← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم والمقتضية لاحتقارهم والإعراض عن سيرتهم، وبيان طرق المكر والاحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس. ولا شك أن ما كان بهذه المثابة وترتبت عليه هذه المفاسد يجب منعه والحذر منه وسد الأبواب المفضية إليه، فإذا أنكره الإخوان المتطوعون وحذروا منه فلا لوم عليهم في ذلك لأن ذلك من النصح لله ولعباده. ومن ظن أن هذه الآلة تسلم من هذه الشرور ولا يبث فيها إلا الصالح العام إذا روقبت فقد أبعد النجعة وغلط غلطا كبيرا؛ لأن الرقيب يغفل، ولأن الغالب على الناس اليوم هو التقليد للخارج والتأسي بما يفعل فيه، ولأنه قل أن توجد رقابة تؤدي ما أسند إليها، ولا سيما في هذا العصر الذي مال فيه أكثر الناس إلى اللهو والباطل، وإلى ما يصد عن الهدى، والواقع شاهد بذلك كما في الإذاعة والتلفزيون في بعض الجهات فكلاهما لم يراقب الرقابة الكافية المانعة من أضرارهما، ونسأل الله أن يوفق حكومتنا لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يصلح لها البطانة وأن يعينها على إحكام الرقابة على هذه الوسائل حتى لا يبث منها إلا ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم. . إنه جواد كريم. وهذا آخر ما أردنا التنبيه عليه من أخطاء الكاتب نصحا لله ولعباده، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا والكاتب وسائر المسلمين للتفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح أمر ديننا ودنيانا إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 1192

حكم الإسلام فيمن أنكر تعدد الزوجات بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. اطلعت على ما نشرته صحيفة اليمامة في عددها الصادر في ١٨ \ ٣ \ ١٣٨٥ هـ تحت عنوان حول مشكلة الأسبوع، وقرأت ما كتبه الأستاذ ناصر بن عبد الله في حل مشكلة الأخت في الله م ع ل المنوه عنها في العدد الصادر في ١١ \ ٣ \ ١٣٨٥ هـ تحت عنوان: خذيني إلى النور وقرأت أيضا ما كتبه ابن السراة في حل المشكلة ذاتها فألفيت ما كتبه الأستاذ ناصر حلا جيدا مطابقا للحق ينبغي للأخت صاحبة المشكلة أن تأخذ به وأن تلزم الأخلاق الفاضلة والأدب الصالح، والصبر الجميل وبذلك تتغلب على جميع الصعوبات وتحمد العاقبة. وإذا كان الضرر الذي تشكو منه من جهة الزوج وعدم عدله فلتطلب منه إصلاح السيرة بلطف وإحسان وصبر جميل، وبذلك نرجو أن تدرك مطلوبها وبقاؤها في البيت عنده أقرب إلى العدل إن شاء الله. أما إن كان الضرر من الضرة، فالواجب على الزوج أن يمنع ضرر الضرة أو يسكن صاحبة المشكلة في بيت وحدها ويقوم بما يلزم لها من النفقة، وإيجاد مؤنسة إذا كانت لا تستطيع البقاء في البيت وحدها، والواجب عليه أن ينصف من نفسه، وأن يتحرى العدل ويبتعد عن جميع أنواع الضرر فإن لم يقم بذلك ولم تجد في أقاربه وأصدقائه من يحل المشكلة فليس أمامها سوى رفع أمره إلى المحكمة.

стр. 1193

وينبغي لها قبل ذلك أن تضرع إلى الله سبحانه وتسأله بصدق أن يفرج كربتها ويسهل أمرها ويهدي زوجها وضرتها للحق والإنصاف. وعليها أيضا أن تحاسب نفسها وأن تستقيم على طاعة ربها وأن تتوب إليه سبحانه من تقصيرها في حقه وحق زوجها، فإن العبد لا يصيبه مصيبة إلا بما كسب من سيئات، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢) وأما حل ابن السراة للمشكلة فهو حل صادر من جاهل بالشريعة وأحكامها وهو في أشد الحاجة إلى أن يؤخذ إلى النور ويوجه إلى الحق؛ لأنه قد وقع فيما هو أشد خطورة وأكثر ظلمة مما وقعت فيه صاحبة المشكلة وما ذاك إلا لأنه عاب تعدد الزوجات. وزعم أنه داء خطير يجب أن نحاربه بكل وسيلة من شأنها الحد من تفشي هذا الداء العضال الذي يهدد استقرار مجتمعنا وأهاب بالحكومة إلى منعه. وزعم أيضا أن الذي يسعى في تعدد الزوجات جاهل يجب علينا أن نتعاون على الحيلولة دون تحقيق رغباته الحيوانية واستئصال هذا الداء من شأفته. وزعم أيضا أنه ما دخل التعدد في أسرة إلا وشتت شملها وأقض مضجعها. . إلخ. وأقول إن هذا الكلام لا يصدر من شخص يؤمن بالله واليوم الآخر،

стр. 1194

ويعلم أن الكتاب العزيز والسنة المطهرة جاءا بالتعداد وأجمع المسلمون على حله، فكيف يجوز لمسلم أن يعيب ما نص الكتاب العزيز على حله بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) الآية. فقد شرع الله لعباده في هذه الآية أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع بشرط العدل، وهذا الجاهل يزعم أنه داء خطير ومرض عضال مشتت للأسرة ومقض للمضاجع يجب أن يحارب، ويزعم أن الراغب فيه مشبه للحيوان. وهذا كلام شنيع يقتضي التنقص لكل من جمع بين زوجتين فأكثر، وعلى رأسهم سيد الثقلين محمد ﷺ . فقد جمع ﷺ بين تسع من النساء ونفع الله بهن الأمة وحملن إليها علوما نافعة وأخلاقا كريمة وآدابا صالحة. وكذلك النبيان الكريمان داود وسليمان ﵉ فقد جمعا بين عدد كثير من النساء بإذن الله وتشريعه. وجمع كثير من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان. وفي تعدد النساء مع تحري العدل مصالح كثيرة وفوائد جمة منها عفة الرجل وإعفافه عددا من النساء. ومنها كفايته لهن وقيامه بمصالحهن. ومنها كثرة النسل الذي يترتب عليه كثرة الأمة وقوتها وكثرة من يعبد الله. ومنها مباهاة النبي ﷺ بهم الأمم يوم القيامة.

стр. 1195

إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي يعرفها من يعظم الشريعة وينظر في محاسنها وحكمها وأسرارها وشدة حاجة العباد إليها بعين الرضا والمحبة والتعظيم والبصيرة. أما الجاهل الذي ينظر إلى الشريعة بمنظار أسود وينظر إلى الغرب والشرق بكل عينيه معظما مستحسنا كل ما جاء منهما، فمثل هذا بعيد عن معرفة محاسن الشريعة وحكمها وفوائدها ورعايتها لمصالح العباد رجالا ونساء. وقد كان التعدد معروفا في الأمم الماضية ذوات الحضارة وفي الجاهلية بين العرب قبل الإسلام، فجاء الإسلام وحدد من ذلك وقصر المسلمين على أربع، وأباح للرسول ﷺ أكثر من ذلك لحكم وأسرار ومصالح اقتضت تخصيصه ﷺ بالزيادة على أربع وقد قصره الله على تسع كما في سورة الأحزاب. وقد ذكر علماء الإسلام أن تعدد الزوجات من محاسن الشريعة الإسلامية ومن رعايتها لمصالح المجتمع وعلاج مشاكله. ولولا ضيق المجال وخوف الإطالة لنقلت لك أيها القارئ شيئا من كلامهم لتزداد علما وبصيرة. وقد تنبه بعض أعداء الإسلام لهذا الأمر واعترفوا بحسن ما جاءت به الشريعة في هذه المسألة رغم عداوتهم لها إقرارا بالحق واضطرارا للاعتراف به. وأنا أنقل لك بعض ما اطلعت عليه من ذلك وإن كان في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام علماء الإسلام ما يشفي ويغني عن كلام كتاب أعداء الإسلام، ولكن بعض الناس قد ينتفع من كلامهم أكثر مما

стр. 1196

ينتفع من كلام علماء الإسلام بل أكثر مما ينتفع من الآيات والأحاديث، وما ذاك إلا لما قد وقع في قلبه من تعظيم الغرب وما جاء عنه، فلذلك رأيت أن أذكر هنا بعض ما اطلعت عليه من كلام كتاب وكاتبات الغرب. قال في المنار جزء ٤ صفحة ٣٦٠ منه نقلا عن جريدة (لندن ثروت) بقلم بعض الكتاب ما ترجمته ملخصا (لقد كثرت الشاردات من بناتنا وعم البلاء، وقل الباحثون عن أسباب ذلك، وإذ كنت امرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحبا، وماذا عسى يفيدهن بشيء حزني ووجعي وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعا، إذ لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة. ولله در العالم (توس) فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكافل للشفاء وهو الإباحة للرجل التزوج بأكثر من واحدة، وبهذه الوساطة يزول البلاء لا محالة وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة. أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلا وعالة وعارا في المجتمع الإنساني، فلو كان تعدد الزوجات مباحا لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن، فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار. ألم تروا أن حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل وعليه ما ليس عليها، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين.

стр. 1197

ونقل في صفحة ٣٦٢ عن كاتبة أخرى أنها قالت: لأن تشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة حيث الخادمة والرقيق تنعمان بأرغد عيش ويعاملان كما يعامل أولاد البيت، ولا تمس الأعراض بسوء. نعم إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطة الرجال. فما بالنا لا نسعى وراءها بجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها. اهـ. وقال غيره، قال (غوستاف لوبون) : إن نظام تعدد الزوجات نظام حسن يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه ويزيد الأسر ارتباطا ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تجدهما في أوربا. ويقول برناردشو الكاتب: (إن أوربا ستضطر إلى الرجوع إلى الإسلام قبل نهاية القرن العشرين شاءت أم أبت) . هذا بعض ما اطلعت عليه من كلام أعداء الإسلام في محاسن الإسلام وتعدد الزوجات وفيه عظة لكل ذي لب، والله المستعان. أما حكم ابن السراة فلا شك أن الذي قاله في تعدد النساء تنقص للإسلام وعيب للشريعة الكاملة واستهزاء بها وبالرسول ﷺ ، وذلك من نواقض الإسلام، فالواجب على ولاة الأمور استتابته عما قال، فإن تاب وأعلن توبته في الصحيفة التي أعلن فيها ما أوجب كفره فالحمد لله. ويجب مع ذلك أن يؤدب بما يردعه وأمثاله.

стр. 1198

وإن لم يتب، وجب أن يقتل مرتدا ويكون ماله فيئا لبيت المال لا يرثه أقاربه. قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) وقال تعالى في حق الكفرة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣) فنبه سبحانه عباده إلى أن من استهزأ بدينه، أو كره ما أنزل كفر وحبط عمله. وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤) ولا ريب أن ابن السراة قد كره ما أنزل الله من إباحة تعدد النساء، وعاب ذلك، وزعم أنه داء عضال فيدخل في حكم هذه الآيات، والأدلة على هذا المعنى كثيرة. ونسأل الله أن يهدينا وسائر المسلمين لمحبة ما شرعه لعباده والتمسك به، والحذر مما خالفه، وأن ينصر دينه وحزبه، ويخذل الباطل وأهله إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 1199

نصيحة عامة حول بعض كبائر الذنوب من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه ويطلع عليه من إخواني المسلمين وفقني الله وإياهم لما يرضيه وجنبني وإياهم مساخطه ومعاصيه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد. فإن وصيتي لكل مسلم تقوى الله في جميع الأحوال وأن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير بين الناس قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢) وقال ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (٣) » . وهناك أشياء قد يجرها الكلام ينبغي التنبيه عليها والتحذير منها لكونها من الكبائر التي توجب غضب الله وأليم عقابه، وقد فشت في بعض المجتمعات من هذه الأشياء: ١ - الغيبة: وهي ذكرك أخاك بما يكره لو بلغه ذلك سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو في دينه أو دنياه بل وحتى في ثوبه

стр. 1200

وداره ودابته. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته (١) » رواه مسلم. والغيبة محرمة لأي سبب من الأسباب سواء كانت لشفاء غيظ أو مجاملة للجلساء ومساعدتهم على الكلام أو لإرادة التصنع أو الحسد أو اللعب أو الهزل وتمشية الوقت فيذكر عيوب غيره بما يضحك. وقد نهى الله عنها وحذر منها عباده في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٣) » رواه مسلم. وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت (٤) » رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أربأ الربا استطالة المرء في عرض أخيه (٥) » رواه البزار وأبو داود. والأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ في تحريم الغيبة وذمها، والتحذير منها كثيرة جدا. ٢ - مما ينبغي اجتنابه والابتعاد عنه والتحذير منه (النميمة) التي هي نقل الكلام من شخص إلى آخر. أو من جماعة إلى جماعة. أو من قبيلة إلى قبيلة

стр. 1201

لقصد الإفساد والوقيعة بينهم وهي كشف ما يكره كشفه سواء أكره المنقول عنه أو المنقول إليه. أو كره ثالث، وسواء أكان ذلك الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز أو بالإيماء، وسواء أكان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان ذلك عيبا أو نقصا في المنقول عنه أو لم يكن. فيجب أن يسكت الإنسان عن كل ما يراه من أحوال الناس إلا ما في حكايته منفعة لمسلم أو دفع لشر. والباعث على النميمة إما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكي عليه أو الاستمتاع بالحديث والخوض في الفضول والباطل وكل هذا حرام، وكل من حملت إليه النميمة بأي نوع من أنواعها يجب عليه عدم التصديق؛ لأن النمام يعتبر فاسقا مردود الشهادة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (١) وعليه أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) وأن يبغضه في الله وألا يظن بأخيه المنقول عنه السوء بل يظن به خيرا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣) ولقول النبي ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (٤) » متفق على صحته. وعليه ألا يتجسس على من حكي له عنه وألا يرضى لنفسه ما نهى عنه النمام فيحكي النميمة التي وصلته. وأدلة تحريم النميمة كثيرة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٥) ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (٧)

стр. 1202

وعن حذيفة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام (١) » متفق عليه. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس (٢) » رواه مسلم. والنميمة من الأسباب التي توجب عذاب القبر لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى. كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة (٣) » متفق عليه. وإنما حرمت الغيبة والنميمة لما فيهما من السعي بالإفساد بين الناس وإيجاد الشقاق والفوضى وإيقاد نار العداوة والغل والحسد والنفاق وإزالة كل مودة وإماتة كل محبة بالتفريق والخصام والتنافر بين الأخوة المتصافين، ولما فيهما أيضا من الكذب والغدر والخيانة والخديعة وكيل التهم جزافا للأبرياء وإرخاء العنان للسب والشتائم وذكر القبائح، ولأنهما من عناوين الجبن والدناءة والضعف، هذا إضافة إلى أن أصحابهما يتحملون ذنوبا كثيرة تجر إلى غضب الله وسخطه وأليم عقابه. ٣ - ومما يجب اجتنابه والبعد عنه الخصلة الذميمة ألا وهي الحسد، وهي أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن أخيه في الله سبحانه سواء أكانت نعمة دين أو دنيا. وهذا اعتراض على ما قضاه الله وقسمه بين عباده وتفضل به عليهم، وظلم من الحاسد لنفسه فينقص إيمانه بذلك ويجلب المصائب والهموم لنفسه ويفتك بها فتكا ذريعا. قال الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ولا يبع

стр. 1203

بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا (١) » رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أيضا أن النبي ﷺ قال: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (٢) » رواه أبو داود. ٤ - كما أنه ينبغي الابتعاد عن الظلم وهو الجور ووضع الشيء في غير موضعه الشرعي، وأكبره الشرك بالله ومبارزته بالمخالفة والمعصية قال الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) وقال : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤) وكذا أخذ مال الغير بغير حق أو اغتصاب شيء من أرضه أو الاعتداء عليه وهو أيضا كبيرة من الكبائر ومعصية لله، وهو والعياذ بالله ناشئ عن ظلمة في القلب لأنه لو استنار قلبه بنور الهدى لاعتبر قال الله : ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٨) وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا (٩) » الحديث. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة (١٠) » الحديث. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله

стр. 1204

عنهما أن النبي ﷺ قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه (١) » متفق عليه. وهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على وجوب الحذر من الظلم في الأنفس والأعراض والأموال لما في ذلك من الشر العظيم والفساد الكبير والعواقب الوخيمة، كما تدل على وجوب التوبة إلى الله سبحانه مما سلف من ذلك والتواصي بترك ما حرم الله من الظلم وغيره من سائر المعاصي. وفقني الله وإياكم لمحاسن الأخلاق وصالح الأعمال وجنبنا مساوئ الأخلاق ومنكرات الأعمال وهدانا صراطه المستقيم إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1205

نصيحة عامة لحكام المسلمين وشعوبهم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. أما بعد: فإني أوصي إخواني المسلمين في كل مكان حكومات وشعوبا بتقوى الله سبحانه في جميع الأمور لأنها وصية الله سبحانه ووصية رسوله الأمين ﵊ كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢) الآية، وكان النبي ﷺ يوصي أمته في خطبه بتقوى الله، والتقوى كلمة جامعة تجمع الدين كله وتشمل العناية بمصالح الدنيا والآخرة، وهي الدين كله وهي البر وهي الإيمان والإسلام والهدى والصلاح، وسمى الله سبحانه دينه تقوى لأن من استقام عليه وحافظ عليه وقاه الله شر الدنيا والآخرة، وأهم التقوى إخلاص العبادة لله وحده، والصدق في متابعة رسوله ﷺ وتحكيم شريعته في جميع الأمور والحذر مما يخالفها كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) الآية، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦) ولا يخفى على ذوي الألباب أن في تحكيم الشريعة صلاح أمر الدنيا والآخرة، كما أن فيه جمع الكلمة على الحق، والقضاء على

стр. 1206

الفساد، ومن أهم التقوى التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه واتحاد العلماء واجتماع كلمتهم على الحق، وإرشادهم العامة إلى أسباب النجاة وتحذيرهم من أسباب الهلاك ومناصحتهم لولاة الأمور وإعانتهم على الخير كما قال النبي ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (١) » ، كما أوصي الجميع بالحذر من جميع أنواع الشرك والبدع والمعاصي لأن ظهورها في المجتمع سبب لهلاك الجميع، والحذر منها والتواصي بتركها من أعظم أسباب النجاة، ولا صلاح للمجتمع الإسلامي إلا بالتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه هي أخلاق المؤمنين وصفاتهم كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٣) » ، وقال ﵊: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) » خرجهما الإمام مسلم في صحيحه، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع إخواننا وجميع المسلمين في كل مكان لما فيه رضاه وصلاح عباده، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يمن على الجميع بالفقه في دينه والثبات عليه والدعوة إليه على بصيرة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

стр. 1207

نصيحة عامة للمسلمين (١) من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من إخواننا المسلمين سلك الله بي وبهم سبيل عباده المؤمنين، ووفقني وإياهم للتمسك بالحق والفقه في الدين، وأعاذني وإياهم من طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فالموجب لهذا هو النصيحة والتذكير عملا بقوله سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) » وقوله ﵇: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه (٥) » وقوله ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٦) » إذا عرف ذلك فلا يخفى عليكم ما قد أصاب المسلمين من الغفلة والإعراض عما خلقوا له، وإقبال أكثرهم على عمارة الدنيا والتمتع بشهواتها وإشغال الأوقات بوسائل الحياة فيها ونسيان الآخرة والاستعداد لها حتى أفضى بهم ذلك إلى ما قد وقع من التفرق والاختلاف والشحناء والتباغض والموالاة والمعاداة لأجل الدنيا

стр. 1208

وحظوظها العاجلة وعدم رفع الرأس بأمر الآخرة والتزود لها، فنتج عن ذلك أنواع من الشرور منها مرض القلوب وموت الكثير منها؛ لأن حياة القلوب وصحتها بذكر الله والاستعداد للقائه والاستقامة على أمره وخشيته ومحبته والخوف منه والرغبة فيما عنده، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (٣) فحياة القلوب وصحتها ونورها وإشراقها وقوتها وثباتها على حسب إيمانها بالله ومحبتها له وشوقها إلى لقائه وطاعتها له ولرسوله، وموتها ومرضها وظلمتها وحيرتها على حسب جهلها بالله وبحقه وبعدها عن طاعته وطاعة رسوله وإعراضها عن ذكره وتلاوة كتابه. وبسبب ذلك يستولي الشيطان على القلوب فيعدها ويمنيها ويبذر فيها البذور الضارة التي تقضي على حياتها ونورها وتبعدها من كل خير وتسوقها إلى كل شر كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٤) ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٧)

стр. 1209

وقال تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١) فالواجب علينا جميعا هو التوبة إلى الله سبحانه والإنابة إليه، وعمارة القلوب بمحبته وخشيته وخوفه ورجائه والشوق إليه والإقبال على طاعته وطاعة رسوله، والحب في ذلك والبغض فيه وموالاة المؤمنين ومحبتهم ومساعدتهم على الحق وبغض الكافرين والمنافقين ومعاداتهم والحذر من خداعهم ومكرهم والركون إليهم ومد النظر إلى ما متعوا به من زهرة الدنيا الزائلة عن قريب، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (٢) ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٣) ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (٤) ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥) ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٩) وفي الحديث عنه

стр. 1210

صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله (١) » ، وجاء عنه ﷺ أنه قال: «من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان (٢) » ، ومتى أناب العباد إلى ربهم وتابوا إليه من سالف ذنوبهم واستقاموا على طاعته وطاعة رسوله، جمع الله قلوبهم وشملهم على الهدى ونصرهم على الأعداء وأعطاهم ما يحبون وصرف عنهم ما يكرهون وجعل لهم العزة والكرامة في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٤) ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٥) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٨) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٩) والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وإني أنصحكم وأوصيكم ونفسي بأمور: الأمر الأول: النظر والتفكر في الأمر الذي خلقنا لأجله قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (١٠) وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١١) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١٢) وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١٣)

стр. 1211

أي مهملا لا يؤمر ولا ينهى، ولا شك أن كل مسلم يعلم أنه لم يخلق عبثا بل خلق لعبادة الله وحده وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقد أمر الله سبحانه جميع الثقلين بما خلقهم لأجله وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان ذلك والدعوة إليه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦) فالواجب على من نصح نفسه أن يهتم بالأمر الذي خلق لأجله أعظم اهتمام وأن يقدمه على كل شيء، وأن يحذر من إيثار الدنيا على الآخرة وتقديم الهوى على الهدى وطاعة النفس والشيطان على طاعة الملك الرحمن، وقد حذر الله عباده من ذلك أشد تحذير فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ (٧) ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٨) ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٩) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (١٠) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (١١)

стр. 1212

الأمر الثاني: في الأمور التي أوصيكم ونفسي بها هو الإقبال على تلاوة القرآن العظيم والإكثار منها ليلا ونهارا مع التدبر والتفكر والتعقل لمعانيه العظيمة المطهرة للقلوب المحذرة من متابعة الهوى والشيطان، فإن الله سبحانه أنزل القرآن هداية وموعظة وبشيرا ونذيرا ومعلما ومرشدا ورحمة لجميع العباد، فمن تمسك به واهتدى بهداه فهو السعيد الناجي ومن أعرض عنه فهو الشقي الهالك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٤) وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به (٥) » فحث على كتاب الله ورغب فيه، وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (٦) » ، وقال ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٧) » وقال ﷺ لأصحابه: «أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم أو قطع رحم؟ فقالوا: كلنا يا رسول الله نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين في كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (٨) » . وكل هذه الأحاديث أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ . والآيات والأحاديث في فضل القرآن والترغيب في تلاوته وتعلمه وتعليمه كثيرة معلومة. والمقصود من التلاوة هو التدبر والتعقل للمعاني ثم العمل بمقتضى ذلك كما قال تعالى:

стр. 1213

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) فبادروا - رحمكم الله - إلى تلاوة كتاب ربكم وتدبر معانيه وعمارة الأوقات والمجالس بذلك. والقرآن الكريم هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم الذي من تمسك به وصل إلى الله وإلى دار كرامته ومن أعرض عنه شقي في الدنيا والآخرة. واحذروا - رحمكم الله - ما يصدكم عن كتاب الله ويشغلكم عن ذكره من الصحف والمجلات وما أشبهها من الكتب التي ضررها أكثر من نفعها. وما دعته الحاجة إلى مطالعة شيء من ذلك فليجعل لذلك وقتا مخصوصا، وليقتصر على قدر الحاجة وليجعل لتلاوة كتاب الله وسماعه ممن يتلوه وقتا مخصوصا يستمع فيه كلام ربه، ويداوي بذلك أمراض قلبه ويستعين به على طاعة خالقه ومربيه المالك للضر والنفع والعطاء والمنع لا إله غيره ولا رب سواه. ومما ينبغي الحذر منه حضور مجالس اللهو والغناء وسماع الإذاعات الضارة ومجالس القيل والقال والخوض في أعراض الناس. وأشد من ذلك وأضر حضور مجالس السينما وأشباهها ومشاهدة الأفلام الخليعة الممرضة للقلوب الصادة عن ذكر الله وتلاوة كتابه، الباعثة على اعتناق الأخلاق الرذيلة وهجر الأخلاق الحميدة، إنها والله من أشد آلات اللهو ضررا وأعظمها قبحا وأخبثها عاقبة فاحذروها - رحمكم الله - واحذروا مجالسة أهلها والرضى بعملهم القبيح. ومن دعا الناس إليها فعليه إثمها ومثل آثام من ضل بها، وهكذا كل من دعا إلى باطل أو زهد في حق يكون عليه إثم ذلك ومثل آثام من تبعه على ذلك. وقد صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ ، ونسأل الله أن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم إنه سميع قريب.

стр. 1214

الأمر الثالث: من الأمور هو تعظيم سنة الرسول ﷺ والرغبة في سماعها والحرص على حضور مجالس الذكر التي يتلى فيها كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ ، فإن السنة هي شقيقة القرآن وهي المفسرة لمعانيه والموضحة لأحكامه الدالة على تفاصيل ما شرعه الله لعباده. فيجب على كل مسلم أن يعظم أحاديث الرسول ﷺ وأن يحرص على حفظ وفهم ما تيسر منها، وينبغي له أن يكثر من مجالسة أهلها فإنهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قيل: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر (٣) » . قال أهل العلم حلق الذكر هي المجالس التي يتلى فيها كتاب الله وأحاديث رسوله ﵇ ويبين فيها ما أحل الله لعباده وما حرمه عليهم وما يتصل بذلك من تفاصيل أحكام الشريعة وبيان أنواعها ومتعلقاتها. فاغتنموا - رحمكم الله - حضور مجالس الذكر وعظموا القرآن والأحاديث واعملوا بما تستفيدون منها واسألوا عما أشكل عليكم لتعرفوا الحق بدليله فتعملوا به وتعرفوا الباطل بدليله فتحذروه وتكونوا بذلك من الفقهاء في الدين. وقد قال النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » وقال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٥) » وقال ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٦) » . والله المسئول أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه وأن يمن على الجميع

стр. 1215

بالفقه في الدين والقيام بحق رب العالمين وأن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يعيذنا وإياكم من مضلات الفتن ومكائد الشيطان إنه سميع الدعاء قريب الإجابة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1216

نصيحة عامة (أ) (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من إخواننا المسلمين سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان وأعاذني وإياهم من مضلات الفتن ونزغات الشيطان آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فالموجب لهذا هو النصيحة والتذكير عملا بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) » . إذا علمتم هذا فالذي أوصيكم به ونفسي تقوى الله سبحانه وخشيته في السر والعلانية، والتقوى هي وصية الله ووصية رسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٥) وقال النبي ﷺ في خطبته: «أوصيكم بتقوى الله (٦) » وقد أمر الله عباده بالتقوى ووعدهم عليها مغفرة الذنوب وتفريج الكروب وتيسير الأمور والرزق الطيب من حيث لا يحتسبون قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٧) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٨) وقال تعالى:

стр. 1217

﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) والآيات في الأمر بالتقوى والحث عليها وبيان ما أعد الله للمتقين من الخير العظيم في الدنيا والآخرة كثيرة معلومة، والتقوى كلمة جامعة للخير كله وحقيقتها فعل ما أوجب الله على عباده من الطاعات واجتناب ما حرم عليهم من المعاصي، والتواصي بذلك والتعاون عليه، فمن فعل ما أوجب الله عليه من الطاعة واجتنب ما حرم عليه من المعصية ابتغاء مرضاة الله وحذرا من عقابه فقد اتقى الله حق تقواه وأفلح كل الفلاح. فالواجب علينا وعليكم يا إخواني تقوى الله سبحانه بفعل أوامره واجتناب نواهيه والتواصي بذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الطاقة. وقد رأيتم وسمعتم ما حصل بسبب الإخلال بالتقوى من قسوة القلوب وكثرة الغفلة عما أوجب الله على عباده وغلاء الأسعار وجدب كثير من البلاد وتأخر نزول الغيث عنها، وليس لذلك دواء إلا الرجوع إلى الله ولزوم تقواه والتوبة إليه من سالف الذنوب والتواصي بذلك، فمتى رجع العباد إلى الله سبحانه وأنابوا إليه واتقوه بفعل أمره وترك نهيه وتابوا إليه من ذنوبهم واستغاثوه وتضرعوا إليه بقلوب خاشعة وألسنة صادقة وخوف ورجاء أعطاهم ما يحبون، وصرف عنهم ما يكرهون وأصلح قلوبهم وأعمالهم كما وعدهم الله بذلك في الآيات المذكورة والأحاديث المعلومة عن النبي ﷺ .

стр. 1218

ويدخل في التقوى أمور أعظمها وأكبرها إخلاص العبادات القولية والفعلية لله فلا يعبد العبد إلا ربه ولا يتوكل إلا عليه ولا يستغيث إلا به ولا يخاف إلا منه ولا يرجو إلا إياه؛ لأن نواصي العباد وأزمة الأمور كلها بيده سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤) ومتى صرف العبد شيئا من العبادة لغير الله فقد أشرك بالله والشرك يحبط العمل ويوجب الخلود في النار قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٦) ومن أعظم التقوى المحافظة على الصلوات الخمس وأداء الرجال لها في الجماعة وإقامتها في المساجد كما شرع الله ذلك على لسان نبيه ﷺ قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٨) وقد وعد الله المحافظين عليها بالفردوس الأعلى والكرامة في الجنات، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٩) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١٠) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١٢) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١٣) وقال تعالى:

стр. 1219

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (٢) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٣) » وقال ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٤) » . وقد علم في الدين أن الصلاة لا يحافظ عليها إلا مؤمن ولا يتخلف عنها إلا منافق، وقد ذم الله أهل النفاق وتوعدهم بالدرك الأسفل من النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٦) فوعدهم النبي ﷺ بتحريق بيوت الذين يتخلفون عن الصلاة في المساجد، وفي المسند عنه ﷺ أنه قال: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم (٧) » وفي صحيح مسلم «أن رجلا أعمى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال ﵇: (هل تسمع النداء بالصلاة؟) قال: نعم، قال: فأجب، وفي لفظ: لا أجد لك رخصة (٨) » وقال ﷺ : «من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر (٩) » فاتقوا الله عباد الله وعظموا الصلاة وأحكموها وحافظوا عليها في المساجد وتواصوا بذلك، وأنكروا على من تخلف عنها لتسلموا جميعا من غضب الله وعقابه وتفوزوا برحمته وكرامته في الدنيا والآخرة. ومن أعظم التقوى أيضا أداء الزكاة التي افترضها الله على عباده الأغنياء في أموالهم وجعلها طهرة لهم وإحسانا ومواساة لإخوانهم الفقراء، وتوعد من بخل بها بالعذاب الأليم، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١٠)

стр. 1220

وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) وقد أخبر النبي ﷺ أن من لم يؤد زكاة ماله عذب به يوم القيامة. فاتقوا الله عباد الله وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم رجاء ثواب الله سبحانه وحذرا من عقابه وشكرا له على نعمه ورحمة لإخوانكم الفقراء وأبشروا بالخلف والأجر الجزيل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٤) وأكثروا من صلاة النافلة وصدقة التطوع لأن النوافل تكمل بها الفرائض وتضاعف بها الأجور، والصلاة والصدقة من أعظم الأسباب في دفع العقوبات وتكفير السيئات ومضاعفة الحسنات. ومن أعظم التقوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام للدين وأهله ولا صلاح لهم في معاشهم ومعادهم إلا بالقيام بذلك والتواصي به والصبر على ما فيه من المشقة، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦) وفي هذه الآية

стр. 1221

الدلالة الصريحة على أن العبد لا يكون من المؤمنين على الحقيقة الموعودين بالرحمة والفوز بالجنة إلا إذا اتصف بهذه الخصال المذكورة التي من أهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومتى ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتساكتوا استحقوا المقت من الله واللعنة وحلول العقوبات كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: إلى قوله ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، أو لتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم (٧) » . وصح عنه ﷺ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٨) » وقال ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٩) » . فاتقوا الله عباد الله وخذوا على أيدي سفهائكم وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر

стр. 1222

لتسلموا جميعا من غضب الله وحلول نقمته. ومن أهم ذلك محاسبة كل عبد نفسه وإلزامها بتقوى الله وقيامه على من تحت يده من زوجة وأهل وخادم وإلزامهم بما أوجب الله عليهم وزجرهم عما حرم الله عليهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣) » . ومن المنكرات التي يجب على العباد إنكارها والحذر منها الزنا واللواط والسرقة والظلم والغيبة والنميمة واللعن والسباب والكبر وإسبال الثياب وحلق اللحى وأخذ شيء منها وإطالة الشوارب، وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وأكل الربا وأكل أموال اليتامى وشرب المسكرات والانشغال بآلات اللهو كالسينما والرباب واستماع أصوات المغنيات والمزامير من الراديو وغيره والتهاجر والتقاطع والشحناء لأجل الدنيا وحطامها، والغش وشهادة الزور واليمين الفاجرة والكذب وكثرة الحلف في المعاملات إلى غير ذلك من المنكرات التي نهى الله ورسوله عنها. فالواجب علينا وعليكم يا إخواني اجتناب هذه المنكرات وأشباهها والحذر منها والتحذير منها، والتوبة إلى الله مما سلف منها لتفوزوا بجزيل الثواب وتسلموا من غضب الرب وحلول العقاب. والله المسئول أن يوفقني وإياكم لما يرضيه من القول والعمل وأن يثبتنا جميعا على دينه وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يوفق الله ولاة أمورنا لما يرضيه وأن يصلح بطانتهم وأن ينصر بهم الدين ويقمع بهم المفسدين، إنه سميع الدعاء قريب الإجابة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1223

نصح وتذكير للمرضى بمصح بحنس في لبنان من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من إخواننا المسلمين بمصح بحنس شفاهم الله من أمراض القلوب والأبدان وحبب إلي وإليهم الإيمان وكره إلي وإليهم الكفر والفسوق والعصيان آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: لا يخفى أن الله سبحانه خلق الثقلين لعبادته وهي توحيده في العبادة وطاعة أمره واجتناب ما نهى عنه في كل زمان ومكان، وقد أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الأمر العظيم والدعوة إليه قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٣) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٤) ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) وقال تعالى:

стр. 1224

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالواجب عليكم أن تتقوا الله سبحانه وأن تهتموا بهذا الأمر العظيم وتناصحوا فيه وأن تحذروا التشبه بأعداء الله من النصارى وغيرهم والتخلق بأعمالهم الذميمة. وأهم شيء بعد التوحيد الصلوات الخمس والمحافظة عليها في أوقاتها وملازمة الزي الإسلامي في الرأس واللحية وغير ذلك، والحذر من التشبه بأعداء الله في كل شيء لم يأت به الشرع. فاتقوا الله في ذلك وتعاونوا على البر والتقوى واحذروا وساوس الشيطان وطاعته وطاعة أوليائه الصادين عن كل خير الداعين إلى كل منكر، حماكم الله من شرهم وألهمكم رشدكم وأعاذنا وإياكم من ما يوجب غضبه ونقمته. وقد بلغني عن بعضكم ما أحزن القلب وشوه السمعة من التهاون بالصلاة وحلق اللحى وإطالة الشوارب وشرب الدخان واتخاذ التواليت وعيب من لم يفعل ذلك، وذلك والله عظيم وخطره كبير وربما أفضى بأهله إلى موت القلوب والانسلاخ من الدين، فاتقوا الله في ذلك واستقيموا على شرعه واحذروا معصيته والتشبه بأعدائه لأن ذلك من وسائل زيغ القلوب كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وقد حذر النبي ﷺ من هذه الأخلاق المشار إليها ودل القرآن الكريم على أن التهاون بشأن الصلاة من خصال أهل النفاق. وفي الصحيحين عن النبي

стр. 1225

صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خالفوا المشركين قصوا الشوارب وأعفوا اللحى (١) » وفي بعض الروايات «وأوفوا اللحى (٢) » وفي الصحيحين أيضا «أن النبي ﷺ نهى عن القزع (٣) » وفي رواية أحمد وغيره «احلقه كله أو دعه كله» ، وفي المسند وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم (٤) » . وقد تكاثرت النصوص من القرآن والسنة في الأمر بمخالفة المشركين والتحذير من أخلاقهم لما في التشبه بهم من المضرة العظيمة، وهي أن ذلك وسيلة إلى الرضا بدينهم والزهد في الإسلام وتعاليمه وكراهة الداعين إليه، فاتقوا الله في ذلك واحذروا ما حذركم الله ورسوله منه. وأنتم تشاهدون كثيرا من الأجانب إذا وصلوا بلاد المسلمين يبقون على زيهم الخبيث وأخلاقهم السافلة ولا يتشبهون بأخلاق المسلمين التي جاء بها الشرع، فأنتم أحق وأولى أن تلزموا زيكم وأخلاقكم العالية وإن عابها المشركون عليكم، وفي الحديث «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس (٥) » ، وفي لفظ: «﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا (٦) » ، وفي لفظ: «سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» ، وأما الدخان فخبثه ومضرته وإسكاره لبعض الناس أمر معلوم عند كل من جربه. وقد صرح المحققون من أهل العلم بتحريمه ووجوب تأديب من شربه وقد قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٧) والدخان من الخبائث بإجماع أهل المعرفة به فيكون محرما بنص هذه الآية، ومحرم من وجهين آخرين وهما مضرته وإسكاره لبعض الناس، فالواجب عليكم الحذر من كل هذه الأخلاق الرذيلة والتناصح في ذلك والتوبة إلى الله سبحانه مما سلف وسؤاله الهداية والتوفيق والسلامة من كل ما يسخطه. وهذه نصيحة مختصرة دعاني إليها حب

стр. 1226

الخير لكم والخوف عليكم من طاعة الشيطان ونوابه، والله المسئول أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم وأن يجعلنا وإياكم ممن يقبل النصيحة ويجتنب أسباب الفضيحة إنه على كل شيء قدير وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1227

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب صلاح المجتمع كما أنه هو سفينة النجاة (١) . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإن من أهم الواجبات الإسلامية التي يترتب عليها صلاح المجتمع وسلامته ونجاته في الدنيا والآخرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك هو سفينة النجاة كما ثبت في صحيح البخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا من نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا" قال النبي ﷺ : " فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا (٢) » ، فتأمل أيها المسلم هذا المثل العظيم من سيد ولد آدم ورسول رب العالمين وأعلم الخلق بأحوال المجتمع وأسباب صلاحه وفساده تجده واضح الدلالة على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه سبيل النجاة وطريق صلاح المجتمع، ويتضح من ذلك أيضا أنه واجب على المسلمين وفرض عليهم القيام به؛ لأنه هو الوسيلة إلى سلامتهم من أسباب الهلاك. وقد أكثر الله سبحانه في كتابه الكريم من ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أن أمة محمد ﷺ هي خير الأمم؛

стр. 1228

بسبب صفاتها الحميدة التي من أهمها قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وتأمل أيها المسلم الذي يهمه دينه وصلاح مجتمعه كيف بدأ الله سبحانه في هذه الآية بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الإيمان، مع كون الإيمان شرطا لصحة جميع العبادات يتبين لك عظم شأن هذا الواجب، وأنه سبحانه إنما قدم ذكره لما يترتب عليه من الصلاح العام. وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) فانظر يا أخي كيف بدأ في هذه الآية بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل الصلاة والزكاة، وما ذاك إلا لما تقدم بيانه من عظم شأنه وعموم منفعته وتأثيره في المجتمع، وتدل الآية أيضا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص أخلاق المؤمنين والمؤمنات وصفاتهم الواجبة التي لا يجوز لهم التخلي عنها أو التساهل بها، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد ذم الله سبحانه من ترك هذا الواجب من كفار بني إسرائيل ولعنهم على ذلك فقال سبحانه في كتابه المبين من سورة المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٣) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٤) وفي هذه الآية إرشاد من الله سبحانه لأمة محمد ﷺ إلى أن سبب لعن كفار بني إسرائيل وذمهم هو عصيانهم واعتداؤهم، وأن من ذلك عدم تناهيهم عن

стр. 1229

المنكر فيما بينهم لتحذر هذه الأمة سبيلهم الوخيم ويبتعدوا عن هذا الخلق الذميم، ويتضح من ذلك أن هذه الأمة متى تخلقت بأخلاق كفار بني إسرائيل المذمومة استحقت ما استحقه أولئك من الذم واللعن؛ لأنه لا صلة بين العباد وبين ربهم إلا صلة العبادة والطاعة، فمن استقام على عبادة الله وحده وامتثال أوامره وترك نواهيه استحق من الله الكرامة فضلا منه وإحسانا وفاز بالثناء الحسن والعاقبة الحميدة، ومن حاد عن سبيل الحق استحق الذم واللعن وباء بالخيبة والخسران. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » رواه مسلم ﵀ في صحيحه. وروى مسلم أيضا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٢) » . فاتق الله أيها المسلم في نفسك وجاهدها لله واستقم على أمره وجاهد من تحت يديك من الأهل والذرية وغيرهم، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر حسب طاقتك في كل مكان وزمان عملا بهذه الأدلة الشرعية التي ذكرتها لك آنفا، وتخلق بأخلاق المؤمنين واحذر من أخلاق الكافرين والمجرمين، واحرص جهدك على نجاتك ونجاة أهلك وإخوانك المسلمين، كما قال : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٣) وقال سبحانه:

стр. 1230

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١) وروي عن النبي ﷺ أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيها الناس إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم (٢) » أخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه وهذا لفظ ابن حبان. والمعروف يا أخي هو: كل ما أمر الله به ورسوله، والمنكر هو: كل ما نهى الله عنه ورسوله فيدخل في المعروف جميع الطاعات القولية والفعلية، ويدخل في المنكر جميع المعاصي القولية والفعلية، ثم اعلم يا أخي أن كل مسلم راع على من تحت يده ومسئول عن رعيته كما ثبت في صحيح البخاري ﵀ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، ثم قال ﷺ : ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته (٣) » . فاتق الله يا عبد الله وأعد جوابا لهذا السؤال قبل أن ينزل بك من أمر الله ما لا قبل لك به، والله المسئول أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، وأن يوفقنا وسائر المسلمين للقيام بأمره والثبات على دينه والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر عليه بصدق وإخلاص إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه.
следующие страницы →