وصلة الرحم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك ما حرم الله، وعليك أن تجتهد في أداء ما أوجب الله، والبعد عما حرم الله، هذا هو الطريق، وهذا هو الصراط المستقيم، وهذا هو سبيل الله الذي أنت تسأله أن يهديك إليه في قراءتك الفاتحة تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) هذا هو الصراط المستقيم، الصراط المستقيم هو: دين الله الإسلام، وهو طاعة الله ورسوله، والانقياد لأمر الله تعالى، وترك ما نهى الله عنه، هذا هو الصراط المستقيم الذي قال الله فيه جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) الرسل وأتباعهم، أنعم الله عليهم فهداهم ووفقهم فعلموا وعملوا، علموا الحق وصدقوا به، وعملوا بذلك وانقادوا لأمر الله، هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، الذين عرفوا الحق في كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وانقادوا له ووالوا عليه وعادوا عليه وأحبوا فيه وأبغضوا فيه، حتى ماتوا عليه، هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم، وهو الصراط الذي قال الله فيه في حق محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) وهو الذي قال فيه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٥)
стр. 13022
السبل: ما خالف الصراط من البدع والمعاصي والمخالفات، فأنت مأمور باتباع صراط الله وسبيله، وهو دينه الذي بعث الله به نبيه محمدا ﵊، وتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه، والوقوف عند حدوده والموالاة في ذلك، والمناصحة في ذلك والمعاداة في ذلك والبغضاء في ذلك، هكذا المؤمن في هذه الدار حتى يلقى ربه، وهذا هو الصراط المستقيم. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا. وهذا من منافع الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١) من المنافع: أن تشهد نصيحة تنصح بها أو موعظة توعظ بها أو كلمة تنفعك هذه هي المنافع؛ ليشهدوا منافع لهم بأن يسمع المؤمن كلمة تنفعه أو موعظة توجه إليه أو نصيحة توجه إليه في منى أو في مزدلفة أو في عرفات أو في المسجد الحرام أو في أي مكان، ثم يبلغها غيره يسمعها وينتفع بها ويبلغها غيره هذه من المنافع العظيمة، وأنتم منصرفون من هذا المكان بعد مدة يسيرة فاتقوا الله في أنفسكم وحاسبوها ولا ترجعوا إلى المعاصي بعد هذا الحج الذي من الله
стр. 13023
عليكم به، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فاحرص يا أخي أن ترجع إلى الخبائث بعدما طهرك الله منها، فاحرص أن تستمر على التوبة والعمل الصالح أينما كنت في بلادك وغير بلادك، واحرص أن تقطع العهد الذي أنت عاهدت الله عليه، وأن تستقيم على دينه، وأن تدع ما نهاك عنه، وأن تقف عند حدوده حتى تلقاه، ولا تقل: أنا شاب سوف أتوب، كم من شاب أخذه الموت قبل أن يشيب، وكم من زارع أصابه الهلاك قبل أن يحصد زرعه، فالموت يأتي بغتة، والعمل الصالح ينفعك في الدنيا والآخرة، ولو عشت ألف عام وأنت في طاعة الله فأنت على خير، لا تغتر بالشباب والقوة والمال، احذر وأعد العدة شابا أو كهلا أو شيخا حتى تلقى ربك، فاحذر أسباب الهلاك، واسأل ربك التوفيق والإعانة فهو سبحانه الهادي والموفق جل وعلا، فاضرع إليه أن يهديك وأن يثبتك وأن يعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته. وهذا اليوم يسمى يوم القر، وأن الحجاج قارون في منى ليس فيه نفير، هذا هو أول أيام منى وهو أولها، هذا اليوم الحادي عشر، وأول أيام منى وهو يوم القر، وغدا يوم النفر، يوم الخميس غدا وهو النفر الأول لمن تعجل يوم الثاني عشر لمن تعجل، وهو يوم الخميس في هذه السنة إذا زالت الشمس ورمى الجمرات الثلاث
стр. 13024
فله التعجل إذا شاء، فيتعجل إلى مكة ويطوف الوداع ويسافر وله البقاء في مكة إذا أراد ما يشاء من الأيام ثم يودع البيت ويسافر، فيقال له يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني عشر وهو غدا يوم الخميس، ويوم الجمعة هو النفر الثاني، وهو الثالث عشر يقال له النفر الثاني لمن استكمل الإقامة في منى، والنبي ﷺ استكملها وأقام اليوم الثالث عشر ﵊ ثم نفر، والأمر بحمد الله واسع قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) يعني هذه الثلاثة يعني الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢) قال النبي ﷺ : «أيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه (٣) » ، فبعض الناس يغلط فيظن يوم العيد منها، لا، ليس يوم العيد منها، أولها هذا اليوم الحادي عشر، وثانيها غدا يوم الخميس وهو النفر الأول، وثالثها يوم الجمعة وهو النفر الثاني، وليس لأحد أن ينفر إلا بعد طواف
стр. 13025
الوداع، قال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » ، قال ابن عباس ﵄ أيضا: وأمر الناس أن يكون آخر عهدهم البيت، إلا إنه خفف عن المرأة الحائض، فالمرأة التي معها الحيض أو النفاس ليس عليهما وداع إذا كانتا طافتا طواف الإفاضة طواف الحج يوم العيد أو بعده، فليس عليهما طواف الوداع إذا كانتا عند السفر حائضا أو نفساء، أما غيرهما فعليه الوداع إن استطاع ماشيا أو راكبا أو محمولا. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وتقبل الله من الجميع حجهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 13026
٩٦ - تفسير قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد (٢) :
فقد سمعنا جميعا قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) حيث إن الكفار كفار العرب وغيرهم، إلا من رحم الله ينكرون البعث والنشور؛ لأنها حياة منتهية ويرون أن من مات مات فلا عودة ولا بعث ولا نشور هكذا قال لهم شيطانهم، وقد بين الله جل وعلا أنه لا بد من البعث والنشور والجزاء والحساب؛ ولهذا قال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ (٤) زعموا: أي كذبوا ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) يبعثون وينبئون بأعمالهم خيرها وشرها، هكذا أخبر الله في كتابه العظيم أنه لا بد من البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٦)
стр. 13027
فلا بد من البعث والنشور والجزاء والحساب والجنة والنار؛ ولهذا فإن من أصول الإيمان: الإيمان بالأركان الستة التي هي أصول الإيمان: الإيمان باليوم الآخر يوم القيامة والبعث والنشور والجنة والنار والجزاء والحساب، ثم قال جل وعلا: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) فآمنوا بالله ورسوله أي: آمنوا بالله ربا وإلها ومعبودا بالحق، وهو الخلاق العليم، المالك لكل شيء المدبر لكل شيء، القاهر فوق عباده، المستحق أن يعبد دون كل ما سواه ورسوله محمد ﵊ وسائر الرسل جميعا، الرسول: مفرد يعم الرسل وبالأخص خاتمهم وإمامهم وأفضلهم محمد ﵊، فلا بد من الإيمان بالله وجميع الرسل والأنبياء وبكل ما أخبر الله به ورسوله، ثم قال: ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ (٢) النور الذي أنزل الله شريعته التي جاء بها نبيه محمد ﷺ -وهي: نور، من عرفها
стр. 13028
عرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال وصار كالبصير بين العميان، يرى الأشياء على ما هي عليه، فهي نور جعلها الله للعباد يعرفون بها ما يرضيه وما يسخطه، وما أعده لأوليائه وما أعده لأعدائه، وما سيقع يوم القيامة، نور كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) فالإيمان بالله والرسول والإيمان بالكتاب المنزل هو القرآن، وفيه أمر بطاعة الله ورسوله فلا بد من هذا النور، لا بد من الإيمان بهذا النور والأخذ به والتفقه من هذا النور، وهو: ما أنزل من كتابه وسنة رسوله ﵊، حتى تعرف مواضع الرضا والغضب، وتعرف الشرائع التي شرعها الله والأوامر، وحتى تعرف الأشياء التي نهى عنها، فبالأوامر وامتثالها تحصل النجاة، وبترك النواهي والمعاصي كذلك، هذا هو النور أن تكون على بصيرة وبينة تعرف هذا وهذا، تعرف الأوامر فتأتي بها وتؤديها، وتعرف النواهي فتحذرها وتجتنبها، فهذا هو المقصود مع الإيمان والتصديق بذلك، هذا هو
стр. 13029
الواجب على الجميع الجن والإنس أن يعرفوا أوامر الله فيمتثلوها وأن يعرفوا نواهيه فيجتنبوها؛ وذلك بالتفقه في الدين بالتعلم، وبالعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبسؤال أهل الذكر. يقول ﵊ في الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » ، ويقول ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٢) » ، ويقول: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والنور كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء (٣) » - يعني: مواضع مطمئنة أمسكت الماء - «فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ (٤) » - وهذه هي حال الناس - «فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل
стр. 13030
من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (١) » . هذه هي أقسام الناس مثل الأرض، أرض طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وهم: أهل العلم والإيمان والتعليم والتوجيه والإرشاد، وطائفة أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وهم: حملة العلم فحملوه للناس، حتى استفادوا منه وفجروا ينابيعه للناس، حفظوه وفقهوا غيرهم من طريق أهل العلم الذين نقلوه عنهم وأخذوه عنهم فهم حفظة استفادوا وأفادوا، وأهل العلم والفقه في الدين وأهل التبصر استخرجوا ما فيه من العلوم، استخرجوا ما فيه من الأحكام والفوائد ونشروها في الناس مثل إذا أخذوا الماء فشربوا وسقوا وزرعوا، وغالب الخلق مثل القيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، هذه حال أكثر الخلق لا خير فيهم لا علم ولا عمل، كما قال تعالى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣)
стр. 13031
وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فاحذر أن تكون من الأكثرين المعرضين الضالين، واحرص أن تكون من القليل الناجي، من المؤمنين الصادقين المصدقين المتفقهين في الدين المتعلمين، وهذا كتاب الله بين أيدينا بحمد الله أقبل عليه أكثر من تلاوته، يقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) ويقول: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) ويقول: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦)
стр. 13032
ويقول سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١) تأملوا هذا القرآن، وكل واحد يجب أن يكون له عناية في الليل أو في النهار أو فيهما جميعا، به يقرأ ما تيسر، ويتدبر ويتعقل ويحث أهله وأولاده وإخوانه وجيرانه على كثرة القراءة والتدبر والتعقل، وهكذا سنة الرسول ﷺ التي حفظها العلماء ونقلوها إلينا مثل: الصحيحين والسنن الأربع في المنتقى، وفي بلوغ المرام، وفي عمدة الحديث، ورياض الصالحين وفي غيرها من كتب الحديث التي نقل فيها أهل العلم هذه الأحاديث وصححوها.
فالمؤمن يستفيد منها يقرأ ويستفيد ويسمع ويسأل: وهذا اليوم هو يوم القر، يوم الخميس هذا هو يوم القر وهو اليوم الأول من أيام التشريق وغدا هو يوم النفر الأول، ويوم السبت هو يوم النفر الثاني، بعض الناس قد يخلط، يحسب أن هذا اليوم هو النفر الأول، يوم العيد لا يعد من الأيام الثلاثة يوم العيد مستقل وحده، ومحل أعمال الحج أيام التشريق التي أولها هذا
стр. 13033
اليوم الحادي عشر، وثانيها الثاني عشر، وثالثها الثالث عشر، وهي المراد في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١) هذه هي الأيام المعدودات، فمن تعجل في يومين يعني يوم الجمعة في هذه السنة فلا إثم عليه، ومن تأخر يعني يوم السبت فلا إثم عليه، هذه الأيام المعدودات أيام التشريق، وهي التي يصومها من عجز عن الهدي، هدي المتمتع يجوز له صومها. أما غيره فلا يصومها، هي أيام عيد، أيام أكل وشرب، قال النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله (٢) » . وكان يبعث من ينادي في الناس ويعلمهم: أن هذه الأيام أيام أكل وشرب وليست أيام صيام إلا لمن فقد الهدي ولمن عجز عن الهدي أولها هذا اليوم، والنفر الأول غدا يوم الجمعة إذا رمى الجمار بعد الزوال، وأحب أن ينفر إلى مكة ليقيم فيها أياما، أو إلى بلاده، فلينفر قبل غروب الشمس من منى يمر بمكة، ويطوف طواف
стр. 13034
الوداع إن كان طاف طواف الإفاضة أو يطوف طواف الإفاضة، وينوي الوداع معه ثم ينفر بعده إذا أحب، أو يقيم في مكة ما شاء الله، ثم إذا عزم على السفر طاف طواف الوداع، والنفر الثاني يوم السبت يوم الثالث عشر، فإذا غابت الشمس انتهت أيام التشريق وانتهت أيام الرمي، ولو جلس في منى فليس عليه رمي لو جلس الرابع عشر في منى ما عليه رمي، انتهت أيام الرمي بغروب الشمس، وهذه الأيام هي أيام تكبير أيضا مطلق ومقيد في أدبار الصلوات وبقية الأوقات يكبر في الضحى وفي الظهر وفي الليل، كان عمر ﵁ في هذه الأيام يكبر في مخيمه فيسمعه الناس وترتج منى تكبيرا، في أسواقهم وفي طرقاتهم، يذكر الناس ﵁ وهذه هي أيام الذبح مثل الضحايا والهدايا في هذه الأيام الأربعة، هذا الصحيح من أقوال العلماء: أربعة أيام، يوم العيد وثلاثة أيام بعده كلها أيام ذبح إلى غروب الشمس من يوم الثالث عشر ذبح الهدايا والضحايا؛ الضحايا في جميع الدنيا في البر والبحر في القرى والأمصار هذه الضحايا. والهدي هو: هدي التمتع والقران في هذه الأيام في مكة، ومن فاتته الأيام ولم يذبح هديه إما
стр. 13035
عاجزا، أو لم يحصل الدراهم إلا بعد الحج، أو ضل هديه ووجده فيما بعد، أو اقترض واشترى فإنه يذبح ولو بعد الأيام، كالقضاء إذا فاتت الأيام ثم تيسر له الهدي يذبحه، ولو كان قد صام الثلاثة يذبحه بعد الثلاثة، ويسقط عنه صيام السبعة، ولو تيسر له ذبيحة يوم أربعة عشر أو خمسة عشر يذبحها ويأكل ويطعم، ويسقط عنه صيام السبعة إن كان قد صام الثلاثة، وإن كان ما صام الثلاثة سقطت عنه العشرة كلها إذا تيسر الذبح في الرابع عشر أو في الخامس عشر أو في السادس عشر أو في السابع عشر أو بعده يذبحه في الحرم ويأكل ويطعم، وهذا اليوم يوم رمي إلى آخر الليل يبدأ بعد الزوال، قبل الصلاة أفضل إن تيسر وإلا بعد الصلاة وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء إلى آخر الليل كله رمي عن هذا اليوم يوم الحادي عشر، وغدا كله رمي بعد الزوال إلى آخر الليل عن اليوم الثاني عشر، ويوم السبت يرمي بعد الزوال إلى غروب الشمس فقط. وفق الله الجميع وثبت الجميع على الهدى، وتقبل منا ومنكم، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 13036
٩٧ - تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ (١)
س: طالب يسأل ويقول: ما هو الحق في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٢) .
ج: الرسول ﷺ فسرها بأن المراد: يوم يجيء الرب يوم القيامة، ويكشف لعباده المؤمنين عن ساقه، وهي العلامة التي بينه وبينهم ، فإذا كشف عن ساقه عرفوه وتبعوه. . وإن كانت الحرب يقال لها: كشفت عن ساق، إذا اشتدت. . وهذا معنى معروف لغويا قاله أئمة اللغة. ولكن في الآية الكريمة يجب أن يفسر بما جاء في الحديث الشريف، وهو كشف الرب عن ساقه ، وهذه من الصفات التي تليق بجلال الله وعظمته، لا يشابهه فيها أحد جل وعلا، وهكذا سائر
стр. 13037
الصفات كالوجه واليدين والقدم والعين وغير ذلك من الصفات الثابتة بالنصوص. ومن ذلك الغضب والمحبة والكراهة وسائر ما وصف به نفسه سبحانه في الكتاب العزيز، وفيما أخبر به عنه النبي ﷺ كلها صفات حق، وكلها تليق بالله جل وعلا لا يشابهه فيها أحد سبحانه وبحمده، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان من أئمة العلم والهدى. . والله الموفق.
стр. 13038
٩٨ - تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (١)
س: قرأت في تفسير الصابوني عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (٢) فأولها وقال: في الحديث يسجد لله كل
стр. 13039
مؤمن ومؤمنة، ولما رجعت إلى صحيح البخاري وجدت الحديث يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة (١) » فقد حذف الصابوني الجزء الأول من الحديث فهل يجوز له ذلك، وماذا يسمى هذا العمل ولا سيما إذا كان متعمدا؟ (٢)
ج: على كل حال هذا خطأ وغلط، الواجب عليه وعلى غيره بيان الحق فالحديث: يكشف عن ساقه العلماء اختلفوا في الآية عن ساقه قال بعضهم: عن شدة، ولكن جاء الحديث الصحيح فسر الآية بما لا يجوز معه خلاف الحديث، والمعنى يكشف عن ساقه، والله جل وعلا يوصف بذلك على الوجه اللائق به كما يوصف بالوجه واليد والقدم والأصابع والعين كذلك يوصف بالساق على الوجه اللائق به ، لا يشابه الخلق في شيء من صفاته، ولا يجوز للعالم أن يخفي الحق أو يتأول التأويل الباطل، والله المستعان.
стр. 13040
٩٩ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢)
س: أرجو أن تتفضلوا بالإجابة عما يلي: ما الفرق بين الآيات الكريمة الآتية في الآية الخامسة عشرة من سورة الجن، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٣) وفي الآية الثامنة من سورة الممتحنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤) وفي الآية الثانية والأربعين من سورة المائدة ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥)(٦) .
ج: القسط الذي أمر الله بالحكم به هو العدل، والمقسطون هم أهل العدل في حكمهم وفي أهليهم وفيما ولاهم الله عليهم، وأقسط أي: عدل في الحكم، وأدى الحق ولم يجر، أما القاسط فهو الجائر الظالم، يقال: قسط يقسط قسطا فهو قاسط إذا جار وظلم؛
стр. 13041
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١) يعني الظالمين الجائرين المعتدين المتعدين لحدود الله، وهم الذين توعدهم الله بأن يكونوا حطبا لجهنم، أما المقسطون بالميم من أقسطوا من الرباعي فهؤلاء هم: أهل العدل الموفقون المهديون الذين يعدلون في حكمهم وفي أهليهم وفيمن ولاهم الله عليهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) يعني يحب أهل العدل والاستقامة والإنصاف، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا (٣) » .
стр. 13042
١٠٠ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ﴾ (١) . . . الآيات
س: أرجو تفسر قوله تعالى من سورة النازعات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣)
стр. 13043
وما هي الأمور التي تنهى النفس عن الهوى، وهل يكون عمل المرأة من هذه الأمور التي، يجب نهي النفس عنها في حالة عدم احتياجها للعمل ماديا؟
ج: هذه الآية آية عظيمة ومعناها واضح، وقبلها يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ (١) ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢) ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ (٤) الآية، أي: خاف القيام بين يدي الله؛ فلهذا نهى نفسه عن هواها المحرم، أي: نهاها عن المعاصي التي تهواها النفس، وهذا هو الذي له الجنة والكرامة، فإن النفس قد تميل إلى الزنا والخمر والربا، وإلى أشياء أخرى مما حرم الله، وتهوى ذلك لأسباب، فإذا وفق الله المؤمن أو المؤمنة لمحاربة هذا الهوى ومخالفته وعدم الانصياع إليه صار هذا من أسباب دخول الجنة. وعمل المرأة لا بأس به إذا كان مباحا أو مشروعا، ولا يترتب عليه شيء من المعاصي كالخلوة بالرجل الأجنبي، أو عصيان الزوج، أو نحو ذلك مما حرم الله عليها.
стр. 13044
١٠١ - تفسير قوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (١)
س: المعروف أن الكتب السماوية المنزلة هي أربعة التوراة - الزبور - الإنجيل - القرآن. فماذا عن صحف إبراهيم وموسى التي جاء ذكرها في القرآن الكريم الآيتان رقم ١٨، ١٩ من سورة الأعلى. أرجو إعطائي نبذة وتعريفا عن هذه الصحف المطهرة؟
ج: قد أخبر الله سبحانه أنه أرسل رسله بالبينات والزبر، كما قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ (٣) الآية من سورة النحل، والزبر: هي الكتب.
وقال سبحانه في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) الآية ونص سبحانه على صحف إبراهيم وموسى في سورة: سبح اسم
стр. 13045
ربك الأعلى، وبين سبحانه من هذه الكتب والصحف: التوراة المنزلة على موسى، والزبور المنزل على داود، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد ﷺ .
وليس للعباد من العلم إلا ما علمهم الله إياه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ والله ولي التوفيق.
стр. 13046
١٠٢ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (١)
س: فسروا لنا قول الحق : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢)(٣)
ج: جاء في الأحاديث الصحيحة أن الله وعد رسوله ﷺ أن يرضيه في أمته، ومن ذلك أنه يأذن له بالشفاعة فيشفع لهم في دخول الجنة، ويشفع لكثير منهم دخل النار أن يخرج منها، وهذا مما أعطاه الله له ﵊ لأهل الموقف حتى يقضي بينهم، وهو المقام المحمود الذي وعده الله به.
стр. 13047
١٠٣ - تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١)
س: قال تعالى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) فإذا كان الإنسان لديه القدرة على العيش في رغد فهل تنطبق عليه هذه الآية الكريمة. وما معنى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣) ؟
ج: معنى الآية: أن الله أمر النبي ﷺ أن يتحدث بنعم الله، فيشكر الله قولا كما يشكره عملا، فالتحدث بالنعم كأن يقول المسلم: إننا بخير والحمد لله، وعندنا خير كثير، وعندنا نعم كثيرة، نشكر الله على ذلك. لا يقول: نحن ضعفاء، وليس عندنا شيء. . لا. . بل يشكر الله ويتحدث بنعمه، ويقر بالخير الذي أعطاه الله، لا يتحدث بالتقتير كأن يقول: ليس عندنا مال ولا لباس. . ولا كذا ولا كذا لكن يتحدث بنعم الله، ويشكر ربه ، والله سبحانه إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى
стр. 13048
أثرها عليه في ملابسه وفي أكله وفي شربه، فلا يكون في مظهر الفقراء، والله قد أعطاه المال ووسع عليه، لا تكون ملابسه ولا مأكله كالفقراء بل يظهر نعم الله في مأكله ومشربه وملبسه. ولكن لا يفهم من هذا الزيادة التي فيها الغلو، وفيها الإسراف والتبذير.
стр. 13049
١٠٤ - تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١) . . . .)
س: أرجو تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٤) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥) ؟
ج: الآية الكريمة المذكورة على ظاهرها، والويل إشارة إلى شدة العذاب، والله سبحانه يتوعد المصلين الموصوفين بهذه الصفات التي ذكرها وهي قوله ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٧) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٨) السهو عن الصلاة: هو الغفلة عنها والتهاون بشأنها، وليس المراد تركها؛ لأن
стр. 13050
الترك كفر أكبر، وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء. نسأل الله العافية.
أما التساهل عنها: فهو التهاون ببعض ما أوجب الله فيها كالتأخر عن أدائها في الجماعة في أصح قولي العلماء، وهذا فيه الوعيد المذكور.
أما إن تركها عمدا فإنه يكون كافرا كفرا أكبر، وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء كما تقدم؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (١) » . خرجه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح، ولقوله ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٢) » . خرجه الإمام مسلم في صحيحه، فهذان الحديثان وما جاء بمعناهما حجة قائمة وبرهان ساطع على كفر تارك الصلاة وإن لم يجحد وجوبها.
стр. 13051
أما إن جحد وجوبها فإنه يكفر بإجماع العلماء ولو صلى، أما السهو فيها فليس هو المراد في هذه الآية، وليس فيه الوعيد المذكورة؛ لأنه ليس في مقدور الإنسان السلامة منه، وقد سها النبي ﷺ في الصلاة غير مرة، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وهكذا غيره من الناس يقع منه السهو من باب أولى، ومن السهو عنها الرياء فيها كفعل المنافقين.
فالواجب أن يصلي المؤمن لله وحده، يريد وجهه الكريم، ويريد الثواب عنده ؛ لعلمه بأن الله فرض عليه الصلوات الخمس فيؤديها؛ إخلاصا لله، وتعظيما له، وطلبا لمرضاته ، وحذرا من عقابه.
ومن صفات المصلين الموعودين بالويل: أنهم يمنعون الماعون، والماعون، فسر بالزكاة، وأنهم يمنعون الزكاة؛ لأن الزكاة قرينة الصلاة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢)
стр. 13052
وقال آخرون من أهل العلم: إنه العارية، وهي التي يحتاج إليها الناس ويضطرون إليها.
وفسره قوم بالدلو لجلب الماء، وبالقدر للطبخ ونحوه. ولكن منع الزكاة أعظم وأكبر.
فينبغي للمسلم أن يكون حريصا على أداء ما أوجب الله عليه، وعلى مساعدة إخوانه عند الحاجة للعارية؛ لأنها تنفعهم وتنفعه أيضا ولا تضره.
стр. 13053
١٠٥ - كتب التفسير المفيدة
س: أريد أن تدلوني على بعض أسماء الكتب في التفسير والحديث والفقه للإفادة منها؟ وجزاكم الله خيرا (١) .
ج: من الكتب المفيدة في التفسير: تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، والبغوي، وابن سعدي، والشنقيطي، ومن كتب الحديث المفيدة: الصحيحان، والسنن الأربعة، ومنتقى الأخبار، وعمدة الحديث، وبلوغ المرام، والأربعون النووية، وتتمتها للحافظ ابن رجب، الجميع خمسون حديثا عن النبي ﷺ من
стр. 13054
جوامع الكلم. ومن كتب الفقه المفيدة: المغني للإمام العلامة أبي محمد عبد الله بن قدامة ﵀ والمقنع له أيضا، والروض المربع شرح زاد المستقنع بحاشية العلامة الشيخ: عبد الرحمن بن قاسم ﵀ وشرح المهذب للنووي ﵀ والله الموفق.
стр. 13055
١٠٦ - ملاحظات حول كتاب صفوة التفاسير للصابوني وتأويله لآيات الصفات
س: ما رأيكم في كتاب صفوة التفاسير، وقد نقل عن الصاوي أن الرسول ﷺ منبع الرحمات والتجليات، والصاوي يقول: الأخذ بظواهر القرآن والسنة كفر؟
ج: كل هذا غلط كله خطأ، ليس الرسول منبع الرحمات إلا بالتأويل إذا كان من جهة الشريعة، وإلا الرحمة من الله ، هذه العبارة عبارة خاطئة غلط، وكذلك قوله: إن الأخذ بظاهر النصوص كفر، وأن الصاوي كلامه وقوله قبيح منكر، نسأل الله العافية، فالكفر هو الضلال لو عقله ولو كان يعقل ما يقول. هذا المنكر من المقالتين، لا قوله: منبع الرحمات والتجليات، ولا قوله: إنه لا يؤخذ بظاهر النصوص. كل هذا منكر عظيم، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 13056
١٠٧ - جمع المصحف على حرف واحد
س: هل صحيح أن عثمان ﵁ عندما جمع القرآن في مصحف واحد حذف بعض الأحرف أم أنه أثبت بعض القراءات دون بعض؟ (١) .
ج: ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه (٢) » . وقال المحققون من أهل العلم: إنها متقاربة في المعنى مختلفة في الألفاظ.
وعثمان ﵁ لما بلغه اختلاف الناس، وجاءه حذيفة ﵁ وقال: أدرك الناس. استشار الصحابة الموجودين في زمانه كعلي وطلحة والزبير وغيرهم، فأشاروا بجمع القرآن على حرف واحد حتى لا يختلف الناس، فجمعه ﵁ وكون لجنة رباعية لهذا، ويرأسهم زيد بن ثابت ﵁ فجمعوا القرآن على حرف واحد، وكتبه ووزعه في الأقاليم حتى يعتمده
стр. 13057
الناس وحتى ينقطع النزاع. أما القراءات السبع أو القراءات العشر فهي موجودة في نفس ما جمعه عثمان ﵁ في زيادة حرف أو نقص حرف أو مد أو شكل للقرآن، كل هذا داخل في الحرف الواحد الذي جمعه عثمان ﵁ والمقصود من ذلك حفظ كلام الله ومنع الناس من الاختلاف الذي قد يضرهم ويسبب الفتنة بينهم. والله جل وعلا لم يوجب القراءة بالأحرف السبعة؛ بل قال النبي ﷺ : «فاقرءوا ما تيسر منه (١) » فجمع الناس على حرف واحد عمل طيب ويشكر عليه عثمان والصحابة ﵃ وأرضاهم - لما فيه من التيسير والتسهيل وحسم مادة الخلاف بين المسلمين.
стр. 13058
١٠٨ - تعدد القراءات لا يغير المعنى
س: يقولون: إن تعدد القراءات في القرآن معناه اختلاف في القرآن، حيث يؤدي إلى معان ثانية مثل آية الإسراء ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (١) ؟ .
ج: ثبت عن النبي ﷺ أن القرآن نزل من عند الله على سبعة أحرف، أي لغات من لغات العرب ولهجاتها تيسيرا لتلاوتها عليهم، ورحمة من الله بهم، ونقل ذلك نقلا متواترا وصدق ذلك واقع القرآن وما وجد فيه من القراءات، فهي كلها تنزيل من حكيم حميد.
ليس تعددها من تحريف أو تبديل، ولا لبس في معانيها، ولا تناقض في مقاصدها ولا اضطراب، بل بعضها يصدق بعضا ويبن مغزاه، وقد تتنوع معاني بعض القراءات فيفيد كل منها حكما يحقق مقصدا من مقاصد الشرع، ومصلحة من مصالح العباد، مع اتساق معانيها وائتلاف مراسيها، وانتظامها في وحدة تشريع محكمة كاملة، لا تعارض بينها ولا تضارب فيها.
стр. 13059
فمن ذلك ما ورد من القراءات في الآية التي ذكرها السائل، وهي قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (١) فقد قرئ " ونخرج " بضم النون وكسر الراء، وقرئ " يلقاه " بفتح الياء والقاف مخففة، والمعنى: ونحن نخرج للإنسان يوم القيامة كتابا، هو صحيفة عمله، يصل إليه حال كونه مفتوحا فيأخذه بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا، وقرئ " يلقاه منشورا " بضم الياء وتشديد القاف. والمعنى: ونحن نخرج للإنسان يوم القيامة كتابا - هو صحيفة عمله - يعطى الإنسان ذلك الكتاب حال كونه مفتوحا، فمعنى كل من القراءتين يتفق في النهاية مع الآخر، فإن من يلقى إليه الكتاب فقد وصل إليه، ومن وصل إليه الكتاب فقد ألقي إليه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢) قرئ " يكذبون " بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الذال بمعنى: يخبرون بالأخبار الكاذبة عن الله والمؤمنين، وقرئ " يكذبون " بضم الياء وفتح الكاف
стр. 13060
وتشديد الذال المكسورة، بمعنى: يكذبون الرسل فيما جاءوا به من عند الله من الوحي، فمعنى كل من القراءتين لا يعارض الآخر ولا يناقضه، بل كل منهما ذكر وصفا من أوصاف المنافقين، وصفتهم الأولى بالكذب في الخبر عن الله ورسله وعن الناس، وصفتهم الثانية بتكذيبهم رسل الله فيما أوحى إليهم من التشريع، وكل حق فإن المنافقين جمعوا بين الكذب والتكذيب.
ومن ذلك يتبين أن تعدد القراءات كان بوحي من الله لحكمة، لا عن تحريف وتبديل، وأنه لا يترتب عليه أمور شائنة، ولا تناقض أو اضطراب، بل معانيها ومقاصدها متفقة. والله الموفق.