وفي رواية له عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه (١) » .
ويقول الرسول ﷺ في الصحيح: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢) » ويكفي في هذا قول الله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣) وقول الله ﵎: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤)
وفي قصة موسى وهارون عندما بعثهما الله إلى فرعون يقول الله سبحانه لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٥)
وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين إلى ما يرضيه، وأن يسلك بنا جميعا
стр. 12532
صراطه المستقيم، وأن يرزقنا جميعا العلم النافع، والعمل به، والتأدب بالآداب الشرعية، والخلق العظيم، الذي أثنى الله به على نبيه ﵊، ولنذكر قوله ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (١) » .
فالأمر في طلب العلم عظيم، والخطب في التفقه في الدين كبير. ولنذكر أيضا قول الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » رواه الشيخان من حديث معاوية ﵁، وهذا الحديث العظيم يدلنا على أن التفقه في الدين من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا، ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين فذلك مخذول لم يرد الله به خيرا. ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأله سبحانه أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يول عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يرزقهم جميعا وفي كل مكان الفقه في دينه، والعمل بسنة نبيه محمد ﷺ . . والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 12533
الأسئلة
السؤال الأول: مما يشاع بين طلاب العلم وخاصة في الكليات والمؤسسات العلمية قولهم: العلم ذهب مع أهله، وأنه لا يوجد أحد يتعلم في المؤسسات العلمية إلا من أجل الشهادات والدنيا، فبماذا يرد عليهم، وما الحكم إذا اجتمع قصد الدنيا والشهادة مع نية طلب العلم لنفع نفسه ومجتمعه؟
الجواب: هذا الكلام ليس بصحيح، ولا ينبغي أن يقال هذا الكلام وأمثاله، ومن قال: هلك الناس فهو أهلكهم.
ولكن ينبغي التشجيع والتحريض على طلب العلم، والتفرغ لذلك، والصبر والمصابرة على ذلك، وحسن الظن بطلبة العلم، إلا من علم منه خلاف ذلك.
ولما حضرت المنية معاذا - فيما يذكر - أوصى من حوله بطلب العلم، وقال: (إن العلم والإيمان مكانهما من أرادهما وجدهما) يعني: مكانها في كتاب الله العظيم وسنة رسوله ﷺ الأمين. . وإنما العالم يقبض بعلمه. . فالعلم يقبض بموت العلماء، لكن لا تزال بحمد الله طائفة على الحق منصورة، ولهذا قال ﵊: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت
стр. 12534
العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا (١) » رواه البخاري في صحيحه.
وهذا هو الذي يخاف منه، يخاف أن يتقدم للإفتاء والتعليم الجهلة، فيضلون ويضلون، وهذا الكلام الذي يقال: ذهب العلم، ولم يبق إلا كذا وكذا، يخشى منه التثبيط لبعض الناس، وإن كان الحازم والبصير لا يثبطه ذلك، بل يدفعه إلى طلب العلم، حتى يسد الثغرة.
والفاهم المخلص، والصادق البصير بمثل هذا الكلام لا يثبطه ذلك، بل يتقدم ويجتهد، ويثابر ويتعلم ويسارع لشدة الحاجة للعلم، وليسد الثغرة إلى زعمها هؤلاء القائلون: إنه لم يبق أحد، والحاصل أنه وإن نقص العلم وذهب أكثر أهله، فإنه ولله الحمد لا تزال طائفة على الحق منصورة. كما قال النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله (٢) » فعلينا أن نجتهد في طلب
стр. 12535
العلم، وأن نشجع عليه، وأن نحرص على سد الثغرة، والقيام بالواجب في مصرنا وغيره، عملا بالأدلة الشرعية المرغبة في ذلك، وحرصا على نفع المسلمين، وتعليمهم، كما ينبغي أن نشجع على الإخلاص والصدق في طلب العلم، من أراد الشهادة ليتقوى بها على تبليغ العلم والدعوة إلى الخير، فقد أحسن في ذلك، وإن أراد المال ليتقوى به فلا بأس أن يدرس ليتعلم وينال الشهادة التي يستعين بها على نشر العلم، وأن يقبل الناس منه هذا العلم، وأن يأخذ المال الذي يعينه على ذلك، فإنه لولا الله سبحانه ثم المال لم يستطع الكثير من الناس التعلم وتبليغ الدعوة.
فالمال يساعد المسلم على طلب العلم، وعلى قضاء حاجته، وعلى تبليغه للناس، ولما ولى عمر ﵁ أعمالا، أعطاه رسول الله ﷺ مالا، قال: أعطه من هو أفقر مني، فقال النبي ﷺ : «خذ هذا المال فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. وما لا فلا تتبعه نفسك (١) » خرجه مسلم في صحيحه.
стр. 12536
وأعطى النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم، ورغبهم حتى دخلوا في دين الله أفواجا، ولو كان حراما لم يعطهم، بل أعطاهم قبل الفتح وبعده.
وفي يوم الفتح أعطى بعض الناس على مائة من الإبل، وكان يعطى عطاء من لا يخشى الفقر ﵊، ترغيبا في الإسلام ودعوة إليه.
وقد جعل الله سبحانه للمؤلفة قلوبهم حقا في الزكاة، وجعل في بيت المال حقا لهم ولغيرهم من المدرسين والقضاة، وغيرهم من المسلمين. والله ولي التوفيق.
стр. 12537
السؤال الثاني: ينفر كثير من طلبة العلم من المناصب الدينية، فما هو السبب؟ وهل من نصيحة للحضور، كما يلاحظ أن كثيرا من الطلبة في كليات الشريعة، يبحث بشتى الطرق للتخلص من القضاء، فما نصيحة فضيلتكم لهم؟
الجواب: المناصب الدينية من القضاء والتعليم والفتوى والخطابة، مناصب شريفة ومهمة، والمسلمون في أشد الحاجة إليها. وإذا تخلى عنها العلماء تولاها الجهال، فضلوا وأضلوا، فالواجب على من دعت الحاجة إليه من أهل العلم والفقه في الدين أن يمتثل؛ لأن هذه الأمور من القضاء والتدريس والخطابة والدعوة إلى الله وأشباه ذلك من فروض الكفايات، فإذا تعينت على أحد من
стр. 12538
المؤهلين وجبت عليه، ولم يجز له الاعتذار منها والامتناع. ثم لو قدر أن هناك من يظن أنه يكفي، وأنها لا تجب عليه هذه المسألة، فينبغي له أن ينظر الأصلح، كما ذكر الله سبحانه عن يوسف ﵊، أنه قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١) لما رأى المصلحة في توليه ذلك، طلب الولاية، وهو نبي ورسول كريم، والأنبياء هم أفضل الناس، طلبها للإصلاح: يصلح أهل مصر، ويدعوهم إلى الحق.
فطالب العلم إذا رأى المصلحة في ذلك طلب الوظيفة ورضي بها قضائية أو تدريسا أو وزارة أو غير ذلك. على أن يكون قصده الإصلاح والخير، وليس قصده الدنيا، وإنما يقصد وجه الله، وحسن المآب في الآخرة، وأن ينفع الناس في دينهم أولا، ثم في دنياهم، ولا يرضى أن يتولى المناصب الجهال، والفساق، فإذا دعي إلى منصب صالح يرى نفسه أهلا له، وأن فيه قوة عليه، فليجب إلى ذلك، وليحسن النية، وليبذل وسعه في ذلك ولا يقل: أخشى كذا، وأخشى كذا.
ومع النية الصالحة والصدق في العمل يوفق العبد ويعان على ذلك، إذا أصلح الله نيته وبذل وسعه في الخير وفقه الله.
стр. 12539
ومن هذا الباب حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنه قال: يا رسول الله: اجعلني إمام قومي. فقال النبي ﷺ : «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا، لا يأخذ على أذانه أجرا (١) » رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح.
فطلب ﵁ إمامة قومه؛ للمصلحة الشرعية، ولتوجيههم للخير، وتعليمهم وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، مثلما فعل يوسف ﵊.
قال العلماء: إنما نهي عن طلب الأمرة والولاية إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك؛ لأنه خطر، كما جاء في الحديث النهي عن ذلك، لكن متى دعت الحاجة والمصلحة الشرعية إلى طلبها جاز ذلك؛ لقصة يوسف ﵊، وحديث عثمان ﵁ المذكور.
стр. 12540
السؤال الثالث: من أكبر المشكلات التي يعاني منها طالب العلم مشكلة انصراف المجتمع عنه، وعن علمه، فهو
стр. 12541
لا يشعر بمكانه المناسب له في المجتمع؛ لأن المجتمع المادي في هذا العصر لا يقيس الأشخاص إلا بمقدار الكسب المادي الحاصل من أي عمل، فما هو العلاج في نظر فضيلتكم؟
وكيف يعمل طالب العلم هل يكون في مجتمع خاص يستطيع أن يتعلم ويعيش فيه، أم ماذا يصنع؟ أرجو أن تقدموا لنا النصيحة التي استفدتموها عن شيوخكم، واستفادها شيوخكم عن شيوخهم؟
الجواب: هذا الذي قاله السائل ليس بصحيح، ولكن الصحيح أن العلم يقدم أهل العلم، ويرفع أهله في كل مجتمع. . فلو ذهب إلى أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا أو أي مكان لرفعه علمه بين الأقليات الإسلامية، وبين من يدعوهم إلى الله على بصيرة من نفس المشركين، لأنهم سينقادون إلى الحق إذا عرفوه بأدلته الواضحة، وبأخلاق أهله الكريمة.
فالإسلام هو دين الفطرة، وهو دين العدالة والأخلاق، ودين القوة، ودين النشاط، ودين المواساة، ودين كل فضيلة، فطالب العلم الذي يسير على بصيرة، يعرف الأدلة الشرعية، ويعرف أحكام الإسلام، ويعمل بها، مرفوع الرأس أينما كان، ومحترم أينما حل، ولا سيما بين جماعته وأهل بلده إذا
стр. 12542
عرفوا منه العلم والنصح، والصدق وعدم العجلة التي ليس لها ما يبررها، بل يكون طبيبا حكيما، يدعو إلى الله بالحكمة والرفق. فهذا مرفوع الرأس، ومحترم أينما كان: في قرية أو قبيلة، أو غير ذلك إذا كان متخلقا بالعلم قولا وعملا، مبتعدا عن أخلاق الفساق، والمجرمين.
فإن هذا وأمثاله محبوب عند الله، وعند عباده الصالحين، ما دام يعلم ويعمل، وينصح إخوانه، ويعطف عليهم، ويحرص على نفعهم بعلمه، وأخلاقه، وماله، وجاهه. كما فعل الأنبياء والصالحون.
والقول بأن طالب العلم لا محل له في المجتمع، ولا يلتفت إليه، قول في عمومه باطل، غير موافق للواقع كما بينا.
فطالب العلم البصير بدينه الناصح لله ولعباده مرفوع الرأس، ومحترم أينما كان في الطائرة وفي القطار وفي البر والبحر، وفي أي مكان إذا أخلص لله، وأظهر العلم والدعوة إلى الله، وأحسن إلى الناس بالرفق والكلام الطيب فله البشرى والعاقبة الحميدة، والثناء الحسن من المجتمع، والأجر العظيم من الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)
стр. 12543
وكما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) وقال جل وعلا يخاطب نبيه محمدا ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ثم لو قدر أن بعض الدعاة إلى الله لم يحصل مطلوبة، بل أوذي وامتحن، أليس له قدوة في الرسل الذي أوذوا وامتحنوا وأهانهم الناس بل قتلوا بعضهم؟ فلطالب العلم أسوة فيهم، عليهم الصلاة والسلام وفي تحملهم وصبرهم.
ولو فرضنا أن طالب العلم ما وجد الاحترام بين الناس، فإن ذلك لا يضره؛ لأنه لم يطلب العلم لهذا، وإنما طلب العلم لإنقاذ نفسه من الجهالة، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فإن قبلوا منه، ورفعوا مكانته فالحمد لله، وإلا فهو على خير، ولو قتلوه أو أهانوه، فله أسوة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وبخاتمهم محمد ﷺ ، فقد أوذي وأخرج من بلاده مكة إلى المدينة.
стр. 12544
فالداعي إلى الله سبحانه الصادق المخلص له البشرى بالخير والعزة والكرامة، وحسن العاقبة، إذا سلك الطريق السوي. وكان على خلق عظيم وهدى وسيرة حميدة، من غير عنف ولا شدة، ولا دخول فيما لا يعنيه، فإنه على خير عظيم، كما حصل للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولخاتمهم وأفضلهم، وإمام الدعاة والمجاهدين نبينا محمد ﷺ ، ثم ما حصل للتابعين لهم بإحسان. . والله ولي التوفيق.
стр. 12545
السؤال الرابع: نجد في هذا الزمان فجوة بين العلماء وبين طلاب العلم، وعموم المجتمع، وهذه الفجوة تعتبر مشكلة من المشكلات. . فما هي الحلول التي تراها لهذه المشكلة؟
الجواب: الفجوة تنشأ عن انحراف الطالب أو انحراف العالم الذي ينسب إلى العلم، فإذا كان الطالب رديئا في الصلاة، أو يتظاهر بالمعاصي، أو بالعجلة والشدة، كرهه العلماء، وكرهه الأخيار، فلم يفرحوا بطلبه، وكذلك العالم الفاسق، والعالم المعرض، يكرهه الطلبة الطيبون والمجتهدون في الدعوة إلى الخير، الراغبون في الأجر، فيكون بينهم فجوة، أما العلماء الصالحون، والطلاب الصالحون، فليس بينهم فجوة أبدا، بل بينهم التعاون الصادق في كل خير.
стр. 12546
ولكن الفجوة بين المنحرف الذي يدعي العلم، وهو مع الفساق والمدخنين، ومع شراب الخمر، ومع المنحرفين عن الصلاة، وأشباه ذلك.
فمن يحب هذا، ومن يقبل منه وهذه أخلاقه، فهو يحتاج إلى دعوة ونصيحة، وعناية وصبر ومصابرة، حتى يستقيم.
فالفجوة جاءت من جهته هو، الذي بعد بأقواله وأعماله عن أهل العلم، وسيرتهم الحميدة، والعالم الذي لا يمثل علمه بالتقوى والسيرة الحميدة، بل هو مع الخرافيين، ومع عباد القبور، ومع الخمارين، ومع أشباههم ليس بعالم، ولا يستحق التقدير، بل يستحق أن يجفوه أهل العلم النافع، والطلبة الصالحون، حتى يرجع إلى الحق، ويستقيم مع أهل الحق.
ولا شك أن طلبة العلم يمقتونه، ولا يفرحون بقربه لسوء سيرته، بل تسرهم الفجوة التي تكون بينهم وبينه، لعدم الفائدة منه، ولضرره على المجتمع، وعلى طلبة العلم، فهو بحاجة إلى أن يدعى إلى الله وينصح، حتى ينفعه علمه، وحتى ينفع الناس أيضا.
والواجب على الجميع التعاون على البر والتقوى، بصدق وإخلاص، والاستقامة على أمر الله، والحرص على ما يبعد
стр. 12547
الشحناء، وما يضيق الفجوة بينهم، وذلك بالعلم النافع والعمل الصالح، والسيرة الحميدة والصبر على ذلك والله الموفق.
стр. 12548
السؤال الخامس: ما معنى قولك حفظك الله، على طالب العلم أن يجتهد، وهل كل واحد منا مهيأ لذلك وما موقفنا من مذاهب الأئمة الأربعة التي انتشرت في البلاد، وبين العباد، وقلدها الكثير في كل مكان وزمان؟
الجواب: على طالب العلم أن يجتهد حسب طاقته: المبتدئ يجتهد في الاستمرار في طلب العلم، ويحرص على أن يكون أهلا للترجيح في المسائل الخلافية، وعلى طالب العلم المتأهل الذي رزقه الله العلم، وتخرج من الدراسات العليا، ونظر في الكتب، وعرف أقوال الناس أن يجتهد في ترجيح الراجح، وتزييف الزائف بالأدلة الشرعية والصبر والمطالعة.
فالعلم ليس بالسهل، العلم يحتاج إلى صبر ومصابرة، ومراجعة الأحاديث التي تتعلق بموضوع البحث، فقد تمكث أياما كثيرة ما وجدت الحديث الذي تريد أو ما قدرت على تكوين رأي فيه من جهة صحته أو ضعفه.
وهكذا مراجعة كلام أهل العلم. وترجيح الراجح يحتاج إلى صبر ونظر في الأدلة، فالاجتهاد معناه بذل الجهد في تحصيل العلم
стр. 12549
والترقي فيه، حتى تكون من أهله العارفين بالأحكام الشرعية، ومواقف أهل العلم في المسائل الخلافية، وأن تقف في ذلك موقف الناصح والمحب لهم، المرتضي عنهم الذي يعرف أقدارهم وما يبذلون من جهود في تحصيل العلم ونشره بين الناس، والاستفادة من كلامهم وعلومهم، وعدم سبهم وكراهتهم، أو إظهار الانتقاد على سبيل التنقص لهم، وعدم الفائدة منهم، وما أشبه ذلك.
فطالب العلم، يعرف قدر من قبله، وما ألفوا وما جمعوا، ونصحهم لله ولعباده، ويستفيد من كلامهم، وليس معناه أن يقلدهم في الحق والباطل، بل يعرف الحق بدليله. . قال مالك ﵀: (ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله ﷺ .
وقال الشافعي ﵀: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) .
وقال ﵀: (إذا قلت قولا يخالف قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي الحائط) ، وهكذا قال أحمد وأبو حنيفة: معنى ما قاله مالك والشافعي رحم الله الجميع.
стр. 12550
وهكذا قال غيرهم من الأئمة كلهم نصحوا الناس، وأوصوهم باتباع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وألا يقدم على قول الله ورسوله قول أحد من الناس، بل يجب أن يقدم قول الله، وقول رسوله وما أجمع عليه سلف الأمة على من خالف ذلك.
هذا هو موقف العلماء المعتبرين، وهذا هو موقف طالب العلم منهم، حتى ينشأ على أخلاقهم، في تقديم قول الله، وقول رسوله ﷺ ، وترجيح الراجح بالأدلة، واحترام العلماء، ومعرفة أقدارهم، والترضي عنهم، والترحم عليهم.
أما علماء السوء من الجهمية والمعتزلة وأشباههم فهؤلاء يجب أن يمقتوا، ويبغضوا في الله، وأن يحذر الناس من شرهم وأعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة، نصحا لله ولعباده، وعملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله الموفق.
стр. 12551
السؤال السادس: ما رأي فضيلتكم في هذه العبارة تردد على ألسنة كثير من طلبة العلم، وهي: من كان شيخه كتابه ضل عن صوابه؟
الجواب: المعروف: أن من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه، هذه هي العبارة التي نعرفها.
стр. 12552
وهذا صحيح: أن من لم يدرس على أهل العلم، ولم يأخذ عنهم، ولا عرف الطرق التي سلكوها في طلب العلم، فإنه يخطئ كثيرا، ويلتبس عليه الحق بالباطل، لعدم معرفته بالأدلة الشرعية، والأحوال المرعية التي درج عليها أهل العلم، وحققوها وعملوا بها، أما كون خطئه أكثر فهذا محل نظر، لكن على كل حال أخطاؤه كثيرة، لكونه لم يدرس على أهل العلم، ولم يستفد منهم، ولم يعرف الأصول التي ساروا عليها فهو يخطئ كثيرا، ولا يميز بين الخطأ والصواب في الكتب المخطوطة والمطبوعة.
وقد يقع الخطأ في الكتاب، ولكن ليست عنده الدراية والتمييز فيظنه صوابا، فيفتي بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، لعدم بصيرته، لأنه قد وقع له خطأ في كتاب، مثلا: لا يجوز كذا وكذا، بينما الصواب أنه يجوز كذا وكذا، فجاءت لا زائدة، أو عكسه: يجوز كذا وكذا والصواب: ولا يجوز فسقطت لا في الطبع أو الخط فهذا خطأ عظيم.
وكذلك قد يجد عبارة: ويصح كذا وكذا، والصواب: ولا يصح كذا وكذا، فيختلط الأمر عليه؛ لعدم بصيرته، ولعدم علمه، فلا يعرف الخطأ الذي وقع في الكتاب، وما أشبه ذلك.
стр. 12553
١٤١ - على طريق العلم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فمما لا شك فيه أن العلم هو الدعامة الأساسية التي ترتكز عليها مقومات الحياة البشرية، وأولى العلوم بالاهتمام والعناية هو معرفة علم الشريعة الإسلامية، إذ به تعرف الحكمة التي خلقنا الله لأجلها وأرسلت الرسل لتحقيقها وبه عرف الله، وبه عبد كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وبهاتين الآيتين علمت الحكمة في خلق الجن والإنس، والحكمة في إرسال الرسل، وأي أمة لا عقيدة لها صحيحة، ولا دين عندها صحيح، فهي أمة جاهلة مهما بلغت من الرقي والتقدم في نواحي الحياة، كما قال سبحانه: ﴿أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣)
стр. 12554
والحياة الطيبة هي حياة أهل العلم والإيمان، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) والعلم النافع لا يمكن الحصول عليه إلا بواسطة المعلم، ولا يمكن لأي إنسان أن يكون معلما إلا إذا كان عالما بالمادة التي يعلمها غيره، إذ فاقد الشيء لا يعطيه، والعلماء هم ورثة الأنبياء، ولذلك كأنما مهمة المعلم من أصعب المهام لما تتطلبه من الاتصاف بأكمل الصفات حسب الإمكان من علم نافع، وخلق كريم وعمل صالح متواصل وصبر ومصابرة وتحمل للمشاق في سبيل إصلاح الطالب، وتربيته تربية إسلامية نقية، وبقدر ما تتوفر صفات الكمال في المدرس يكون نجاحه في مهمته.
وقدوة الجميع وإمامهم هو سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله الهاشمي العربي المكي ثم المدني عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، فلقد كان أكمل الناس في كل الصفات الكريمة، وقد لاقى في
стр. 12555
توجيه الناس، وتعليمهم الصعوبات الكثيرة، والمشاق العظيمة فصبر على ذلك، وتحمل كل مشقة وصعوبة في سبيل نشر دينه، وإخراج أمته من الظلمات إلى النور، فجزاه الله عن ذلك أفضل الجزاء الحسن وأكمله.
وقد تربى على يديه الكريمتين جيل صالح يعتبر أفضل الأجيال التي عرفتها البشرية في تاريخها الطويل، ومعلوم أن ذلك ناشئ عن حسن تربيته وتوجيهه لأصحابه، وصبره على ذلك بعد توفيق الله لهم وأخذه بأيديهم إلى الحق .
إذا علم ذلك فإن من أهم المهمات في حق المعلم في كل مكان وزمان أن يسير على نهج المعلم الأول محمد ﷺ ، وأن يجتهد في معرفة ذلك حتى يطبقه في نفسه، وفي طلابه حسب الإمكان وما أشد حاجة الأمة في هذا العصر الذي كثر فيه في الهدم وقل فيه دعاة البناء والإصلاح إلى المعلم الصالح الذي يتلقى علومه، وما يربي به طلابه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وينشر بينهم أخلاق السلف الصالح من الصدق والأمانة والإخلاص في العمل وتعظيم الأوامر والنواهي، والمسابقة إلى كل فضيلة، والحذر من كل رذيلة.
وبما تقدم يعلم أن مهمة المعلم مع كونها من أصعب المهام فهي مع ذلك من أشرف الوظائف، وأعظمها نفعا وأجلها قدرا إذا وفق صاحبها للإخلاص وحسنت نيته، وبذل جهده، كما أن
стр. 12556
له من الأجر مثل من انتفع بعلمه. وفي الحديث الشريف يقول المصطفى ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١) » ويقول ﵊: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢) » ويقول أيضا ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٣) » ولا ريب أن المعلم هو المربي الروحي للطالب، فينبغي أن يكون ذا أخلاق فاضلة، وسمت حسن حتى يتأسى به تلامذته، كما ينبغي أن يكون محافظا على المأمورات الشرعية بعيدا عن المنهيات حافظا لوقته قليل المزاح واسع البال، طلق الوجه حسن البشر رحب الصدر جميل المظهر، ذا كفاية ومقدرة وسعة اطلاع كثير العلم بالأساليب العربية؛ ليتمكن من تأدية واجبه على أكمل وجه، ولا شك أن من يعنى بدراسة النفس البشرية من كافة النواحي ويبحث عن الأسباب الموصلة إلى معرفة الطريقة التي يمكن بواسطتها غرس العلوم في هذه النفس بسهولة ويسر، سوف يحصل على نتائج طيبة في كشف خفاياها وما انطوت عليه من مشاعر وأحاسيس ومدى تقبلها للمعلومات المراد غرسها فيها.
وسيخرج من تلك الدراسة والبحث بمعلومات هي في الحقيقة من القواعد العامة التي يقوم عليها صرح التعليم. وهذه القواعد يمكن إجمالها في أنه إذا ما أراد أي معلم أن يغرس معلوماته
стр. 12557
في أذهان تلامذته، فلا بد له قبل كل شيء أن يكون ذا إلمام تام بالدرس الذي وكل إليه القيام به، وذا معرفة بالغة بطرق التدريس وكيفية حسن الإلقاء، ولفت نظر طلابه بطريقة جلية واضحة إلى الموضوع الأساسي للدرس وحصره البحث في موضوع الدرس، دون الخروج إلى هوامش قد تبلبل أفكار التلاميذ، وتفوت عليهم الفائدة، وأن يسلك في تفهمهم للعلوم التي يلقيها عليهم طرق الإقناع، مستخدما وسائل العرض والتشبيه والتمثيل، وأن يركز اهتمامه على الأمور الجوهرية التي هي القواعد الأساسية لكل درس من الدروس، وأن يغرس في نفوسهم كليات الأشياء ثم يتطرق إلى الجزئيات شيئا فشيئا، إذ المهم في كل أمر أصله، وأما الفروع فهي تبع للأصول وأن يركز المواد، ويقربها إلى أذهان التلاميذ وأن يحبب إليهم الدرس ويرغبهم في الإصغاء إليه ويعلمهم بفائدته وغايته أخذا في الحسبان تفهيم كل طالب ما يلائمه وباللغة التي يفهمها.
فليس كل الطلبة على حد سواء، وأن يفسح المجال للمناقشة معهم وتحمل الأخطاء التي تأتي في مناقشاتهم؛ لكونها ناتجة عن البحث عن الحقائق، وأن يشجعهم على كل بحث يفضي إلى وقوفهم على الحقيقة أخذا في الحسبان عوامل البيئة والطباع والعادات والمناخ؛ لأن لتلك الأمور تأثيرا بالغا في نفسيات التلاميذ
стр. 12558
ينعكس على أفهامهم وسيرتهم وأعمالهم. ولهذا فإن من المسلم به أن المعلم النابه الذكي الآخذ بهذه الأمور يكون تأثيره على تلامذته أبلغ من تأثير من دونه من المعلمين. ومهمة المعلم أشبه ما تكون بمهمة الطبيب. ومن واجبه أن يعرف ميول طلابه ومدى حظ كل منهم من الذكاء، وعلى أساس هذه المعرفة يقدر المقاييس الأساسية التي يسير على نهجها في مخاطبة عقولهم وأفهامهم، وتلك من أهم أسباب نجاح المعلم في مهمته.
وأهم العلوم الواجب تعليمها على الإطلاق هو: العناية بإصلاح العقيدة على ضوء الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، ثم العناية ببقية العلوم الشرعية، ثم العلوم الأخرى التي لا غنى للبشر عنها، شريطة أن لا يكون من نتائج تلك العلوم: الإعراض عن العلم الأساسي الذي خلق الخلق لأجله، وأن تسخر هذه العلوم للمصلحة العامة دون أن تقف حجرا في طريق العلم النافع، ولقد هدى الله من هدى لتعلم العلم النافع وتعليمه بتوفيق منه وفضل وحكمة بالغة، فنفع الله بهم العباد والبلاد وفازوا بالذكر الجميل، والسمعة الحسنة، ومضاعفة الأجر، وحسن العاقبة، وحرم التوفيق آخرين بسبب تنكبهم الطريق السوي، فكانت علومهم وبالا عليهم وعلى تلاميذهم فضلوا في متاهات الكفر والإلحاد والزندقة وأضلوا غيرهم فباءوا بمثل إثمهم من عدله سبحانه، وحكمته وجزائه لمن
стр. 12559
حاد عن الحق وتنكب الصراط السوي، وتابع الهوى أن يبوء بالخذلان والزيغ عن الهدى، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، ونسأل الله أن يرزقنا وسائر المسلمين العلم النافع والعمل الصالح، وأن يلطف بنا جميعا ويمن علينا بالفقه في دينه والثبات عليه وأن يصلح ولاة أمر المسلمين وقادتهم وينصر بهم الحق إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
стр. 12560
١٤٢ - مسائل علمية في الآذان والصلاة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. م. خ. من حائل، وفقه الله وزاده من العلم والإيمان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . أما بعد:
فقد وصلني كتابكم الكريم بدون تاريخ وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من الإفادة عن الجماعة الذين يوجدون لديكم في منطقتكم، الذين يزعمون أنه لا يوجد على وجه الأرض أحد يعرف شريعة محمد وأمر محمد ونهي محمد ﷺ سواهم ومن على نهجهم، ويزعمون أن الناس على غير طريقة محمد ﷺ ، ولا أيدوا أحدا من العلماء إلا الألباني، وهم يفتون بضد فتوى علماء الإسلام وجمهور العلماء. . إلخ، ورغبتكم الإفادة عما شبهوا به عليكم والجواب عن شبهتهم كان معلوما؟ (١)
والجواب: لا شك أن هؤلاء الجماعة علموا شيئا من الشريعة، وفاتتهم أشياء كثيرة، فنسأل الله أن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم وأن يمنحنا وإياهم العلم النافع والبصيرة النافذة واتهام الرأي والرجوع إلى الحق، فقد قال بعض السلف: يفسد الدين نصف متعلم، ويفسد الأبدان نصف طبيب، ويفسد اللغة نصف
стр. 12561
نحوي، وما ذاك إلا بسبب الجهل، فإن هؤلاء وأشباههم بسبب علمهم ببعض الأشياء وجهلهم أشياء كثيرة من الشرع، يعتقدون أنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه مما خالفوا فيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وخالفوا فيه ما درج عليه سلف الأمة. . ونحن إن شاء الله نجيبك عما نقلته عنهم في كتابك بالتفصيل فنقول: -
أولا: قولهم: شروط الصلاة، وأركان الصلاة، وواجبات الصلاة، ومبطلات الصلاة كل هذا لم يثبت عن الرسول منه شيء. . إلخ، جوابه: أن هذا الكلام يدل على جهلهم العظيم وقلة معرفتهم بالشريعة، فإن شروط الصلاة المعتبرة، كالطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة والنية، والإسلام، والعقل، والتمييز، ودخول الوقت. كلها عليها أدلة ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، يعرفها صغار الطلبة، وهكذا أركان الصلاة المعتبرة وواجباتها ومبطلاتها، كلها أدلتها واضحة من الكتاب والسنة، ومن راجع كلام أهل العلم وراجع كتب الحديث، كبلوغ المرام، ومنتقى الأخبار، عرف تفصيل ذلك.
وأما قولهم: وأن الصلاة لا يبطلها العبث الكثير والالتفات وغيره، فهذا مخالف لإجماع أهل العلم، فإن العبث الكثير المتواصل المتعمد يبطل الصلاة عند جميع أهل العلم لأن فاعل ذلك يعتبر متلاعبا بصلاته غير مطمئن فيها ولا خاشع، وقد دل القرآن الكريم
стр. 12562
على أن من صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة، وثبت عن النبي ﷺ أمر الذي لم يطمئن في صلاته بإعادتها.
وأما احتجاجهم على ما قالوه من عدم بطلان الصلاة بالعبث الكثير بالتفات الصديق في صلاته لما أكثر الناس من التصفيق حين صلى بالناس عند غيبة النبي ﷺ في بني عمرو بن عوف للإصلاح بينهم، فجاء ﵊ وقد كبر الصديق بالناس تكبيرة الإحرام فلما علم الناس به أكثروا في التصفيق، فالتفت الصديق فرآه ﵊، فأشار عليه النبي ﷺ أن يثبت في مكانه فحمد الله وأثنى عليه ثم تأخر، والقصة معروفة في الصحيحين، فهذا لا حجة فيه على أن العبث الكثير المتعمد لا يبطل الصلاة، بل يدل على أن الالتفات للحاجة لا حرج فيه وهذا بالعنق لا بالبدن، واحتجاجهم بهذا الأمر على جواز العبث الكثير أو على أنه لا يبطل الصلاة يدل على جهل عظيم.
ثانيا: اكتفاؤهم بتسليمة واحدة على اليمين، هذا يقوله أكثر أهل العلم وليس خاصا بهم، ولكن الصواب من جهة الدليل أنه لا بد من تسليمتين، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 12563
بالأحاديث الصحيحة أنه كان يسلم تسليمتين، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي (١) » (٢) وعما احتجوا به أجوبة معروفة عند أهل العلم ذكرها شراح الحديث كصاحب كتاب (فتح الباري) و (نيل الأوطار) وغيرهما.
ثالثا: قولهم: إنه يزاد في السلام وبركاته، فهذا ليس خاصا بهم، بل قاله بعض أهل العلم، وثبت ذلك من حديث وائل بن حجر عن النبي ﷺ ، ولكن الأحاديث الصحيحة الكثيرة ليس فيها هذه الزيادة، والصواب: أنه لا بأس بهذه الزيادة إذا فعلها الإمام أو المنفرد أو المأموم بعض الأحيان جمعا بين الأحاديث، ولكن الأفضل أن يقتصر غالبا على (ورحمة الله) عملا بالأحاديث الصحيحة الكثيرة، ولعل النبي ﷺ زادها في بعض الأحيان، فإذا فعل المسلم ذلك في بعض الأحيان فقد استعمل الأحاديث كلها، ومن تركها فلا بأس كما تركها علماؤنا وجمهور أهل العلم، ومعلوم أن النبي ﷺ أمر أبا محذورة بالترجيع في الأذان بمكة وهو شيء ثابت، ومع ذلك لم يأمر به بلالا
стр. 12564
وهو يؤذن بين يديه ﷺ في المدينة، والجمع بين الأحاديث في ذلك أن أذان بلال مشروع بدون ترجيع، وأذان أبي محذورة مشروع بالترجيع، فمن فعل هذا أو هذا فلا حرج، وهكذا كان بلال يوتر الإقامة بين يدي النبي ﷺ ما عدا التكبير ولفظ الإقامة. . أما أبو محذورة فكان يشفع الإقامة بتعليم النبي ﷺ ، وكل سنة، ولا منافاة بين الحديثين، لكن ذهب جمع من أهل العلم إلى أن الأفضل هو ما فعله بلال بأمر النبي ﷺ حتى توفاه الله، لأن الله سبحانه لا يختار لنبيه إلا الأفضل، ولا إنكار على من فعل هذا أو هذا، ويسمي أهل العلم هذا الاختلاف اختلاف التنوع وهو جائز، ومن هذا الباب تنوع الاستفتاح والتعوذ والتشهد وكل نوع من ذلك مما صح عن النبي ﷺ يجوز العمل به، وإنما الاختلاف في الأفضل من ذلك كما تقدم في أنواع الأذان والإقامة، ومثل هذه المسائل لا ينبغي فيها الاختلاف والتشويش على الناس، لأنها مسائل معلومة عند أهل العلم والأدلة فيها معروفة والاختلاف فيها لا يضر، لأن كل نوع منها جائز بحمد الله، ولكن الجهل يضر أهله ويدخلهم فيما لا يعنيهم.
стр. 12565
رابعا: أما زعمهم أن الخط لا يجوز جعله سترة فهذا تقليد منهم لمن ضعف حديث الخط وزعم أنه مضطرب، كابن الصلاح والعراقي، والصواب أنه حديث حسن ليس فيه اضطراب، كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر في (بلوغ المرام) حيث قال لما ذكره: رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن.
خامسا: أما قولهم إن الركعة لا تدرك بالركوع فهو قول ضعيف مخالف للحديث الصحيح، ولما عليه الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم، وقد ثبت في صحيح البخاري ﵀ عن أبي بكرة الثقفي ﵁، «أنه أدرك النبي ﷺ ذات يوم وهو راكع فركع دون الصف ثم دخل في الصف، فقال له النبي ﷺ : زادك الله حرصا ولا تعد (١) » ولم يأمره بقضاء الركعة التي أدركه في ركوعها، وما ذاك إلا لأنه معذور بسبب عدم إدراكه القيام؛ لأن القيام هو محل قراءة الفاتحة، فلما فات، سقطت الفاتحة عند الأكثرين لهذا الحديث الصحيح، مع أن الجمهور يرون عدم وجوب الفاتحة على المأموم وأن الإمام يتحملها عنه لكن ظاهر الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ يدل على وجوبها
стр. 12566
على المأموم لكن إذا لم يدرك القيام وإنما أدرك الركوع فإنها تسقط عنه على كلا القولين، وممن يرى وجوب الفاتحة على المأموم الإمام الشافعي ومع ذلك يسقطها عنه إذا لم يدرك القيام، وذهب بعض السلف إلى أنه يعيد الركعة ولكنه قول ضعيف مرجوح، لأنه مخالف مخالفة صريحة لحديث أبي بكرة المذكور. . وبهذا تعرف أن الخوض في مثل هذا والتشويش به ليس من شأن أهل العلم.
سادسا: أما إلزامهم الناس بجلسة الاستراحة، فهو قول ساقط ولا أعلم به قائلا من أهل العلم، وإنما الخلاف في استحبابها أو عدمه، والصواب أنها مستحبة وليست واجبة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها إنما تستحب عند الحاجة كالمرض وكبر السن، وقالوا: إن الرسول ﷺ إنما فعلها في آخر حياته لما بدن وثقل، وهذا القول ليس بجيد لعدم الدليل عليه، والصواب أنها من سنن الصلاة لا من واجباتها، ولهذا اختلف الناقلون لصلاته ﵊، فمنهم من ذكرها، ومنهم من لم يذكرها، والسبب في ذلك والله أعلم أن النبي ﷺ لم يواظب عليها، ولهذا خفيت على بعض النقلة، واستحبها بعض الصحابة ﵃، وبعضهم لم يستحبها لما ذكرنا، والله أعلم.
стр. 12567
سابعا: أما قولهم إن الجمعة لا شروط لها، وأنها تصلى في البادية، فهذا قول باطل مخالف لسنة الرسول ﷺ وعمله وعمل أصحابه، ومخالف لإجماع أهل العلم المعتبرين، فقد كانت البوادي في عهد النبي ﷺ وفيما حول المدينة، ولم يكونوا يصلون الجمعة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بصلاة الجمعة، ولم يأمر من لم يصل معه من المرضى والنساء بأن يصلوا الجمعة، بل كل هؤلاء يصلون ظهرا، وهكذا المسافرون يصلون ظهرا، ومما يدل على ذلك ما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه في حجة الوداع صادفت حجته يوم الجمعة، فخطب الناس وذكرهم، ثم أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين جمعا وقصرا في وادي عرنة ثم ذهب إلى الموقف، وكان ذلك في يوم الجمعة، ولم يصل بالناس جمعة، ولو صلى بهم جمعة لنقله الصحابة ﵃، ويدل على ذلك أن الصحابة سموا صلاته ظهرا ولم يجهر بالقراءة، ولم يجعل الخطبة بعد الأذان ولم يخطب خطبتين، بل خطب خطبة واحدة قبل الأذان، ولو كان صلى الجمعة لسماها الصحابة جمعة ولم يسموها ظهرا، ولجهر فيها بالقراءة، وجعل الخطبة بعد الأذان وخطب خطبتين كعادته صلى
стр. 12568
الله عليه وسلم حين كان في المدينة، ولم يحفظ عنه ﷺ في جميع أسفاره أنه صلى الجمعة، ولو فعل ذلك ولو مرة واحدة لنقل ذلك أصحابه ﵃ فقد نقلوا عنه من السنة ما هو أقل من ذلك، ومن الدليل على ذلك أيضا ما ثبت عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته (١) » وهذا يدل على أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، وأن من أدرك أقل من ذلك لا يصلي جمعة، بل يصلي ظهرا. ثامنا: وأما قولهم إن الدعاء بعد الأذان بقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة (٢) » بدعة، فهو قول باطل، ولا أدرى كيف شبه عليهم في ذلك مع أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة (٣) » وفي صحيح
стр. 12569
مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (١) » .
تاسعا: أما زعمهم أن كلمة (الصلاة خير من النوم) إنما تقال في الأذان الأول فهذا محل تفصيل؛ لأن كثيرا من أهل العلم قد اعتقد أن المراد بالأذان الأول هو الأذان الذي ينادى به قبل الصبح، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد به فيما نرى الأذان الذي قبل الإقامة، وهو الذي ينادى به عند طلوع الفجر، فيقال له وللإقامة الأذانان كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة (٢) » الحديث، فإن المراد بالأذانين هنا الأذان والإقامة، وهو واضح لمن تأمل السنة الواردة في ذلك؛ لأن أبا محذورة كان يؤذن بذلك في أذان الصبح في مكة، وقد أخبر أن النبي ﷺ أمره
стр. 12570
أن ينادي بذلك في أذان الصبح، وسماه أبو محذورة الأذان الأول فعلم أن المراد بذلك هو الأذان الذي قبل الإقامة، ولا نعلم في شيء من طرق حديث أبي محذورة أنه كان يؤذن للصبح أذانا آخر قبل الصبح، وإنما هذا معروف من حديث بلال في رمضان خاصة، قال فيه النبي ﷺ : «ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم (١) » ولا نعلم أن بلالا كان ينادي قبل الصبح بأذان غير أذانه للصبح في غير رمضان، بل كان يؤذن للصبح إذا طلع الفجر، أما في رمضان فكان يتعاون مع ابن أم مكتوم فيؤذن قبل الصبح بقليل، ثم يؤذن ابن أم مكتوم على الصبح.
وعلى فرض أنه نادى به بلال في أذانه قبل الصبح ونادى به أبو محذورة في أذانه للصبح يكون من باب اختلاف التنوع فلا حرج في ذلك، ولكن ينبغي أن يترك ذلك في أحدهما إذا كان المؤذن واحدا حتى لا يشتبه الأمر على أهل البلد، فإذا اصطلح أهل البلد على جعله في أذان الصبح فلا حرج في ذلك كما عليه العمل الآن في هذه المملكة، وقد درج عليه علماء الدعوة، ولم يكن عندهم في ذلك إشكال، وهم من العلماء المعروفين بتعظيم السنة والمحافظة عليها والدعوة إلى ترك ما خالفها، ولو اصطلح بعض