الله عنه أنه قال: لا يمس القرآن إلا المطهرون، فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء. وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف. فإذا كان هذا في مس القرآن العزيز، فكيف بمن يضع الصحف التي تشتمل على آيات من القرآن سفرة لطعامه، ثم يرمي بها في النفايات مع النجاسات والقاذورات؟ لا شك أن هذا امتهان لكتاب الله العزيز وكلامه المبين.
فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحافظوا على الصحف والكتب وغيرها مما فيه آيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو كلام فيه ذكر الله أو بعض أسمائه سبحانه فيحفظها في مكان طاهر، وإذا استغنى عنها دفنها في أرض طاهرة أو أحرقها، ولا يجوز التساهل في ذلك، وحيث إن الكثير من الناس في غفلة عن هذا الأمر، وقد يقع في المحذور؛ جهلا منه بالحكم؛ رأيت كتابة هذه الكلمة تذكيرا وبيانا لما يجب على المسلمين العمل به تجاه كتاب الله وأسمائه وصفاته وأحاديث رسوله ﷺ ، وتحذيرا من الوقوع فيما يغضب الله ويتنافى مع مقام كلام رب العالمين. والله سبحانه المسئول أن يوفقنا والمسلمين جميعا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن
стр. 12847
يمنحنا جميعا تعظيم كتابه وسنة رسوله ﷺ ، والعمل بهما وصيانتهما عن كل ما يسيء إليهما من قول أو فعل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 12848
٥١ - تفسير سورة الفاتحة وحكم قراءتها في الصلاة (١) .
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فإن الله جل وعلا شرع لعباده في كل ركعة من الصلاة أن يقرءوا فاتحة الكتاب وهي أم القرآن وهي أعظم سورة في كتاب الله ، كما صح بذلك الخبر عن النبي ﵊
стр. 12849
أنه قال: إنها أعظم سورة في كتاب الله وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم وهي الحمد، هذه السورة العظيمة اشتملت على الثناء على الله وتمجيده جل وعلا، وبيان أنه سبحانه هو المستحق لأن يعبد وأن يستعان به، واشتملت على تعليم العباد وتوجيه العباد إلى أن يسألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فمن نعم الله العظيمة على عباده هذه السورة العظيمة وأن شرع لهم قراءتها في كل ركعة في الفرض والنفل، بل جعلها ركن الصلاة في كل ركعة؛ لقوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (١) » . وقال ﵊ لأصحابه: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها (٢) » . فالواجب على كل مصل أن يقرأ بها في كل ركعة في الفرض والنفل، أما المأموم فعليه أن يقرأ بها في صلاته خلف إمامه، فلو جهل أو نسي أو جاء والإمام راكع سقطت عنه، فيحملها عنه الإمام إذا جاء والإمام راكع ودخل في الركعة أجزأته، وسقط عنه وجوب
стр. 12850
قراءتها؛ لأنه لم يحضرها؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة ﵁ أنه جاء والإمام راكع، فركع دون الصف ثم دخل في الصف، فأخبر النبي ﷺ بهذا بعد الصلاة، فقال له النبي ﷺ : «زادك الله حرصا ولا تعد (١) » . ولم يأمره بقضاء الركعة فدل على أن من أدرك الركوع أدرك الركعة، وهكذا لو كان المأموم جاهلا أو نسي الفاتحة ولم يقرأها أجزأته وتحملها عنه الإمام، أما من علم وذكر فالواجب عليه أن يقرأها مع إمامه، كما يجب على المنفرد والإمام أن يقرأها وهي ركن في حق المنفرد وركن في حق الإمام وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله سبحانه: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله جل وعلا: أثنى علي عبدي، وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله سبحانه: مجدني عبدي؛ - لأن التمجيد هو تكرار الثناء والتوسع في الثناء- فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل (٢) » .
стр. 12851
فقوله: إياك نعبد، حق الله فإن حق الله على عباده أن يعبدوه، وإياك نستعين حق للعبد أن يستعين بالله في كل شيء، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) حق الله عليهم أن يعبدوه، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٢) » . هذا حق الله على العباد أن يعبدوه بطاعة أوامره وترك نواهيه ويحذروا الشرك به . وتقدم في الدرس الماضي أن أصل هذه العبادة وأساسها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هذا أصل العبادة وأساس العبادة: توحيد الله والإيمان برسوله ﵊ فأعظم العبادة وأهمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فعلى كل مكلف أن يتعبد عن علم ويقين وصدق إنه لا إله إلا الله، والمعنى لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٣) وعليه أن يشهد عن علم ويقين وصدق أن محمد بن
стр. 12852
عبد الله بن عبد المطلب هو رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهو خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، كما قال الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) فعلى كل إنسان وعلى كل مكلف من الجن والإنس أن يعبد الله وحده؛ هذا حق الله على عباده ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) يجب على جميع الثقلين جنهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم، عربهم وعجمهم، أغنياؤهم وفقراؤهم، ملوكهم وعامتهم عليهم جميعا أن يعبدوا الله بأداء ما فرض وترك ما حرم، وعليهم أن يخصوه بالعبادة دون كل ما سواه، قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥) قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ (٦) يعني أمر ربك وأوصى ربك
стр. 12853
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وفي هذه السورة يقول جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) يعلمنا أن نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) هذا حقه جل وعلا، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٤) يعني: وحدك بدعائنا وخوفنا ورجائنا وصومنا وصلاتنا وذبحنا ونذرنا، وغير هذا من العبادات كل لله وحده، كما قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٥) فالذين يتقربون إلى الأصنام أو إلى الأموات من الأولياء وغيرهم بالدعاء أو الرجاء أو الذبح أو النذر أو الاستغاثة قد عبدوا مع الله غيره، وقد أشركوا بالله غيره، ونقضوا قول لا إله إلا الله، وخالفوا قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٦) فالعبادة حق الله ليس لأحد فيها نصيب، فالواجب على كل مكلف أن يعبد الله وحده، والواجب على كل من لديه علم أن يعلم الناس وأن يرشد الناس وأن يعلم أهله ومن حوله وأن يرشد الناس إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٧) فعلى جميع المكلفين أن يعبدوا الله وأن يخصوه
стр. 12854
بالعبادة بدعائهم وذبحهم ونذرهم وصلاتهم وصومهم وغير هذا من العبادة، وبهذا نعلم أن ما يفعله بعض الجهلة عند القبور، قبور الصالحين أو من يزعم أنهم صالحون من دعائهم، أو الاستغاثة بهم أو النذر لهم أن هذا هو الشرك الأكبر، وهذا دين الجاهلية ويجب الحذر من ذلك، وهكذا البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها هو من وسائل الشرك، وهو من عمل اليهود والنصارى فيجب الحذر من ذلك يقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) » .
فالواجب عليك يا عبد الله وعليك يا أمة الله الانتباه لهذا الأمر، والعلم بهذا الأمر، وأن العبادة حق الله وحده ليس لأحد فيها نصيب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) هذا حق الله أن نعبده وحده، وأن نستعين به وحده فلا يجوز أن يدعى مع الله سبحانه إله آخر لا نبي ولا غيره، لا محمد ﷺ ولا غيره، ولا البدوي ولا الحسين ولا علي ولا غير ذلك، العبادة حق الله وحده ليس لأحد فيها نصيب، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٤)
стр. 12855
يخاطب نبيه محمدا ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) سيد الخلق لو أشرك بالله لحبط عمله فكيف بغيره وقد عصمه الله من ذلك وحفظه، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) فالشرك هو أعظم الذنوب وأسوءها وأخطرها، فالواجب الحذر منه ومن وسائله، يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) من مات على التوحيد والإخلاص لله والإسلام فهو من أهل الجنة. لكن إن كان له ذنوب وسيئات فهو على خطر قد يغفر له وقد لا يغفر له، وقد يعذب بمعاصيه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) فإذا مات على شرب الخمر أو على عقوق الوالدين أو أحدهما أو على أكل الربا أو على ظلم الناس فهو على خطر عظيم من دخول النار، وقد يغفر له وقد لا يغفر إلا أن يتوب قبل موته توبة صادقة فمن تاب تاب الله عليه، وقد دلت السنة المتواترة عن رسول الله ﷺ أن كثيرا
стр. 12856
من العصاة يعذبون في النار على قدر معاصيهم ولا يغفر لهم، وثبت عنه ﷺ أنه يشفع في جماعة من العصاة فيحد الله له حدا فيخرجهم من النار، ثم يشفع فيحد الله له حدا فيخرجهم من النار، ثم يشفع فيحد الله له حدا فيخرجهم من النار، ثم يشفع فيحد الله له حدا فيخرجهم من النار التي دخلوها بذنوبهم، ويبقى في النار بقايا من أهل التوحيد دخلوا النار بمعاصيهم فيخرجهم الله من النار بفضله ورحمته جل وعلا، فاتق الله يا عبد الله واحذر السيئات، احذر المعاصي كلها والزم التوبة دائما لعلك تنجو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فأنت على خطر إذا مت على معصية على الربا على الزنا على العقوق على شرب المسكر على ظلم الناس والعدوان عليهم على الغيبة والنميمة فأنت على خطر، فحاسب نفسك وجاهد نفسك وبادر بالتوبة قبل أن يهجم الأجل، واعرف معنى قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) وأن الواجب عليك أن تخص الله بالعبادة دون كل ما سواه، فهو المستحق لأن يعبد فهو الذي يدعى ويرجى ويخاف ويتقرب إليه بالصلاة والصوم والحج والنذر والذبح وغير ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٣) يعني ذبحي
стр. 12857
﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦) وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٧) جميع من يدعوه الناس من دون الله ما يملكون من قطمير وهو اللفافة التي على النواة ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٨) فالواجب الحذر من دعاء غير الله أو الشرك بالله، والواجب توجيه القلوب إلى الله وإخلاص العمل لله وحده في صلاتك وصومك وسائر عباداتك.
فقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٩) يقول الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١٠) حق الله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١١)
стр. 12858
حق العبد، وحاجة العبد، عليه أن يستعين بالله في كل شيء، وفي حديث ابن عباس يقول النبي ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (١) » . فالعبد في غاية الفقر والحاجة إلى الله ، فعليه أن يستعين بربه في كل شيء وعليه أن يسأله حاجته ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢) ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٣) فأنت في أشد الضرورة إلى ربك فاضرع إليه واسأله حاجاتك، واحذر الشرك به خص ربك بالعبادة واحذر أن تشرك بالله شيئا، لا في ذبحك ولا في نذرك ولا في صومك ولا في صلاتك ولا في دعائك ولا في غير ذلك، فالعبادة حق الله يجب إخلاصها لله وحده، وإياك أن تغتر بما فعله الجهال في كثير من البلدان من العكوف على القبور ودعاء أصحابها والاستغاثة بها، هذا هو الشرك الذي نهى الله عنه وهو الذي بعث الله الرسل بإنكاره
стр. 12859
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) بعث الله الرسل جميعا بإنكار الشرك والدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له جل وعلا، فاحذر يا عبد الله أن تقع فيما وقع، فيه المشركون من عبادة أصحاب القبور أو الأشجار أو الأصنام أو الكواكب أو الجن كل ذلك شرك به، فمن دعا الجن من دون الله أو دعا الكواكب أو الأصنام أو استغاث بالأموات أو بالغائبين فقد أشرك بالله ووقع في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) ثم أحذر أيضا من وسائل الشرك كالصلاة عند القبور واتخاذ المساجد عليها، واتخاذ القباب عليها كل هذا من وسائل الشرك، ولهذا قال ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، ولما قيل له عن كنائس النصارى وما يفعلون فيها قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك
стр. 12860
شرار الخلق عند الله (١) » .
فبين أن من اتخذ المساجد على القبور والصور على القبور أنهم شرار الخلق عند الله. فالواجب الحذر من هذه الأعمال السيئة من أعمال اليهود والنصارى والمشركين ويجب أن تخص الله بالعبادة أينما كنت، تعبده وحده بدعائك وخوفك ورجائك وصلاتك وصومك وذبحك ونذرك وغيره كله لله وحده ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥) ثم يقول سبحانه بعد ذلك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٧) يعلم عباده أن يدعوه بهذا الدعاء، فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٨) يقول الله: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (٩) » هكذا جاء في الحديث الصحيح. فجدير بك يا عبد الله أن تصدق
стр. 12861
في هذا الدعاء، وأن تخلص في هذا الدعاء، وأن يكون قلبك حاضرا حين تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢) ومعنى اهدنا يعني أرشدنا يا ربنا، ودلنا، وثبتنا ووفقنا. تسأل ربك أن يهديك هذا الصراط وأن يرشدك إليه وأن يعلمك إياه وأن يثبتك عليه. ما هو الصراط المستقيم؟ الصراط المستقيم هو: دين الله هو توحيد الله والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه، هذا هو الصراط المستقيم وهو عبادة الله وهو الإسلام والإيمان والهدى وهو الصراط المستقيم وهو العبادة التي أنت مخلوق لها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) هذه العبادة هي الصراط المستقيم ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) والإسلام هو الصراط المستقيم وهو الإيمان بالله ورسوله وتوحيد الله وطاعته وترك معصيته، هذا هو الصراط المستقيم: أن تعبد الله وحده دون كل ما سواه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٥) لما ذكر الشرك والتوحيد والمعاصي في قوله
стр. 12862
تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) ثم قال بعد هذا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣) فصراط الله أداء أوامره وترك نواهيه، هذا صراط الله المستقيم وأعظمها توحيده والإخلاص له وأعظم المناهي هو الشرك به، فصراط الله المستقيم توحيده والإخلاص له وترك الإشراك به وأداء ما أمر وترك ما نهى، هذا هو صراط الله المستقيم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٤) يعني الزموه واستقيموا عليه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٥) وهي البدع والمعاصي التي ينهى الله عنها، وقد ثبت عنه ﷺ
стр. 12863
أنه خط خطا مستقيما فقال: «هذا سبيل الله (١) » ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله فقال: «هذه السبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه (٢) » . فالسبل هي: البدع والمعاصي والمنكرات التي حرمها الله على عباده فالواجب الحذر منها والصراط المستقيم هو توحيد الله وطاعته وهو الإسلام والإيمان وهو الهدى وهو العبادة التي أنت مخلوق لها، صراط واضح وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده هذا صراط الله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) والمستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) صراط الله، فالرسول بعثه الله ليهدي إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعا كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله
стр. 12864
المستقيم، وربنا يرشدنا في كل صلاة في كل ركعة أن نقول: اهدنا الصراط المستقيم، يعني: اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم الذي شرعته لنا، وبعثت به أنبياءك وخلقتنا له، نطلب منك أن تهدينا له، وأن ترشدنا له وأن تثبتنا عليه، ثم فسره فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ (١) هذا صراط الله المستقيم صراط المنعم عليهم، ومن هم المنعم عليهم؟ هم: الرسل وأتباعهم، وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم نبينا محمد ﵊، وهذا صراطهم صراط الله المستقيم، توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه هذا الصراط المستقيم، وهذا هو صراط المنعم عليهم وهم الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة، والصراط المستقيم: هو العلم والعمل؛ العلم بما شرع الله والعمل بذلك هذا هو الصراط المستقيم، العلم بما شرع الله وبما أوجب الله على عباده والعمل بذلك، أن تعلم حق الله عليك، وأن تعلم ما أوجب الله عليك، وأن تعلم ما حرم الله عليك وأن تستقيم على أداء ما أمرك الله به وعلى ترك ما حرم الله عليك، هذا هو صراط الله المستقيم الذي تطلب ربك في كل ركعة أن يهديك
стр. 12865
صراطه المستقيم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) غير صراط المغضوب عليهم وهم اليهود وأشباههم الذين عرفوا الحق وحادوا عنه، وتكبروا عن اتباعه وغير طريق الضالين وهم النصارى وأشباههم الذين تعبدوا على الجهالة والضلالة، فصراط المنعم عليهم هم أهل العلم والعمل الذين عرفوا الحق وفقهوه، وعملوا به، وأما المغضوب عليهم فهم الذين عرفوا الحق وحادوا عنه، كاليهود وأشباههم وعلماء السوء الذين يعرفون الحق ويحيدون عنه ولا يدلون إليه، والضالون هم النصارى وأشباههم ممن جهل الحق ولم يبال بدين الله، بل اتبع هواه، فأنت يا عبد الله تسأل ربك أن يهديك طريق المنعم عليهم، وهم الرسل وأتباعهم، وأن يجنبك طريق المغضوب عليهم والضالين، وهذه دعوة عظيمة فأعظم دعوة أن تسأل ربك الهداية إلى صراطه المستقيم، وهو صراط المنعم عليهم لا صراط المغضوب عليهم ولا صراط الضالين، احمد ربك على هذه النعمة العظيمة، واحرص على هذا الدعاء وأحضر قلبك عند هذا الدعاء في الصلاة وغيرها هذا الدعاء العظيم الذي أنت في أشد
стр. 12866
الضرورة إليه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) أحضر قلبك واصدق في هذا الطلب في الصلاة وغيرها تسأل ربك تضرع إليه أن يهديك صراطه المستقيم، وأن يثبتك عليه حتى تكون من أتباعه والسالكين عليه غير المغضوب عليهم وغير الضالين؛ لأن اليهود تعبدوا على خلاف العلم وتابعوا أهواءهم حسدا وبغيا، وهم يعرفون أن محمدا رسول الله وأن الله بعثه بالحق، ولكن حادوا عن الحق تكبرا وتعاظما وإيثارا للدنيا على الآخرة وحسدا، والنصارى جهال يغلب عليهم الجهل والضلال وهم أقرب إلى الخير من اليهود، ولهذا يسلم منهم الجم الغفير في كل وقت، أما اليهود فيندر أن يسلم منهم أحد، أما النصارى فكثيرا ما يسلمون في كل وقت؛ لأن قلوبهم أقرب إلى الخير من قلوب اليهود، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (٢) فالنصارى أقرب وقلوبهم ألين من قلوب اليهود؛ لأن علتهم الجهل والضلال
стр. 12867
فإذا عرفوا وبين لهم رجع كثير منهم إلى الحق، أما علة اليهود فليست الجهل، بل علتهم الحسد والبغي وعلتهم مخالفة الحق على بصيرة فعلتهم خبيثة، وهي التكبر عن اتباع الحق والحسد لأهل الحق، ولهذا قل وندر من يسلم منهم نعوذ بالله من ذلك، فأنت يا عبد الله احمد ربك أن هداك لهذا الصراط، وأن علمك إياه وأن شرع لك أن تطلبه في صلواتك وفي خارج الصلاة، تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢) وهذا الصراط هو دين الله وهو الإسلام وهو الإيمان والهدى وهو العبادة التي أنت مخلوق لها، وهو العلم والعمل أن تعلم ما شرعه الله لك، وما خلقك لأجله وتعمل بطاعة الله وتحذر معاصي الله، وتقف عند حدود الله ترجو ثواب الله، وتخشى عقاب الله هذا الصراط المستقيم، وأساسه وأعظمه وأوله وأفرضه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، هذا هو الأساس، هذا هو الأصل هذا هو أعظم واجب، هذا هو الركن الأول ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج كما تقدم
стр. 12868
في الدرس الماضي، يقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (١) » ، هذه هي أركان الإسلام الظاهرة وما سواها من الأوامر تابع لذلك، ويجب مع هذه الأوامر ترك المناهي، الحذر من المناهي خوفا من الله وتعظيما لله وإخلاصا له، هذا هو دين الله، وأساسه توحيده والإخلاص له والإيمان برسوله محمد ﷺ ، ثم أداء الفرائض وترك المحارم، والوقوف عند الحدود، وهذا هو الصراط المستقيم، يجب على كل مسلم من الذكور والإناث على كل جن وإنس على جميع الثقلين يجب عليهم أن يثبتوا على هذا الصراط، وأن يستقيموا عليه وأن يسألوا الله الهداية له، وأن يحذروا مخالفته فهو صراط الله وهو دين الله وهو العلم والعمل، العلم بما شرع الله واتباعه وأساسه توحيد الله والإخلاص له والإيمان برسوله محمد ﷺ ، ثم أداء الفرائض وترك المحارم والوقوف عند الحدود والمحبة في الله والبغضاء في الله والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 12869
المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، كله داخل في هذا كله داخل في الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين آمنوا بالله ورسوله وأخلصوا لله العمل وصدقوا وتفقهوا في الدين وعملوا بطاعة الله، وتركوا معصيته وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم هم المنعم عليهم وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤) هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم، وماذا وعدهم؟ قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥)
стр. 12870
فالله وعدهم الجنة والسعادة، هذا هو جزاؤهم في الدنيا الرحمة، يرحمهم الله بالتوفيق والهداية والتسديد، وفي الآخرة بإدخالهم الجنة والرضى عنهم هذا جزاء أهل الصراط المستقيم، فاحرص يا عبد الله واحرصي يا أمة الله على الاستقامة على الصراط، احرصوا والزموا هذا الصراط، الزموه واستقيموا عليه عن حب وعن رغبة وعن محبة، وعن صدق وعن إخلاص لله، وعن موالاة لأولياء الله ومعاداة لأعداء الله وصبر على طاعة الله، وكف عن محارم الله وتواص بالحق وتعاون على البر والتقوى، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، هكذا المؤمنون هكذا الصادقون هكذا أصحاب الصراط المستقيم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، نسأل الله، يجعلنا وإياكم من هؤلاء الموفقين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين الثابتين على صراطه المستقيم السالكين له المستقيمين عليه إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 12871
٥٢ - تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) الآية.
س: نرجو إيضاح قول الله تعالى عن الكهنة ومن شابههم الذين تركوا طريق الله وذهبوا إلى الشياطين؛ ليتعلموا منهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، كيف يكون ذلك، وهل يحدث ذلك الضرر للمؤمنين الفاسقين؟ وما طريق الوقاية من هذه الشرور والأضرار، حيث يروج كثير من الكهنة للعوام قدرتهم على ذلك؟
ج: قد تكون هذه الطرق الخبيثة من خدمة الشياطين، وخدمة من تعاطى هذه الأمور، وصحبتهم لهم، وتعلمهم منهم من أنواع السحرة والكهنة والرمالين والعرافين، وغيرهم من المشعوذين، فيتعاطون هذه الأمور من أجل المال، والاستحواذ على عقول الناس، وحتى يعظمهم الناس فيقولوا: إنهم يعرفون كذا ويعرفون كذا، وهذا واقع، والله يبتلي عباده بالسراء والضراء، ويبتلي عباده بالأشرار والأخيار، حتى يتميز الصادق من الكاذب،
стр. 12872
وحتى يتميز ولي الله من عدو الله، وحتى يتميز من يعبد الله، ويسعى في سلامة دينه، ويحارب الكفر والنفاق والمعاصي والخرافات، وبين من هو ضعيف في ذلك أو مخلد إلى الكسل والضعف، والله يميز الناس بما يبتليهم به من السراء والضراء، والشدة والرخاء، وتسليط الأعداء والجهاد، حتى يتبين أولياء الله من أعدائه المعاندين لدين الله، وحتى يتبين أهل القوة في الحق من الضعفاء والخاملين، وهذا واقع لا شك فيه، والتوقي لذلك مشروع بحمد الله، بل واجب، وقد شرع الله لعباده أن يتوقوا شرهم بما شرع سبحانه من التعوذات والأذكار الشرعية وسائر الأسباب المباحة، فقد قال النبي ﷺ : «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١) » ، أخرجه مسلم في صحيحه.
وكما أخبر النبي ﷺ : أن «من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات في المساء لم يضره شيء حتى يصبح، ومن قالها ثلاث مرات في الصباح لم يضره شيء حتى يمسي (٢) » ،
стр. 12873
وكما أخبر النبي ﷺ : أن من قرأ آية الكرسي حين ينام على فراشه لم يضره شيء حتى يصبح، وهذا من فضل الله ، وأخبر ﷺ : أن من قرأ سورة الإخلاص: قل هو الله أحد، وسورتي الفلق والناس ثلاث مرات عند نومه لم يضره شيء، فهي من أسباب السلامة من كل سوء إذا قرأها المؤمن عند النوم (ثلاث مرات) وهكذا بعد الصلوات الخمس، ويشرع تكرارها بعد صلاة الفجر والمغرب ثلاثا، وذلك بعد أن ينتهي من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وذلك من فضل الله على عباده، وإرشاده لهم إلى أسباب العافية والوقاية من شر الأعداء.
وهكذا من الأسباب الشرعية الإكثار من الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فهي من أسباب السلامة والعافية لقول النبي ﷺ : «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (١) » ، أخرجه مسلم في صحيحه.
وهكذا العناية بقراءة القرآن الكريم والإكثار منها بالتدبر والتعقل والعناية بأمر الله بطاعته وترك معاصيه.
стр. 12874
وهكذا الإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كلها من أسباب السلامة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكان في حرز من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من عمله (١) » ، متفق على صحته.
ومما يجمع الخير كله للمسلم العناية بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ قولا وعملا، والأخذ بما أوصى به الله عباده وأمرهم به في كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين، ومن ذلك أنه أوصى عباده بالتقوى وأمرهم بها في آيات كثيرة، ولا شك أن التقوى هي أعظم الوصايا، فهي وصية الله ، ووصية رسوله ﵊، وهي جامعة للخير كله.
ومن جملة التقوى العناية بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد أوصى الله بذلك،
والحكمة في ذلك كما قال جمع من أهل التفسير: إن الإنسان إذا تعقل ما خلق له وما أمر به، وما خوطب به، ونظر فيه وتأمله حصل له به التذكر، لما يجب عليه، ولما ينبغي له تركه، ثم بعد ذلك تكون التقوى: بفعل الأوامر وترك النواهي، وبذلك يكمل للعبد العناية بما قرأ، أو بما سمع، فإنه يبدأ بالتعقل والتذكر ثم العمل وهو المقصود.
فالوصية بكتاب الله قولا وعملا تشمل الدعوة إليه، والذب عنه، والعمل به؛ لأنه كتاب الله الذي من تمسك به نجا، ومن حاد عنه هلك، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن النبي ﷺ أوصى بكتاب الله، وذلك حينما «سئل عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى النبي ﷺ بشيء؟ قال: نعم، أوصى بكتاب الله (١) » .
فالرسول ﷺ أوصى بكتاب الله؛ لأنه يجمع الخير كله.
وفي صحيح مسلم، عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﵊ أوصى في حجة الوداع بكتاب الله، فقال: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك (٢) » ، وفي صحيح
стр. 12877
مسلم أيضا، عن زيد بن أرقم ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إني تارك فيكم ثقيلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به (١) » .
فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي (٢) » ، فالنبي ﷺ أوصى بكتاب الله، كما أوصى الله بكتابه، ثم الوصية بكتاب الله وصية بالسنة؛ لأن القرآن أوصى بالسنة وأمر بتعظيمها، فالوصية بكتاب الله وصية بسنة رسول الله ﷺ ، وهما الثقلان، وهما الأصلان اللذان لا بد منهما، من تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما هلك، ومن أنكر واحدا منهما كفر بالله، وحل دمه وماله، وقد جاء في رواية أخرى: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله، وسنتي (٣) » ، أخرجها الحاكم بسند جيد.
وقد عرفت أيها المسلم: أن الوصية بكتاب الله والأمر بكتاب الله وصية بالسنة وأمر بالسنة؛ لأن الله تعالى يقول:
стр. 12878
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) الآية، ويقول أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣)
وهناك آيات كثيرة يأمر فيها سبحانه بطاعته، وطاعة الرسول ﵊، والعلم النافع هو المتلقى عنهما والمستنبط منهما، فهذا هو العلم، فالعلم: قال الله سبحانه، وقال رسول الله ﷺ ، وما جاء عن الصحابة ﵃؛ لأنهم أعلم بكتاب الله وأعلم بالسنة، فاستنباطهم وأقوالهم يعين طالب العلم، ويرشد طالب العلم إلى الفهم الصحيح عن الله وعن رسوله ﵊، ثم الاستعانة بكلام أهل العلم بعد ذلك: أئمة الهدى؛ كالتابعين، وأتباع التابعين، ومن بعدهم من علماء الهدى، وهكذا أئمة اللغة يستعان بكلامهم على فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 12879
فطالب العلم يعنى بكتاب الله سبحانه، ويعنى بالسنة، ويستعين على ذلك بكلام أهل العلم المنقول عن الصحابة ومن بعدهم في كتب التفسير والحديث، وكتب أهل العلم والهدى؛ لكي يعرف معاني كتاب الله، فيتعلمه ويعمل به ويعلمه للناس، لما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ومن ذلك قول الرسول ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١) » ، وقوله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢) » .
وقد حث الرسول ﷺ على المحافظة على كتاب الله وتدبر معانيه؛ لما في ذلك من الأجر العظيم، مثل قول الرسول ﵊: «من قرأ حرفا من القرآن فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (٣) » ، وقوله ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه (٤) » ، خرجه مسلم في صحيحه (٥) ، وأصحابه: هم العاملون
стр. 12880
به، كما في الحديث الآخر: وهو قوله ﷺ : «يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما (١) » أخرجه مسلم في صحيحه (٢) .
والآيات والأحاديث في فضل القرآن والعمل به وفضل السنة والتمسك بها كثيرة جدا.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا والمسلمين للتمسك بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، والعمل بهما، إنه جواد كريم.
стр. 12881
٥٣ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير المكرم سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض
وفقه الله وزاده من العلم والإيمان آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد (٢) :
فأشير إلى سؤالكم الشفهي عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) ورغبة سموكم في أن يكون الجواب خطيا.
وأفيدكم أن علماء التفسير ﵏ ذكروا أن الله سبحانه لما شرع صيام شهر رمضان شرعه مخيرا بين الفطر والإطعام وبين الصوم، والصوم أفضل، فمن أفطر وهو قادر على الصيام فعليه
стр. 12882
إطعام مسكين، وإن أطعم أكثر فهو خير له وليس عليه قضاء، وإن صام فهو أفضل لقوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) فأما المريض والمسافر فلهما أن يفطرا ويقضيا لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) ثم نسخ الله ذلك، وأوجب سبحانه الصيام على المكلف الصحيح المقيم ورخص للمريض والمسافر في الإفطار وعليه القضاء؛ وذلك بقوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) وبقي الإطعام في حق الشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة العاجزة عن الصوم، كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵁، وعن أنس بن مالك ﵁، وجماعة من الصحابة والسلف ﵃، وقد روى البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ معنى ما ذكرنا من النسخ للآية المذكورة، وهي قوله
стр. 12883
تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) الآية، وروي ذلك عن معاذ بن جبل ﵁ وجماعة من السلف ﵏، ومثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يرجى برؤه، والمريضة التي لا يرجى برؤها فإنهما يطعمان عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليهما كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ويجوز إخراج الإطعام في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره، أما الحامل والمرضع فيلزمهما الصيام إلا أن يشق عليهما فإنه يشرع لهما الإفطار وعليهما القضاء كالمريض والمسافر، هذا هو الصحيح في قولي العلماء في حقهما، وقال جماعة من السلف: يطعمان ولا يقضيان كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، والصحيح أنهما كالمريض والمسافر تفطران وتقضيان، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث أنس بن مالك الكعبي ما يدل على أنهما كالمريض والمسافر، وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من الهداة المهتدين إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 12884
٥٤ - تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)
س: هذا يسأل عن تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢) ويقول: ذلك بأننا سمعنا أناسا في الحرم يفسرون لا جناح عليه بأنه ليس من الضروري في الحج والعمرة؟ (٣)
ج: هذا غلط، النبي ﷺ أمر بالسعي وسعى، وكان المسلمون يتحرجون أولا من السعي؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يسعون بينهما بصنمين على الصفا والمروة، فلما جاء الله بالإسلام تحرجوا قيل لهم: لا حرج، والسعي بينهما لله، لا للأصنام، لله وحده كل شعائر الله إعلانه وأحكامه جل وعلا، ولهذا طاف النبي ﷺ بينهما وقال: «خذوا عني مناسككم (٤) » ، في عمرته وفي حجه ﵊، فليس هناك جناح في الطواف بهما كما طاف النبي
стр. 12885
صلى الله عليه وسلم، هذا رد على من تحرج في السعي بينهما، وأنهما كانا بين صنمين الصفا والمروة إساف ونائلة، كان المشركون يسعون للصنمين فأبطل الله عبادة الأصنام، وأقر السعي لله وحده لا شريك له.