على خشيتهم لله، وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة، لكن كمال الخشية يكون للعلماء؛ لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله، فتكون خشيتهم لله أعظم؛ وبهذا يتضح معنى الآية ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها. والله ولي التوفيق.
стр. 12987
٨٨ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (١) الآية
س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢) ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣) ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤) ؟
ج: هذه الآية الكريمة فسرها الرسول ﷺ لأبي ذر ﵁ وهو قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٥) ذكر النبي ﷺ لأبي ذر قال: «يا أبا ذر، أتدري ما مستقرها؟ فقال أبو ذر: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ :
стр. 12988
مستقرها: أنها تسجد تحت عرش ربها ذاهبة وآيبة بأمره (١) » . سجودا الله أعلم بكيفيته .
وهذه المخلوقات كلها تسجد لله وتسبح له جل وعلا، تسبيحا وسجودا يعلمه سبحانه، وإن كنا لا نعلمه ولا نفقهه، كما قال : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣) الآية، هذا السجود يليق به، لا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه، ومن هذا قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٤) فالشمس تجري كما أمرها الله تطلع من المشرق وتغيب من المغرب إلى آخر الزمان، فإذا قرب قيام
стр. 12989
الساعة طلعت من مغربها، وذلك من أشراط الساعة العظمى، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ فإذا انتهى هذا العالم وقامت القيامة كورت، كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١) فتكور ويذهب نورها وتطرح هي والقمر في جهنم؛ لأنهما قد ذهبت الحاجة إليهما بزوال هذه الدنيا.
والمقصود: أنها تجري لمستقر لها ذاهبة وآيبة، ومستقرها سجودها تحت العرش في سيرها طالعة وغاربة، كما تقدم ذكر ذلك في الحديث الصحيح، ذلك بتقدير العزيز العليم، وهو الذي قدر لها ذلك.
العزيز، ومعناه: المنيع الجناب الغالب لكل شيء، العليم بأحوال خلقه . والله ولى التوفيق.
стр. 12990
٨٩ - تفسير قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١)
س: ما تفسير قوله : ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) . من هو المستثنى هنا؟
ج: الله أعلم. وقال بعض أهل العلم: إنهم الملائكة، وقال بعضهم: إنهم الشهداء. والله هو أعلم بمراده بذلك.
стр. 12991
٩٠ - تفسير قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: (٢) .
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ٣١٣٧ في ١١\٧\١٤٠٨هـ. الذي نصه: لقد كنا في حلقة
стр. 12992
تفسير في مسجد بمنطقة الصليبية في الكويت، وقد تعرض إمام المسجد إلى تفسير قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) . فقال: قيل معناها: منة الله عليهم، وقيل: قوة الله معهم، وقيل: الله عليم بحالهم ونياتهم. فتكلم أحد الشباب من إخواننا في الله بعد الدرس، وقال: تفسيرك هذا ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة بل هو من كلام الأشاعرة، فغضب الإمام وقال: إن هذا موجود في كتاب الماوردي وابن كثير، فرد الشاب وقال: ليس هذا في ابن كثير، وإنما هو عند الماوردي الأشعري، فلما رأى العامة الشيخ غضبان غضبوا له ورمى بعضهم الشاب بكلمة (أنت مسيحي) (أنت بوذي) وكادوا أن يضربوه لولا أن بعضهم حماه، والله يعلم أن هذا الشاب لم يتكلم إلا غيرة على عقيدة المسلمين، ومن باب أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فأشار الشاب أن يقضي فضيلتكم بينهم فوافق العوام على ذلك، فأفيدونا ونحن بانتظار ردكم وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
الجواب: وأفيدك أن ما نعتقده في إثبات صفة اليد لله ﵎ وغيرها في الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه العزيز، أو وصفه بها رسوله محمد ﷺ في سنته المطهرة هو: إثباتها لله ﵎ إثباتا حقيقيا على ما يليق بجلال الله
стр. 12993
سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. ونؤمن بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند له ولا يقاس بخلقه . فكما أن له سبحانه ذاتا حقيقية لا تشبه ذوات خلقه فكذلك له صفات حقيقية لا تشبه صفات خلقه، ولا يلزم من إثبات الصفة للخالق سبحانه. مشابهتها لصفة المخلوق، وهذا هو مذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم في القرون الثلاثة المفضلة، ومن سلك سبيلهم من الخلف إلى يومنا هذا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: حكى غير واحد إجماع السلف أن صفات الباري جل وعلا تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنه، وذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن لله سبحانه يدا وعينا، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ومعنى السمع العلم، ثم استدل ﵀ على إثبات صفة اليد لله سبحانه من القرآن بقول الله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١)
стр. 12994
وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) ثم قال رحمه الله تعالى: فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماوات بيده اليمنى وأن يديه مبسوطتان، ومعنى بسطهما: بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضما لليد إلى العنق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٥) وصار من الحقائق العرفية أنه إذا قيل: هو مبسوط اليد
стр. 12995
فهم منه يد حقيقية، وقال رحمه الله تعالى: " إن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن استعمال لفظ الواحد في الاثنين أو الاثنين في الواحد لا أصل له في لغة العرب التي نزل بها القرآن، فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. ثم استدل رحمه الله تعالى على إثبات صفة اليد لله سبحانه من السنة بقوله ﷺ : «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا (٢) » . رواه مسلم، وقوله ﷺ : «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة (٣) » .
стр. 12996
رواه مسلم، وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم بيده خبزته في السفر (١) » .
وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر ﵄ يحكي رسول الله ﷺ قال: «يأخذ الرب سماواته وأرضه بيديه، وجعل يقبض يديه ويبسطها، ويقول: أنا الرحمن (٢) » . حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ .
وفي رواية أنه «قرأ هذه الآية على المنبر: قال يقول الله: " أنا الله أنا الجبار (٤) » وذكره، وفي الصحيح أيضا عن أبي
стр. 12997
هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض (١) » ، وفي حديث صحيح: «أن الله لما خلق آدم قال له: ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته (٢) » ، وفي الصحيح: «أن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق إن رحمتي تغلب غضبي (٣) » ، وفي الصحيح «أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده وقد قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه (٤) » ، وفي حديث آخر أنه قال سبحانه: «وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن
стр. 12998
قلت له كن فكان (١) » . وفي حديث آخر في السنن: «لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون (٢) » . قال شيخ الإسلام ﵀: فهذه الأحاديث وغيرها نصوص قاطعة لا تقبل التأويل، وقد تلقتها الأمة بالقبول والتصديق. ثم قال - رحمه الله تعالى -: فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يديه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله ﷺ وأولي الأمر لا يبينون للناس إن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جهم بن صفوان بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلكوا سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق، وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا ﷺ كل شيء حتى (الخرأة) ويقول: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا
стр. 12999
هالك (١) » . ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة، مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه، وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت. مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار. اهـ. باختصار من مجموع الفتاوى ج٦ ص٣٥١ إلى ٣٧٣، وبما ذكرنا يتضح للجميع أن ما ذكره الشاب هو الصواب. ونسأل الله أن يهدي الجميع لإصابة الحق في القول والعمل إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13000
٩١ - ما مدى صحة قصة الغرانيق
س: ورد في تفسير الجلالين في سبب نزول الآية (٥٢) من سورة الحج: أن الرسول ﵊ وهو يقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (١) ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٢) أن الشيطان ألقى على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. فهل هناك ما يدل على صحة هذه القصة من أحاديث الرسول ﷺ ، أم هي من الإسرائيليات؟ أفيدونا أفادكم الله؟
ج: ليس في إلقاء هذه الألفاظ في قراءته ﷺ حديث صحيح يعتمد عليه فيما أعلم، ولكنها رواية عن النبي ﷺ في أحاديث مرسلة، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير آية الحج، ولكن إلقاء الشيطان في قراءته ﷺ في آيات النجم وهي قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (٣) الآيات، شيء ثابت بنص الآية في سورة الحج، وهي قوله سبحانه:
стр. 13001
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) فقوله سبحانه: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ (٢) أي: تلا، وقوله سبحانه: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٣) أي: في تلاوته، ثم إن الله سبحانه ينسخ ذلك الذي ألقاه الشيطان ويوضح بطلانه في آيات أخرى، ويحكم آياته ابتلاء وامتحانا، كما قال سبحانه بعد هذا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤) الآيات.
فالواجب على كل مسلم أن يحذر ما يلقيه الشيطان من الشبه على ألسنة أهل الحق وغيرهم، وأن يلزم الحق الواضح الأدلة، وأن يفسر المشتبه بالمحكم حتى لا تبقى عليه شبهة، كما قال الله سبحانه في أول سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥)
стр. 13002
وصح عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله؛ فاحذروهم (١) » . متفق على صحته. والله ولي التوفيق.
стр. 13003
٩٢ - تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١)
س: ما هو المراد بكلمة ﴿اللَّمَمَ﴾ (٢) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣) الآية؟ .
ج: إن علماء التفسير - يرحمهم الله - اختلفوا في تفسير ذلك، وذكروا أقوالا في معناه، أحسنها قولان:
стр. 13004
أحدهما: أن المراد به: ما يلم به الإنسان من صغائر الذنوب، كالنظرة والاستماع لبعض ما لا يجوز من محقرات الذنوب وصغائرها ونحو ذلك، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ وجماعة من السلف، واحتجوا على ذلك بقوله سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (١) قالوا: المراد بالسيئات المذكورة في هذه الآية: هي صغائر الذنوب، وهي: اللمم؛ لأن كل إنسان يصعب عليه التحرز من ذلك، فمن رحمة الله سبحانه أن وعد المؤمنين بغفران ذلك لهم إذا اجتنبوا الكبائر، ولم يصروا على الصغائر.
وأحسن ما قيل في ثبوت الكبائر أنها المعاصي التي فيها حد في الدنيا؛ كالسرقة، والزنا، والقذف، وشرب المسكر، أو فيها وعيد في الآخرة بغضب من الله أو لعنة أو نار؛ كالربا، والغيبة، والنميمة، وعقوق الوالدين.
ومما يدل على غفران الصغائر باجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، قول النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الأذن الاستماع،
стр. 13005
وزنا اليد البطش، وزنا الرجل الخطى، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (١) » .
ومن الأدلة على وجوب الحذر من الصغائر والكبائر جميعا وعدم الإصرار عليها: قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٣)
القول الثاني: أن المراد باللمم: هو ما يلم به الإنسان من المعاصي ثم يتوب إلى الله من ذلك، كما قال في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ (٤) الآية، وقوله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) وما جاء في معنى ذلك من الآيات الكريمات،
стр. 13006
قول النبي ﷺ : «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون (١) » . ولأن كل إنسان معرض للخطأ.
والتوبة النصوح يمحو الله بها الذنوب، وهي المشتملة على الندم على ما وقع من المعصية، والإقلاع عنها، والعزيمة الصادقة على ألا يعود إليها، خوفا من الله سبحانه، وتعظيما له، ورجاء مغفرته.
ومن تمام التوبة إذا كانت المعصية تتعلق بحق الآدميين، كالسرقة، والغصب، والقذف، والضرب، والسب، والغيبة ونحو ذلك: أن يعطيهم حقوقهم، أو يستحلهم منها إلا إذا كانت المعصية غيبة، وهي: الكلام في العرض - ولم يتيسر استحلال صاحبها، من وقوع شر أكثر، فإنه يكفي في ذلك أن يدعو له بظهر الغيب، وأن يذكره بما يعلم من صفاته الطيبة، وأعماله الحسنة في الأماكن التي اغتابه فيها، ولا حاجة إلى إخباره بغيبته إذا كان يخشى الوقوع في شر أكثر.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يحفظنا وإياكم من كل سوء، وأن يمن علينا جميعا بالاستقامة على دينه، والسلامة من أسباب غضبه، والتوبة إليه سبحانه من جميع ما يخالف شرعه، إنه جواد كريم.
стр. 13007
٩٣ - تفسير قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (١)
س: سائل يسأل عن تفسير قول الحق ﵎: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (٢) هل هذان البحران في الدنيا أم في الآخرة؟
ج: هذان البحران في الدنيا، فالبحار تختلط، ثم إذا أراد الله تمييزها تميز هذا من هذا، وخرج ماء النهر وحده وماء البحر وحده، بينهما برزخ لا يبغيان، لا يبغي هذا على هذا، فالأنهار تجري على حالها حلوة والبحار على حالها مالحة وبينهما برزخ لا يبغي هذا على هذا ينفصل هذا عن هذا.
стр. 13008
٩٤ - تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (١)
س: ما رأي سماحتكم فيمن قال في معنى اسم الله الظاهر: أي: الظاهر في كل شيء، هل يدخل هذا في القول بالحلول أم لا؟
ج: هذا باطل؛ لأنه خلاف ما فسر به النبي ﷺ الآية الكريمة؛ فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، فاقض عني الدين وأغنني من الفقر (٢) » . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، فالظاهر معناها: العالي فوق جميع الخلق، ولكن آياته ودلائل وجوده وملكه وعلمه موجودة في كل شيء، وأنه رب العالمين، وخالقهم ورازقهم، فأنت أيها الإنسان الذي أعطاك الله السمع والبصر والعقل، وأعطاك هذا البدن والأدوات التي تبطش بها، وتمشي بها من جملة الآيات الدالة على أنه رب العالمين وهكذا السماء والأرض والليل والنهار
стр. 13009
والمعادن والحيوانات وكل شيء، كلها آيات له تدل على وجوده وقدرته وعلمه وحكمته، وأنه المستحق للعبادة، كما قال الشاعر:
فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
والله يقول جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ثم قال بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) فأوضح سبحانه في هذه الآية أنواعا من مخلوقاته الدالة على أنه سبحانه هو الإله الحق الذي لا تجوز العبادة لغيره ، فكل شيء له في آية ودليل على أنه رب العالمين، وأنه موجود، وأنه الخلاق، وأنه الرزاق، وأنه المستحق لأن يعبد ، وأما معنى الظاهر فهو العالي فوق جميع الخلق، كما تقدم في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ .
стр. 13010
٩٥ - تفسير سورة التغابن (١) .
بعد تلاوة سورة التغابن قال:
أما بعد: فقد سمعنا جميعا هذه السورة العظيمة سورة التغابن، وقوله تعالى ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) إلى آخر هذه السورة العظيمة وكل سور القرآن عظيمة، بين الله فيها سبحانه أن الخلائق تسبحه جل وعلا، كما بين في سور كثيرة وآيات كثيرة ذلك، فقال في سورة الصف: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) وقال في سورة التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) وقال في سورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٥) وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٦)
стр. 13011
وهذا يدل على أنه جل وعلا يسبحه كل شيء؛ لكمال ملكه وكمال إحسانه ، وهو الخلاق العليم وهو الرزاق العليم والمالك لكل شيء، وهو المحسن لعباده جل وعلا؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) من جامد ومتحرك جميع ما في السماوات والأرض، ثم قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ (٢) وهو المالك لكل شيء، وهو المستحق للثناء ، وهو على كل شيء قدير؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣) لا تفهمونه وهو يعلمه ، فالملائكة والطيور وجميع الحيوانات وجميع المخلوقات تسبحه سبحانه تسبيحا يعلمه هو ، وإن كنا لا نعلم أكثره، فجدير بنا أيها العقلاء، جدير ببني آدم الذين وهبهم الله العقل وأرسل إليهم الرسل، جدير بهم أن يسبحوا الله، وأن يقدسوه
стр. 13012
وينزهوه عن كل ما لا يليق به ، وأن يشهدوا له بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأنه كامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه مستحق لأن يعبد دون كل ما سواه، فهو المالك لكل شيء، وهو القادر على كل شيء، وهو الخلاق العليم الذي خلق الخلق من عدم وغذاهم بالنعم، وخلق الثقلين ليعبدوه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب فضلا منه وإحسانا، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) فقد سبق في علمه أن أمة بني آدم، وهكذا الجن ينقسمون إلى كافر ومؤمن لحكمة بالغة، فهذا يعصي ويكفر ويتعدى الحدود، وهذا يطيعه ويتبع شريعته وينقاد لأمره والله بما تعملون بصير: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢) خلق السماوات والأرض بالحق، ما خلقها عبثا ولا سدى، بل خلقها لحكمة عظيمة، وصوركم فأحسن صوركم، صوركم عقلاء تمشون على أقدامكم، ما جعلكم كالبهائم تمشون على أربع، جعلكم تمشون على قدمين رافعي الرءوس مستقيمي البدن، وجعل لكم
стр. 13013
في الوجه العينين والأنف والفم واللسان، وجعلكم تنطقون وتعبرون عن حاجاتكم لا كالبهائم، هذه من نعمه العظيمة وإليه المصير، فهو خلقكم في هذه الدار وصوركم وأحسن صوركم، وعلمكم وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لحكمة بالغة، لتعبدوه وتعظموه وتستقيموا على أمره، وتنتهوا عن نهيه .
فالواجب على العاقل المكلف التنبه لهذا الأمر، وأن يعد العدة للقاء ربه، فهو لم يخلق عبثا، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١) يعني مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى، كلا بل خلق لأمر عظيم، وأمر بأمر عظيم، وأرسلت له الرسل وأنزلت الكتب، حتى يعلم حق الله وحق عباده، وحتى يؤدي ما عليه من حق لله ولعباده، فهو لن يهمل، قال سبحانه منكرا على من ظن ذلك: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢) ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (٣) أن يكون خلقهم عبثا، بل خلقوا لأمر عظيم، خلق هذان الثقلان لأمر عظيم الجن والإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)
стр. 13014
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١) ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢) هم مخلوقون لأمر عظيم بينه الله في كتابه وبينه رسوله ﵊، وهذا الأمر العظيم: أن يعبدوه ويطيعوا أمره ويتبعوا رسله ويعظموا ما عظم، ويذلوا من أذل وينقادوا للأمر ويطيعوه ويقفوا عند الحدود، ثم قال: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣) إليه المرجع ليس لأحد الفرار منه ، بل إليه ترجع الأمور وإليه يصير الناس، وإليه الجزاء والحكم فيهم، بعدله، فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم قال : ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤) يعلم كل شيء يعلم ما في السماوات من دقيقه وجليه، من ملك وغيره، ويعلم ما في الأرض وطبقاتها وما تحتها وما فيها، ولا يخفى عليه خافية ، ويعلم ما تسرون في قلوبكم وما تعلنونه للناس، لا يخفى
стр. 13015
عليه خافية جل وعلا، إنه عليم بذات الصدور .
فيا أخي إذا كنت تؤمن بهذا فإياك أن تضمر ما يضر إخوانك أو يضرك، فاحرص على أن تكون سريرتك طيبة تحب الله ورسوله، وتحب إخوانك المؤمنين، وتنصح لله ولعباده، لا تضمر سوءا لنفسك، بل حاسب نفسك وجاهدها لله، والله يعلم ما تسرون وما تعلنون، يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
فالواجب على العاقل من ذكر وأنثى أن يحذر كوامن هذه النفوس وما تسره من خبث وشر، وأن يحذرها ما حذره الله منه، وأن يضمر الخير لنفسه، وأن يكون حريصا على طاعة الله ورسوله وعلى نفع عباده، وعلى النصح لهم، وعلى إيصال الخير إليهم، وعلى دفع الشر عنهم هكذا المؤمن، وهو يعلم السر وأخفى، ثم يقول جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) ألم تأتكم الأخبار عن الماضين وما جرى عليهم لما غيروا أو بدلوا، وما أصابهم من العقوبات، قد جاءتكم الأنباء الواضحة في القرآن أصدق الكلام: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٢) فيقول سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣)
стр. 13016
وهو أحسن القصص وأصدق القصص، وهو أحسن الحديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (١) يعني: يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا فقد نبأنا عمن مضى من الأمم، نبأنا عن آدم وما جرى عليه مع إبليس عدو الله، وما حصل له من الكرامة بإسجاد الملائكة، وأن الله خلقه ونفخ فيه من روحه، وأخبرنا عما أصاب غيره من الأمم، كما أصاب قوم هود وقوم صالح وقوم نوح وقوم شعيب، وقوم لوط وفرعون وقومه؛ لذلك أخبرنا لماذا؟ للعبر لنعتبر، ولقد ذاقوا وبال أمرهم، ذاقوا شر أمرهم، ولهم عذاب أليم، يعني: ذلك الذي فعلوه من الضر ذاقوا وباله في الدنيا قبل الآخرة، وعذاب الآخرة أكبر: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) أي خبر من قبلكم: ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (٤) هذه حالهم لما كفروا وعاندوا أصابهم العقاب المعجل فأصابهم ما أصابهم
стр. 13017
أخذهم بالريح العقيم حتى هلكوا، قوم صالح أخذتهم الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وقوم لوط أصابهم ما أصابهم من الخسف وقلب مدائنهم عليهم، وأمطرهم ما أمطرهم من الحجارة، وهذا من العذاب المعجل غير عذاب الآخرة: النار، نسأل الله العافية، وقوم شعيب أصابهم ما أصابهم من الرجفة والصيحة حتى هلكوا، وهكذا فرعون أصابه وقومه ما أصابهم من الغرق، كل هذا عبر وعقوبات: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (١) هكذا كل واحد أخذ بذنبه عجلوا بالعقوبات، وآخرون أمهلوا وأنذروا، وعقوبة الله في الآخرة أشد، ثم يبين سبحانه بعض كفرهم فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) هكذا الكفرة كذبوا بالبعث والنشور، وقالوا: لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور، ولا جزاء ولا عقاب، وليس هناك حياة أخرى، إنما هي هذه الدنيا، فمنهم من عاجله الله بالعقوبة، ومنهم من أمهل إلى يوم القيامة، ورد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٣) قل يا محمد يا رسول الله: بلى وربي، حلف بربه لهم ﵊، وأمره بأن يحلف لهم
стр. 13018
معظما ربه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (١) يوم القيامة: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ (٢) لتخبرن بما عملتم: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) وهو لا بد منه، كل ينبأ بما قدم وأخر، وكل إنسان يعطى جزاءه، فالعاقل يعد العدة لهذا اليوم، فلا يتساهل ويعلم أنه ميت وأنه مجازى، قال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٥) فيؤمرون بالإيمان بالله ورسوله، والإيمان بالله أنه ربهم وإلههم الحق المستحق للعبادة لا يدعى سواه ولا يستغاث بغيره، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، كل العبادات له سبحانه كما قال جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٦) وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٧) فآمنوا بالله وبرسوله محمد ﵊ وأنه رسول الله حقا بعثه الله للناس كافة من جن وإنس، من تبعه وانقاد لشرعه وصدقه فهو السعيد الناجي، ومن حاد عن ذلك فهو الهالك الشقي: ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ (٨)
المراد: ما بعثه الله من النور وهو القرآن العظيم والسنة المطهرة.
стр. 13019
والنور: ما بعثه الله من الهدى والعلم النافع الذي جاء في القرآن العظيم والسنة المطهرة هذا هو النور، من أخذ هذا النور واستضاء به واتبعه فهو السعيد، ومن حاد عن هذا النور فهو الهالك - نعوذ بالله من ذلك - ثم ذكرهم بيوم القيامة فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (١) هذا يوم الجمع يوم القيامة يبعث الله فيه الأولين والآخرين، ثم قال في سورة الواقعة: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾ (٢) ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣) كلهم مجمعون أولهم وآخرهم جنهم وإنسهم: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (٤) هذا يوم التغابن وهو يوم القيامة، حين تغبن في سيارة أو في أرض أو في عمارة بمائة ألف أو بمليون أو أكثر أو أقل هذا غبن، لكنه يسير بالنسبة إلى من غبن يوم القيامة وصار إلى النار، نعوذ بالله من هذا المصير، هذا هو الغبن: أن ترى خادمك وجارك وابن عمك إلى الجنة، وأنت تساق إلى النار هذا هو الغبن نعوذ بالله، وأن ترى أناسا تحقرهم في الدنيا، وتراهم فقراء في الدنيا ضعفاء، وتراهم إلى الجنة وإلى الكرامة والمنازل العالية، وأنت وأشباهك تساق إلى النار باستكبارك وعصيانك، هذا هو الغبن العظيم، هذا هو الخسران الكبير: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (٥)
стр. 13020
أهل النار يغبنون أهل الجنة إلى ما فازوا به من النعيم العظيم والخير الكريم: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (١) هذا اليوم العظيم هذا يوم التغابن، ثم فصل ذلك سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) هذه حالة السعداء من آمن بالله واليوم الآخر وعمل الصالحات فله الجنة وأنجاه من النار وهو السعيد: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ثم يقول جل وعلا في جزاء المعاندين المكذبين بآيات الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)
ينبغي للعاقل أن يتنبه لهذا اليوم ويعد له العدة بماذا؟ بطاعة الله ورسوله، بتوحيد الله والإخلاص له وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، والبراءة من الكفر وأهله، وإقامة أمر الله وترك ما نهى الله عنه، والمحافظة على الصلوات كما أمر الله، وأداء الزكاة كما أمر الله، وصوم رمضان كما أمر الله، والحج كما أمر الله، والجهاد كما أمر الله، وصدق الحديث وبر الوالدين
стр. 13021
وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك ما حرم الله، وعليك أن تجتهد في أداء ما أوجب الله، والبعد عما حرم الله، هذا هو الطريق، وهذا هو الصراط المستقيم، وهذا هو سبيل الله الذي أنت تسأله أن يهديك إليه في قراءتك الفاتحة تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) هذا هو الصراط المستقيم، الصراط المستقيم هو: دين الله الإسلام، وهو طاعة الله ورسوله، والانقياد لأمر الله تعالى، وترك ما نهى الله عنه، هذا هو الصراط المستقيم الذي قال الله فيه جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) الرسل وأتباعهم، أنعم الله عليهم فهداهم ووفقهم فعلموا وعملوا، علموا الحق وصدقوا به، وعملوا بذلك وانقادوا لأمر الله، هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، الذين عرفوا الحق في كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وانقادوا له ووالوا عليه وعادوا عليه وأحبوا فيه وأبغضوا فيه، حتى ماتوا عليه، هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم، وهو الصراط الذي قال الله فيه في حق محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) وهو الذي قال فيه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٥)
стр. 13022
السبل: ما خالف الصراط من البدع والمعاصي والمخالفات، فأنت مأمور باتباع صراط الله وسبيله، وهو دينه الذي بعث الله به نبيه محمدا ﵊، وتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه، والوقوف عند حدوده والموالاة في ذلك، والمناصحة في ذلك والمعاداة في ذلك والبغضاء في ذلك، هكذا المؤمن في هذه الدار حتى يلقى ربه، وهذا هو الصراط المستقيم. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا. وهذا من منافع الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١) من المنافع: أن تشهد نصيحة تنصح بها أو موعظة توعظ بها أو كلمة تنفعك هذه هي المنافع؛ ليشهدوا منافع لهم بأن يسمع المؤمن كلمة تنفعه أو موعظة توجه إليه أو نصيحة توجه إليه في منى أو في مزدلفة أو في عرفات أو في المسجد الحرام أو في أي مكان، ثم يبلغها غيره يسمعها وينتفع بها ويبلغها غيره هذه من المنافع العظيمة، وأنتم منصرفون من هذا المكان بعد مدة يسيرة فاتقوا الله في أنفسكم وحاسبوها ولا ترجعوا إلى المعاصي بعد هذا الحج الذي من الله
стр. 13023
عليكم به، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فاحرص يا أخي أن ترجع إلى الخبائث بعدما طهرك الله منها، فاحرص أن تستمر على التوبة والعمل الصالح أينما كنت في بلادك وغير بلادك، واحرص أن تقطع العهد الذي أنت عاهدت الله عليه، وأن تستقيم على دينه، وأن تدع ما نهاك عنه، وأن تقف عند حدوده حتى تلقاه، ولا تقل: أنا شاب سوف أتوب، كم من شاب أخذه الموت قبل أن يشيب، وكم من زارع أصابه الهلاك قبل أن يحصد زرعه، فالموت يأتي بغتة، والعمل الصالح ينفعك في الدنيا والآخرة، ولو عشت ألف عام وأنت في طاعة الله فأنت على خير، لا تغتر بالشباب والقوة والمال، احذر وأعد العدة شابا أو كهلا أو شيخا حتى تلقى ربك، فاحذر أسباب الهلاك، واسأل ربك التوفيق والإعانة فهو سبحانه الهادي والموفق جل وعلا، فاضرع إليه أن يهديك وأن يثبتك وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته. وهذا اليوم يسمى يوم القر، وأن الحجاج قارون في منى ليس فيه نفير، هذا هو أول أيام منى وهو أولها، هذا اليوم الحادي عشر، وأول أيام منى وهو يوم القر، وغدا يوم النفر، يوم الخميس غدا وهو النفر الأول لمن تعجل يوم الثاني عشر لمن تعجل، وهو يوم الخميس في هذه السنة إذا زالت الشمس ورمى الجمرات الثلاث
стр. 13024
فله التعجل إذا شاء، فيتعجل إلى مكة ويطوف الوداع ويسافر وله البقاء في مكة إذا أراد ما يشاء من الأيام ثم يودع البيت ويسافر، فيقال له يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني عشر وهو غدا يوم الخميس، ويوم الجمعة هو النفر الثاني، وهو الثالث عشر يقال له النفر الثاني لمن استكمل الإقامة في منى، والنبي ﷺ استكملها وأقام اليوم الثالث عشر ﵊ ثم نفر، والأمر بحمد الله واسع قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) يعني هذه الثلاثة يعني الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢) قال النبي ﷺ : «أيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه (٣) » ، فبعض الناس يغلط فيظن يوم العيد منها، لا، ليس يوم العيد منها، أولها هذا اليوم الحادي عشر، وثانيها غدا يوم الخميس وهو النفر الأول، وثالثها يوم الجمعة وهو النفر الثاني، وليس لأحد أن ينفر إلا بعد طواف
стр. 13025
الوداع، قال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » ، قال ابن عباس ﵄ أيضا: وأمر الناس أن يكون آخر عهدهم البيت، إلا إنه خفف عن المرأة الحائض، فالمرأة التي معها الحيض أو النفاس ليس عليهما وداع إذا كانتا طافتا طواف الإفاضة طواف الحج يوم العيد أو بعده، فليس عليهما طواف الوداع إذا كانتا عند السفر حائضا أو نفساء، أما غيرهما فعليه الوداع إن استطاع ماشيا أو راكبا أو محمولا. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وتقبل الله من الجميع حجهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.