← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

أسأله سبحانه أن يهدي زوجك هذا للإسلام، وأن يرده إلى الحق، وأن يعيذه من شر نفسه وشر الشيطان وشر جلساء السوء، إنه جل وعلا جواد كريم وعلى كل شيء قدير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 11132

ليس من البر بأبيك طاعته في الزواج ممن لا تصلي س ٤٣: رجل يعلم أن طاعة الوالدين واجبة، لكن والده خطب له إحدى الفتيات، وعلم أنها لا تصلي، فإذا ما رفض هذه المخطوبة، هل يكون هذا من العقوق أو لا؟ (١) ج: ليس هذا من العقوق، ولا يجوز نكاح امرأة لا تصلي؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر في أصح قولي العلماء؛ لقول النبي ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) » ، وحديث: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة (٣) » رواه مسلم. ولأنها عمود الإسلام. وذهب جمع من أهل العلم إلى أن تركها تهاونا وكسلا كفر أصغر ومعصية، وأنه لا يكفر بذلك، إذا كان يقر بالوجوب، ويعلم أنها واجبة، والأصح هو القول الأول، وهو

стр. 11133

أن تاركها يكفر، ولو لم يجحد وجوبها؛ للأحاديث الصحيحة السابقة. وقد حكى بعض أهل العلم إجماع أصحاب النبي ﷺ ﵃ على ذلك. وبكل حال فالتي لا تصلي لا تنكح، حتى ولو قلنا بعدم كفرها فلا ينبغي للمسلم أن يتزوجها، ولا يطاع الوالد في ذلك، ولا الوالدة ولا غيرهما؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف (١) » ، وقوله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٢) » والله ولي التوفيق.

стр. 11134

باب الصداق

стр. 11135

صفحة فارغة

стр. 11136

كراهة التغالي في مهور النساء س ٤٤: التغالي في مهور النساء هل يحل لأهل المرأة أكله أم لا؟ وما الدليل؟ (١) ج: يكره التغالي في مهور النساء، ويسن التخفيف في ذلك والتيسير، ولكن لا يحرم المهر على المرأة ولو كان فيه مغالاة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) الآية، والقنطار هو المال الكثير، وقد تزوج النبي ﷺ أم حبيبة بأربعمائة دينار، سلمها لها النجاشي عنه ﷺ ، قيمتها أربعة آلاف درهم في ذلك الوقت.

стр. 11137

جواز اصطلاح القبيلة على تحديد المهر س ٤٥: نحن قبيلة عندنا المهر (٢٥) ألف ريال، وإذا أخذ أبو البنت أو أخوها زيادة عن خمسة وعشرين ألف ريال، تأخذه القبيلة، أي المبلغ الزائد، وتضعه في

стр. 11138

صندوق القبيلة، الذي يدفع على المحتاجين، فهل يجوز أخذ المبلغ الزائد، أو ترجيعه إلى المتزوج، حيث إن أخذه يكون جزاء رادعا لإخلاله بما اشترطته القبيلة؟ (١) ج: إذا اصطلحت القبيلة في هذا الأمر، على مهر اتفقوا عليه لصالح نسائهم وشبابهم، فلا يجوز لواحد أن يخالف هذا الاصطلاح، والاتفاق الذي وقع في مصلحة الجميع، إذا اتفقت القبيلة أو أهل القرية على مهر معين، لصالح شبابهم وفتياتهم، فالواجب على كل واحد منهم أن ينفذ هذا الأمر، الذي اتفقوا عليه، وأن لا يخل به؛ لأن الإخلال به فيه إخلال بالمصلحة العامة لأهل القرية، أو القبيلة، فإن زاد على الحد المحدود، فإنها تؤخذ منه الزيادة، وتجعل في مصلحة القبيلة، أو مصلحة القرية التي اتفقت على هذا المهر المعين، وهذا نوع من التعزير، للذي يخالف المصلحة العامة.

стр. 11139

البنت أحق بمهرها س ٤٦: عندما يتقدم شخص لابنتي للزواج ويقدم مهرا قدره مثلا خمسون ألف ريال، أرده عليه، وأكتفي بألفين

стр. 11140

أو ثلاثة، كما يفعل بعض الناس، فهل لي حق في رده، مع أنه حق للبنت، وهل لو أعنتها ببعض جهازها يعتبر مثل إعانة الأولاد؟ أرجو من سماحتكم توجيهنا وإفتاءنا في مثل هذه الأمور التي أحوجت إليها الأوضاع، والسلام عليكم (١) . ج: ليس لك أن ترد شيئا من مهرها إلا بإذنها إذا كانت رشيدة؛ لأن الحق لها في ذلك، ويجوز لك أن تعينها في شئون الزواج إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كما أعنت إخوانها. والله الموفق.

стр. 11141

حكم تقديم بعض المهر أو تأخيره س ٤٧: هل يجب أن يقبض صداق المرأة عند تسميته أو عند العقد، أم يكتفي بتسميته، ويجوز تأجيله إلى وقت لاحق بعد الزواج؟ جزاكم الله خيرا (١) . ج: هذه المسألة ترجع إلى اتفاق الزوجين، أو الزوج

стр. 11142

وولي المرأة، إذا اتفقا على شيء فلا بأس به، من تعجيل أو تأجيل، كل ذلك واسع والحمد لله؛ لقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم (١) » ، وقوله ﷺ : «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج (٢) » . فإذا اتفقا على أن المهر يقدم أو يؤخر، أو يقدم بعضه ويؤخر بعضه فكل ذلك لا بأس به، لكن السنة أن يسمي شيئا عند العقد؛ لقوله : ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) فيسمي شيئا من المهر، فإن سمى شيئا فهو حسن، وإن قال: على مهر مؤجل، وهو معلوم بينهما فلا بأس، أو مؤجل نصفه أو ثلثه أو ربعه، ويبين المعجل والمؤجل فلا بأس، كل ذلك واسع، والحمد لله.

стр. 11143

باب وليمة العرس

стр. 11144

صفحة فارغة

стр. 11145

٤٨ - المكسر منكر وظلم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: يحدث في بعض قرى الجنوب، أن الرجل إذا زوج ابنته أو قريبته خارج القرية، فإنه يدفع مبلغا من المال وقدره: ألفا ريال (٢٠٠٠ ريال) يسمى المكسر، ليذهبوا معه للزواج، يدفعه إجباريا، ومن لا يدفع هذا المبلغ فإنهم لا يذهبون معه رجالا ونساء، ولا تجاب الدعوة لحضور الوليمة، ومن يذهب معه فإنه يعاقب بمبلغ مادي تقدره الجماعة، ويعتبر عاصيا لجماعة القرية، علما بأن هذا المبلغ قد يأخذه والد البنت من صداقها، وهذا غالب، وقد يدفعه من ماله. فما توجيهكم نحو هذا الأمر، وما الحكم في أخذ الجماعة هذا المبلغ لقاء الذهاب معه للقرية التي تزوجت فيها البنت، سواء أخذ والدها هذا المبلغ من صداق البنت، أو من ماله يدفعه للجماعة، علما بأن من يدفع ذلك المبلغ يكون مكرها على ذلك، لكن ليذهب معه جماعته يدفع هذا المبلغ، أفتونا جزاكم الله خيرا (١) .

стр. 11146

ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده: هذه العادة منكر وظلم، والواجب ترك ذلك؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » ، فالواجب على الجماعة التوبة إلى الله من ذلك، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق لكل خير، والعافية من العادات الجاهلية، إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11147

إقامة حفلات الزواج في الفنادق وقصور الأفراح تكلف وإسراف س ٤٩: الحفلات التي تقام في الفنادق، وتكلف أموالا طائلة هل هي إسراف، وإن كانت إسرافا فنأمل من سماحتكم التنبيه على ذلك؟

стр. 11148

ج: الحفلات التي تقام في الفنادق فيها أخطاء، وفيها مؤاخذات متعددة منها أن الغالب أن بها إسرافا وزيادة لا حاجة إليها. الأمر الثاني: أن ذلك يفضي إلى التكلف في اتخاذ الولائم، والإسراف في ذلك، وحضور من لا حاجة إليه. والثالث: أنه قد يؤدي إلى اختلاط الرجال بالنساء من عمال الفندق وغيرهم، فيكون في هذا اختلاط مشين ومنكر، وهكذا قصور الأفراح التي تستأجر بنقود كثيرة، ينبغي تركها وعدم التكلف في ذلك رفقا بالناس، وحرصا على الاقتصاد وعدم الإسراف والتبذير، وحتى يتمكن المتوسطون في الدخل من الزواج وعدم التكلف؛ لأنه إذا رأى ابن عمه أو قريبه يتكلف في الفنادق وفي الولائم الكبيرة: إما أن يماثله ويشابهه فيتكلف الديون والنفقات الباهظة، وإما أن يتأخر ويتقاعس عن الزواج خوفا من هذه التكلفات. فنصيحتي لجميع الإخوان المسلمين ألا يقيموها في الفنادق، ولا قصور الأفراح الغالية، بل تقام إما في قصر نفقته قليلة أو في البيوت، فهذا لا بأس به، وعدم إقامتها في قصور الأفراح، والاكتفاء بإقامتها في البيت حيث أمكن، ذلك أولى، وأبعد عن التكلف والإسراف. والله المستعان.

стр. 11149

الإسراف في الحفلات س ٥٠: ما رأي فضيلتكم فيما نراه من إسراف شديد في الأطعمة التي تقدم في الحفلات، والتي يكون مصيرها أكياس النفايات. وهل هناك حل؟ وأين توضع بقايا الأكل؟ ج: تقدمت الإجابة عن هذا الأمر في أنه لا يجوز؛ لأن الإسراف لا يجوز لا في الولائم بالزواج ولا في غير ذلك. وينبغي على صاحب الوليمة أن يتحرى المطلوب الذي لا بد منه، أما الأشياء التي لا حاجة إليها فينبغي أن يتركها، والباقي يسلم للجهات التي تقبله مثل الجمعيات الخيرية، أو بعض الفقراء، أو العمال، ينقل إليهم. فالواجب أن ينقل إلى من يستفيد منه، ولا يلقى في النفايات، ولا مع القمامات، ولا بقرب النجاسات، بل ينقل

стр. 11150

إلى المحتاجين، وإذا لم يكن هناك محتاجون فينقل إلى محل سليم، ليس في الطرقات ولا مع القاذورات، فلعله أن يأتي من يأكله من الناس أو الدواب، وحتى لا يمتهن. وهذا عند الضرورة، أما إذا وجد من يأكله من عمال أو فقراء. فالواجب إيصاله إليهم، أو تجفيفه حتى ينقل لمحتاجين إليه، ولو علفا للدواب. وإذا حصل اقتصاد وعدم تكلف قلت الأطعمة الباقية.

стр. 11151

٥١ - وجوب شكر النعم والحذر من صرفها في غير مصارفها الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد: فقد يبتلي الله عباده بالفقر والحاجة كما حصل لأهل هذه البلاد في أول القرن الرابع عشر قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢) كما يبتليهم بالنعم وسعة الرزق كما هو واقعنا اليوم ليختبر إيمانهم وشكرهم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) والعاقبة الحميدة في كل ذلك للمتقين الذين تكون أعمالهم وفق ما شرع الله كالصبر والاحتساب في حال الفقر وشكر الله على النعم وصرف المال في مصارفه في حال الغنى. ومن الاقتصاد صرف المال في مصارفه في المأكل والمشرب من غير تقتير على النفس والأهل، ولا إسراف في تضييع المال من غير حاجة وقد نهى الله عن ذلك

стр. 11152

كله قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (١) وقال تعالى في النهي عن إضاعة المال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٢) الآية. نهى الله جل وعلا في هذه الآية عن إعطاء الأموال للسفهاء؛ لأنهم يصرفونها في غير مصارفها فدل ذلك على أن صرفها في غير مصارفها أمر منهي عنه، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٥) الآية. والإسراف هو: الزيادة في صرف الأموال على مقدار الحاجة. والتبذير: صرفها في غير وجهها. وقد ابتلي الناس اليوم بالمباهاة في المآكل والمشارب خاصة في الولائم وحفلات الأعراس فلا يكتفون بقدر الحاجة وكثير منهم إذا انتهى الناس من الأكل ألقوا باقي الطعام في الزبالة والطرق الممتهنة. وهذا من كفر النعمة وسبب في تحولها وزوالها، فالعاقل من يزن الأمور بميزان الحاجة وإذا فضل شيء عن

стр. 11153

الحاجة بحث عمن هو في حاجته وإذا تعذر ذلك وضعه في مكان بعيد عن الامتهان لتأكله الدواب ومن شاء الله ويسلم من الامتهان. والواجب على كل مسلم أن يحرص على تجنب ما نهى الله عنه وأن يكون حكيما في تصرفاته مبتغيا في ذلك وجه الله شاكرا لنعمه، حذرا من التهاون بها وصرفها في غير مصارفها قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١) وقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٢) وأخبر سبحانه أن الشكر يكون بالعمل لا بمجرد القول فقال سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣) فالشكر لله سبحانه يكون بالقلب واللسان والعمل، فمن شكر الله قولا وعملا زاده من فضله وأحسن له العاقبة، ومن كفر بنعم الله ولم يصرفها في مصارفها فهو على خطر عظيم وقد توعده الله بالعذاب الشديد. ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في دينه وأن يوفقنا وإياهم لشكر نعمه والاستعانة بها على طاعته ونفع عباده إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 11154

التذكير في مناسبات الزواج س ٥٢: هل يشرع تذكير الناس في حفلات الزواج، ولا سيما أنه تجتمع فئات كثيرة قد لا تسمع الذكر إلا نادرا؟ جزاكم الله خيرا (١) ج: من المناسب جدا تذكير المجتمعين في حفلات الزواج، من الرجال والنساء، بما يجب عليهم من حق الله، وطاعته، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والحذر من كل ما نهى الله عنه، مع التشجيع على الزواج، والحث على تقليل التكاليف، حتى يكثر الزواج والإعفاف للرجال والنساء.

стр. 11155

٥٣ - الأدلة من الكتاب والسنة تحرم الأغاني والملاهي وتحذر منها . لقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرائد، في عددها السابع والستين، والثامن والستين، بقلم أبي تراب الظاهري، تحت عنوان: " الكتاب والسنة لم يحرما الغناء ولا استعمال المعازف والمزامير والاستماع إليها " وتأملت ما ذكره في هذا المقال من الأحاديث والآثار، وما اعتمده في القول بحل الغناء وآلات الملاهي، تبعا لإمامه أبي محمد ابن حزم الظاهري، فتعجبت كثيرا من جرأته الشديدة، تبعا لإمامه أبي محمد على القول بتضعيف جميع ما ورد من الأحاديث في تحريم الغناء وآلات الملاهي، بل على ما هو أشنع من ذلك، وهو القول بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة، وعجبت أيضا من جرأتهما الشديدة الغريبة على القول بحل الغناء، وجميع آلات الملاهي، مع كثرة ما ورد في النهي عن ذلك، من الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح ﵃، فنسأل

стр. 11156

الله العافية والسلامة من القول عليه بغير علم، والجرأة على تحليل ما حرمه الله من غير برهان. ولقد أنكر أهل العلم قديما على أبي محمد هذه الجرأة الشديدة وعابوه بها، وجرى عليه بسببها محن كثيرة، فنسأل الله أن يعفو عنا وعنه وعن سائر المسلمين. ولقد حذر الله عباده من القول عليه بغير علم، ونهاهم سبحانه أن يحرموا أو يحللوا بغير برهان، وأخبر أن ذلك من أمر الشيطان وتزيينه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٢) ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٤) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) فحذر الله سبحانه عباده في هذه الآيات الكريمات من التحليل والتحريم بغير علم، وبين سبحانه أن القول عليه بغير علم في رتبة رهيبة فوق الشرك، ونبه عباده على أن الشيطان يحب منهم

стр. 11157

القول على الله بغير علم، ويأمرهم به؛ ليفسد عليهم بذلك دينهم وأخلاقهم ومجتمعهم، فالواجب على كل مسلم أن يحذر القول على الله بغير علم، وأن يخاف الله سبحانه، ويراقبه فيما يحلل ويحرم، وأن يتجرد من الهوى والتقليد الأعمى، وأن يقصد أيضا حكم الله لعباد الله، على الوجه الذي بينه الله في كتابه، أو أرشد إليه رسوله ﷺ في سنته، نصحا لله ولعباده، وحذرا من كتمان العلم، ورغبة في ثواب الله على ذلك، فنسأل الله لنا ولسائر إخواننا التوفيق لهذا المسلك، الذي سلكه أهل العلم والإيمان، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه على كل شيء قدير، وأنا ذاكر لك أيها القارئ - إن شاء الله - ما وقع في كلام أبي تراب وإمامه أبي محمد من الأخطاء، وموضح لك ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة والآثار في تحريم الغناء وآلات الملاهي، وذاكر من كلام أهل العلم في هذا الباب ما يشفي ويكفي، حتى تكون من ذلك على صراط مستقيم، وحتى يزول عن قلبك- إن شاء الله- ما قد علق به من الشبه والشكوك، التي قد يبتلى بها من سمع مقال أبي تراب وأضرابه من الكتاب، وبالله نستعين، وعليه نتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال أبو تراب: " وتحقيق المسألة أن الغناء وآلاته والاستماع إليه مباح، لم يرد في الشريعة - التي جاء بها محمد

стр. 11158

صلى الله عليه وسلم- نص ثابت في تحريمه البتة، والأدلة تؤخذ من الأصلين هما الكتاب والسنة، وما سواهما فهو شغب وباطل مردود، ولا يحل لمؤمن أن يعدو حدود الله قطعا. . . إلى أن قال في أثناء مقاله:. . . قال الحافظ أبو محمد ابن حزم: بيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير، حلال كله، من كسر شيئا من ذلك ضمنه إلا أن يكون صورة مصورة، فلا ضمان على كاسرها، لما ذكرنا من قبل، لأنها مال من مال مالكها ". أقول: لقد أخطأ أبو محمد، وأخطأ بعده أبو تراب في تحليل ما حرم الله من الأغاني وآلات الملاهي، وفتحا على الناس أبواب شر عظيم، وخالفا بذلك سبيل أهل الإيمان، وحملة السنة والقرآن، من الصحابة وأتباعهم بإحسان، وإن ذلك لعظيم، وخطره جسيم، فنسأل الله لنا وللمسلمين العافية من زيغ القلوب ورين الذنوب، وهمزات الشيطان، إنه جواد كريم. ولقد ذهب أكثر علماء الإسلام، وجمهور أئمة الهدى إلى تحريم الأغاني وجميع المعازف، وهي آلات اللهو كلها، وأوجبوا كسر آلات المعازف وقالوا: لا ضمان على متلفها، وقالوا: إن الغناء إذا انضم إليه آلات المعازف، كالطبل والمزمار والعود وأشباه ذلك، حرم بالإجماع، إلا ما يستثنى من ذلك من دق النساء في العرس ونحوه، على ما يأتي بيانه -

стр. 11159

إن شاء الله تعالى- وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح إجماع علماء المسلمين على ما ذكرنا من تحريم الأغاني والمعازف إذا اجتمعا، كما سيأتي نص كلامه فيما نقله عنه العلامة ابن القيم ﵀، وما ذلك إلا لما يترتب على الغناء وآلات اللهو من قسوة القلوب، ومرضها، وصدها عن القرآن الكريم، واستماع العلوم النافعة، ولا شك أن ذلك من مكائد الشيطان، التي كاد بها الناس، وصاد بها من نقص علمه ودينه، حتى استحسن سماع قرآن الشيطان ومزموره، بدلا من سماع كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، ولقد اشتد نكير السلف على من اشتغل بالأغاني والملاهي، ووصفوه بالسفه والفسق، وقالوا: لا تقبل شهادته، كما سيأتي بعض كلامهم في ذلك- إن شاء الله- وما ذلك إلا لما ينشأ عن الاشتغال بالغناء والمعازف من ضعف الإيمان، وقلة الحياء والورع، والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه، ولما يبتلى به أرباب الغناء والمعازف من شدة الغفلة، والارتياح إلى الباطل، والتثاقل عن الصلاة، وأفعال الخير، والنشاط فيما يدعو إليه الغناء والمعازف من الزنا واللواط وشرب الخمور، ومعاشرة النسوان والمردان، إلا من عصم الله من ذلك. ومعلوم عند ذوي الألباب ما يترتب على هذه الصفات من أنواع الشر والفساد، وما في ضمنها من وسائل الضلال والإضلال، وإليك- أيها

стр. 11160

القارئ الكريم - بعض ما ورد في تحريم الأغاني والمعازف من آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هاتين الآيتين ما نصه: لما ذكر حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله، وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) الآية، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء والألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) قال: هو والله الغناء. وروى ابن جرير، حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي،

стр. 11161

عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فقال عبد الله بن مسعود: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات (٢) . حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء، أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٣) قال: الغناء؛ وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة، وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤) في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٥) والله، لعله لا ينفق فيه مالا، ولكن شراؤه استجابة، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع، انتهى كلامه. فتأمل- أيها القارئ الكريم- هاتين الآيتين الكريمتين، وكلام هذا الإمام في تفسيرهما، وما نقل عن أئمة السلف في

стр. 11162

ذلك، يتضح لك ما وقع فيه أرباب الأغاني والملاهي من الخطر العظيم، وتعلم بذلك صراحة الآية الكريمة في ذمهم وعيبهم، وأن اشتراءهم للهو الحديث، واختيارهم له، من وسائل الضلال والإضلال، وإن لم يقصدوا ذلك، أو يعلموه؛ وذلك لأن الله سبحانه مدح أهل القرآن في أول السورة، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة، وأخبر أنهم أهل الهدى والفلاح، حيث قال : ﴿الم﴾ (١) ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٢) ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤) ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥) ثم قال سبحانه بعد هذا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦) الآية، وذلك يدل على ذم هؤلاء المشترين، وتعرضهم للضلال بعد الهدى، وما كان وسيلة للضلال والإضلال فهو مذموم، يجب أن يحذر ويبتعد عنه، وهذا الذي قاله الحافظ ابن كثير في تفسير الآية، قاله غيره من أهل التفسير، كابن جرير والبغوي والقرطبي وغير واحد، حتى قال الواحدي في تفسيره: أكثر المفسرين على أن لهو الحديث هو الغناء، وفسره آخرون بالشرك، وفسره جماعة بأخبار الأعاجم، وبالأحاديث الباطلة التي تصد عن الحق، وكلها

стр. 11163

تفاسير صحيحة، لا منافاة بينها، والآية الكريمة تذم من اعتاد ما يصد عن سبيل الله ويلهيه عن كتابه، ولا شك أن الأغاني وآلات الملاهي من أقبح لهو الحديث الصاد عن كتاب الله وعن سبيله، قال أبو جعفر ابن جرير ﵀ في تفسيره- لما ذكر أقوال المفسرين في لهو الحديث- ما نصه: والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه، أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (١) ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك. انتهى كلامه. وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) " من " في موضع رفع بالابتداء، ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٣) الغناء، في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، ثم بسط الكلام في تفسير هذه الآية، ثم قال: المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر

стр. 11164

الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق، فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام، انتهى كلامه. وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «دخل علي النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر ﵁، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: " دعهما " فلما غفل غمزتهما فخرجتا (١) » ، وفي رواية لمسلم: «فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا (٢) » . وفي

стр. 11165

رواية له أخرى: فقال ﷺ : «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد (١) » وفي بعض رواياته أيضا: «جاريتان تلعبان بدف (٢) » ، فهذا الحديث الجليل يستفاد منه، أن كراهة الغناء وإنكاره وتسميته مزمار الشيطان، أمر معروف مستقر عند الصحابة ﵃؛ ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها، وسماه مزمار الشيطان، ولم ينكر عليه النبي ﷺ تلك التسمية، ولم يقل له: إن الغناء والدف لا حرج فيهما، وإنما أمره أن يترك الجاريتين، وعلل ذلك بأنها أيام عيد، فدل ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذا للجواري الصغار في أيام العيد؛ لأنها أيام فرح وسرور، ولأن الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بعاث، فيما يتعلق بالشجاعة والحرب، بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم، فإنه يثير الغرائز الجنسية، ويدعو إلى عشق الصور، وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم

стр. 11166

الله ومراعاة حقه، فكيف يجوز لعاقل أن يقيس هذا على هذا، ومن تأمل هذا الحديث علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر، يجب التحذير منه حسما لمادة الفساد، وحفظا للقلوب عما يصدها عن الحق، ويشغلها عن كتاب الله وأداء حقه، وأما دعوى أبي تراب أن هذا الحديث حجة على جواز الغناء مطلقا، فدعوى باطلة؛ لما تقدم بيانه، والآيات والأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، كلها تدل على بطلان دعواه. وهكذا الحديث الذي رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن سعد البجلي، أنه رأى أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب وثابت بن يزيد، وهم في عرس وعندهم غناء، فقلت لهم: هذا وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: «إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت من غير نوح (١) » ، فهذا الحديث ليس فيه حجة على جواز الغناء مطلقا، وإنما يدل على جوازه في العرس، لإعلان النكاح، ومن تأمل هذا الحديث عرف أنه دليل على منع الغناء، لا على جوازه، فإنه ﷺ لما رخص لهم أغنية في العرس لحكمة معلومة، دل على منعه فيما سواه

стр. 11167

إلا بدليل خاص، كما أن الرخصة للمسافر في قصر الرباعية يدل على منع غيره من ذلك، وهكذا الرخصة للحائض والنفساء في ترك طواف الوداع يدل على منع غيرها من ذلك، والأمثلة لهذا كثيرة، وأيضا فإنكار عامر بن سعد على هؤلاء الصحابة الغناء وإقرارهم له على ذلك، دليل على أن كراهة الغناء والمنع منه أمر قد استقر عند الصحابة والتابعين وعرفوه عن النبي ﷺ . والله المستعان. قال العلامة ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه (إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان) ما نصه: ومن مكائد عدو الله ومصائده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن القرآن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرا وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجورا. . . إلى أن قال ﵀. . . ولقد أحسن القائل: تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي

стр. 11168

وأتى الغناء, فكالحمير تناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله دف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى رأيت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها يا ذبحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه أين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه, عند الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النسوان عند ملاهي وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي

стр. 11169

واحكم فأي الخمرتين أحق بالت ... حريم والتأثيم عند الله وقال آخر: برئنا إلى الله من معشر ... بهم مرض من سماع الغنا وكم قلت يا قوم أنتم على ... شفا جرف ما به من بنا شفا جرف تحته هوة ... إلى درك كم به من عنا وتكرار ذا النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله في أمرنا فعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على تنتنا تنتنا ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتحذر من سلوك سبيلهم واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة. انتهى كلامه ﵀.

стр. 11170

شبهة يجب أن تكشف: زعم أبو تراب، تبعا لابن حزم، أن قوله سبحانه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ (١) الآية. دليل على أن مشتري لهو الحديث من الأغاني والملاهي، لا يستحق الذم إلا إذا اشتراها لقصد الضلال أو الإضلال، أما من اشتراها للترفيه والترويح عن نفسه فلا بأس في ذلك، والجواب أن يقال: هذه شبهة باطلة من وجوه ثلاثة: الأول: أن ذلك خلاف ما فهمه السلف الصالح من الصحابة والتابعين من الآية الكريمة، فإنهم احتجوا بها على ذم الأغاني والملاهي والتحذير منها، ولم يقيدوا ذلك بهذا الشرط الذي قاله أبو تراب، وهم أعلم الناس بمعاني كلام الله وكلام الرسول ﷺ ، وهم أعرف بمراد الله من كلامه ممن بعدهم. الوجه الثاني: أن ذلك خلاف ظاهر الآية لمن تأملها؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) فدل ذلك على أن هذا الصنف المذموم من الناس قد اشترى لهو الحديث، ليضل به عن سبيل الله بغير علم ولا شعور بالغاية، ولا قصد للإضلال أو الضلال، ولو كان اشترى لهو الحديث
следующие страницы →