغابرة التي أخذها الأعداء، لتفرقنا وتفريطنا، وعصياننا وتخاذلنا، والله المستعان.
стр. 1087
جماعات التصوف تشغل المسلمين
س: يتعرض الإسلام اليوم، وفي هذه الأيام بالذات إلى النيل منه عن طريق بعض جماعات التصوف والدجل والشعوذة والأساطير والخرافات، فما هو المنهج الذي ينبغي على علماء الإسلام أن يواجهوا به هذه الدعوات الكاذبة والبدع المضللة؟
للأسف أن أعداء الإسلام يستعينون بمن ينتسبون إلى الإسلام من الخرافيين والصوفيين، وسائر أهل البدع، ليروجوا باطلهم وليشغلوا المسلمين بما يضرهم ويسبب افتراقهم واختلافهم، حتى يتمكنوا من الحصول على مرادهم، والاستيلاء على ثروات البلاد، وتمزيق شمل المسلمين.
стр. 1088
مقاومة أهل البدع والضلالات:
ولا سبيل إلى السلامة من ذلك، إلا بأن يقوم العلماء العارفون بدين الله ، والمتبصرون بسنة رسول الله ﷺ ، بتوجيه المسلمين إلى التمسك بحقيقة دينهم، ونبذ كل بدعة وكل خرافة من طرق التصوف المختلفة والمتنوعة والمخالفة لشرع الله ومن سائر أنواع البدع التي روجها كثير من الناس، والواجب على علماء المسلمين أيضا أن يحثوا المسلمين ويؤكدوا عليهم أنه لا سبيل إلى نجاتهم، وإلى اجتماع شملهم إلا بالتمسك بكتاب الله العظيم وسنة رسوله الأمين ﵊، وترك ما خالف ذلك من سائر الأهواء والبدع.
المنهج واحد:
وقد أكمل الله الدين، وأتم النعمة، فلا حاجة إلى التمسك بما خالف ذلك والتعصب لذلك والاختلاف من أجل ذلك.
بل يجب أن يكون المنهج واحدا وهو التمسك بالقرآن العظيم والسنة المطهرة، بتوحيد الله سبحانه وإخلاص العبادة له وترك عبادة ما سواه وترك الغلو في القبور، وأهل القبور، ودعائهم والاستغاثة بهم ونحو ذلك.
البدع والضلالات باطلة:
فإن هذا من الشرك بالله ، والعبادة حق لله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) وقال
стр. 1089
النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي لله عنه: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١) » .
فالواجب على علماء الإسلام أن ينشروا دين الله بين الناس، وأن يوضحوا لأهل البدع والتصوف والخرافات والانحراف بطلان ما هم عليه من البدع ويوضحوا لهم السنة الغراء والطريقة السمحة الواضحة، وأن يبينوا لهم أدلتها من الكتاب والسنة وأن ينبهوهم إلى أخطائهم بالأسلوب الحسن، والدليل الواضح، والبرهان القوي والحجة الدامغة، والعبارات البينة، من غير عنف ولا شدة بل بالعبارة الواضحة، والجدال بالتي هي أحسن، حتى يعرفوا الحق ويهتدوا إلى الصواب، وحتى يتبصروا وحتى يدعوا الخرافات والشركيات والبدع التي هم عليها على غير هدى وعلى غير بصيرة، والحق ضالة المؤمن متى وجده أخذه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » .
يجب ترك البدع والتصدي لها:
وكل بدعة وكل ضلالة وكل منهج يخالف شرع الله يجب تركه ويجب أن يسير الناس جميعا على المنهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ في حياته ثم سار عليه صحابته والخلفاء الراشدون من بعده ثم تابعهم الأئمة المهتدون والسلف الصالحون، تابعوهم على المنهج القويم، والصراط المستقيم.
هذا هو المنهج الذي يجب الأخذ به والتمسك به والسير عليه، والدعوة إليه وكل ما يخالف ذلك مما أحدثه الناس يجب أن يترك وأن يرفض مع