وما هو الإيمان وما هو البر، وما هو الهدى، وهذه الكلمات كلها ترجع إلى شيء واحد، هو توحيد الله وطاعته، وتوحيد الله وطاعته هما عبادة الله التي خلقنا لها، وهذا هو الإيمان، والهدى، وهذا هو البر والتقوى، وهو الإسلام الذي قال فيه : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) أن تعلم ما أوجبه الله عليك، وأصله توحيد الله والإيمان برسوله ﷺ . وأصل الدين كله: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وحقيقتهما: توحيد الله والعبادة وتخصيصه بها عن إيمان وصدق، مع الإيمان برسول الله ﷺ ، والسير على منهاجه، في كل أمرك، وفي كل عباداتك.
فشهادة أن لا إله إلا الله: توجب عليك الإخلاص لله، وتخصيصه بالعبادة أينما كنت، في السر والعلن، في الشدة والرخاء، في جميع الأحوال.
وشهادة أن محمدا رسول الله: توجب عليك اتباعه، والإيمان بأنه رسول الله ﵊، وأن الله أرسله إلى الناس عامة جنهم وإنسهم، وأن عليك اتباعه والانقياد لشرعه، كما أمر الله بذلك في كتابه في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢)
стр. 12427
وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) ويقول جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٣) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٤) وهو محمد ﵊: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٥) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٦)
ويقول ﵊: «إني أوتيت القرآن ومثله معه (٧) » .
فعلى الأمة جميعا رجالها ونسائها، على جميع المكلفين، على الجن والإنس: أن يوحدوا الله، وأن يخصوه بالعبادة، وأن يؤمنوا بأنه ربهم وإلههم الحق، وأن يؤمنوا بأسمائه وصفاته، ويثبتوها له على الوجه اللائق بجلاله، بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وعليهم أن يخصوه بالعبادة، وأن يطيعوا أوامره، وأن ينتهوا عن نواهيه.
стр. 12428
هذا هو الواجب على الجميع، علما وعملا، لهذا خلقوا وبه أمروا، والواجب على الجميع التواصي بهذا الأمر والتناصح فيه، قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)
هذه أخلاق المؤمنين والمؤمنات، وهذه أوصافهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) ليسوا أعداء، وليسوا خصوما، ولكنهم أولياء، وأحباب، هذا وصفهم؛ أحباب فيما بينهم، يتناصحون، ويتواصون بالحق، لا غل بينهم ولا حقد، ولا كذب ولا غش ولا خيانة، ولكن ولاية ومحبة وتعاون وتواص بالحق.
هكذا المؤمنون والمؤمنات، فإذا وجدت من نفسك غلا على أخيك أو كذبا أو ظلما؛ فاعلم أنك قد نقصت إيمانك، وأخللت بإيمانك، وأضعفت إيمانك بهذا الخلق الذميم الذي وجدته من نفسك، من خيانة أو غش، أو غيبة أو نميمة، أو
стр. 12429
كذب أو ظلم، قال ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام بم دمه وماله وعرضه (١) » .
لذا عليك أن تحاسب نفسك وتجاهدها أينما كنت، يروى عن عمر ﵁ أنه كان في خطبه يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٢)
ويقول الله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦)
هذه أخلاق المؤمنين، أولياء متناصحون، متعاونون على البر والتقوى، متواصون بالحق والصبر عليه، فإذا وجدت من نفسك خللا في هذا، فاعرف أنه نقص في دينك، ونقص في إيمانك.
стр. 12430
ويقول ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا - وشبك بين أصابعه - (١) » . ويقول ﵊: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٢) » . ويقول- ﷺ في الحديث الصحيح: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٣) » . متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄، ويقول ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٤) » . أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 12431
فالواجب عليك يا عبد الله وعليك يا أمة الله: محاسبة النفس وجهادها في طلب العلم، والتفقه في الدين، وأداء حق أخيك في الله وأختك في الله، فكل واحد هكذا؛ يتفقه، ويتعلم، ويتبصر، ويجاهد نفسه حتى لا يغش أخاه، وحتى لا يظلم أخاه ولا أخته في الله، وحتى يكون وليا لأخيه وأخته في الله، ولا حقد ولا كذب ولا غش ولا خيانة ولا ظلم، وحتى يبذل وسعه في التفقيه في الدين والدعوة، عن طريق حلقات العلم، وكذا عن طريق الإذاعة، وكذلك المكاتبة، وأيضا عن طريق الهاتف، وكذا عن طريق المشافهة.
هكذا المؤمن: ناصح لأخيه أينما كان، وهكذا المؤمنة: ناصحة لأخيها في الله وأختها في الله، فالمؤمن ناصح لإخوانه وأخواته في الله، والمؤمنة كذلك، كما سمعتم في قوله سبحانه في سورة التوبة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (١) وعدهم الله الرحمة بهذا العمل بالإيمان وسلامة القلوب والولاية بينهم، ومع ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كونك ولي
стр. 12432
أخيك وولي أختك في الله لا يمنع من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بل يوجب ذلك.
فالأخوة في الإيمان توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع إقام الصلاة كما أمر الله، وأداء الزكاة كما أمر الله، مع طاعة الله ورسوله في كل شيء، وأنت موعود بالرحمة على هذه الأخلاق، وعلى هذه الأعمال، فدين الإسلام: قول وعمل، علم وعمل، يزداد بالعلم والعمل والتقوى، وينقص بضد ذلك.
والرحمة تحصل للمؤمن بأعماله الصالحة وتقواه لله في الدنيا والآخرة، يرحم في الدنيا بالتوفيق والإعانة والتسديد، ويرحم في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار، بسبب إيمانه وتقواه، وقد جمع الله هذا النصح وهذه الولاية في أربع خصال، في الإيمان والعمل والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهذه جماع الدين كله، فالدين كله ينحصر في هذه الأربعة، من جمعها أفلح، وتم ربحه، ومن ضيعها تمت خسارته، ومن ضيع شيئا منها ناله من الخسران بقدر ذلك.
فالناس في خسران قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (١) الجن والإنس، في خسران ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٢)
стр. 12433
هؤلاء هم الرابحون: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) يعني علموا الحق وآمنوا به وصدقوا به، وآمنوا بأن الله معبودهم الحق وإلههم، وآمنوا بالرسل واليوم الآخر، والجنة والنار، والحساب والجزاء، وآمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله.
ثم مع هذا الإيمان: حققوا ذلك بالعمل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) آمنوا وعملوا فأدوا ما أوجب الله، واجتنبوا ما حرم الله، هكذا المؤمن.
ثم أمر ثالث، وهو من العمل ومن الإيمان، ولكن خصه الله بالذكر، لعظم شأنه، وهو: التواصي بالحق، والتواصي بالحق عمل وإيمان، داخل في الإيمان، وداخل في العمل، ولكن نص الله عليه بهذه الصورة، لعظم الأمر، ليعلم المكلفون، وليعلم المؤمنون: أنه لا بد من التواصي بالحق.
وأمر رابع وهو: التواصي بالصبر، لأن الإنسان لا يمكن أن يعمل ويتعلم ويتفقه، ويعلم غيره، ويأمر غيره، إلا بالله ثم بالصبر، فمن لم يصبر لم يفعل شيئا، مثل ما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣) ويقول الله جل وعلا:
стр. 12434
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ويقول لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٣)
فعلى كل مؤمن ومؤمنة التخلق بهذه الأخلاق الأربعة، والاتصاف بهذه الصفات الأربع: إيمان صادق بالله ورسوله يتضمن الإيمان بالله وأنه معبودك الحق، وأنه ربك، وأنه الخلاق العليم والرزاق لعباده، وأنه سبحانه المسمى بالأسماء الحسنى والموصوف بالصفات العلا، وأنه سبحانه لا شبيه له ولا مثل له ولا ند له، وأنه جل وعلا مستحق لأن يعبد.
ثم الإيمان بالرسل جميعا، من أولهم إلى آخرهم، من آدم ونوح إلى آخرهم، وخاتمهم محمد ﵊، نؤمن بأنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء، وأفضلهم، وأنه الرسول إلى جميع الثقلين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥)
стр. 12435
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)
فهو رسول الله إلى الثقلين الجن والإنس، وهو رحمة للعالم كله ﵊، بشيرا ونذيرا للجميع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٣)
ثم مع الإيمان والعمل: التواصي بالحق التناصح.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٦) إلى غيرها من الآيات داخل في هذا التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
стр. 12436
لكن في سورة العصر نص على ذلك، فقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١) وهذا من إيمانك ومن عملك الصالح أن تتواصى مع إخوانك بالحق والصبر، فالطلبة يتواصون فيما بينهم بالصبر على الحق، فكل واحد ينصح لأخيه، في مذاكراتهم وفي اجتماعهم ليس هناك غل ولا حقد، ولا حسد، يجتمعون ويتذاكرون في الدروس وفي العلم، ويبحثون، عن إخلاص لله ومحبة لله وتعظيم لله، ورغبة في الحق، ثم من كان عنده علم أفاد به أخاه الطالب الآخر وأحب أن يزيده خيرا في مباحثاته ومذاكراته.
وإذا أتوا إلى الأستاذ أتوا بأدب، ورغبة في العلم، وإخلاص وصدق، وسألوه عما أشكل، وأقبلوا على الدرس واعتنوا به قبله وبعده، مع العناية بسؤال الأستاذ عما أشكل بأدب وعن نية صالحة في طلب الحق ومعرفته.
ومن أسباب ذلك أيضا: العناية بالمتون وأعظمها القرآن الكريم، والحرص على حفظه وتدبر معانيه، والإكثار من تلاوته، وهو كتاب الله، وهو حبل الله المتين، وهو الأصل الأصيل، هو أعظم أصل وأعظم كتاب وأشرف كتاب، فالعناية به تكون أهم عناية، تدبرا وتعقلا وعملا.
стр. 12437
ثم السنة، العناية بالسنة وحفظ ما تيسر منها، مثل بلوغ المرام، وعمدة الأحكام وغير ذلك، يحرص الطالب على حفظ ما تيسر من السنة، مع العناية بالقرآن الكريم والمذاكرة فيه وتدبر معانيه، ومراجعة كتب التفسير فيما أشكل.
ومع هذا كله: المذاكرة بين الطلبة ومع الأساتذة، عن إخلاص، وعن صدق، ورغبة، لا عن رياء ولا عن سمعة، ولكن عن صدق وعن رغبة في العلم، فإذا علم الله منك ذلك زادك حفظا ووفقك وأعانك، وجعل لك لسان صدق بين إخوانك.
فالوصية للجميع هو النصح للطلبة، والإخلاص لله في ذلك، وحفظ الوقت، كل واحد يحفظ وقته من ليله ونهاره، وقت لشغلك، وقت للمذاكرة، وقت لحاجتك لنفسك، وقت لنومك، فيكون وقته منظما، قد عني به، حتى لا يضيع منه شيء، وقت للعلم والعمل والدرس والمذاكرة، ووقت لحاجة البيت والأهل، ووقت للنوم.
المؤمن الحق يرتب نفسه ويجاهدها في أوقاته كلها، ويحذر ما حرم الله عليه، يحفظ وقته ويحفظ جوارحه عما حرم الله عليه، فيجتهد في حفظ هذه الجوارح حتى تكون في طاعة ربه، يقول النبي ﷺ : «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته
стр. 12438
عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه (١) » . . . (٢) . الحديث.
فالمؤمن هكذا، يعتني بما أوجب الله عليه، ويدع ما حرم الله عليه، ويحرص على التقرب إلى الله بما يسر الله من النوافل، عن إخلاص ورغبة فيما عند الله، ويحفظ وقته للعلم والعمل، ومع إخوانه يتواضع ولا يتكبر، يقصد العلم والفائدة، ويكون لين الجانب متواضعا مع إخوانه ومع أساتذته، ويتأدب مع الأستاذ، ويسأل بقصد العلم وبقصد الفائدة، وبالعبارة الحسنة والأدب الصالح.
وعلى العالم أن يتقي الله وأن يبذل وسعه في إيضاح الحق للطلبة، وأن يصبر وأن يتحمل، وأن يجتهد في العبارات الواضحة والأسلوب الواضح، وأن يعتني بكل ما يحتاجون إليه، حتى يتخرج الطالب عن علم وبصيرة، وعن ثقة بما أعطاه الله من العلم.
ومن أهم الأمور: العناية بالعمل، يكون الطالب قدوة لغيره، وهكذا الأستاذ، فالتعليم يكون بالعمل أيضا، فالأستاذ يعلم بعمله الطيب وبأخلاقه الكريمة، حتى يتأسى به الطالب، بالمحافظة على الصلاة والمسارعة إليها والطمأنينة فيها، بمسارعته إلى كل
стр. 12439
خير، في تواضعه، في حرصه على العلم، في تنبيه الطالب على ما ينفعه، إلى غير ذلك من الأخلاق الجيدة الطيبة، حتى يتأسى به الطالب في أخلاقه وأعماله.
وعلى الطلبة أن يكونوا أيضا قدوة في الخير، يتأسى بهم أهلوهم، يتأسى بهم جيرانهم، يتأسى الطالب الصغير بالطالب الكبير في أخلاقه وأعماله الطيبة، هكذا طالب العلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » ، «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢) » ، وله مثل عمل أخيه، إذا أرشده وعلمه له مثل أجره، يقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٣) » .
الرسل لهم مثل أجور أتباعهم، ونبينا ﷺ له مثل أجور أتباعه، وكل عالم له مثل أجر من هداه الله على يديه، وهكذا الطالب وهكذا غيره؛ لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٤) » ، «من يرد الله
стр. 12440
به خيرا يفقهه في الدين (١) » ، ويقول ﷺ لعلي لما بعثه إلى خيبر: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢) » .
فالوصية مرة أخرى: تقوى الله، والتواصي بالحق، والتناصح والصبر والعمل، وأن يكون كل واحد مثالا طيبا، معروفا بالأخلاق الطيبة والأعمال الصالحة لزملائه وإخوانه وأهل بيته، والوصية أيضا للمدرسين والعلماء: أن يتقوا الله وأن يصبروا على تعليم الناس، وأن يحرصوا على تثقيفهم بالأساليب الحسنة، بالتواضع والأسلوب الحسن والصبر والمصابرة في ذلك، والله المسئول أن يوفقنا وإياكم جميعا لما يرضيه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين.
ومن الواجب أيضا العناية بأهل البيت، تعليم أهل البيت، من إخوة وأخوات وبنين وبنات وغيرهم، كل واحد من الطلبة والعلماء: الواجب عليه أن يعتني بأهل بيته، وأن يرشدهم ويعلمهم، حتى يستفيدوا من علمه وفضله وأعماله الطيبة.
стр. 12441
نسأل الله للجميع التوفيق والهداية، ونسأل الله للجميع حسن الختام، ونسأل الله جل وعلا أن يمنحنا وإياكم المزيد من كل خير، وأن يبعدنا وإياكم من مضلات الفتن، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين، إنه جل وعلا جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 12442
أسئلة بعد المحاضرة
س: سماحة الشيخ: ما حكم قراءة الكتب التي ابتلي صاحبها بها، مثل تأويل صفات الله خلاف منهج السلف الصالح، خصوصا لمن لم يدرس العقيدة؟ وفقكم الله.
ج: ينبغي للطالب أن يتوخى الكتب المعروفة، كتب أهل العقيدة المعروفين بالعقيدة السلفية، يعتني بها، مثل كتب المتقدمين، كتاب عبد الله بن أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن خزيمة، ﵏، وغيرهم من الأئمة المتقدمين، وهكذا من بعدهم من أهل العلم والبصيرة كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، وأئمة الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وغيره من المشايخ الذين عنوا بالعقيدة وعنوا بالدعوة إليها مع
стр. 12443
الحرص على تدبر القرآن، فإنه هو أصل الأصول، والعناية بالقرآن والسنة في العقيدة وغيرها.
أما الكتب الأخرى إذا دعت الحاجة إليها فينظرها ويستفيد منها وينبه على الأخطاء، وسواء كان ذلك في كتب المتقدمين أو كتب المتأخرين.
стр. 12444
س: سماحة الوالد: ما هي الطريقة الصحيحة التي يجب أن يتبعها طالب العلم الشرعي حتى يصل إلى ما يريده من إرضاء الله وكسب العلم المفيد والنافع له وللمسلمين وما هي العوامل التي تساعد على الحفظ ورسوخ المسائل في ذهنه وعدم النسيان؟
ج: أعظم الأسباب، أن تتقي ربك بطاعته وترك معصيته، والإخلاص له وسؤاله التوبة والعون والتوفيق ثم العناية بالدروس والمذاكرة وحفظ الوقت، فإنه من أعظم الأسباب.
ومن أسباب ذلك أيضا: المذاكرة مع الزملاء والحرص على الفائدة؛ حتى يستقر العلم ن فلا تكتف بمطالعتك والدرس مع الأستاذ بل مع هذه المذاكرة مع الزملاء الطيبين فيما أشكل عليك حتى يستقر في ذهنك العلم.
стр. 12445
أخلاق أهل العلم .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه كلمة أردت أن أوضح فيها أخلاق العلماء وما ينبغي أن يسيروا عليه تأسيا بإمامهم الأعظم وقدوتهم في كل خير وهو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، رسول رب العالمين، وقائد الغر المحجلين وإمام الدعاة إلى سبيل الله أجمعين، ورأيت أن يكون عنوانها " أخلاق أهل العلم "، ولا يخفى على كل ذي مسكة من علم أن العلماء هم خلفاء الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، والعلم هو ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﵊، ولهذا قالت عائشة لما سئلت ﵂ عن خلق النبي ﵊، قالت: «كان خلقه القرآن (١) » فهذه الكلمة العظيمة من عائشة
стр. 12446
رضي الله عنها ترشدنا إلى أن أخلاقه ﵊ هي اتباع القرآن، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي، وهي التخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها والبعد عن كل خلق ذمه القرآن، وعاب أهله وهي كلمة جامعة مختصرة عظيمة، فجدير بأهل العلم من الدعاة والمدرسين والطلبة، جدير بهم أن يعنوا بكتاب الله وأن يقبلوا عليه حتى يأخذوا منه الأخلاق التي يحبها الله ، وحتى يستقيموا عليها، وحتى تكون لهم خلقا ومنهجا يسيرون عليه أينما كانوا.
يقول : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) فهو الهادي إلى الطريقة التي هي أقوم الطرق وأهدى السبل، وهل هناك هدف للمؤمن أعظم من أن يكون على أهدى السبل وأقومها وأصلحها ولا شك أن هذا هو أرفع الأهداف وأهمها وأزكاها وهو الخلق العظيم الذي مدح الله به نبيه محمدا ﷺ في سورة القلم حيث قال : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢) ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٣) ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٤) ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥)
стр. 12447
فعلى جميع أهل العلم وطلبته أن يعنوا بهذا الخلق، وأن يقبلوا على كتاب الله قراءة وتدبرا وتعقلا وعملا، يقول : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وهم أصحاب العقول الصحيحة الذين وهبهم الله التمييز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، ومن أراد هذا الخلق العظيم فعليه بالإقبال على كتاب الله والعناية به تلاوة وتدبرا وتعقلا ومذاكرة بينه وبين زملائه وسؤالا لأهل العلم عما أشكل عليه مع الاستفادة من كتب التفسير المعتمدة، ومع العناية بالسنة النبوية لأنها تفسر القرآن وتدل عليه، حتى يسر على هذا النهج القويم وحتى يكون من أهل كتاب الله قراءة وتدبرا وعملا.
فاليهود عندهم كتاب الله والنصارى عندهم كتاب الله وعلماء السوء من هذه الأمة عندهم كتاب الله، فماذا صار هؤلاء؟
صاروا من أشر الناس لما خالفوا كتاب الله، وغضب الله عليهم وهكذا أتباعهم من كل من خالف كتاب الله على علم وسار على نهج الغاوين من اليهود والنصارى وغيرهم، حكمه حكمهم والمقصود أن نعمل
стр. 12448
بكتاب الله وأن يكون خلقا لنا كما كان خلقا للذين آمنوا قبلنا وهدى وشفاء وقد قال الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وهذا أيضا من أخلاقه ﵊، ومن أخلاق أهل العلم جميعا، أهل العلم والبصيرة أهل العلم والإيمان أهل العلم والتقوى، أما أهل العلم من غير تقوى وإيمان فليس لهم حظ في ذلك؛ لأن أهل العلم من أخلاقهم الدعوة إلى الله على بصيرة مع العمل وبيان الحق بأدلته الشرعية قولا وعملا وعقيدة، فهم دعاة الخلق وهداتهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﵊، لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، بل يبلغون الناس دين الله، ويرشدونهم إلى الحق الذي بعث الله به نبيه ﵊، ويصبرون على الأذى في جميع الأحوال، وبهذا يعلم أن من دعا على جهالة فليس على خلق النبي ﷺ ، وليس على خلق أهل العلم بل هو مجرم؛ لأن الله سبحانه جعل القول عليه بغير علم فوق مرتبة
стр. 12449
الشرك، لما يترتب عليها من الفساد العظيم، قال تعالى في كتابه المبين: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فجعل سبحانه القول عليه بغير علم في القمة من مراتب المحرمات؛ لأن هذه الآية فيها الترقي من الأدنى إلى ما هو أشد منه فانتهى إلى الشرك ثم القول على الله بغير علم، وبهذا يعلم خطر القول على الله بغير علم، وأنه من المنكرات العظيمة والكبائر الخطيرة لما فيه من العواقب السيئة وإضلال الناس، وفي آية أخرى من سورة البقرة بين سبحانه أن القول عليه بغير علم مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به، فلا ينبغي لطالب العلم أن يسير في ركاب الشيطان، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) انظر يا أخي ما ذكره الله
стр. 12450
عن هذا العدو المبين وأنه يأمر بالسوء والفحشاء والقول على الله بغير علم لما يعلم من عظيم الخطر والفساد في القول عليه سبحانه بغير علم؛ لأن القائل على الله بغير علم يحل الحرام ويحرم الحلال وينهى عن الحق ويأمر بالباطل لجهله، فالواجب على أهلي العلم وطلبته الحذر من القول على الله بغير علم، والعناية بالأدلة الشرعية حتى يكونوا على علم بما يدعون إليه أو ينهون عنه وحتى لا يقولوا على الله بغير علم، والعلماء بالله هم أعظم الناس خشية لله وأكملهم في الخوف من الله والوقوف عند حدوده، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) فكل مسلم يخشى الله وكل عالم يخشى الله، لكن الخشية متفاوتة، فأعظم الناس خشية لله وأكمل الناس خشية لله هم العلماء بالله، العلماء بدينه، ليسوا علماء الطب، وليسوا علماء الهندسة، وليسوا علماء الجغرافيا، وليسوا علماء الحساب، وليسوا علماء كذا وكذا، ولكنهم العلماء بالله وبدينه، وبما جاء به رسوله ﵊ وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.
فالرسل والأنبياء هم رأس العلماء
стр. 12451
وهم قدوة العلماء وهم الأئمة ومن بعدهم خلفاء لهم، ورثوا علمهم ودعوا إلى ما دعوا إليه. جاء في الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء (١) » فجدير بأهل العلم - وإن تأخر زمانهم كزماننا هذا جدير بهم - أن يسلكوا مسلك أوائلهم الأخيار في خشية الله وتعظيم أمره ونهيه والوقوف عند حدوده، وأن يكونوا أنصارا للحق ودعاة للهدى لا يخشون في الحق لومة لائم، وبذلك ينفع علمهم، وتبرأ ذمتهم وينتفع الناس بهم فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) يعني الخشية الكاملة، فالخشية الكاملة لأهل العلم، وأعلاهم الرسل والأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل من أهل العلم على حسب تقواهم لله، وعلى حسب سعة علمهم وعلى حسب قوة إيمانهم وكمال إيمانهم وتصديقهم.
стр. 12452
ولما قال بعض الصحابة لما سألوا عن عمل الرسول ﷺ في السر فكأنهم تقالوه: أين نحن من رسول الله ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه / وما تأخر، كما في الصحيح من حديث عائشة ﵂ «فقال بعضهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني (١) » فبين ﵊ أنه أخشى الناس ﷺ ، وأنه أتقى الناس لله وأعلمهم بما يتقى ﵊ وهكذا الرسل قبله هم أعلم الناس بالله وأتقاهم لله ثم يليهم العلماء على مراتبهم، ولكن لا يلزم من كمال خشية الله والخوف منه أن يكونوا معصومين من الخطأ، بل كل عالم قد يخطئ فمتى بان له
стр. 12453
الحق رجع إليه، كما قال النبي ﷺ : «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (١) » . فعلى طالب العلم أن يتحرى الحق بدليله ويجتهد في ذلك ويسأل ربه التوفيق والإعانة ويخلص النية فإن أخطأ مع ذلك فله أجر واحد وإن أصاب فله أجران كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
فالخشية لله تقتضي الوقوف عند حدود الله والسير على منهج رسول الله ﷺ ، فإذا زاد على ذلك صار تنطعا وغلوا لا يجوز، فالعالم هو الذي يقف عند حدود الله في الإباحة والمنع وفي العمل والترك، لكنه مع ذلك يكون شديد الحذر أن يقول على الله بغير علم أو يعمل بخلاف ما علم، فيشابه اليهود في ذلك، وقد ذكر الله سبحانه عن بعض أهل الكتاب العاملين الأتقياء خصالا حميدة تذكيرا لنا بذلك فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) ففي التاريخ والقصص
стр. 12454
عبر كما قال . وقال سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (١) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢)
وهذا نموذج من أعمالهم الطيبة، وهذه الصفات الحميدة ذكرها الله سبحانه عنهم؛ لنقتدي بهم فيها ولنسلك هذا المسلك ونتأسى بأهل الخير وهكذا في آخر سورة آل عمران يقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣) فهذه الخصال الحميدة التي أخذ بها خيار أهل الكتاب ومن هداهم الله من علمائهم، إيمان بالله، خشوع وخضوع لله وطاعة لله سبحانه، وذل بين يديه ، ثم مع ذلك لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ولا يجحدون الحق ولا يكتمونه كما فعل علماؤهم الضالون، كتموا سيرة محمد ﵊، وكتموا كثيرا من الحق
стр. 12455
من أجل حظهم العاجل وما أرادوا من متاع الدنيا.
أما أهل العلم والإيمان من الأولين والآخرين أهل الخوف من الله فإنهم ينطقون بالحق ويصرحون به ولا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، بل أن من أعمالهم العظيمة بيان الحق والدلالة عليه والدعوة إليه والتحذير من الباطل والترهيب منه يرجون ثواب الله ويخشون - عقابه ، وقال : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) وبين سبحانه في هاتين الآيتين أنه لا يستوي من يعلم الحق المنزل من عند ربنا - وهو الهدى والصلاح والإصلاح لا يستوي هؤلاء- مع من هو أعمى لا يعرف الحق ولا يهتدي إليه لفساد تصوره وانحراف قلبه وفساد لبه، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) فأوضح أن التذكر والتبصر إنما يكون من أولي الألباب، وهم أولوا العقول الصحيحة السليمة.
стр. 12456
ثم ذكر صفاتهم العظيمة فقال: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (١) هذه صفات أهل العلم والإيمان وهم الذين يوفون بعهد الله والذي عهد إليهم، يؤدون حقه ويستقيمون على دينه قولا وعملا وعقيدة ولا ينقضون الميثاق، بل يوفون بالمواثيق والعهود والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، يصلون ما أمر الله به أن يوصل من الاستقامة على أمر الله والإخلاص لله واتباع سنة الرسول لا بد من هذا وهذا، لا بد من توحيد الله ومن اتباع الرسول ولا بد من وصل هذا بهذا وذلك بتحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهكذا يتبعون الإيمان بالعمل ومن ذلك بر الوالدين وصلة الرحم ويخشون ربهم الخشية التي تعينهم على طاعة الله وتمنعهم من معاصي الله، يخشونه سبحانه خشية حقيقية لا مجرد دعوى تؤثر في قلوبهم، وتجعلها خاشعة لله خاضعة له معظمة لحرماته تاركة نواهيه، ممتثلة أوامره.
هكذا أهل العلم والإيمان يخشون ربهم الخشية التي تثمر المتابعة وتؤدي إلى الحق وترك الباطل
стр. 12457
﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (١) هذا من كمال الخشية خوفهم من سوء الحساب، ولهذا أعدوا العدة واستقاموا على الطريق خوفا من سوء الحساب يوم القيامة.
ثم ذكر سبحانه الصفتين السادسة والسابعة، فقال : ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) صبروا على طاعة الله وصبروا عن محارم الله، لا تجلدا ولا عن رياء، ولكن ابتغاء وجه الله وابتغاء الزلفى لديه، هكذا أهل الإيمان وأهل العلم بالله يصبرون على الشدائد في أداء طاعة الله وفي ترك معاصي الله، وبتبليغ رسالة الله مع إقامتهم للصلاة وعدم التفريط في شيء مما أوجب الله عليهم من هذه العبادة العظيمة التي هي عمود الإسلام، وأدوها كما أمر الله.
ثم ذكر سبحانه الصفة الثامنة والتاسعة فقال: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (٣) والمعنى أنهم مع هذا ينفقون في مرضاته وفي الإحسان لعباده سرا وعلانية، شيء يراه الناس وشيء لا يراه الناس، يبتغون فضل الله ويبتغون رحمته
стр. 12458
وإحسانه من الزكاة، وغيرها يؤدون الزكوات، وينفقون في وجوه الخير مما أعطاهم الله سبحانه، ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (١) يدرءون بالحسنات السيئات لكمال صبرهم وتحملهم وكظمهم الغيظ، هكذا العلماء بالله وهكذا الصلحاء من عباده، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢) لهم العاقبة الحميدة، فسرها سبحانه بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ (٣) من ثوابهم على هذه الأعمال السابقة أن الله يشملهم وآبائهم وذرياتهم وأزواجهم بفضله ورحمته، فالاستقامة على أمر الله وأداء حقه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والثبات على الحق والصبر في ذلك ودرء السيئة بالحسنة، كل هذا من أسباب صلاح العبد وصلاح آبائه، وأزواجه وذريته واجتماعهم في دار كرامته وزيارة الملائكة لهم مسلمين عليهم ومرحبين بهم، ومن نعم الله العظيمة على العبد أن يكون سببا لهداية أبيه وأمه وزوجته وذريته، وهكذا من نعم الله العظيمة على المرأة أن تكون سببا لهداية زوجها وأبيها وأمها وأولادها، ويعلم من الآية الكريمة أن دخول الآباء والأزواج والذريات الجنة
стр. 12459
مع أقاربهم إنما هو بسبب صلاحهم لا لمجرد النسب والقرابة ولكن بسبب الصلاح والاستقامة والاجتهاد في طاعة الله التي هي أعظم واسطة في صلاح العبد وأقربائه وزوجاته وذرياته واجتماعهم في دار كرامته، وهذه الآية الكريمة تشبه قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (١)
وقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) وهكذا ما جاء في معنى ذلك من الآيات الكريمات، كلها تبين أن المنازل العالية والفوز بجنات النعيم والسلامة من عذاب الله وغضبه، كل ذلك لا يحصل بمجرد الأماني والدعوة ولا بالأنساب والدعوة إنما يحصل ذلك بعد توفيق الله ورحمته بأسباب الصبر على طاعة الله والصبر عن محارمه والإقبال عليه والإخلاص له في العمل والضراعة إليه بطلب التوفيق
стр. 12460
والهداية مع صبرهم على الشدائد والمشاق في سبيل الحق وصبرهم على المصائب،
стр. 12461
بهذا كله حصل لهم الخير العظيم والفوز بدار النعيم، وهكذا ينبغي لأهل الإيمان وأهل العلم والهداية أن يتخلقوا بهذه الأخلاق العظيمة ويسيروا عليها؛ حتى تكون لهم العاقبة الحميدة، وحتى تكون لهم عقبى الدار، فلا بد من صبر ولا بد من إخلاص، ولا بد من صدق، قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (١) وقال سبحانه في سورة المؤمنون ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢) وقال في سورة الفرقان لما ذكر صفات عباد الرحمن العظيمة: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (٣)
فهذه الخصال الحميدة التي ذكرها في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (٤) الآيات، حصلت لهم بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم عن محارم الله، وصبرهم على المصائب، فلا بد من العناية بهذا الأمر، وأن نعد له عدته ولا بد أن يعلم طالب العلم أنه لا بد من الصبر وأن الأعمال العظيمة والخير الكثير، لا يحصل بمجرد الدعوى والرغبة والتمني من دون عمل وصبر.
أسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وسائر المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا جميعا التخلق بأخلاق أهل العلم والإيمان، أخلاق الرسل وأتباعهم بإحسان، وأن يزيدنا وجميع المسلمين من العلم النافع والعمل الصالح والبصيرة النافذة، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، كما نسأله سبحانه أن يوفق القائمين على أمور المسلمين في كل مكان لكل ما فيه رضاه وصلاح العباد وأن يصلح قادة المسلمين ويعينهم على طاعة الله ورسوله، وأن يوفقهم لتحكيم شريعته والالتزام بها والتحاكم إليها، والحذر مما يخالفها، كما أسأله أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يعينهم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من كل ما يخالف شرعه إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه....
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 12462
١٣٦ - بيان أهمية الفقه الإسلامي (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن معرفة الفقه الإسلامي وأدلة الأحكام، ومعرفة فقهاء الإسلام الذين يرجع إليهم في هذا الباب من الأمور المهمة التي ينبغي لأهل العلم العناية بها وإيضاحها للناس؛ لأن الله سبحانه خلق الثقلين لعبادته ولا يمكن أن تعرف هذه العبادة إلا بمعرفة الفقه الإسلامي وأدلته، وأحكام الإسلام وأدلته ولا يكون ذلك إلا بمعرفة العلماء الذين يعتمد عليهم في هذا الباب من أئمة الحديث والفقه الإسلامي.
فالعلماء هم ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن أسباب السعادة للعبد، ومن علامات النجاة والفوز أن يفقه في دين الله، وأن يكون فقيها في الإسلام، بصيرا بدين الله على ما جاء في كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمن ﵊.
стр. 12463
والعلماء قد بين الله شأنهم ورفع قدرهم، وهم أهل العلم بالله وبشريعته، والعاملون بما جاء عن الله وعن نبيه ﵊، وهم علماء الهدى، ومصابيح الدجى، وهم العاملون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهم الذين قال فيهم جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وقال فيهم جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢)
وقال فيهم سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣) وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » متفق على صحته. فهذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين. والفقه في الدين هو: الفقه في كتاب الله ، والفقه في سنة رسول الله ﷺ ، وهو الفقه في الإسلام من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام الله التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه ، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق الله وحق عباده، ومن جهة خشية الله وتعظيمه ومراقبته. فإن رأس
стр. 12464
العلم خشية الله وتعظيم حرماته ومراقبته فيما يأتي العبد ويذر، فمن فقد خشية الله ومراقبته فلا قيمة لعلمه، إنما العلم النافع، والفقه في الدين الذي هو علامة السعادة، هو العلم الذي يؤثر في صاحبه خشية الله، ويورثه تعظيم حرمات الله ومراقبته، ويدفعه إلى أداء فرائض الله وإلى ترك محارم الله، وإلى الدعوة إلى الله ، وبيان شرعه لعباده، فمن رزق الفقه في الدين على هذا الوجه فذلك هو الدليل والعلامة على أن الله أراد به خيرا، ومن حرم ذلك وصار مع الجهلة والضالين عن السبيل، المعرضين عن الفقه في الدين، وعن تعلم ما أوجب الله عليه، وعن البصيرة فيما حرم الله عليه فذلك من الدلائل على أن الله لم يرد به خيرا، وقد وصف الله الكفار بالإعراض عما خلقوا له وعما أنذروا به، تنبيها لنا على أن الواجب على المسلم أن يقبل على دين الله، وأن يتفقه في دين الله، وأن يسأل عما أشكل عليه وأن يتبصر، قال : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (٢)
فمن شأن المؤمن طلب العلم والتفقه في الدين، والتبصر، والعناية بكتاب الله والإقبال عليه وتدبره
стр. 12465
والاستفادة منه والعناية بسنة رسول الله ﷺ ، والتفقه فيها، والعمل بها وحفظ ما تيسر منها، فمن أعرض عن هذين الأصلين وغفل عنهما فذلك دليل وعلامة على أن الله سبحانه لم يرد به خيرا وذلك علامة الهلاك والدمار، وعلامة فساد القلب وانحرافه عن الهدى.
نسأل الله السلامة والعافية من كل ما يغضبه، فجدير بنا معشر المسلمين أن نتفقه في دين الله وأن نتعلم ما يجب علينا، وأن نحرص على العناية بكتاب الله تدبرا وتعقلا وتلاوة، واستفادة، وعملا بذلك، وأن نعنى بسنة رسول الله ﵊ حفظا وعملا وتفقها فيها، وأن نعنى أيضا بالسؤال عما أشكل علينا. فالإنسان يسأل عما أشكل عليه ويسأل من هو أعلم منه ليستفيد، عملا بقول الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وعليه أن يحضر حلقات العلم ليستفيد، ويتذاكر مع إخوانه الذين يرجو أن يكون عندهم علم حتى يستفيد من علمهم، وحتى يضم ما لديهم من العلوم النافعة إلى ما لديه من العلم، فيحصل له بذلك خير كثير ويحصل له بذلك الفقه في الدين