عز وجل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣) فأنت يا عبد الله مأمور بتدبر القرآن، والتفقه في القرآن، والتعلم حتى تعرف ما أوجب الله عليك، وما حرم الله عليك، وأنت أيضا مأمور باتباع السنة وتعظيمها، والتفقه فيها، وهي أحاديث الرسول ﷺ ، ما ثبت عنه ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته، أنت مأمور بها وهي الحكمة، والله أنزل على نبيه ﷺ الكتاب والحكمة وهي السنة، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٦)
стр. 12497
قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) فأنت يا عبد الله مأمور بطاعة الله، وطاعة رسوله، ولا سبيل إلى هذا إلا بالتفقه والتعلم، حتى تعرف ما يجب عليك، وما يحرم عليك، وما شرعه الله لك، وما نهاك عنه، لتعبد ربك على بصيرة، وأعظم ذلك وأساس ذلك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هاتان الشهادتان هما أصل الدين، هما أساس الملة، وأول شيء دعا إليه الرسول هو توحيد الله جل وعلا، أول ما دعت الرسل إليه توحيد الله أن يقول العباد: لا إله إلا الله وأول شيء دعا به نبينا ﷺ قومه أن يقولوا: لا إله إلا الله وأن يؤمنوا به ويصدقوه، فهاتان الشهادتان هما أصل الدين، هما أساس الملة أن تشهد أنه لا إله إلا الله صدقا من قلبك، والمعنى: أنه لا معبود بحق إلا الله وأن تشهد أن محمدا رسول الله، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هو رسول الله حقا، تشهد عن علم، عن يقين، وعن صدق أنه رسول الله. هاتان الشهادتان هما أصل الدين، هما أساس الملة، فلا إسلام
стр. 12498
ولا إيمان ولا تقوى ولا بر إلا بهاتين الشهادتين لا بد أن يقولها عن علم وعن يقين وعن صدق، أما إذا قالها عن غير صدق صار منافقا، فالمنافقون الذين قال فيهم سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١) لم يقولوها عن صدق، فالمنافق قالها بلسانه وكذبها بقلبه، فعليك أن تخالف المنافقين وأن تشهد شهادة جازمة عن علم ويقين وصدق أنه لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، وأن محمدا هو عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق إلى الناس أجمعين، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) وقال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٥) فأنت يا عبد الله مأمور بأداء هاتين الشهادتين عن صدق وعن إخلاص
стр. 12499
وعن عمل بمقتضاهما من توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وتخصيصه بالعبادة على الطريقة والمنهج الذي جاء به رسوله ﷺ ، فالعمل لا بد فيه من شرطين:
أحدهما: الإخلاص لله.
والثاني: الموافقة لشريعة رسول الله ﷺ كل عبادة لا بد فيها من هذا، من صلاة وحج وصوم وغير ذلك، عليك أن تخلصها لله، وعليك أن تكون فيها متابعا لما جاء به رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) ومكث النبي ﷺ في قومه عشر سنين في مكة يدعوهم لهذه الكلمة إلى توحيد الله والإيمان برسوله قبل فرض الصلاة وغيرها بقوله: «يا قومي قولوا لا إله إلا الله وتوبوا إليه (٢) » في هذه البلدة يدعو قريشا وغيرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، فآمن القليل واستكبر الأكثرون ثم فرض الله عليهم الصلوات الخمس في مكة قبل الهجرة فصلاها في مكة ثلاث سنين، ثم هاجر إلى المدينة ﵊،
стр. 12500
وبهذا يعلم المكلف، يعلم العاقل أن هذا الدين يحتاج إلى التعلم والتفقه في الدين، وأن الدعوة لا تنفع إلا بهذا لا بد من علم ويقين وصدق، فدعوة الإسلام ودعوة الإيمان ودعوة التوحيد ودعوة المتابعة لا تنفع إلا بصدق، إلا بعلم وعمل، فعليك أن تعلم، وأن تفقه في الدين، وأن تعمل بقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١) » ويقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (٢) » وحقها أداء فرائض الله وترك محارمه، هذا حق لا إله إلا الله الصلاة، الزكاة، الحج، الصيام، فعل كل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، كل ذلك من حق لا إله إلا الله، وقد بين
стр. 12501
صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام أنها خمسة وهي أركانه الظاهرة فقال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (١) » هذه هي أركان الإسلام الظاهرة، وكل أعمال الدين داخلة في الإسلام، كلها تابعة هذه الأركان من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المعاصي وغير هذا بما أمر الله به كله داخل في الإسلام، لكن أركانه الظاهرة خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وبين ﷺ أركان الإيمان لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره (٢) » فهذه أركان الإيمان، أركان الدين الباطنة ستة: الإيمان بالله، وأنه ربك ومعبودك الحق، رب العالمين الخلاق العليم، والإيمان بالملائكة
стр. 12502
وأنهم عباد الله خلقهم الله من النور فهم في طاعته لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون عليهم الصلاة والسلام، وساداتهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وجبرائيل هو السفير بين الله وبين الرسل.
ويلي الإيمان بهم الإيمان بالكتب، كتب الله المنزلة للأنبياء. الله أنزل كتبا على الأنبياء لتؤمنوا بها وأن الله أنزل كتبا تدعو إلى توحيده وطاعته منها التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، والقرآن أشرفها وأعظمها وهو خاتمتها، أنزله الله على خاتم الأنبياء محمد ﵊.
وهكذا تؤمن بالرسل كلهم عليك أن تؤمن بأن الله أرسل الرسل إلى العباد يدعونهم إلى توحيد الله، يدعونهم إلى طاعة الله ورسله، أولهم نوح أرسله الله إلى الأرض بعد ما وقع فيها الشرك، وقبله آدم ﵊ أرسل إلى ذريته يدعوهم إلى توحيد الله وطاعة الله، ثم لما وقع الشرك أرسل الله نوحا إلى قومه فهو أول رسول بعدما وقع الشرك لأهل الأرض، وهكذا هود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون وعيسى وغيرهم وداود وسليمان، رسل أرسلهم الله مبشرين ومنذرين دعوتهم واحدة ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١)
стр. 12503
دعوتهم واحدة يدعون إلى توحيد الله وطاعة الله وينهون عن الشرك بالله ، وتؤمن باليوم الآخر أيضا وهو البعث بعد الموت لا بد من قيامة، لا بد من بعث، بعد الموت، هذه الدار دار الغرور ليست دار إقامة ولا دار متاع، بل دار غرور ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١) بعدها الموت، وبعدها الجزاء والحساب فأنت يا عبد الله أمامك أمر عظيم، أمامك اليوم الآخر، أمامك الجزاء والحساب والجنة والنار، وأنت مخلوق في هذه الدار، لتعد العدة للانتقال إلى دار النعيم، فعليك أن تعد العدة لذلك، واحذر أن تعد العدة لدار الهوان، للجحيم، دار النعيم أعدها الله للمتقين، ودار الجحيم أعدها الله للكافرين، وهذه الدار هي دار العمل هي المزرعة، والآخرة هي دار الجزاء فاليوم الآخر يوم البعث والنشور، يبعث الناس من قبورهم، ومن كل مكان، من بطون البحار، ومن كل مكان، فيجمعهم الله جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (٢) ويقول جل
стр. 12504
وعلا: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (١) يعني البعث بعد الموت، فيجمع الله الخلائق جنهم وإنسهم عربهم وعجمهم ذكورهم وإناثهم، يجمعهم الله في صعيد واحد، ويجازيهم بأعمالهم ويحاسبون، هذا يثقل ميزانه، وهذا يخف ميزانه، وهذا يعطى كتابه بيمينه، وهذا يعطى كتابه بشماله، فأنت يا عبد الله على خطر، فالواجب الإعداد لهذا اليوم، والإعداد هو: تقوى الله وطاعة الله ورسوله وتوحيد الله والإيمان به واتباع الرسول ﵊ هذا هو الإعداد، العدة: تقوى الله وطاعته واتباع رسوله والانقياد لضرعه، ثم الركن السادس هو الإيمان بالقدر أن تؤمن بأقدار الله، وأن الله علم الأشياء كلها وقدرها سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) ، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) ، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤) ويقول النبي ﷺ : «إن
стр. 12505
الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء (١) » تؤمن بالقدر، وأن الله قدر الأشياء، وعلم ما الناس عاملون، علم أهل الجنة وأهل النار، فاحذر يا أخي التساهل واحذر الإعراض والغفلة واستحضر وقوفك بين يدي الله وأنت ملاق ربك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (٢) أنت ملاق ربك فاستعد لهذا اللقاء بتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه، وتذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) وتذكر أنك ملاق ربك، وأنك مجاز بعملك إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فلا تغفل ولا تتبع الهوى ولا تطع الشيطان، احرص أن تكون من القليل الناجين واحذر أن تكون من الكثير الهالكين ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)
стр. 12506
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) لا بد من جد ونشاط وصدق وصبر ومصابرة وضراعة إلى الله، لتفزع إلى الله، وتسأله أن يعينك وأن يمنحك التوفيق وأن يهديك صراطه المستقيم، أنت في أشد الضرورة إلى ربك ليس الأمر بيدك الأمر بيد الله. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) الهداية هداية التوفيق وقبول الحق، هذه بيد الله ليس بيد أحد من الناس، أما هداية البلاغ والبيان فهذه بيد الرسل وأتباعهم. الهداية بمعنى البلاغ والبيان، هذه بيد الرسل، فالرسل هم الهداة إلى صراط الله المستقيم. قال تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) يعني: تدل وترشد الناس، وهكذا العلماء والدعاة يرشدون ويهدون إلى الصراط المستقيم بالبلاغ بالبيان والدعوة والإرشاد،
стр. 12507
أما الهداية بمعنى: التوفيق والرضى بالحق وقبوله، فهي بيد الله هو الذي يهدي من يشاء، ويوفق من يشاء، فاضرع إلى الله دائما وأسأله أن يهديك إلى صراطه المستقيم، وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يمنحك التوفيق لكل ما يرضيه، وأن يعيذك من شر نفسك وهواك وشيطانك، هو الذي يهدي من يشاء بيده الهداية بيده التوفيق، فاضرع إليه دائما واسأله دائما في جميع الأوقات، وفي سجودك، وفي آخر الصلاة، وفي جوف الليل، وفي آخر الليل، يقول النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء (١) » فالدعاء في السجود يرجى قبوله، فينبغي لك يا عبد الله أن تجتهد في الدعاء في سجودك، ولما علم أصحابه التحيات ﵊ قال: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوه (٢) » وقال ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل
стр. 12508
ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر (١) » ينزل نزولا يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته، نزولا لا يعلم كيفيته إلا هو ، كما أنه استوى على العرش، استواء يليق بجلاله لا يشابه خلقه في شيء من صفاته. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) فهو سبحانه فوق العرش، وعلمه في كل مكان، وينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة كما يشاء حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له (٣) » وفي اللفظ الآخر: «هل من داع فيستجاب له، هل من تائب فيتاب عليه، هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى ينفجر الفجر (٤) » فاضرع إلى
стр. 12509
الله يا أخي في هذه الأوقات، اضرع إلى ربك واسأله من فضله في سجودك وفي جوف الليل وفي آخر الليل وفي آخر الصلاة. اضرع إلى الله واسأله التوفيق والهداية، واسأله أن يعلمك ما ينفعك وأن يعيذك من شر شيطانك ونفسك الأمارة بالسوء، وأن يثبتك على الحق والإيمان، اضرع إلى الله دائما فإنه (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) فاجتهد في الدعاء، والله يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) فأنت مأمور بالدعاء وموعود بالإجابة، فأحسن ظنك بربك، واضرع إليه دائما في كل وقت، في بيتك وفي الطريق وفي المسجد في الصلاة وفي غير ذلك، وتحر أوقات الإجابة لعله يستجاب لك، كوقت السجود، في آخر الليل، في جوف الليل، في آخر الصلاة، في آخر ساعة من يوم الجمعة، وأنت تنتظر الصلاة، وقت جلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إلى أن تقضى الصلاة، كل هذه من أوقات الإجابة، فأنت تنوي وتلتمس أوقات
стр. 12510
الإجابة، وفي كل وقت، تدعو ربك في كل وقت ترجوه تحسن الظن به لا تمل الدعاء مع الجد مع طاعة الله مع المسارعة إلى ما يرضيه مع الحذر من مساخطه جل وعلا، هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس من الرجال والنساء، الواجب على الجميع الاستقامة على طاعة الله، الاستقامة على أداء ما أوجب الله وعلى ترك ما حرم الله والحذر مما يغضب الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) يعني: ثبتوا على الحق حتى الموت ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٢) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٣) ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٤) هذا جزاء أهل الاستقامة أهل الثبات على الحق قالوا وعملوا، خلاف من يقول ولا يعمل فقد ذمهم الله وتوعدهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٥) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٦)
стр. 12511
ويقول سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١) خطر عظيم فالواجب على العاقل، على المكلف، على كل رجل وامرأة، على الجميع الرجال والنساء، على الجن والإنس الصدق في القول والعمل، الثبات على الحق والاستقامة عليه حتى الموت، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في هذه المملكة لكل خير، وأن ينصر بهم الحق، وأن يكثر أعوانهم على الخير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يجعلنا وإياهم وإياكم من الهداة المهتدين إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 12512
١٣٩ - التفقه في الدين
وتعلم العلم الشرعي من أهم الواجبات (١)
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - مفتي عام المملكة عن أهمية العلم الشرعي المبني على الكتاب والسنة، فأجاب سماحته قائلا:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ﷺ ، وصحبه ومن اهتدى بهداه. . أما بعد:
فمن المعلوم عند جميع المسلمين، وعند أهل العلم بالأخص أن التفقه في الدين وتعلم العلم الشرعي من أهم الواجبات، ومن أهم الفروض لعبادة الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه وأرسل الرسل لذلك وأمر العباد بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)
стр. 12513
ولا سبيل لمعرفة هذه العبادة ولا الطريق إليها إلا بالعلم. . كيف يعرف هذه العبادة التي هو مأمور بها إلا بالعلم. . والعلم إنما هو من كلام الله ومن كلام رسوله ﷺ ، والعلم قال الله وقال الرسول ﷺ ، وليس العلم بالتهجس والرأي والتخرص، وإنما مأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بواسطة الأحاديث ونقل العلماء عن الرسول ﷺ ، وعن الصحابة ﵃ وأرضاهم، فالواجب على المسلم أن يتعلم ويتفقه في الدين، وهكذا المسلمة حتى يتعلم كيف يعبد ربه، وكيف يؤدي ما أوجب الله عليه، وكيف يتجنب ما حرم الله عليه؛ ولهذا يقول الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق على صحته.
ويقول ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » ويقول ﵊: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٣) » .
فالواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء التعلم والتفقه في الدين عن طريق القرآن والسنة وسؤال أهل العلم والتبصر.
стр. 12514
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) فالذي عنده قدرة وعنده علم يأخذ من كتاب الله ومن سنة الرسول ﷺ ، والذي ليس عنده قدرة ولا علم يسأل أهل العلم، ولا يجوز السكوت على الجهل والإعراض والغفلة، بل يجب أن يتعلم ويتفقه في الدين ويتبصر حتى يؤدي الواجب كيف يصلي، كيف يصوم، كيف يبيع، كيف يشتري، وهكذا يعرف المحرمات التي حرمها الله حتى يحذرها، ومعلوم أن هناك أشياء معروفة من الدين بالضرورة، ويعرف أن الله أوجب عليه الصلاة، فالمسلم يعرف هذا، وأن الله أوجب الزكاة وأوجب صيام رمضان وأوجب الحج مع الاستطاعة، هذه أمور معروفة، ولكن يتفقه فيها وكيفية كل منها، كذلك من المعروف أن الزنا وشرب المسكر والسرقة من المحرمات، والشرك معلوم أنه من أعظم الذنوب، ولكن يتعلم ما هو الشرك وما هي تفاصيله كذلك يحذر الزنا وأسبابه، ويحذر المسكرات واجتناب أهلها، يحذر الربا وأنواعه ويتبصر فيه ويحذر الغيبة والنميمة، ويتعلم ماهية كل منهما حتى يدع ما حرم الله.
стр. 12515
على بصيرة؛ لأنه مأمور بأداء الفرائض وترك المحارم. . والله يقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) فالعبادة لله توحيده وطاعة أوامره وترك نواهيه.
وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) الآية يعني بطاعة أوامره وترك نواهيه والإخلاص له، وهذا يعم جميع الدين، وما علمكم إياه وأمركم به التزموا به إن كان أمرا بالفعل وإن كان نهيا بالترك.
هذا هو الواجب على جميع المسلمين المكلفين أن يمتثلوا لأمر الله وأمر رسوله وأن يحذروا ما نهى الله عنه ورسوله، وبهذا يؤدون العبادة التي خلقوا لها، فالواجب التعلم والتبصر والتفقه في الدين وعدم التشبه بالكفار، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 12516
١٤٠ - مسئولية طالب العلم .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)
стр. 12517
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (١) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢)
أما بعد: أيها الإخوة في الله. . أيها الأبناء الكرام. . فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء، وأسأله سبحانه أن يجعله لقاء مباركا، وأن ينفعنا به جميعا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يهدينا جميعا سواء السبيل. فنعم الله لا تحصى، وفضله لا يستقصى، فهو المنعم بكل النعم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣) وقال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤)
فنشكره سبحانه ونسأله المزيد من فضله لنا ولكم ولجميع المسلمين في كل مكان.
أيها الإخوة في الله، أيها الأبناء الأعزاء، سمعتم عنوان الكلمة وهي: مسئولية طالب العلم في المجتمع، فالموضوع موضوع
стр. 12518
عظيم، ومسئولية طالب العلم مسئولية كبيرة، وهي متفاوتة على حسب ما عنده من العلم، وعلى حسب حاجة الناس إليه، وعلى حسب قدرته وطاقته.
فهناك مسئولية من جهة نفسه: من جهة إعداد هذه النفس للتعليم والدعوة، وأداء الواجب، ومن جهة العناية بالعلم والتفقه في الدين، ومراجعة الأدلة الشرعية، والعناية بها، فإن طالب العلم بحاجة شديدة إلى أن يكون لديه رصيد عظيم من الأدلة الشرعية، والمعرفة بكلام أهل العلم وخلافهم، ومعرفة بالراجح في مسائل الخلاف بالدليل من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بدون تقليد لزيد وعمرو، فالتقليد كل يستطيعه، وليس من العلم في شيء. قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر الإمام المشهور صاحب التمهيد وغيره: (أجمع العلماء على أن المقلد لا يعد من العلماء) . فطالب العلم عليه مسئولية كبيرة ومفترضة، وهي أن يعنى بالدليل، وأن يجتهد في معرفة براهين المسائل، وبراهين الأحكام من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ومن القواعد المعتبرة. . وأن يكون على بينة كبيرة، وعلى صلة وثيقة بكلام العلماء، فإن معرفته بكلام أهل العلم تعينه على فهم الأدلة، وتعينه على استخراج الأحكام، وتعينه على التمييز بين الراجح والمرجوح.
стр. 12519
ثم عليه مسئولية أخرى من جهة الإخلاص لله سبحانه، ومراقبته وأن يكون هدفه إرضاءه ، وأداء الواجب وبراءة الذمة، ونفع الناس، فلا يهدف إلى مال وعرض عاجل، فذلك شأن المنافقين وأشباههم من أهل الدنيا، ولا يهدف للرياء والسمعة، ولكن هدفه أن ينفع عباد الله، وأن يرضي ربه قبل ذلك، وأن يكون على بينة فيما يقول، وفيما يفتي به، وفيما يعمل به، ولا يجوز له التساهل، لأن طالب العلم متبع متأسى بتصرفاته وأعماله.
فإن كان مدرسا تأسى به الطلبة، وإن كان مفتيا أخذ الناس فتواه، وإن كان داعية كذلك خطره عظيم، وإن كان قاضيا فالأمر أعظم.
فالواجب على طالب العلم أن يكون له موقف مع ربه، موقف يرضاه مولاه، موقف يشتمل على الإخلاص لله، والصدق في طلب رضاه، والحرص الذي لا حدود له، في معرفة الأدلة الشرعية، والتفتيش عنها حتى يقف على الدليل، وبذلك تنفسح أمامه الدنيا، ويفتي على بصيرة، ويدعو إلى الله على بصيرة، ويعلم الناس على بصيرة، ويأمر بالمعروف على بصيرة، وينهى عن المنكر
стр. 12520
على بصيرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١) وقد فسرت البصيرة بالعلم.
أما من ليس له بصيرة، فلا يعد من أهل العلم، ولا ينفع الناس، لا في دعوة ولا في غيرها من جهة أمور الدين، أعني النفع الحقيقي المثمر، وإن كان قد ينفع بعض الناس بنصيحة يعرفها، أو مسألة يحفظها، أو مساعدة مادية يقدمها.
ولكن النفع الحقيقي من طالب العلم، يترتب على صدقه وإخلاصه، وعلى كثرة علمه، وتمكن فقهه، وعلى صبره ومصابرته.
وهناك مسألة مهمة، وهي المسئولية الملقاة على طالب العلم من جهة البلاغ والتعليم للناس، فإن العلماء هم خلفاء الرسل، وهم ورثتهم، ولا يخفى مرتبة الرسل، وأنهم هم القادة، وهم الهداة للأمة، وهم أسباب سعادتها ونجاتها، فالعلماء حلوا محلهم، ونزلوا منزلتهم في البلاغ والتعليم؛ لأنهم ختموا بمحمد ﵊، فلم يبق إلا البيان والتبليغ لشريعة محمد ﷺ ، والدعوة إليها وبيانها ونشرها بين الناس، وليس لذلك أهل إلا أهل العلم، هم الذين أهلهم الله لهذا الأمر دعاة وقادة بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم الظاهرة والباطنة.
стр. 12521
فواجبهم عظيم، والخطر عليهم عظيم، والأمة في ذمتهم، لأنها بأشد الحاجة إلى البلاغ والبيان بالطرق الممكنة.
والطرق اليوم كثيرة: منها وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. . فلها آثارها العظيمة في إضلال الناس، وفي هدايتهم. . وهكذا الخطب في الجمع والأعياد والمناسبات والندوات، والاحتفالات لأي سبب، لها أثرها أيضا. والنشرات المستقلة والمؤلفات والرسائل لها أثرها العظيم.
فالطرق بحمد الله اليوم ميسرة وكثيرة، وإنما المصيبة ضعف الطالب، وقلة نشاطه، وإعراضه وغفلته. . هذه هي المصيبة العظمى. . فالله يقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)
فليس في الوجود من هو أحسن قولا من هؤلاء، وعلى رأسهم الرسل الكرام والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم أهل العلم.
فكلما كثر العلم، وكملت التقوى والخوف من الله ، والإخلاص له سبحانه صار النفع أكثر، وصار التبليغ عن الله - وعن رسوله أكمل. وكلما ضعفت التقوى، أو قل العلم، أو
стр. 12522
قل الخوف من الله، أو بلي العبد بمشاغل الدنيا والشهوات العاجلة قل هذا العلم، وقل هذا الخير. يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)
بين سبحانه أن مهمة النبي الدعوة إلى الله على بصيرة، وأمره أن يبلغ الناس ذلك، (قل) أي: قل يا أيها الرسول للناس (هذه سبيلي) أي هذه التي أنا عليها، هذه الشريعة وهذه الطريقة التي أنا عليها من القول والعمل هي سبيلي، وهي منهجي وطريقي إلى الله.
فوجب على أهل العلم أن يسيروا على الطريق الذي سلكه المصطفى ﵊، وهو الدعوة إلى الله على بصيرة. فذلك سبيله وسبيل أتباعه أيضا.
فلا يكون العبد من أتباعه على الحقيقة وعلى الكمال إلا إذا سلك ذلك المسلك، فمن دعا إلى الله على بصيرة، وتبرأ من الشرك، واستقام على الحق، فهو من أتباعه ﵊، ولهذا قال بعدها: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)
فالداعي إلى الله الصادق في الدعوة هو المتبع للرسول على بصيرة، وعلى علم وليس بالكذب والقول على الله بغير علم
стр. 12523
تعالى الله عما لا يليق به - مع وصفه سبحانه بصفات الكمال، وتنزيهه عن مشابهة خلقه، وتوحيده والإخلاص له، والبراءة من الشرك وأهله.
والداعي إلى الله يجب أن يوحد الله، ويستقيم على شريعته، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ووصفه سبحانه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وتنزيهه عن صفات النقص والعجز، وإثبات أسمائه الحسنى، وصفاته العلا الكاملة له جل وعلا التي جاء بها كتابه العظيم، أو جاءت بها سنة رسوله الأمين ﷺ إثباتا يليق بجلاله وعظمته، بلا تمثيل، وتنزيها له سبحانه بلا تعطيل.
فيثبت العبد صفات الله وأسماءه إثباتا كاملا، ليس فيه تمثيل، ولا تشبيه، وينزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين في جميع صفاته، تنزيها بريئا من التعطيل.
فهو يسمي الله بأسمائه الحسنى، ويصف الله بصفاته العلا الواردة في الكتاب العظيم، والسنة الصحيحة، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولا زيادة ولا نقصان، فهو متبع لا مبتدع، سائر على النهج القويم، الذي سلكه الرسل، وسلكه أتباعهم بإحسان، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ ، وصحابته ﵃ من بعده، ثم أتباعهم بإحسان،
стр. 12524
وعلى رأسهم الأئمة المشهورون بعد الصحابة: كالإمام مالك بن أنس، والإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، والإمام أحمد بن محمد بن حنبل، والإمام الأوزاعي، والإمام سفيان الثوري، والإمام إسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة العلم والهدى، الذين ساروا على النهج القويم، في إثبات أسماء الله وصفاته، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه.
ثم طالب العلم بعد ذلك حريص جدا أن لا يكتم شيئا مما علم، حريص على بيان الحق والرد على الخصوم لدين الإسلام، لا يتساهل ولا ينزوي، فهو بارز في الميدان دائما حسب طاقته، فإن ظهر خصوم للإسلام - يشبهون ويطعنون - برز للرد عليهم كتابة ومشافهة وغير ذلك لا يتساهل ولا يقول هذه لها غيري، بل يقول: أنا لها. . أنا لها. . ولو كان هناك أئمة آخرون يخشى أن تفوت المسألة، فهو بارز دائما لا ينزوي، بل بارز في الوقت المناسب لنصر الحق، والرد على خصوم الإسلام بالكتابة وغيرها. . من طريق الإذاعة، أو من طريق الصحافة، أو من طريق التلفاز، أو من أي طريق يمكنه، وهو أيضا لا يكتم ما عنده من العلم، بل يكتب ويخطب، ويتكلم ويرد على أهل البدع، وعلى غيرهم من
стр. 12525
خصوم الإسلام بما أعطاه الله من قوة، حسب علمه وما يسر الله له من أنواع الاستطاعة. . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)
فينبغي أن نقف عند هاتين الآيتين وقفة عظيمة: فربنا حذر من كتمان العلم وتوعد على ذلك، ولعن من فعل ذلك، ثم بين الله أن لا سلامة من هذا الوعيد، وهذا اللعن إلا بالتوبة والإصلاح والبيان، التوبة مما مضى من التقصير والذنوب، وإصلاح للأوضاع التي يستطيع إصلاحها من نفسه وبنفسه، وبيان لما لديه من العلم الذي قد يقال إنه كتمه، أو فعلا قد كتمه لحظ عاجل، أو تأويل باطل، ثم من الله عليه بالهدى فلا توبة إلا بهذا البيان، ولا نجاة إلا بهذه التوبة، وهي تشتمل: على الندم على ما مضى من التقصير واقتراف الذنب وإقلاع، وترك لهذا الذنب خائفا من ربه ، حذرا من عقابه.
وشرط ثالث وهو العزم الصادق بأن لا يعود فيه ثانية، ثم بيان مع ذلك وإصلاح، لأنه قد يتوب ولا يعلم الناس توبته، فإذا
стр. 12526
أظهر ذلك وبينه للناس برئت ذمته وصحت توبته، وهنا أمر آخر يتعلق بطالب العلم أمام الله سبحانه أولا، ثم بعد هذا أمام إخوانه وزملائه ومجتمعه، وهو أن يتقي الله في نفسه. . فكلما علم شيئا بادر بالعمل لا يتساهل: يعلم ويعمل. لا بد من العلم، ولا بد من العمل، فهو يحاسب نفسه أبدا، ويجتهد في تطبيق أحكام الله على نفسه، الواجب واجب، والمستحب مستحب، حتى يمثل العلم في أخلاقه وأعماله وسيرته، وحلقات علمه وخطبه وأسفاره وإقامته في البر والبحر والجو، بل في كل مكان، لأن هذا الأمر يهمه ويحرص على أن يأخذ عنه إخوانه وزملاؤه وطلبته، ليعطيهم مما لديه من العلم: من قول وعمل. . وهكذا كان نبينا المصطفى ﵊، كانت دعوته كاملة في القول والعمل، فسيرته أحسن السير، وكلامه أطيب الكلام بعد كلام الله ، وأخلاقه أحسن الأخلاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وكان خلقه القرآن كما قالت عائشة ﵂. يأتمر بأوامره، وينتهي عن نواهية، ويتأدب بآدابه، ويعتبر بما فيه من الأمثال والقصص العظيمة، ويدعو الناس إلى ذلك.
стр. 12527
وأهل العلم عليهم أن يتأسوا به ﵊ في هذا الخلق العظيم، وأن يصدقوا الله في أقوالهم وأعمالهم، وأن يبلغوا عن الله أمره ونهيه، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر حسب الطاقة، وأن يبذلوا المستطاع والنصائح لولاة الأمور بالتوجيه والإرشاد والتنبيه. . ولأهليهم ولجيرانهم ولسائر مجتمعهم وللناس جميعا بكل وسيلة حسب الطاقة. لا يجوز التساهل في هذه الأمور ولا سيما في عصرنا هذا لقلة العلماء وانتشار الشرور وكثرة الرذائل والمنكرات في أرجاء الدنيا في الدول الإسلامية وغيرها. وكل ذي بصيرة يعلم ما ينشر في هذا العصر من الشرور العظيمة، في الإذاعات والصحافة، والتلفاز وفي النشرات الأخرى. وفي المؤلفات الداعية إلى النار.
وهذا الجيش المتنوع الذي يدعو إلى طرق النار، يحتاج إلى جيش مثله، وقوة مثله، بل وأكثر منه، هذه الجيران التي يسوقها أعداء الإسلام إلى المسلمين، وهذه الوسائل الخطرة المتنوعة الكثيرة، كلها يسوقها وينشرها أعداء الإسلام إلى المسلمين، وإلى غير المسلمين، لإهلاكهم وقيادتهم إلى النار، وأن يكونوا معهم في أخلاقهم الخبيثة، وسيرتهم الذميمة، وأن يكونوا معهم في النار، لأن
стр. 12528
قائدهم يريد هذا كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١)
فلا يليق بطالب العلم أن ينزوي ويقول: حسبي نفسي، لا، فإن عليه واجبات. . حسبه نفسه من جهة عمله أن يعمل. . وعليه واجبات من جهة البلاغ والبيان والدعوة فربنا يقول سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٣) فالله سبحانه يأمر الرسول ﷺ بالدعوة، وأمره له أمر لنا جميعا، ليس المقصود له وحده ﵊. . فإذا وجه له الأمر فليس له وحده بل هو له ولنا ولأهل العلم جميعا إلا ما خصه الدليل به.
فعليك يا عبد الله أن تبتعد عن الخمول والانزواء وأن تبلغ أمر الله إلى عباد الله، وعليك أيضا أن تنصح من استطعت نصيحته في كل مكان: أمير القرية، وعالم القرية، وقاضي القرية، وعريف القرية، ومن له شأن في القرية، وفي المدينة وفي القبيلة وفي كل مكان تتصل به اتصالا حسنا، وتناصحة وتوجهه إلى الخير،
стр. 12529
وتتعاون معه على البر والتقوى بالأساليب الحسنة، بالعظة والتذكر بالكلام الطيب، بالرفق لا بالعنف.
وهكذا مع الإمام الأعظم في الدولة، ومع الوزراء في مسئولياتهم، ومع القضاة ومع الدعاة ومع إخوانك في الله جميعا تتعاون معهم.
هكذا يكون طالب العلم كما قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (٢) » .
وقال ﵊: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع (٣) » ، وفي
стр. 12530
لفظ: «رب حامل فقه ليس بفقيه (١) » وفي لفظ: «ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (٢) » .
وقال في إحدى خطبه ﵊: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع (٣) » ، والناس بخير ما تعاونوا على البر والتقوى، مع ملوكهم وأمرائهم، ومع قضاتهم ومع الدعاة إلى الله، ومع جميع المسلمين، لكن مع مراعاة الأساليب الحسنة، والرفق والحكمة، وقد جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٤) » رواه مسلم في الصحيح عن جرير بن عبد الله، وعن عائشة ﵂.
стр. 12531
وفي رواية له عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه (١) » .
ويقول الرسول ﷺ في الصحيح: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢) » ويكفي في هذا قول الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وقول الله ﵎: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤)
وفي قصة موسى وهارون عندما بعثهما الله إلى فرعون يقول الله سبحانه لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٥)
وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين إلى ما يرضيه، وأن يسلك بنا جميعا
стр. 12532
صراطه المستقيم، وأن يرزقنا جميعا العلم النافع، والعمل به، والتأدب بالآداب الشرعية، والخلق العظيم، الذي أثنى الله به على نبيه ﵊، ولنذكر قوله ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (١) » .
فالأمر في طلب العلم عظيم، والخطب في التفقه في الدين كبير. ولنذكر أيضا قول الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » رواه الشيخان من حديث معاوية ﵁، وهذا الحديث العظيم يدلنا على أن التفقه في الدين من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا، ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين فذلك مخذول لم يرد الله به خيرا. ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأله سبحانه أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يول عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يرزقهم جميعا وفي كل مكان الفقه في دينه، والعمل بسنة نبيه محمد ﷺ . . والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 12533
الأسئلة
السؤال الأول: مما يشاع بين طلاب العلم وخاصة في الكليات والمؤسسات العلمية قولهم: العلم ذهب مع أهله، وأنه لا يوجد أحد يتعلم في المؤسسات العلمية إلا من أجل الشهادات والدنيا، فبماذا يرد عليهم، وما الحكم إذا اجتمع قصد الدنيا والشهادة مع نية طلب العلم لنفع نفسه ومجتمعه؟
الجواب: هذا الكلام ليس بصحيح، ولا ينبغي أن يقال هذا الكلام وأمثاله، ومن قال: هلك الناس فهو أهلكهم.
ولكن ينبغي التشجيع والتحريض على طلب العلم، والتفرغ لذلك، والصبر والمصابرة على ذلك، وحسن الظن بطلبة العلم، إلا من علم منه خلاف ذلك.
ولما حضرت المنية معاذا - فيما يذكر - أوصى من حوله بطلب العلم، وقال: (إن العلم والإيمان مكانهما من أرادهما وجدهما) يعني: مكانها في كتاب الله العظيم وسنة رسوله ﷺ الأمين. . وإنما العالم يقبض بعلمه. . فالعلم يقبض بموت العلماء، لكن لا تزال بحمد الله طائفة على الحق منصورة، ولهذا قال ﵊: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت
стр. 12534
العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا (١) » رواه البخاري في صحيحه.
وهذا هو الذي يخاف منه، يخاف أن يتقدم للإفتاء والتعليم الجهلة، فيضلون ويضلون، وهذا الكلام الذي يقال: ذهب العلم، ولم يبق إلا كذا وكذا، يخشى منه التثبيط لبعض الناس، وإن كان الحازم والبصير لا يثبطه ذلك، بل يدفعه إلى طلب العلم، حتى يسد الثغرة.
والفاهم المخلص، والصادق البصير بمثل هذا الكلام لا يثبطه ذلك، بل يتقدم ويجتهد، ويثابر ويتعلم ويسارع لشدة الحاجة للعلم، وليسد الثغرة إلى زعمها هؤلاء القائلون: إنه لم يبق أحد، والحاصل أنه وإن نقص العلم وذهب أكثر أهله، فإنه ولله الحمد لا تزال طائفة على الحق منصورة. كما قال النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله (٢) » فعلينا أن نجتهد في طلب
стр. 12535
العلم، وأن نشجع عليه، وأن نحرص على سد الثغرة، والقيام بالواجب في مصرنا وغيره، عملا بالأدلة الشرعية المرغبة في ذلك، وحرصا على نفع المسلمين، وتعليمهم، كما ينبغي أن نشجع على الإخلاص والصدق في طلب العلم، من أراد الشهادة ليتقوى بها على تبليغ العلم والدعوة إلى الخير، فقد أحسن في ذلك، وإن أراد المال ليتقوى به فلا بأس أن يدرس ليتعلم وينال الشهادة التي يستعين بها على نشر العلم، وأن يقبل الناس منه هذا العلم، وأن يأخذ المال الذي يعينه على ذلك، فإنه لولا الله سبحانه ثم المال لم يستطع الكثير من الناس التعلم وتبليغ الدعوة.
فالمال يساعد المسلم على طلب العلم، وعلى قضاء حاجته، وعلى تبليغه للناس، ولما ولى عمر ﵁ أعمالا، أعطاه رسول الله ﷺ مالا، قال: أعطه من هو أفقر مني، فقال النبي ﷺ : «خذ هذا المال فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. وما لا فلا تتبعه نفسك (١) » خرجه مسلم في صحيحه.