← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

أهله وانتشر المسلمون ودخل الناس في دين الله أفواجا أمروا بقتال جميع الكفار ونبذ العهود وألا يكفوا إلا عن أهل الجزية من اليهود والنصارى والمجوس إذا بذلوها عن يدهم صاغرون. وهذا القول اختاره جمع من أهل العلم واختاره الحافظ ابن كثير ﵀ عند قوله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) وهذا القول أظهر وأبين في الدليل لأن القاعدة الأصولية أنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الأدلة، والجمع هنا غير متعذر، كما تقدم بيانه، والله ولي التوفيق. أما ما يتعلق بالجزية فقول من قال إنها تؤخذ من الجميع أظهر إلا من العرب خاصة. ووجه ذلك ما ثبت في الصحيح عن بريدة ﵁ «أن النبي كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: امض باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله (٢) » فعلق الحكم بالكفر، فدل ذلك على أنهم يقاتلون لكفرهم، إذا كانوا من أهل القتال، كما تدل عليه آيات أخرى. ثم قال ﷺ : «اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (٣) » ثم قال بعد هذا: «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال: أو خلال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام (٤) » ثم قال بعد ذلك: «فإن أبوا

стр. 1157

فاسألهم الجزية (١) » ثم قال بعد ذلك: «فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم (٢) » فأمر ﷺ أميره على الجيش والسرية أن يدعو الأعداء أولا للإسلام، فإن أجابوا كف عنهم فإن أبوا دعاهم إلى الجزية، فإن أجابوا كف عنهم، وإلا فاستعان بالله وقاتلهم، ولم يفرق بين اليهود والنصارى وغيرهم، بل قال: «عدوك من المشركين (٣) » . وهذا يظهر منه العموم، ولكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن عامة العلماء لم يروا أخذها من العرب. قالوا: لأن رسول الله ﷺ وهو الذي تنزل عليه الآيات، وهو أعلم بمعناها لم يأخذها من العرب، بل قاتلهم حتى دخلوا في الإسلام. وهكذا الصحابة بعده لم يقبلوها من عربي، بل قاتلوا العرب في الجزيرة حتى دخلوا كلهم في دين الله. والله جل وعلا قال في حقهم وغيرهم: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٤) وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٥) ولم يذكر الجزية في هذا المكان. فالقول بأنها لا تؤخذ من العرب هو الأقوى والأظهر والأقرب، وأما من سواهم فقول من قال: بعموم النص: أعني حديث بريدة: أظهر أخذا بالأدلة من القرآن والسنة جميعا، ولأن المقصود من الجهاد هو إخضاعهم للحق، ودعوتهم إليه، وأن يكفوا عنا أذاهم وظلمهم، فإذا فعلوا ذلك ودخلوا في دين الله، فالحمد لله، وإن أبوا طالبناهم بالجزية، فإن بذلوها والتزموا الصغار والشروط التي تملى عليهم قبلناها منهم وكففنا عنهم. فإن أبوا أن يدخلوا في الإسلام، وأن يبذلوا الجزية قاتلناهم، لما في ذلك من المصلحة لهم وللمسلمين، ولأن ذلك هو الموافق لحديث بريدة رضي الله

стр. 1158

عنه مع الآيات في اليهود والنصارى، ومع حديث عبد الرحمن في المجوس. أما العرب فإن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ﵃ لم يأخذوها منهم، وهكذا من بعدهم الأئمة، ويتضح من سيرتهم وعملهم أنه لا يجوز أن يبقى العرب على الشرك بالله أبدا، بل إما أن يحملوا هذه الرسالة، ويبلغوها الناس، وإما أن يقضى عليهم، فلا يبقوا في الأرض. أما بقاؤهم بالجزية فغير لائق. . ولهذا جرى النبي ﷺ وأصحابه وخلفاؤه، على عدم قبولها من العرب، وإنما قبلوها من الأعاجم كالمجوس وأشباههم، كما قبلوها من اليهود والنصارى. أما قول من قال بأن القتال للدفاع فقط، فهذا القول ما علمته لأحد من العلماء القدامى، أن الجهاد شرع في الإسلام بعد آية السيف للدفاع فقط، وأن الكفار لا يبدءون بالقتال وإنما يشرع للدفاع فقط. وقد كتب بعض إخواننا رسالة في الرد على هذا القول، وفي الرد على رسالة افتراها بعض الناس على شيخ الإسلام ابن تيمية، زعم فيها أنه يرى أن الجهاد للدفاع فقط. وهذا الكاتب هو فضيلة العلامة: الشيخ سليمان بن حمدان رسالة ذكر فيها أن هذا القول منقول عن بعض أهل الكوفة، وإنما اشتهر بين الكتاب مؤخرا. . وأما العلماء فلم يشتهر بينهم، وإنما المعروف بين العلماء أن الرسول ﷺ بعدما هاجر أذن له في القتال مطلقا، ثم فرض عليه الجهاد وأمر بأن يقاتل من قاتل، ويكف عمن كف، ثم بعد ذلك أنزل الله عليه الآيات الآمرة بالجهاد مطلقا، وعدم الكف عن أحد حتى يدخل في دين الله، أو يؤدي الجزية إن كان من أهلها كما تقدم. وهذا هو المعروف في كلام أهل العلم، وقد تقدم ذكر قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجمع بين النصوص وأنه هو الأقرب ولا

стр. 1159

نسخ، وإنما تختلف الأحوال بقوة المسلمين وضعفهم: فإذا ضعف المسلمون جاهدوا بحسن حالهم، وإذا عجزوا عن ذلك اكتفوا بالدعوة، وإذا قووا بعض القوة قاتلوا من بدأهم ومن قرب منهم، وكفوا عمن كف عنهم، وإذا قووا وصار لهم السلطان والغلبة، قاتلوا الجميع وجاهدوا الجميع حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية، إلا من لا تؤخذ منهم كالعرب. عند جمع من أهل العلم. وقد تعلق بعض الكتاب الذين قالوا: إن الجهاد للدفاع فقط، بآيات لا حجة لهم فيها، وقد سبق الجواب عنها، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله. ومعلوم أن الدفاع قد أوجبه الله على المسلمين ضد من اعتدى عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) وكما في الآيات السابقة. والإسلام جاء بدعوة الكفار أولا إلى الدخول فيه، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا وجب قتالهم مع القدرة كما تقدم في حديث بريدة، وإن رأى ولي الأمر المصالحة، وعدم القتال لأسباب تتعلق بمصلحة المسلمين، جاز ذلك لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٢) الآية، ولفعله ﷺ مع أهل مكة يوم الحديبية. وبذلك يعلم أنه لا حاجة للقتال إذا نجحت الدعوة، وأجاب الكفار إلى الدخول في الإسلام. فإن احتيج للقتال قوتل الكفار حينئذ بعد الدعوة والبيان والإرشاد فإن أبوا فالجزية إن كانوا من أهلها، فإن أبوا وجب القتال أو المصالحة حسبما يراه

стр. 1160

ولي الأمر للمسلمين، إذا لم يكن لدى المسلمين قدرة على القتال، كما تقدم. وقد تعلق القائلون بأن الجهاد للدفاع فقط بآيات ثلاث: الأولى قوله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (١) والجواب عن ذلك كما تقدم أن هذه الآية ليس معناها القتال للدفاع، وإنما معناها القتال لمن كان شأنه القتال: كالرجل المكلف القوي، وترك من ليس شأنه القتال: كالمرأة والصبي ونحو ذلك، ولهذا قال بعدها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢) فاتضح بطلان هذا القول، ثم لو صح ما قالوا، فقد نسخت بآية السيف وانتهى الأمر بحمد الله. والآية الثانية التي احتج بها من قال بأن الجهاد للدفاع هي قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٣) وهذه لا حجة فيها لأنها على الأصح مخصوصة بأهل الكتاب والمجوس وأشباههم، فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام إذا بذلوا الجزية، هذا هو أحد القولين في معناها. والقول الثاني أنها منسوخة بآية السيف ولا حاجة للنسخ بل هي مخصوصة بأهل الكتاب كما جاء في التفسير عن عدة من الصحابة والسلف، فهي مخصوصة بأهل الكتاب ونحوهم فلا يكرهون إذا أدوا الجزية وهكذا من ألحق بهم من المجوس وغيرهم إذا أدوا الجزية فلا إكراه، ولأن الراجح لدى أئمة الحديث والأصول أنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، وقد عرفت أن الجمع ممكن بما ذكرنا. فإن أبوا الإسلام والجزية قوتلوا كما دلت عليه الآيات الكريمات الأخرى، والآية الثالثة التي تعلق بها من قال أن الجهاد

стр. 1161

للدفاع فقط قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١) قالوا: من اعتزلنا وكف عنا لم نقاتله. وقد عرفت أن هذا كان في حال ضعف المسلمين أول ما هاجروا إلى المدينة ثم نسخت بآية السيف وانتهى أمرها، أو أنها محمولة على أن هذا كان في حالة ضعف المسلمين فإذا قووا أمروا بالقتال كما هو القول الآخر كما عرفت وهو عدم النسخ. وبهذا يعلم بطلان هذا القول وأنه لا أساس له ولا وجه له من الصحة، وقد ألف بعض الناس رسالة افتراها على شيخ الإسلام ابن تيمية وزعم أنه لا يرى القتال إلا لمن قاتل فقط، وهذه الرسالة لا شك أنها مفتراة وأنها كذب بلا ريب، وقد انتدب لها الشيخ العلامة سليمان بن سحمان - رحمة الله عليه - ورد عليها منذ أكثر من خمسين سنة وقد أخبرني بذلك بعض مشايخنا، ورد عليه أيضا أخونا العلامة الشيخ سليمان بن حمدان ﵀ القاضي سابقا في المدينة المنورة كما ذكرنا آنفا ورده موجود بحمد الله وهو رد حسن واف بالمقصود. فجزاه الله خيرا. وممن كتب في هذا أيضا أخونا الشيخ صالح بن أحمد المصوعي ﵀ فقد كتب فيها رسالة صغيرة، فند فيها هذه المزاعم وأبطل ما قاله هؤلاء الكتبة بأن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط. وصنف أيضا أخونا العلامة أبو الأعلى المودودي ﵀ رسالة في الجهاد وبين فيها بطلان هذا القول وأنه قول لا أساس له من الصحة. ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة ونظر في ذلك بعين البصيرة وتجرد عن الهوى والتقليد عرف قطعا بطلان هذا القول وأنه لا أساس له، ومما جاء في السنة في هذا الباب مؤيدا للكتاب العزيز ما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا

стр. 1162

ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١) » . . . وما رواه الشيخان أيضا من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلوا صلاتنا وأكلوا ذبيحتنا واستقبلوا قبلتنا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا (٢) » . ومن ذلك ما رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٣) » . . . ومن هذا ما رواه مسلم في الصحيح أيضا عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: من قال لا إله إلا الله وفي لفظ «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله (٤) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على أن القتال شرع لإزالة الكفر والضلال ودعوة الكفار للدخول في دين الله - لا لأنهم اعتدوا علينا فقط ولهذا قال ﷺ : «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (٥) » ولم يقل فإذا كفوا عنا أو اعتزلونا، بل قال: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك (٦) » . . الحديث "، فدل ذلك على أن المطلوب دخولهم في الإسلام وإلا فالسيف، إلا أهل الجزية كما تقدم، وإنما اقتصر ﵊ على الشهادتين والصلاة والزكاة لأنها الأسس العظيمة والأركان الكبرى فمن أخذ بها ودان بها وتمسك بها فإنه يؤدي ما وراءها عن إيمان وعن اطمئنان وإذعان من باب أولى. وهذا ما أردت التنبيه عليه باختصار وإيجاز، وأرجو أن يكون وافيا بالمطلوب من بيان الحق وإزهاق الباطل، وأسأل الله أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه

стр. 1163

والاستقامة عليه وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يعلمنا ما ينفعنا ويهدينا لما فيه السعادة والنجاة وأن يوفق المسلمين جميعا للاستقامة على دينه والجهاد في سبيله، والحذر من مكائد الأعداء إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

стр. 1164

الأدلة الكاشفة لأخطاء بعض الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد (١) : فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة البلاد في عددها الصادر بعدد ١٩٠٩ وتاريخ ١٢ \ ٢ \ ١٣٨٥ هـ بقلم بعض الكتاب، تحت عنوان (احذروا الغلو) . تهمة لا مبرر لها فألفيت الكاتب عفا الله عنه قد أساء الظن بالإخوان المتطوعين القائمين بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ووصفهم بأنهم مخدوعون ومتشددون ومحاربون للجديد. إلى غير ذلك مما وقع في كلامه من الأخطاء. وقد رأيت أن أنبه في هذه الكلمة على ما وقع في مقاله من الأخطاء ذات الأهمية نصحا له ولسائر الأمة ودفاعا عن الإخوان فيما نعلم براءتهم منه، وتحريضا له ولغيره من الكتاب على التثبت في القول. ولزوم الاعتدال

стр. 1165

في الحكم والحذر من سوء الظن الذي لا ينبني على أساس مستقيم. وإلى القارئ تفصيل القول فيما وقع في مقال الكاتب المشار إليه من الأخطاء التي تستحق التنبيه عليها، والإنكار على قائلها فنقول والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به: بيان أن الشريعة كاملة لا غالية ولاجافية أما ما ذكره الكاتب عن مضار الغلو والتشديد فصحيح. ولا شك أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالتحذير من الغلو في الدين، وأمرت بالدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولكنها مع ذلك لم تهمل جانب الغلظة والشدة في محلها حيث لا ينفع اللين والجدال بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣) الآية. فشرع الله سبحانه لعباده المؤمنين الغلظة على الكفار والمنافقين حين لم تؤثر فيهم الدعوة بالحكمة واللين.

стр. 1166

والآيات وإن كانت في معاملة الكفار والمنافقين دالات على أن الشريعة إنما جاءت باللين في محله حين يرجى نفعه. أما إذا لم ينفع واستمر صاحب الظلم أو الكفر أو الفسق في عمله ولم يبال بالواعظ والناصح، فإن الواجب الأخذ على يديه ومعاملته بالشدة وإجراء ما يستحقه من إقامة حد أو تعزير أو تهديد أو توبيخ حتى يقف عند حده وينزجر عن باطله. ولا ينبغي للكاتب وغيره أن ينسى ما ورد في هذا من النصوص والوقائع من حين بعث النبي ﷺ إلى عصرنا هذا. وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى: دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا

стр. 1167

جمع الشريعة بين الشدة واللين كل في محله والخلاصة: أن الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله، والشدة في محلها، فلا يجوز للمسلم أن يتجاهل ذلك، ولا يجوز أيضا أن يوضع اللين في محل الشدة، ولا الشدة في محل اللين، ولا ينبغي أيضا أن ينسب إلى الشريعة أنها جاءت باللين فقط، ولا أنها جاءت بالشدة فقط، بل هي شريعة حكيمة كاملة صالحة لكل زمان ومكان ولإصلاح جميع الأمة. ولذلك جاءت بالأمرين معا. واتسمت بالعدل والحكمة والسماحة فهي شريعة سمحة في أحكامها وعدم تكليفها ما لا يطاق، ولأنها تبدأ في دعوتها باللين والحكمة

стр. 1168

والرفق، فإذا لم يؤثر ذلك وتجاوز الإنسان حده وطغى وبغى أخذته بالقوة والشدة وعاملته بما يردعه ويعرفه سوء عمله. ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأئمة الهدى بعدهم عرف صحة ما ذكرناه. النصوص الآمرة باللين في مجاله ومما ورد في اللين قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) الآية. وقوله تعالى في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) الآية.

стр. 1169

النصوص الدالة على الشدة في مجالها ومما ورد في الشدة الآيات المتقدم ذكرها (١) . ومن الأحاديث ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ لما تلى قوله تعالى: قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه (٤) » . وفي لفظ آخر: «على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم (٥) » . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم (٦) » . وروي عنه ﷺ أنه قال: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم (٧) » . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف

стр. 1170

يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (١) » . وقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر معلومة لدى أهل العلم، وقد هجرهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ خمسين ليلة حتى تابوا فتاب الله عليهم وأنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٣) الآية. فمما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم الكاتب وغيره من القراء أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت باللين في محله والغلظة والشدة في مجالهما، وأن المشروع للداعية إلى الله أن يتصف باللين والرفق والحلم والصبر لأن ذلك أكمل في نفع دعوته والتأثر بها كما أمره الله بذلك وأرشد إليه رسوله ﷺ ، وأن يكون على علم وبصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٤) ولا ينبغي للداعية أن يلجأ إلى الشدة والغلظة إلا عند الحاجة والضرورة وعدم حصول المقصود بالطريقة الأولى، وبذلك يكون الداعي إلى الله سبحانه قد أعطى المقامين حقهما وترسم هدي الشريعة في الجانبين، والله الموفق.

стр. 1171

تفنيد مزاعم الكاتب وإرشاده إلى الطريق السليمة ونحن في هذا لا نقصد موافقة الكاتب على ما نسبه للإخوان من التشديد، فالذي عرفناه عنهم خلاف ذلك فهم - بحمد الله - على بينة وبصيرة ويعاملون الناس بالتي هي أحسن ويوجهونهم إلى الخير تحت إرشادات علماء البلاد والمسئولين فيها. ولو فرضنا أنه وقع من بعضهم خطأ أو تشديد في غير محله فليسوا معصومين، والواجب تنبيههم وإرشادهم إلى ما قد يقع منهم من الخطأ حتى يحذروه مستقبلا. وكان الواجب على الكاتب حين بلغه عنهم ما يعتقده خلاف الشرع أن يتصل بأعيانهم مشافهة أو كتابة ويناصحهم فيما أخذ عليهم أو يتصل بسماحة المفتي أو رئيس الهيئات ويبدي ما لديه حول الإخوان من النقد حتى يوجههم المشائخ إلى الطريق السوي. أما أن يكتب في صحيفة سيارة ما يتضمن التشنيع عليهم والحط من شأنهم ووصفهم بما هم براء منه فهذا لا يجوز من مؤمن يخاف الله ويتقيه، لما فيه من كسر شوكة الحق والتثبيط عن الدعوة إليه والتلبيس على القراء ومساعدة السفهاء والفساق على باطلهم وعلى النيل من دعاة الحق، والله المسئول أن يسامحنا وإياه وأن يوفق الجميع للتوبة النصوح والاستقامة على الحق ومناصرة الداعين إليه إنه خير مسئول.

стр. 1172

مغالطات الكاتب وأما قوله: (وأنا لا أنكر على كل مؤمن أن يرشد إلى الخير ويوجه إلى الرشد ويستنكر الشر ويلفت النظر إليه بأخلاق القرآن والسنة وهي اللطف واللين والروية، أما إذا اتسمت أقواله أو أفعاله بالقسوة والشدة فإن ذلك ليس من حقه لأنه غير مأذون ولا مكلف من جهة أسند إليها هذا الأمر، وغاية ما في الأمر أن يستنكر ما يراه منكرا بقلبه وهو أضعف الإيمان لغير المسئول، قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا في جماعة أو أمة ليس فيها أجهزة حكومية خصصت لهذا الواجب، ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة) . كشف المغالطات فهذا الكلام فيه حق وباطل وإيهام. وإليك أيها القارئ بيان ذلك بالتفصيل: أما قوله: إنه لا ينكر على كل مؤمن أن يرشد إلى الخير ويوجه إلى الرشد. . إلخ. . فهذا حق، والواجب على كل من لديه بصيرة أن يقوم بذلك وهو سبيل نبينا محمد ﷺ وسبيل أتباعه على بصيرة. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فهذه الآية الكريمة ترشد إلى أن أتباع النبي ﷺ على الكمال هم أهل البصيرة والدعوة إلى الحق وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)

стр. 1173

وهذه الآية العظيمة وإن كان الخطاب فيها موجها إلى رسول الله ﷺ ، فالمراد بها جميع الأمة، وقد أوضح الله فيها سبيل الدعوة ومراتبها، فالواجب على الدعاة أن يسيروا في دعوتهم إلى الله سبحانه على ضوئها، وعلى الطريقة التي رسمها الله فيها سواء كان المدعو كافرا أو مسلما إلا من ظلم وعاند فقد تقدم في الأدلة السابقة ما يدل على شرعية الغلظة عليه ومعاملته بما يستحق في حدود الشريعة الكاملة. وأما قول الكاتب: (أما إذا اتسمت أقواله وأفعاله بالقسوة والشدة فإن ذلك ليس من حقه لأنه غير مأذون ولا مكلف من جهة أسند إليها هذا الأمر وغاية ما في الأمر أن يستنكر ما يراه منكرا بقلبه وهو أضعف الإيمان لغير المسئول) . فهذا فيه إجمال وخطأ ظاهر يتضح مما تقدم؛ وذلك لأن المطلوب من جميع الدعاة سواء كانوا مسئولين من جهة الحكومة أو متطوعين أن يكونوا في دعوتهم على المنهج الشرعي، وأن لا تتسم أقوالهم وأفعالهم بالقسوة والشدة إلا عند الضرورة إليها كما سبق. وكلام الكاتب يوهم خلاف ذلك. إرشاد الكاتب إلى ما رسمته الشريعة في الدعوة وقوله: (وغاية الأمر) . إلخ هذا خطأ واضح. والصواب أن مراتب الإنكار الثلاث مشروعة للمسئول وغيره، وإنما

стр. 1174

يختلفان في القدرة، فالمسئول من جهة الحكومة أقدر من غيره، والإنكار بالقلب هو أضعف الإيمان في حق العاجز عن الإنكار باليد واللسان سواء كان مسئولا أو متطوعا وهو صريح الحديث الشريف ومقتضى القواعد الشرعية. وأما قول الكاتب: (قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا في جماعة أو أمة ليس فيها أجهزة حكومية خصصت لهذا الواجب ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة) ففيه نظر ظاهر أيضا، وهذا الأسلوب الذي أطلقه الكاتب ليس أسلوبا علميا ولا منسجما مع الأدلة الشرعية لأن الدعوة إلى الله سبحانه وتعليم الناس ما يجهلونه من شرع الله لا ينبغي أن يعبر عنه بمثل هذا الأسلوب بل ينبغي أن يعبر عنه بأسلوب الحث والترغيب ولا سيما في الأمم والجماعات المحتاجة إلى ذلك، فإن دعوتهم وإرشادهم إلى ما يجب عليهم من شرع الله من الأمور المتعينة على ولاة الأمر، وعلى أهل العلم حسب القدرة فكيف يعبر عن مثل هذا الأمر العظيم بقول الكاتب: (قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا) ؟ إلخ. تفنيد رأي الكاتب وتفصيل القول في أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما قوله: ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة، فهذا خطأ ظاهر أيضا لأن الأجهزة والسلطات الحكومية إن كانت قد قامت بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمشاركة غيرها لها في ذلك من المتطوعين حسنة جدا ومطلوبة شرعا لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب المشاركة في جهاد شرعي وتوجيه صالح.

стр. 1175

وقصارى ما هنالك أن الأجهزة والسلطات الحكومية قد أدت فرض الكفاية وصار القيام من غيرهم بمشاركتهم من باب السنن والتطوع وذلك من أفضل العبادات وأحبها إلى الله سبحانه. وأما إن كانت الأجهزة والسلطات الحكومية لم تقم بالواجب على الوجه الأكمل، فإن مشاركة غيرهم لهم في ذلك متعينة لأن فرض الكفاية لم يسقط بهم. وقد تقرر في الأدلة الشرعية أن الدعوة إلى الله سبحانه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية إذا قام بها من يكفي سقط الفرض عن الباقين وصارت المشاركة فيها في حق الباقين سنة، وإن لم يقم بها من يكفي إثم الجميع. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأفراد وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين وذلك في حق من يرى المنكر وليس هناك من ينكره وهو قادر على إنكاره فإنه يتعين عليه إنكاره لقيام الأدلة الكثيرة على ذلك، ومن أصرحها قول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » أخرجه مسلم في صحيحه. والإنكار بالقلب فرض على كل واحد لأنه مستطاع للجميع وهو بغض المنكر وكراهيته ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان لقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)

стр. 1176

وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) ومعنى لا يشهدون الزور لا يحضرونه. تفسير الزور - وحكم الداعي إليه والزور يشمل كل منكر، ويدخل في ذلك الشرك والكفر وأعياد المشركين والاجتماع على شرب الخمور والتدخين والأغاني وآلات الطرب وأفلام السينما وأشباه ذلك من المنكرات، ذكر معنى ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية. وذكر البغوي ﵀ عند تفسيرها قريبا من ذلك. وقال: أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وهذا هو الواقع من أهل الباطل فإنهم يحسنون المنكرات بوصفها بغير حقيقتها حتى يرغب فيها الناس وحتى لا ينفروا منها فيكون على فاعل ذلك إثم ما عمل وإثم الدعوة إليه، وأعظم من ذلك الدعوة إليها بالقول. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣) » والأدلة في هذا المعنى كثيرة.

стр. 1177

اختلاق الكاتب على العلماء وقول الكاتب: وقد سرني أن علماءنا الأفاضل قد استنكروا هذا التجاوز منهم ونهوهم عنه. إلخ. فيه نظر وقد سبق لك أن الإخوان كانوا في دعوتهم وإنكارهم للمنكر يتحرون الطريقة الشرعية ويعاملون الناس بالرفق والحكمة، ولا نعلم أنهم تعاطوا من الشدة والقسوة ما يوجب إنكار العلماء عليهم، فلا أدري عن أي مصدر وصل هذا الخبر إلى الكاتب. ومعلوم أن على الناقل أن يتثبت في النقل وأن ينظر فيما ينقل وينشر بين الناس، وإذا صح لديه الخبر نظر، هل إعلانه أصلح أم تركه أحسن في العاقبة. ولا شك أن هذا الخبر لو صح فليس من المصلحة نشره بين الناس وإعلانه في الصحف لما في ذلك من التنقص للدعاة إلى الحق وتثبيط عزائمهم وتشجيع أهل الفسق ضدهم في وقت يتكاتف فيه دعاة الباطل والمذاهب الهدامة على نشر باطلهم وإعلان مذاهبهم، فالله المستعان. دس رخيص يكذبه واقع الإخوان وأما ما ذكره الكاتب عن الفتنة التي وقعت في صدر الإسلام وتمخض عنها قتل عثمان ﵁، وما جرى من الخلاف بعد ذلك بين أهل الشام والعراق إلخ. فتلك أمور قد عني بها التاريخ وعرفها علماء الإسلام وغيرهم، ولا شك أن لأعداء الإسلام والجهال به فيها دورا فعالا وقول أهل السنة والجماعة في هذه الفتنة معلوم، وهو الكف عما شجر بين الصحابة ﵃ والترضي عنهم جميعا، واعتقاد أنهم مجتهدون فيما فعلوا طالبون للحق

стр. 1178

والمصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر واحد، كما صح بذلك الحديث الشريف. وإنما يهمنا هنا أمران. أحدهما تخوف الكاتب من أن يكون هؤلاء الإخوان قاموا بما قاموا به عن تأثير جماعة سرية إجرامية تخريبية. والجواب عن هذا أن يقال من عرف الإخوان وسير حالتهم يعلم يقينا أنهم بعيدون كل البعد عن هذه التهمة الشنيعة وعن هذا الظن السيئ، والواجب على المسلم حمل أحوال إخوانه على أحسن المحامل وعلاج ما قد يقع من الخطأ بالطرق الشرعية التي تبني ولا تهدم، وتشجع الحق ولا تخذله، وتنصر الحق وتدمغ الباطل، لا أن يظن بهم السوء ويشجع على إماتة دعوتهم وتشويه سمعتهم وتشجيع أهل الباطل ضدهم وتحريض ولاة الأمر على إيقاف حركتهم عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (٢) » . خطأ كبير بسبب التقليد الأعمى والأمر الثاني وصفه كعب الأحبار تقليدا لبعض المتأخرين بأنه يهودي أظهر الإسلام من أجل الكيد للإسلام وإفساد أهله. والجواب أن هذا خلاف المعروف عن علماء الإسلام ونقلة الأخبار، فقد روى عنه علماء الحديث وأثنى عليه معاوية ﵁ وكثير من السلف الصالح.

стр. 1179

وروى عنه مسلم في صحيحه. وذكره البخاري في كتابه الجامع الصحيح ولم يزنه بريبة، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة والتهذيب وابن الأثير في أسد الغابة ولم يتهموه بهذه التهمة. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب ما نصه: كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة من الثانية مخضرم كان من أهل اليمن فسكن الشام، مات في خلافة عثمان ﵁. . فكيف يجوز لمن يخاف الله ويتقيه أن يرمي شخصا أظهر الإسلام والدعوة إليه وشارك الصحابة في أعمالهم بأنه يهودي بدون حجة ولا برهان يسوغ ذلك؟ وقد صح عن النبي ﷺ التحذير من رمي المسلم لأخيه بالصفات الذميمة، وأن من رمى أخاه بما هو بريء منه كان الرامي أولى بذلك الوصف الذي رمى به أخاه. وكونه يروي بعض الأخبار الإسرائيلية الغريبة لا يوجب رميه باليهودية، والكيد للإسلام لأن النبي ﷺ قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (١) » . وقد قام علماء الإسلام بنقد أخبار بني إسرائيل وتزييف ما خالف الحق منها وإبطاله، فكعب في ذلك يشبه عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سلام، ووهبا، وغيرهم ممن نقل أخبار بني إسرائيل. فكما أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لا يجوز أن يتهم باليهودية لكونه نقل كثيرا من أخبار بني إسرائيل من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كتبهم، فهكذا كعب لا يجوز أن يرمى باليهودية والكيد للإسلام من أجل ذلك. ولا يجوز أن يجعل في صف عبد الله بن سبأ وأشباهه من المعروفين بالكفر والإلحاد والكيد للإسلام.

стр. 1180

وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه (٢) » . فهذا الحديث وما جاء في معناه يوجب على المسلم التثبت في الحكم على الناس والحذر من رمي أخيه بصفة ذميمة وهو بريء منها بمجرد الظن أو تقليد من لا يعتمد عليه، والله المستعان. فرية عظيمة واستهزاء بالدعاة واستنكار لفعل الواجب ثم قال الكاتب: أقول إن من جهل شيئا عاداه كما في المثل، وقد كنا قبل وعينا الجديد وقبل معرفتنا بحقيقة المستحدثات العلمية الجديدة نكره استعمالها ونستعيبه. ثم ذكر استعمال السيارات والطائرات والصواريخ، إلى أن قال: ما دمنا قد عرفنا هذا كله ولمسناه وتأكدنا فوائده وعدم معارضته للدين، فلماذا يحاربه هؤلاء الطيبون المخدوعون، ولماذا يسافرون من بلد إلى آخر لاستنكاره ومحاولة عدم استعماله؟ . . إلخ. لا ريب أن من قرأ هذا الكلام وضم بعضه إلى بعض يفهم منه أن الإخوان الذين انتصب الكاتب لنقدهم ينكرون هذه المستحدثات الجديدة من السيارات والطائرات، واللاسلكي وأشباه ذلك، ومعلوم قطعا أن الإخوان الذين أشرنا إليهم لا ينكرون شيئا من ذلك ولا يعيبونه بل هم أنفسهم يستعملون ذلك فينتقلون في السيارات، ويركبون الطائرات ويستعملون اللاسلكي، فما الذي دعا الكاتب إلى الوقوع في هذه الفرية الكبيرة والزلة الشنيعة؟ أترك الجواب للقراء وأسأل الله أن يحفظنا من الهوى وخطوات الشيطان.

стр. 1181

وأما سفرهم إلى البلدان للدعوة والتوجيه فهو أمر يستحقون عليه الثناء والشكر وليس محلا للاستنكار والاستغراب. نعم هو حقيق بالاستغراب بالنسبة إلى تخلف أكثر الناس عن هذه المهمة الشريفة التي هي طريقة الرسل وأتباعهم، وليس هو محلا للاستغراب الذي ينتج عنه الاستنكار والتشنيع والظن السيئ. وأما قوله " المخدوعون " فهي عبارة لا تليق من الكاتب وليس الإخوان محلا لها وقائلها أولى بها؛ لأن الإخوان - بحمد الله - على بينة من أمرهم؛ وليسوا مخدوعين ولا متأثرين بحركة هدامة ولا عاملين لغرض دنيء؛ بل غايتهم شريفة وعملهم مشكور، ودافعهم هو الحق والغيرة له، والخوف على المسلمين من عواقب ظهور المنكرات وعدم تغييرها، وإنما المخدوع حقا من ظن بهم خلاف ذلك. وأما قوله - الطيبون - وقوله فيما تقدم عن المغرضين والطامعين وأعداء الإسلام أنهم استغلوا طيبة الصحابة، أرجو أن لا يكون قصد بهذا الوصف التنقص لمن وصفهم - بالطيب - لأن سياق الكلام ووصف الصحابة والإخوان بالطيب في جانب كونهم مخدوعين يشير إلى أن المراد بوصف الطيب الغفلة والغباوة وعدم التنبه لعواقب الأمور، هذا هو المعروف من بعض كتاب العصر؛ أرجو أن لا يكون الكاتب قصد هذا المقصد؛ وإن كان كلامه يقتضيه أو يحوم حوله، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من أخطائنا وسيئات أعمالنا إنه خير مسئول. تناقض مكشوف وأما قول الكاتب بعدما تقدم " ليس لي بالطبع الإفتاء ولا أحمل مؤهلاته

стр. 1182

فهذا من اختصاص علمائنا الأفاضل الذين استنكروا عمل هؤلاء المخدوعين الطيبين ". فيقال له أولا ما دمت تعرف أنك غير أهل للفتوى فما بالك أفتيت أولا وآخرا، ولو تأملت كلمتك لعلمت أنك أفتيت فيها عدة فتاوى على غير هدى. ومن أعظم الجرائم الفتوى بغير علم، فكم ضل بها من ضل، وهلك بها من هلك، ولا سيما إذا كانت الفتوى معلنة على رءوس الأشهاد وممن قد يغتر به بعض الناس فإن الخطر بذلك عظيم والعواقب وخيمة وعلى المفتي بغير علم مثل آثام من تبعه، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه (١) » . وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٢) » . وقد أعظم الله شأن الفتوى بغير علم وحذر عباده منها وبين أنها من أمر الشيطان قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٤) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)

стр. 1183

ثم يقال للكاتب ثانيا من هو الذي استنكر من العلماء الأفاضل على الإخوان عملهم؟ وقد سبق في صدر هذه الكلمة أنا لا نعلم أحدا من العلماء المعروفين بالغيرة والتحقيق استنكر عملهم، بل المعروف من العلماء الأفاضل تأييدهم ومساعدتهم وشكرهم على أعمالهم الطيبة والدعاء لهم بالتوفيق والسداد، وكيف يستنكر العلماء الأفاضل الدعوة إلى الله وإرشاد العباد إلى طاعته وتحريضهم على الصلاة في الجماعة والإنكار على من تخلف عن ذلك، فلا يستنكر هذه الأعمال الجليلة مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويعرف شيئا مما ورد في الدعوة إلى الله سبحانه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضلا عن العالم الفاضل، فعياذا بالله من القول عليه وعلى عباده بغير علم وعياذا بالله من خطل اللسان وسيئات العمل. فما أعظم ما جناه الكاتب على نفسه وعلى غيره ممن قد يغتر بقوله وما أعظمها من جريمة. اعتراف بالحق ثم التواء ثم قال الكاتب بعد ذلك: ولكني أقول إذا كان الدين يحرم التماثيل المجسمة وما في حكمها سدا للذريعة وخوفا من العودة إلى عبادتها كما كان في الجاهلية الأولى وكما هو الحال اليوم في الأمم الوثنية. وإذا كان من واجبنا كأمة مسلمة محافظة أن نحارب الصور الماجنة الخليعة خوفا على أخلاقنا وتقاليدنا، فما هي حجة بعضنا في إنكار الصورة الظلية العاكسة التي لا فرق بينها مطلقا وبين ما تعكسه المرآة التي يستعملها شبابنا وشيوخنا ونساؤنا وبناتنا، وما الفرق بين هذه الصورة الظلية العاكسة

стр. 1184

كالمرآة التي تشتمل عليها الجريدة والمجلة والمعرض والبيت والسينما وبين أختها المعروضة لاسلكيا في التلفزيون، وكما قلت في كلمة سابقة أن التلفزيون لا يسجل إلا ما يعرض على شاشته من خير وشر، ونحن في هذه البلاد المقدسة قادرون على اختيار الخير والنافع وعرضه على شاشة التلفزيون كعلم وكدرس وكتاريخ وكتسلية بريئة نحول فيها بين المجتمع وبين الفراغ والنميمة وسفاسف الأقوال والأفعال. انتهى المقصود. والجواب عن هذا أن يقال لقد أحسن الكاتب في اعترافه بأن الدين الإسلامي يحرم التماثيل المجسمة وما في حكمها سدا للذريعة وخوفا من العودة إلى عبادتها كما كان في الجاهلية الأولى، وكما هو الحال اليوم في الأمم الوثنية، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بما يدل على ما ذكره الكاتب من تحريم التماثيل والزجر عنها، ولعن المصورين والتصريح بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة وأنهم يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم. وقد ثبت في القرآن الكريم وفي الأحاديث والآثار أن أسباب ضلال قوم نوح هي التماثيل كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ (٢) ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٣) وثبت «عن النبي ﷺ أن بعض أزواجه ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا

стр. 1185

على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (١) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فتبين مما تقدم أن التساهل ببيعها في الأسواق ونصبها في المكاتب والدوائر ونحوها من أعظم أسباب الشرك؛ ومن أعمال الجاهلية ومن أخلاق شرار الخلق عند الله. فالواجب على المسئولين جميعا في جميع الدول الإسلامية القضاء على هذه التماثيل والزجر عنها ومنع توريدها وإتلاف ما يوجد منها في كل مكان طاعة لله ورسوله وحذرا من عواقبها الوخيمة. ولقد أحسن الكاتب أيضا في قوله: (وإذا كان من واجبنا كأمة مسلمة محافظة أن نحارب الصور الماجنة الخليعة خوفا على أخلاقنا وتقاليدنا) . نعم والله قد أحسن الكاتب في هذا، فالواجب علينا وعلى المسئولين في جميع الحكومات الإسلامية محاربة هذه الصور الخليعة التي غزت البلاد الإسلامية من كل مكان وانتشرت بين شبابنا وفتياتنا في كل بقعة إلا ما شاء الله؛ فالواجب على أولي الأمر أن يحاربوها ويحاربوا الصحف والكتب التي تحملها إلى الناس، كما يجب أن تحارب جميع الصحف والكتب التي تحمل أنواع الإلحاد والتخريب والدعوة إلى التفسخ من الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة، ويجب على أولي الأمر أيضا تكليف الحكام الإداريين وموظفي الأمن بالتعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القضاء على هذه المعاول الهدامة والوسائل الفتاكة بديننا وأخلاقنا، وفقهم الله لنصر دينه وحماية شريعته ومساعدة من قام بذلك إنه على كل شيء قدير. فتوى في الصور بدون علم

стр. 1186

وأما قول الكاتب بعد ذلك (فما هي حجة بعضنا في إنكار الصورة الظلية العاكسة التي لا فرق بينها مطلقا وبين ما تعكسه المرآة. .) إلخ. . والجواب أن يقال هذه فتوى من الكاتب بالتسوية بين الصورة الشمسية وبين الصورة في المرآة، ومعلوم أن الفتوى تفتقر إلى علم بالأدلة الشرعية؛ وقد سبق اعتراف الكاتب بأنه ليست فيه صفة الفتوى ولا يحمل مؤهلاتها فما باله هداه الله أفتى هنا وجزم بالحكم بغير علم. ويقال له أيضا لقد أخطأت في التسوية والقياس من وجهين أحدهما أن الصورة الشمسية لا تشبه الصورة في المرآة لأن الصورة الشمسية لا تزول عن محلها والفتنة بها قائمة. وأما الصورة في المرآة فهي غير ثابتة تزول بزوال المقابل لها وهذا فرق واضح لا يمتري فيه عاقل. والثاني أن النص عن المعصوم ﷺ جاء بتحريم الصور مطلقا ونص على تحريم ما هو من جنس الصورة الشمسية كالصورة في الثياب والحيطان. فقد صح عنه ﷺ في عدة أحاديث أنه لما رأى عند عائشة سترا فيه تماثيل غضب وهتكه وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون (١) » . وقال في حديث آخر: «إن أصحاب هذه الصور (٢) » ، يشير إلى الصور التي في الثياب، «يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم (٣) » . وثبت عنه ﵊ أنه محى الصور التي في جدران الكعبة يوم الفتح، وهي في حكم الصور الشمسية، فلو سلمنا مشابهة الصورة

стр. 1187

الشمسية للصورة في المرآة لم يجز القياس لما قد تقرر في الشرع المطهر أنه لا قياس مع النص، وإنما محل القياس إذا فقد النص كما هو معلوم عند أهل الأصول وعند جميع أهل العلم. ذكر حديث يتعلق به مجيزو استعمال الصور والجواب عنه وأما ما ورد عنه ﷺ أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة إلا رقما في ثوب (١) » فهذا الحديث لا شك في صحته وقد تعلق به بعض من أجاز الصور الشمسية. والجواب عنه من وجوه. منها أن الأحاديث الواردة في تحريم التصوير ولعن المصورين والتصريح بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة مطلقة عامة ليس فيها تقييد ولا استثناء فوجب الأخذ بها والتمسك بعمومها وإطلاقها. ومنها أنه ﷺ لما رأى الصور المشبهة للشمسية وهي الصور الموجودة في الستور والحيطان غضب وتلون وجهه وأمر بهتك الستور التي فيها الصور ومحو الصور التي في الجدران، وباشر محوها بنفسه لما رآها في جدران الكعبة كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومنها أن الاستثناء المذكور إنما ورد في سياق الأحاديث الدالة على امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه تصاوير ولم يرد في سياق الأحاديث المانعة من التصوير، وفرق عظيم بين الأمرين. ومنها أن قوله: «إلا رقما في ثوب (٢) » يجب أن يحمل على النقوش التي ليست بصور أو على الصور التي قطع رأسها أو طمس أو التي في الثياب التي تمتهن باتخاذها وسائد وبسطا ونحو ذلك، لا فيما ينصب ويرفع كالستور على الأبواب والجدران والملابس، فإن

стр. 1188

الأحاديث الصحيحة صريحة في تحريم ذلك، وأنه يمنع من دخول الملائكة كما ورد ذلك في حديث عائشة وأبي هريرة وغيرهما. وبما ذكرناه يتضح الجمع بين الأحاديث وأن الاستثناء إنما ورد في سياق الأحاديث الدالة على امتناع دخول الملائكة البيت الذي فيه الصور، وأن المراد بها الصور الممتهنة في الوسائد والبسط ونحوها، أو مقطوعة الرأس، والله ولي التوفيق. جمع العلماء بين الأحاديث في الصور بما يزيل الإشكال وقد جمع الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح والنووي في شرح مسلم بين الأحاديث بما ذكرته آنفا، وأنا أنقل لك أيها القارئ كلامهما وبعض كلام غيرهما في هذه المسألة ليتضح لك الصواب، ويزول عنك الإشكال، والله الهادي إلى إصابة الحق وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال الحافظ في الفتح قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤها وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن. اهـ. وقال الخطابي ﵀ أيضا: إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل. اهـ. وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: (باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه، وأن الملائكة ﵈ لا يدخلون بيتا فيه صورة أو كلب) .

стр. 1189

قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهات لخلق الله سواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجرة ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير. وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان. فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام. وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام. إلى أن قال: لا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. اهـ.

стр. 1190

قال الحافظ بعد ذكره لملخص كلام النووي هذا قلت: ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها (١) » أي طمسها، الحديث. وفيه «من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢) » اهـ. قلت: وقد سبق أن النبي ﷺ محى الصور التي في جدران الكعبة وهي لا ظل لها. وخرج مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٣) » . وهذا يعم الصور التي لها ظل والتي لا ظل لها. والأمر في ذلك واضح لا غبار عليه، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به ونسأله تعالى لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع الدعاء. وأما التلفزيون فهو آلة خطيرة وأضرارها عظيمة كالسينما أو أشد، وقد علمنا عنه من الرسائل المؤلفة في شأنه ومن كلام العارفين به في البلاد العربية وغيرها ما يدل على خطورته وكثرة أضراره بالعقيدة والأخلاق وأحوال المجتمع، وما ذلك إلا لما يبث فيه من تمثيل الأخلاق السافلة، والمرائي الفاتنة والصور الخليعة، وشبه العاريات والخطب الهدامة، والمقالات الكفرية، والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم وتعظيم كبرائهم وزعمائهم والزهد في أخلاق المسلمين وأزيائهم، والاحتقار لعلماء المسلمين وأبطال

стр. 1191

الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم والمقتضية لاحتقارهم والإعراض عن سيرتهم، وبيان طرق المكر والاحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس. ولا شك أن ما كان بهذه المثابة وترتبت عليه هذه المفاسد يجب منعه والحذر منه وسد الأبواب المفضية إليه، فإذا أنكره الإخوان المتطوعون وحذروا منه فلا لوم عليهم في ذلك لأن ذلك من النصح لله ولعباده. ومن ظن أن هذه الآلة تسلم من هذه الشرور ولا يبث فيها إلا الصالح العام إذا روقبت فقد أبعد النجعة وغلط غلطا كبيرا؛ لأن الرقيب يغفل، ولأن الغالب على الناس اليوم هو التقليد للخارج والتأسي بما يفعل فيه، ولأنه قل أن توجد رقابة تؤدي ما أسند إليها، ولا سيما في هذا العصر الذي مال فيه أكثر الناس إلى اللهو والباطل، وإلى ما يصد عن الهدى، والواقع شاهد بذلك كما في الإذاعة والتلفزيون في بعض الجهات فكلاهما لم يراقب الرقابة الكافية المانعة من أضرارهما، ونسأل الله أن يوفق حكومتنا لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يصلح لها البطانة وأن يعينها على إحكام الرقابة على هذه الوسائل حتى لا يبث منها إلا ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم. . إنه جواد كريم. وهذا آخر ما أردنا التنبيه عليه من أخطاء الكاتب نصحا لله ولعباده، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا والكاتب وسائر المسلمين للتفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح أمر ديننا ودنيانا إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 1192

حكم الإسلام فيمن أنكر تعدد الزوجات بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. اطلعت على ما نشرته صحيفة اليمامة في عددها الصادر في ١٨ \ ٣ \ ١٣٨٥ هـ تحت عنوان حول مشكلة الأسبوع، وقرأت ما كتبه الأستاذ ناصر بن عبد الله في حل مشكلة الأخت في الله م ع ل المنوه عنها في العدد الصادر في ١١ \ ٣ \ ١٣٨٥ هـ تحت عنوان: خذيني إلى النور وقرأت أيضا ما كتبه ابن السراة في حل المشكلة ذاتها فألفيت ما كتبه الأستاذ ناصر حلا جيدا مطابقا للحق ينبغي للأخت صاحبة المشكلة أن تأخذ به وأن تلزم الأخلاق الفاضلة والأدب الصالح، والصبر الجميل وبذلك تتغلب على جميع الصعوبات وتحمد العاقبة. وإذا كان الضرر الذي تشكو منه من جهة الزوج وعدم عدله فلتطلب منه إصلاح السيرة بلطف وإحسان وصبر جميل، وبذلك نرجو أن تدرك مطلوبها وبقاؤها في البيت عنده أقرب إلى العدل إن شاء الله. أما إن كان الضرر من الضرة، فالواجب على الزوج أن يمنع ضرر الضرة أو يسكن صاحبة المشكلة في بيت وحدها ويقوم بما يلزم لها من النفقة، وإيجاد مؤنسة إذا كانت لا تستطيع البقاء في البيت وحدها، والواجب عليه أن ينصف من نفسه، وأن يتحرى العدل ويبتعد عن جميع أنواع الضرر فإن لم يقم بذلك ولم تجد في أقاربه وأصدقائه من يحل المشكلة فليس أمامها سوى رفع أمره إلى المحكمة.

стр. 1193

وينبغي لها قبل ذلك أن تضرع إلى الله سبحانه وتسأله بصدق أن يفرج كربتها ويسهل أمرها ويهدي زوجها وضرتها للحق والإنصاف. وعليها أيضا أن تحاسب نفسها وأن تستقيم على طاعة ربها وأن تتوب إليه سبحانه من تقصيرها في حقه وحق زوجها، فإن العبد لا يصيبه مصيبة إلا بما كسب من سيئات، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢) وأما حل ابن السراة للمشكلة فهو حل صادر من جاهل بالشريعة وأحكامها وهو في أشد الحاجة إلى أن يؤخذ إلى النور ويوجه إلى الحق؛ لأنه قد وقع فيما هو أشد خطورة وأكثر ظلمة مما وقعت فيه صاحبة المشكلة وما ذاك إلا لأنه عاب تعدد الزوجات. وزعم أنه داء خطير يجب أن نحاربه بكل وسيلة من شأنها الحد من تفشي هذا الداء العضال الذي يهدد استقرار مجتمعنا وأهاب بالحكومة إلى منعه. وزعم أيضا أن الذي يسعى في تعدد الزوجات جاهل يجب علينا أن نتعاون على الحيلولة دون تحقيق رغباته الحيوانية واستئصال هذا الداء من شأفته. وزعم أيضا أنه ما دخل التعدد في أسرة إلا وشتت شملها وأقض مضجعها. . إلخ. وأقول إن هذا الكلام لا يصدر من شخص يؤمن بالله واليوم الآخر،

стр. 1194

ويعلم أن الكتاب العزيز والسنة المطهرة جاءا بالتعداد وأجمع المسلمون على حله، فكيف يجوز لمسلم أن يعيب ما نص الكتاب العزيز على حله بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) الآية. فقد شرع الله لعباده في هذه الآية أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع بشرط العدل، وهذا الجاهل يزعم أنه داء خطير ومرض عضال مشتت للأسرة ومقض للمضاجع يجب أن يحارب، ويزعم أن الراغب فيه مشبه للحيوان. وهذا كلام شنيع يقتضي التنقص لكل من جمع بين زوجتين فأكثر، وعلى رأسهم سيد الثقلين محمد ﷺ . فقد جمع ﷺ بين تسع من النساء ونفع الله بهن الأمة وحملن إليها علوما نافعة وأخلاقا كريمة وآدابا صالحة. وكذلك النبيان الكريمان داود وسليمان ﵉ فقد جمعا بين عدد كثير من النساء بإذن الله وتشريعه. وجمع كثير من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان. وفي تعدد النساء مع تحري العدل مصالح كثيرة وفوائد جمة منها عفة الرجل وإعفافه عددا من النساء. ومنها كفايته لهن وقيامه بمصالحهن. ومنها كثرة النسل الذي يترتب عليه كثرة الأمة وقوتها وكثرة من يعبد الله. ومنها مباهاة النبي ﷺ بهم الأمم يوم القيامة.

стр. 1195

إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي يعرفها من يعظم الشريعة وينظر في محاسنها وحكمها وأسرارها وشدة حاجة العباد إليها بعين الرضا والمحبة والتعظيم والبصيرة. أما الجاهل الذي ينظر إلى الشريعة بمنظار أسود وينظر إلى الغرب والشرق بكل عينيه معظما مستحسنا كل ما جاء منهما، فمثل هذا بعيد عن معرفة محاسن الشريعة وحكمها وفوائدها ورعايتها لمصالح العباد رجالا ونساء. وقد كان التعدد معروفا في الأمم الماضية ذوات الحضارة وفي الجاهلية بين العرب قبل الإسلام، فجاء الإسلام وحدد من ذلك وقصر المسلمين على أربع، وأباح للرسول ﷺ أكثر من ذلك لحكم وأسرار ومصالح اقتضت تخصيصه ﷺ بالزيادة على أربع وقد قصره الله على تسع كما في سورة الأحزاب. وقد ذكر علماء الإسلام أن تعدد الزوجات من محاسن الشريعة الإسلامية ومن رعايتها لمصالح المجتمع وعلاج مشاكله. ولولا ضيق المجال وخوف الإطالة لنقلت لك أيها القارئ شيئا من كلامهم لتزداد علما وبصيرة. وقد تنبه بعض أعداء الإسلام لهذا الأمر واعترفوا بحسن ما جاءت به الشريعة في هذه المسألة رغم عداوتهم لها إقرارا بالحق واضطرارا للاعتراف به. وأنا أنقل لك بعض ما اطلعت عليه من ذلك وإن كان في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام علماء الإسلام ما يشفي ويغني عن كلام كتاب أعداء الإسلام، ولكن بعض الناس قد ينتفع من كلامهم أكثر مما
следующие страницы →