← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

يرجون نفعهم وثوابهم، أو يستغيثون بهم، أو يطلبون منهم الولد أو المدد أو ما أشبه ذلك مما يفعله عباد القبور، وعباد الأصنام، أو يستغيثون بالنجوم، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأنبياء، أو بغيرهم من المخلوقات، كل هذا نقض لقول لا إله إلا الله، وشرك بالله ينافي التوحيد ويضاده، ومخالف لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦) فلا بد من توحيد الله والإخلاص له في صلاتك، وصومك، وسائر عباداتك، وفي ذبحك، ونذرك، وخوفك، ورجائك، لا بد في كل

стр. 12812

ذلك من ترك الإشراك بالله والحذر منه مع الإيمان بالله ربك وأنه خالقك لا خالق غيره ولا رب سواه مع الإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه ذو الصفات العلا والأسماء الحسنى لا شبيه له ولا كفو له ولا ند له، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (٢) والمراد أشباه ونظراء، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٥) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٦) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٧) وعليه أيضا أن يؤمن بأن كل إنسان مكلف يجب أن يؤمن بأن الله سبحانه هو خالقه، وموجده، وأنه خالق كل شيء ومالكه وأنه هو المستحق أن يعبده، وأنه هو الإله الحق، وهو المعبود بالحق، ولا يكون المرء مؤمنا إيمانا كاملا إلا إذا اعتقد أنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها على، وأنه لا شبيه له، ولا مثل له، ولا كفو له كما قال سبحانه:

стр. 12813

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٥) يعني لا بهي له، ولا كفؤ له، ولا شريك له، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) والمعنى لا تجعلوا له أشباها ونظراء تدعونهم معه، وقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٧) فهو يسمع أقوال عباده ويسمع دعاءهم ويراهم ومع ذلك لا شبيه له في ذاته، ولا في أسمائه ولا في سمعه وبصره، ولا في جميع صفاته فهو الكامل في كل شيء وخلقه لهم النقص، أما الكمال فهو له في كل الأمور. فعليك بتدبر القرآن حتى تعرف هذا المعنى، تدبر القرآن من أوله إلى آخره من الفاتحة وهي أعظم سورة في القرآن وأفضل سورة فيه إلى آخر ما في المصحف قل هو الله أحد والمعوذتين تدبر القرآن واقرأه بتدبر وتعقل، ورغبة في العمل والفائدة، لا تقرؤه بقلب غافل، اقرأه بقلب حاضر بتفهم وبتعقل، واسأل عما أشكل عليك، اسأل أهل العلم عما أشكل عليك مع أن

стр. 12814

أكثره بحمد الله واضح للعامة والخاصة ممن يعرف اللغة العربية، مثل قوله جل وعلا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) وقوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧) وقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٨) فكله آيات واضحات بين الله سبحانه

стр. 12815

وتعالى فيها ما حرم على عباده وما أحل لهم وما أمرهم به، وما نهاهم عنه. وهكذا حرم الله الظلم فقال تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٢) فعليك يا عبد الله أن لا تظلم الناس، لا في أنفسهم ولا في أعراضهم ولا في أموالهم. احذر الظلم فعاقبته وخيمة، يقول النبي ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله (٣) » . فاحذر لا تعتد على الفقير أو تخونه أو تخون غير الفقير، اتق الظلم في المعاملات وفي كل شيء، لا تظلم عمالا إذا كنت صاحب شركة، أو عندك عمال في بيتك أعطهم حقوقهم، وأوف لهم بالشروط؛ فشروطهم أعطهم إياها سواء كنت مدير شركة، أو صاحب عمال في بيتك، أو في مزرعتك فاتق الله فيهم لا تستضعفهم فتخونهم، وهكذا في جميع شئونك لا تكن خائنا ولا غشاشا في بيعك وشرائك، يقول النبي ﷺ : «من

стр. 12816

غشنا فليس منا (١) » ، ويقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) ويقول سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فإذا كنت وكيلا لإنسان في مزرعته أو شركة أو غير ذلك فلا تخنه، انصح وأد الواجب ولا تأخذ من حقه شيئا إلا بإذنه، وهكذا في جميع الأشياء؛ كالوكيل في البيع أو الشراء يجب عليه أن ينصح في ذلك، في الإجارة انصح ولا تخن في أي شيء، في بيع ثمار النخل، في أي شيء انصح، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٥) وإذا كان عليك دين فاتق الله في أداء الدين لا تقل: إنني لا أستطيع وأنت تكذب، اتق الله وأد الدين لمستحقه فأنت مأمور

стр. 12817

بذلك، مأمور أن تؤدي الحقوق وأن توفي بالعقود يقول الله جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٤) زكاة نفوسهم وزكاة أموالهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٥) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٦) أي: يحفظون الفروج من الزنا، واللواط وسائر المعاصي إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٧) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٨) يرعون الأمانات والعهود حتى يؤدوها كما شرع الله. وهكذا الكلام السري هو من الأمانات، فلا تتكلم به ولا تفش السر، ومن قال افعل كذا وكذا ولا تخبر به أحدا، فإن ذلك يكون سرا بينك وبينه فلا تخنه ولا تخن أمانة السر التي ليس فيها ضرر على أحد، ومن أوصاك على عياله، أو أوصاك على مزرعته، فأد الحق، وراقب الله في ذلك فإن الله سبحانه رقيب عليك، وإذا

стр. 12818

اقترضت من إنسان حاجات فأد حقه إليه ولا تخنه في ذلك، واتق الله وأعطه جميع الحاجات التي أخذتها منه، أو ثمنها إن كنت أخذتها بالشراء، ولا تجحد ما عندك له إذا كان قد نسيه، بل أعطه إياه وقل: إن هذا كان عندي ثمن كذا وثمن كذا. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٢) فالصلاة أعظم الواجبات وأهم الفرائض بعد التوحيد، وهي عمود الإسلام وهي أعظم ركن وأعظم فريضة بعد الشهادتين، فاتق الله فيها وحافظ عليها في الجماعة؛ لقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٣) ولقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤) ولقوله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥) ولقوله ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٦) ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (٧) ولقوله سبحانه عن المنافقين:

стр. 12819

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (١) فلا ترض لنفسك بمشابهتهم ولا تكن مثلهم متثاقلا عن الصلوات كأنك تجر إليها جرا، لكن كن نشيطا قويا مسارعا إليها في صلاة الفجر وغيرها، فلا تقدم النوم على صلاة الفجر ولا على غيرها بل كن صابرا مسارعا ومراقبا الله في جميع الأوقات، وهكذا زوجتك، وهكذا أولادك كن قويا في هذا الأمر مع الزوجة، ومع الأولاد ومع الخدم، وأنت أولهم، كن مسارعا وكن قدوة في الخير إذا سمعت النداء فبادر إلى الصلاة في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كما أمرك الله سبحانه بذلك ورسوله ﷺ ، يقول الله سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) والصلاة الوسطى هي صلاة العصر خصها الله بالذكر لعظم شأنها، ويقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) وإقامتها: هي أداؤها كما أمر الله، وإيتاء الزكاة: هو أداؤها لمستحقيها كما أمر

стр. 12820

الله، فالأموال التي عندك أد زكاتها كما أوجب الله، لا تبخل، وجاهد نفسك في إخراج الزكاة حتى تؤديها إلى أهلها، من هذا المال الذي عندك من نقود أو غنم، أو إبل، أو بقر، أو غير ذلك من أموال الزكاة، وعروض التجارة كالملابس، والأواني، والسيارات إلى غير ذلك مما يعد للبيع، فعليك أن تؤدي عن كل مال زكوي كلما حال عليه الحول في المائة من الدراهم والدنانير وغيرها من العمل اثنان ونصف في المائة وهما ربع العشر، وفي الألف خمسة وعشرون، وفي مائة ألف ألفان وخمسمائة، وهكذا في غنمك إذا كانت سائمة ترعى جميع الحول أو أكثره في الأربعين إلى مائة وعشرين واحدة وهي جذع من الضأن أو ثني من المعز، وفي المائة وإحدى وعشرين إلى مائتين اثنتان، وفي المائتين وواحدة ثلاث شياه ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة، وفي أربعمائة من الغنم أربع شياه، وفي الخمسمائة خمس شياه وهكذا. وأما زكاة الإبل فقد فصلها النبي ﷺ فجعل في الخمس من الإبل التي ترعى جميع الحول أو غالبه شاة واحدة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة من الإبل ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمسا

стр. 12821

وعشرين ففيها بنت مخاض- أنثى قد تم لها سنة- فإن لم توجد لدى صاحب المال أجزأ عنها ابن لبون- ذكر قد تم له سنتان- إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون- أنثى قد تم لها سنتان- إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة - قد تم لها ثلاث سنين- إلى ستين- فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة - قد تم لها أربع سنين- إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى إحدى وتسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى مائة وعشرين، فإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. وهكذا في البقر إذا كانت سائمة ترعى جميع الحول أو أغلبه ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة قد تم لكل منهما سنة، وفي الأربعين مسنة قد تم لها سنتان، وفي الستين تبيعان أو تبيعتان، وفي السبعين تبيع ومسنة، وفي الثمانين مسنتان، وفي التسعين ثلاثة أتباع أو ثلاث تبيعات، وفي المائة تبيعان أو تبيعتان ومسنة، وفي المائة والعشرين ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، ثم تستقر الفريضة. ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة. أما الحبوب والثمار التي تكال وتدخر ففيها نصف العشر إذا كانت تسقى بمئونة كالسواني والمكائن، أما إذا كانت تسقى

стр. 12822

بالمطر أو الأنهار ونحو ذلك ففيها العشر إذا بلغت خمسة أوسق، لقول النبي ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر (١) » . أخرجه البخاري في الصحيح. وقوله صلى الله عليه. وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة (٢) » . متفق على صحته. أما صيام رمضان فهو الركن الرابع من أركان الإسلام يجب أن تتقي الله فيه، فإذا جاء رمضان عليك أن تصوم مع الناس كما أمر الله، وتحفظ صومك عن اللغو وعن الغيبة والنميمة وسائر المعاصي ولا تجرح صومك بشيء منها، بل الواجب أن تصون صيامك عن كل المعاصي، لقول النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (٣) » . أخرجه البخاري في صحيحه.

стр. 12823

وعليك بالكسب الحلال، تحر الحلال من مكسب طيب وأحذر الحرام، وصم صوما صحيحا، فإذا صمت فلتصم جوارحك عن كل ما حرم الله، هكذا الصوم الكامل أن يصوم المرء- عن الطعام والشراب وأن يصوم عن كل ما حرم الله، وهكذا في حجك، لا ترفث ولا تفسق، فإذا حججت فصن حجك عن جميع المعاصي، احذر ذلك في جميع الأحوال؛ لقول النبي ﷺ : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (١) » . متفق على صحته، وقوله ﷺ : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢) » . متفق على صحته. والحج المبرور هو الذي ليس فيه رفث ولا فسوق. وهكذا يجب عليك في جميع المعاملات الحذر من الغش والخيانة والكذب فقد «مر النبي ﷺ على رجل عنده صبرة من طعام

стр. 12824

في السوق فكأنه أحس بشيء فيها فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني (١) » . أخرجه مسلم في صحيحه. والمقصود أن كتاب الله فيه الهدى والنور، وفيه الدعوة إلى كل خير، وفيه التحذير من كل شر، وهكذا سنة رسول الله ﷺ فيها الدعوة إلى كل خير والتحذير من كل شر. فوصيتي لنفسي ولجميع إخواني المسلمين هي تقوى الله سبحانه في جميع الأحوال، وتقوى الله: هي طاعته سبحانه بفعل الأوامر وترك النواهي مع الإخلاص له جل وعلا في ذلك والوقوف عند حدوده، ومن تقوى الله سبحانه العناية بالقرآن وتدير معانيه والإكثار من تلاوته حفظا أو نظرا مع التدبر والتعقل والعمل، قال الله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) فهو لم ينزل لجعله في الدواليب ولا لمجرد القراءة، أو الحفظ وإنما نزل ليقرأ، ويتدبر

стр. 12825

ويعمل به قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ للناس يوم عرفة في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله (٣) » . ويقول ﷺ أيضا: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (٤) » . يعني بهم زوجاته وقراباته من بني هاشم، يذكر الناس بالله في أهل بيته بأن يرفقوا بهم، وأن يحسنوا إليهم، ويكفوا الأذى عنهم، ويوصيهم بالحق، ويعطوهم حقوقهم ما داموا مستقيمين على دينه متبعين لشريعته ﵊، وصح «عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله

стр. 12826

عنه أنه سئل عما أوصى رسول الله ﷺ فقال: أوصى بكتاب الله (١) » ، يعني أوصى بالقرآن، فالقرآن وصية الله ووصية رسوله ﵊ فالله جل وعلا أوصانا بهذا الكتاب فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢) فهذه وصيته وأمره سبحانه باتباع كتابه والتمسك به، وقال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) الآية. فهذا كتاب الله هو أحسن الحديث، وهو أحسن القصص، كما قال سبحانه في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٤) فهو أحسن القصص، قص الله علينا فيه أخبار الماضين من أخبار آدم، وأخبار نوح، وهود، وصالح، وغيرهم من الرسل المذكورين في القرآن، وقص علينا أخبار أممهم وما جرى لهم من العقوبات، وما جرى للمتقين من النصر والتأييد والعاقبة الحميدة وليس هناك قصص أحسن منه، كما قص علينا صفات أهل الجنة

стр. 12827

والنار وأنواع النعيم والعذاب وأخبار يوم القيامة والجزاء والحساب إلى غير ذلك من الأخبار العظيمة. فالوصية أيها الإخوة: رجالا ونساء، جنا وإنسا هي العناية بكتاب الله والإكثار من تلاوته وتدبره والعمل بما فيه، وبسنة الرسول؛ لأنها داخلة في ذلك. فسنة الرسول ﷺ داخلة في الوصية بكتاب الله؛ لأن الله سبحانه أوحى إليه القرآن والسنة قال جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥) وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (٦) » . فالوصية بالقرآن وصية بالسنة فالواجب على جميع المسلمين هو العمل بالكتاب والسنة وتحكيمهما في كل شيء.

стр. 12828

وسنة رسول الله ﷺ هي: أحاديثه الصحيحة، والاستفادة منها وحفظ ما تيسر منها أيضا والسؤال عما أشكل منها؛ لأن الله أوصى بها قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢) يعني عن أمر النبي ﷺ : ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥) نسأل الله العافية. والوصية لنفسي ولكم ولجميع المسلمين ولجميع من بلغه هذا الكلام، الوصية هي تقوى الله، والعناية بكتاب الله الكريم والتواصي بذلك قولا وعملا ومذاكرة، ومن ضيع ذلك فهو خاسر، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٦) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٧) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٨) فهؤلاء هم

стр. 12829

أهل السعادة وهم أهل الربح الذي آمنوا بالله وبرسوله وحدوده، وأخلصوا لله العبادة وأدوا فرائضه، وتركوا محارمه، وتواصوا بالحق: أي تناصحوا فيما بينهم، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ثم مع ذلك صبروا ولم يجزعوا حتى لحقوا بربهم، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) هذا هو شأنهم، وهذا شأن المؤمنين، وقد وعدهم الله بالرحمة فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٢) وهذا جزاؤهم في الدنيا بالتوفيق والهداية والتسديد وفي الآخرة بدخول الجنة، والنجاة من النار، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥) ويقول سبحانه في هذا المعنى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٦) البر والتقوى هو أداء فرائض الله وترك محارمه، ثم يقول سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٧) ويقول النبي ﷺ

стр. 12830

في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » . رواه مسلم في الصحيح، ويقول ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (٢) » . وشبك بين أصابعه، ويقول النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٣) » .، هكذا كان أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان متعاونين على البر والتقوى متناصحين، متواصين بالحق والصبر عليه، دعاة للخير محذرين من الشر صبر في جميع الأحوال، وعليكم أن تكونوا كذلك مع أهلكم، ومع أولادكم، ومع جيرانكم، ومع جلسائكم، ومع جميع المسلمين أينما كانوا في الباخرة، وفي الطائرة، وفي السيارة

стр. 12831

وفي البر، وفي البحر وفي أي مكان، فعليكم أيها الإخوة أن تكونوا متواصين بالحق متناصحين متعاونين على البر والتقوى، دعاة للخير، محذرين من الشر، معتنين بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا. والله المسئول بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يوفقنا للعناية بكتابه، وسنة رسوله ﷺ ، والاهتداء بها والعمل بما فيها، وأن يكون كتاب الله سبحانه خلقا لنا كما كان خلقا لرسولنا الكريم ﷺ ، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن، ومن نزغات الشيطان، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 12832

٤٩ - الحث على العناية بكتاب الله وتعلمه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فإني أشكر الله سبحانه على هذا اللقاء بأبنائي الكرام على تعلم القرآن الكريم وحفظه، والدعوة إليه والعمل به، ولا ريب أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، أوحاه إلى عبده ورسوله وخاتم أنبيائه محمد بن عبد الله ﵊، وفيه الحجة على جميع عباده. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣)

стр. 12833

وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) فالواجب على جميع المكلفين العمل بهذا الكتاب والسير على توجيهه وما بين الله فيه سبحانه، والحذر من مخالفة ذلك، كما يجب عليهم أيضا العمل بسنة الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٧) وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٨) وأخبر

стр. 12834

سبحانه أنه أرسله إلى جميع الناس جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) فالهداية باتباعه ﷺ واتباع ما جاء في كتاب الله ، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقال النبي الكريم ﵊: «بعثت إلى الناس عامة (٤) » . فالواجب على جميع المكلفين التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﵊. وفي حديث آخر: «وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب

стр. 12835

الله تعالى واستمسكوا به (١) » .

стр. 12836

والله خلق الخلق ليعبدوه قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وأمرهم بذلك. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢) وأرسل رسله بذلك قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) وهذه العبادة هي طاعة الله، وهي توحيد الله، وهي تقوى الله، وهي البر والهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٤) فلا بد من تعلم هذه العبادة والتبصر فيها، وهي دين الإسلام، فأنت مخلوق للعبادة فعليك أيها الرجل وعليك أيتها المرأة، عليكما جميعا أن تتعلما هذه العبادة وأن تعرفاها جيدا حتى تؤدياها على بصيرة، وهذه العبادة هي دين الإسلام، وهي الحق والهدى، وهي تقوى الله وتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته. هذه هي العبادة التي أنت مخلوق لها. سمى الله دينه عبادة؛ لأن

стр. 12837

العبد يؤديها في الدنيا بخضوع لله وانكسار، فدين الإسلام كله عبادة وتقوى لله، والصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والجهاد عبادة، وهكذا جميع ما فرض الله علينا عبادة تؤدى لله وطاعة لله، فهذا الدين العظيم دين الإسلام: هو العبادة التي أنت مخلوق لها، وهي التقوى، وهي البر والهدى، فالواجب على جميع الثقلين جنهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم أن يتقوا الله وأن يعبدوه بطاعة أوامره واجتناب نواهيه والإخلاص له، وعدم عبادة سواه، فيجب على كل مكلف أن يصرف عبادته لله وحده، وهذا معنى لا إله إلا الله، فإن معناه لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٣) فهذا معنى لا إله إلا الله، والإله هو الذي تألهه القلوب وتعظمه بأنواع العبادة، ولا يستحق ذلك إلا الله وحده، ولا تصح العبادة لغيره، فيجب على أهل الأرض الجن والإنس

стр. 12838

وجميع المكلفين من ذكور وإناث من عرب وعجم، يجب على الجميع أن يعبدوا الله وأن يتقوه، وأن يطيعوا أوامره، وأن ينتهوا عن نواهيه، وأن يقفوا عند حدوده عن إخلاص وصدق ورغبة ورهبة؛ لأنهم خلقوا لهذه العبادة، وخلقوا ليتقوه ويطيعوه، وخلقوا لدين الإسلام الذي هو عبادة الله وأمروا بذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) هذا الإسلام الذي رضيه الله لنا ولن يقبل منا سواه، هو عبادة الله وتوحيد الله وطاعته واتباع شريعته قولا وعملا وعقيدة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤) ولا سبيل إلى هذا العلم ومعرفة هذه العبادة إلا بالله ثم بالتعلم والتفقه والدراسة حتى تعلم دين الله الذي خلقت له، وهو دين الإسلام وتوحيد الله وطاعته، فيجب التعلم والتفقه والعناية بالقرآن الكريم والسنة حتى

стр. 12839

تعلم هذه العبادة التي أنت مخلوق لها، وحتى تقوم بذلك وتعمل بذلك عن إخلاص لله ومحبة لله وعن تعظيم لله في جميع الأحوال، يجب أن تستقيم على توحيده وطاعته واتباع شريعته وترك ما نهى عنه: أبدا أبدا، وأينما كنت حتى تموت على ذلك. قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١) أي الموت، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣) هذه هي العبادة التي أنت مخلوق لها، تقوى الله، والاعتصام بحبله، والاستقامة على دينه. ومن وسائلها أن تعنى بكتاب الله، وأن تدرس كتاب الله وأن تتفقه فيه وفي سنة رسول الله ﷺ ؛ لقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » متفق على صحته، وأنا أهنئ القائمين على هذه المدارس لعنايتهم بكتاب الله، وأن أشكرهم

стр. 12840

على ما يقومون به نحو تعظيم كتاب الله، وتعليمه للأجيال، فإن هذا هو طريق السعادة لمن استقام على ذلك، وأخلص في ذلك، نسأل الله أن يعينهم على ما فيه رضاه وعلى ما فيه سعادتهم، وما فيه توفيقهم للفقه في الدين. وإنني أهيب بجميع الدارسين والمدرسين إلى أن يعنوا بكتاب الله أستاذا وطالبا وموظفا، وأنصح الجميع أن يعنوا بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا وحفظا. ففي كتاب الله الهدى والنور كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) فهذا الكتاب العظيم فيه الهدى والنور، وكل حرف بحسنة، وكل من تعلم حرفا فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها. وأوصي الجميع بالعناية بكتاب الله دراسة وتلاوة وتدبرا وحرصا على معرفة المعنى وعملا بذلك، مع الحفظ لما تيسر من كتاب الله، وهو أعظم كتاب وأصدق كتاب، فقد أنزله الله

стр. 12841

رحمة للناس وشفاء لما في الصدور، وجعل الرسول أيضا رحمة للعالمين وهداية للبشر كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) فيجب أن نتعلم هذا الكتاب ونتفقه فيه حتى نعلم ما خلقنا له فنعلم العبادة التي خلقنا لها حتى نستقيم عليها، وهكذا السنة سنة الرسول ﷺ نتعلمها ونحفظها ونتفقه فيها، ونسأل عما أشكل علينا والطالب يسأل عما أشكل عليه من كتاب الله وسنة رسوله. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فتعلم كتاب الله من أعظم نعم الله، فهنيئا لكل طالب يعنى بكتاب الله تلاوة وتدبرا وتعقلا وعملا، وهذه نعمة عظيمة. وإني أوصيكم بالاستقامة على هذا الخير العظيم، وسؤال الله التوفيق والإخلاص

стр. 12842

في ذلك لله والعناية بالتفقه في كتاب الله والتفقه في سنة رسوله ﷺ مع العمل بأداء فرائض الله وترك محارم الله والمسارعة إلى كل خير والحذر من كل شر مع الإكثار من تلاوة كتاب الله ومدارسته والتفقه فيه، ومراجعة كتب التفسير المفيدة كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي، وغيرهم لمعرفة الحق ولمعرفة ما أشكل عليكم، وينبغي للطالب أن يسأل أستاذه عما أشكل عليه عن قصد صالح ورغبة، كي يتفقه في كتاب الله، وعلى الأستاذ أن يعنى بذلك للتلاميذ من جهة توجيههم وتعليمهم الخير والعمل، وأن يكونوا شبابا صالحين يتعلمون ويعلمون ويسارعون إلى كل خير، فأهم شيء بعد الشهادتين هو أداء الصلوات الخمس، والمحافظة عليها في مساجد الله في الجماعة. ويجب على أهل العلم أن يكونوا قدوة في ذلك، العالم وطالب العلم يجب أن يكونوا قدوة، وأن يكونوا مسارعين إلى أدائها في الجماعة حتى يتأسى بهم غيرهم ويحتذي حذوهم في ذلك. فالعلماء ورثة الأنبياء وعلى رأسهم الرسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم. والعلماء بعد الرسل هم خلفاؤهم، يدعون إلى الله بالقول والعمل والسيرة. والطلبة كذلك - طلبة العلم - يجب عليهم أن يعلموا ويعلموا، وأن يكونوا قدوة لغيرهم وأن تظهر عليهم آثار العلم والتعلم والتفقه في دين الله وفي كتاب الله.

стр. 12843

نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يمنحنا جميعا الفقه في الدين، وأن يرزقنا العناية بكتابه وسنة رسوله ﵊ والعمل بهما، والدعوة إليهما، والتواصي بهما قولا وعملا وعقيدة وتفقها، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان، كما نسأله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق حكام المسلمين وأمراءهم لما فيه رضاه، ويصلح أحوالهم ويمنحهم الاستقامة على دينه وتحكيم شريعته. كما نسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في المملكة العربية السعودية لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح لهم البطانة وأن يجعلهم من الهداة المهتدين، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، وأن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين وحزبه المفلحين إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 12844

٥٠ - حرمة القرآن الكريم (١) . الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فإن القرآن كلام الله تعالى أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ؛ ليكون هدى ونورا للعالمين إلى يوم القيامة، وقد أكرم الله صدر هذه الأمة بحفظه في الصدور والعمل به في جميع شئون الحياة والتحاكم إليه في القليل والكثير، ولا يزال فضل الله سبحانه ينزل على بعض عباده فيعطون القرآن حقه من التعظيم والتكريم حسا ومعنى، ولكن هناك طوائف كبيرة وأعداد عظيمة ممن ينتسب إلى الإسلام حرمت من القيام بحق القرآن العظيم وما جاء عن الرسول ﷺ ، وأخشى أن ينطق بحق على كثير منهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٢) إذ أصبح القرآن لدى كثير منهم مهجورا، هجروا تلاوته وهجروا تدبره والعمل به فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد غفل كثير منهم عما يجب عليهم من

стр. 12845

تكريم كتاب الله وحفظه، إذ قصروا في مجال الحفظ والتدبر والعمل، كما لم يقوموا بما يجب من التعظيم والتكريم لكلام رب العالمين، ولقد عمت بلاد المسلمين المنشورات والصحف والمجلات، وكثيرا ما تشتمل على آيات من القرآن الكريم في غلافها أو داخلها، لكن قسما كبيرا من المسلمين حينما يقرءون تلك الصحف يلقونها فتجمع مع القمائم وتوطأ بالأقدام، بل قد يستعملها بعضهم لأغراض أخرى حتى تصيبها النجاسات والقاذورات، والله يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (١) ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٣) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) والآية دليل على أنه لا يجوز مس القرآن إلا إذا كان المسلم على طهارة كما هو رأي الجمهور من أهل العلم، وفي حديث عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله ﷺ : «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٥) » . ويروى عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر (٦) » . وروي عن سلمان رضي

стр. 12846

الله عنه أنه قال: لا يمس القرآن إلا المطهرون، فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء. وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف. فإذا كان هذا في مس القرآن العزيز، فكيف بمن يضع الصحف التي تشتمل على آيات من القرآن سفرة لطعامه، ثم يرمي بها في النفايات مع النجاسات والقاذورات؟ لا شك أن هذا امتهان لكتاب الله العزيز وكلامه المبين. فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحافظوا على الصحف والكتب وغيرها مما فيه آيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو كلام فيه ذكر الله أو بعض أسمائه سبحانه فيحفظها في مكان طاهر، وإذا استغنى عنها دفنها في أرض طاهرة أو أحرقها، ولا يجوز التساهل في ذلك، وحيث إن الكثير من الناس في غفلة عن هذا الأمر، وقد يقع في المحذور؛ جهلا منه بالحكم؛ رأيت كتابة هذه الكلمة تذكيرا وبيانا لما يجب على المسلمين العمل به تجاه كتاب الله وأسمائه وصفاته وأحاديث رسوله ﷺ ، وتحذيرا من الوقوع فيما يغضب الله ويتنافى مع مقام كلام رب العالمين. والله سبحانه المسئول أن يوفقنا والمسلمين جميعا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن

стр. 12847

يمنحنا جميعا تعظيم كتابه وسنة رسوله ﷺ ، والعمل بهما وصيانتهما عن كل ما يسيء إليهما من قول أو فعل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 12848

٥١ - تفسير سورة الفاتحة وحكم قراءتها في الصلاة (١) . الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن الله جل وعلا شرع لعباده في كل ركعة من الصلاة أن يقرءوا فاتحة الكتاب وهي أم القرآن وهي أعظم سورة في كتاب الله ، كما صح بذلك الخبر عن النبي ﵊

стр. 12849

أنه قال: إنها أعظم سورة في كتاب الله وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم وهي الحمد، هذه السورة العظيمة اشتملت على الثناء على الله وتمجيده جل وعلا، وبيان أنه سبحانه هو المستحق لأن يعبد وأن يستعان به، واشتملت على تعليم العباد وتوجيه العباد إلى أن يسألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فمن نعم الله العظيمة على عباده هذه السورة العظيمة وأن شرع لهم قراءتها في كل ركعة في الفرض والنفل، بل جعلها ركن الصلاة في كل ركعة؛ لقوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (١) » . وقال ﵊ لأصحابه: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها (٢) » . فالواجب على كل مصل أن يقرأ بها في كل ركعة في الفرض والنفل، أما المأموم فعليه أن يقرأ بها في صلاته خلف إمامه، فلو جهل أو نسي أو جاء والإمام راكع سقطت عنه، فيحملها عنه الإمام إذا جاء والإمام راكع ودخل في الركعة أجزأته، وسقط عنه وجوب

стр. 12850

قراءتها؛ لأنه لم يحضرها؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة ﵁ أنه جاء والإمام راكع، فركع دون الصف ثم دخل في الصف، فأخبر النبي ﷺ بهذا بعد الصلاة، فقال له النبي ﷺ : «زادك الله حرصا ولا تعد (١) » . ولم يأمره بقضاء الركعة فدل على أن من أدرك الركوع أدرك الركعة، وهكذا لو كان المأموم جاهلا أو نسي الفاتحة ولم يقرأها أجزأته وتحملها عنه الإمام، أما من علم وذكر فالواجب عليه أن يقرأها مع إمامه، كما يجب على المنفرد والإمام أن يقرأها وهي ركن في حق المنفرد وركن في حق الإمام وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله سبحانه: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله جل وعلا: أثنى علي عبدي، وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله سبحانه: مجدني عبدي؛ - لأن التمجيد هو تكرار الثناء والتوسع في الثناء- فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل (٢) » .
следующие страницы →