الصحيح: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١) » ، ويقول ﷺ في الحديث الصحيح أيضا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » ، وفي اللفظ الآخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣) » متفق عليه.
ويقول في خطبة الجمعة ﵊: أما بعد: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٤) » خرجه مسلم صحيحه. فالعبادة التي لم يشرعها الله لا تجوز الدعوة إليها، ولا يؤجر صاحبها، بل يكون فعله لها ودعوته إليها من البدع، وبذلك يكون الداعي إليها من الدعاة إلى الضلالة، وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٥) الآية.
стр. 13232
٤ - كيف أنزل الحديث
سماحة والدنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله من كل سوء آمين.
فأبعث لسماحتكم سؤالا راجيا تفضلكم الإجابة عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س: إن الله أنزل القرآن بالوحي على الرسول فكيف أنزل الحديث؟
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده:
أنزل الله القرآن الكريم على نبيه محمد ﷺ بواسطة أشرف الملائكة وهو جبرائيل ﵊، كما قال الله في سورة الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤) وقال جل وعلا في سورة الدخان:
стр. 13233
﴿حم﴾ (١) ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٢) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (٣) ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (٦) ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٧) وهذه الليلة هي أشرف الليالي، وهي في العشر الأواخر من رمضان، كما قال الله سبحانه في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٨) الآية.
أما الحديث فيوحيه الله إلى نبيه وحيا بواسطة جبرائيل ﵊، وتارة يتمثل له الملك في صورة إنسان، فيسمعه ما يقول، كما في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂. والله ولي التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 13234
٥ - قراءة الأحاديث فيها أجر
س: وردت الأدلة على الأجر في قراءة القرآن الكريم، فهل هناك أجر في قراءة الأحاديث النبوية؟ (١) .
ج: نعم قراءة العلم كله فيها أجر، تعلم العلم وطلب العلم من طريق القرآن الكريم، ومن طريق السنة فيه أجر عظيم، فالعلم يؤخذ من الكتاب، ويؤخذ من السنة، يقول النبي ﷺ : «خيركم من تعلم العلم وعلمه (٢) » وجاء في قراءة القرآن الكريم أحاديث كثيرة، منها قول النبي ﷺ : «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة (٣) » رواه مسلم.
وقال ذات يوم ﵊: «أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان - واد في المدينة - فيأتي بناقتين عظيمتين في
стр. 13235
غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، فقال: لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (١) » أو كما قال ﵊، فهذا يدل على فضل تعلم القرآن الكريم، وقراءة القرآن الكريم.
وفي حديث ابن مسعود: «من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (٢) » .
هكذا السنة إذا تعلمها المؤمن، فقرأ الأحاديث ودرسها يكون له أجر عظيم؛ لأن هذا من تعلم العلم، يقول النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (٣) » وهذا يدل على أن دراسة العلم، وحفظ
стр. 13236
الأحاديث، والمذاكرة فيها من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وهكذا قول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١) » متفق عليه، والتفقه في الدين يكون من طريق الكتاب، ويكون من طريق السنة، والتفقه في السنة من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا، كما أن التفقه في القرآن الكريم دليل على ذلك، والأدلة في هذا كثيرة ولله الحمد.
стр. 13237
٦ - ما معنى قول النبي ﷺ :
«ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (١) » .
س: ما معنى قول النبي ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (٢) » ؟
ج: هذا حديث من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ومعنى (ومثله معه) يعني أن الله أعطاه وحيا آخر وهو السنة التي تفسر القرآن وتبين معناه، كما
стр. 13238
قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) فالله أوحى إليه القرآن وأيضا السنة وهي الأحاديث التي ثبتت عنه ﷺ فيما يتعلق بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، فالسنة وحي ثان أوحاه الله إليه لإكمال الرسالة وتمام البلاغ، وهو ﷺ يعبر عن ذلك بالأحاديث التي بينها للأمة قولا وفعلا وتقريرا مثل قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٢) » وقوله ﵊: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٣) » ، وقوله ﷺ : «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا
стр. 13239
صدقة من غلول (١) » ، وقوله ﷺ : «الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر (٢) » إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في كل ما يحتاجه العباد وفيما يتعلق بتفسير كتاب الله عليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذا الوحي وحي أوحاه الله إليه وأخبر عنه النبي ﷺ وبينه للأمة فهو من الله وحي بالمعنى، وهو من كلام النبي ﷺ مثل ما تقدم في وقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات (٣) » . . . إلخ. ومثل قوله ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (٤) » . . . إلخ الحديث.
ويدخل في الوحي الثاني الذي أوتيه النبي ﷺ الأحاديث القدسية التي يرويها الرسول عن ربه فهي وحي من الله ومن كلامه سبحانه ولكن ليس لها حكم القرآن، مثل قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه
стр. 13240
عز وجل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم (١) » . . . إلى آخر الحديث وهو حديث طويل رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري ﵁ وكل ذلك داخل في قوله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٢) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣) يعني محمدا ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥) الآيات.
стр. 13241
٧ - ما معنى أحاديث الآحاد
س: ما المقصود بحديث الآحاد؟ وهل يؤخذ بها في أمر العقيدة؟
ج: خبر الآحاد هو كل حديث لم تتوافر فيه شروط المتواتر، ويسمى خير آحاد وهو أقسام ثلاثة: مشهور ويسمى
стр. 13242
المستفيض، وعزيز، وخبر الواحد. كما أوضح ذلك أئمة الحديث ومنهم الحافظ ابن حجر ﵀ في النخبة وشرحها.
وخبر الآحاد حجة في العقيدة وغيرها، عند أهل السنة إذا صح سنده. والله ولي التوفيق.
стр. 13243
٨ - كتب الحديث المعروفة المشهورة
س: ما هي كتب السنة التي ترون أنها مناسبة وتنصحوننا باقتنائها؟
ج: كتب السنة كثيرة والحمد لله منها الكتب الستة وهي الصحيحان البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ﵏، ومنها موطأ مالك ﵀ ومسند أحمد ﵀ وسنن الدارمي ﵀، فهذه كتب الحديث المعروف المشهورة.
ومن كتب السنة ما ألفه جماعة آخرون من أهل العلم، منها ما ألفه الشافعي ﵀ كالأم، ومنها ما ألفه الفقهاء بعد ذلك في أحكام الشرع المطهر، ومن أحسن ما ألف في ذلك مؤلفات
стр. 13244
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀، فإن كتبهما مفيدة جدا وتعتني بالدليل وترجح الراجح في مسائل الخلاف فهي كتب عظيمة، وهكذا كتب أئمة الدعوة الذين اشتغلوا بها ونشروها في هذه الجزيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وما بعده، وهم الشيخ الإمام العلامة محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأبناؤه وأحفاده وأنصاره من دعاة السنة، فكتبهم مفيدة وعظيمة مثل الدرر السنية، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، وآداب المشي إلى الصلاة، وثلاثة الأصول، والقواعد الأربع، ومجموعة التوحيد، وتيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏.
ومن كتب العقيدة المهمة: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية والتدمرية والحموية له أيضا ﵀، وشرح الطحاوية لابن أبي العز، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ﵀. كل هذه كتب عظيمة ومفيدة.
стр. 13245
٩ - دراسة علوم الحديث
س: ما هي الطرق الصحيحة لمعرفة ودراسة علم الحديث؟ (١)
ج: دراسة علم الحديث تكون بقراءة الكتب المؤلفة في ذلك، على أهل العلم العارفين بالحديث ومصطلحات أهله، والله الموفق.
стр. 13246
١٠ - كتب شروح معنى الأحاديث
س: أرجو منكم إعطائي أسماء كتب تفسر معنى الأحاديث النبوية، وهل يجوز اختصار كتابة الصلاة على محمد بالرمز لها بحرف (ص) ؟ أفيدوني.
ج: من الكتب المفيدة في شرح الأحاديث النبوية: فتح الباري للحافظ ابن حجر في شرح صحيح البخاري رحمة الله
стр. 13247
عليهما، وشرح النووي لصحيح الإمام مسلم رحمة الله عليهما، وعون المعبود لسنن أبي داود، وتحفة الأحوذي لجامع الترمذي، ونيل الأوطار في شرح المنتقى للشوكاني، وسبل السلام في شرح بلوغ المرام للأمير: محمد بن إسماعيل الصنعاني.
ولا يجوز الاكتفاء ب (ص) ولا (صلعم) للإشارة إلى الصلاة على النبي ﷺ بل المشروع التصريح بذلك، فيقول: ﷺ . والله ولي التوفيق.
стр. 13248
١١ - علم الرجال والنظر في الأحاديث لا يزال
س: فيما يتعلق في تخريج الأحاديث يا سماحة الشيخ وتعديل الرواة وتجريحهم. هناك من يرى أن باب علم الرجال مغلق أو انتهى من قديم. كيف ترون ذلك يا سماحة الشيخ؟ (١) .
ج: لا، هذا ليس بصحيح، بل علم الرجال والنظر في الأحاديث باق، ولم يمض، بل لا يزال، فأهل العلم عليهم أن يعتنوا
стр. 13249
بهذا ويراجعوا الأحاديث ويميزوا صحيحها وسقيمها، ويرشدوا الناس إلى ذلك، ولا يقفوا عند ذكر فلان أو فلان، بل يتابع، مثل المنتقى، مثل بلوغ المرام، مثل السنن الأربعة، مثل مسند أحمد، يراجع الأسانيد ويعتني بها، ويعرف صحيحها من سقيمها، حتى يستفيد من ذلك ويفيد غيره، هكذا شأن طالب العلم الذي قد وفقه الله لمعرفة الأحاديث ومعرفة أسانيدها ومعرفة أحوال الرجال واشتغل بهذا الشيء، يكون فيه فائدة عظيمة له ولغيره.
стр. 13250
١٢ - حكم الحديث إذا كان إسناده
ليس بقوي وقد ورد في فضائل الأعمال
س: إذا خرج الترمذي حديثا وقال: إسناده ليس بقوي، وكان الحديث في فضائل الأعمال، فما رأي سماحتكم؟
ج: الترمذي ﵀ الغالب على تصحيحه وتحسينه جيد، ولكنه قد يضعف بعض الأحاديث وهي عند غيره قوية لكن سندها عنده ضعيف، وقد يحسن بعض الأحاديث أو يصححها وهي ليست كذلك عند غيره من أئمة الحديث، مثل حديث
стр. 13251
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في «المرأة التي دخلت على النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها ﷺ : أتعطين زكاة هذا؟ (١) » الحديث، في باب الزكاة، وهو عند الترمذي ضعيف، لأنه من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب وهو ضعيف أعني: المثنى وهو عند أبي داود والنسائي جيد؛ لكونه من رواية بعض الثقات عن عمرو بن شعيب، وحكم عليه الحافظ في البلوغ بأن إسناده قوي، والمقصود أنه عند أبي داود والنسائي جيد، وأما عند الترمذي فضعيف؛ لكونه من رواية المثنى بن الصباح كما تقدم، ولديه أحاديث أخرى ﵀ صححها أو حسنها وهي ضعيفة. والمقصود من هذا أنه لا يكفي تصحيحه ولا تحسينه بل لا بد من مراجعة الأسانيد وكلام أهل العلم في ذلك حتى يكون الطالب على بينة، وهكذا رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والإمام أحمد ﵏ جميعا، كل هؤلاء يروون الضعيف
стр. 13252
والصحيح، فإذا سكت أبو داود أو النسائي أو ابن ماجه أو الدارمي أو غيرهم ممن لم يلتزم الصحة فيما يرويه فراجع الأسانيد وتأملها إن كان عندك دراية ومعرفة، وإلا راجع كلام أهل العلم كالحافظ في التلخيص، ونصب الراية للزيلعي وفتح الباري وغيرهم، ولا تتعجل في التصحيح ولا التضعيف حتى يكون عندك أهلية لأن هذه أمور خطيرة بخلاف الصحيحين فأحاديثهما متلقاة بالقبول عند أهل العلم، وقد صرح أبو داود ﵀ أنه إذا سكت عن شيء فهو صالح للاحتجاج به عنده. يقول عنه ﵀ الحافظ العراقي في ألفيته ما نصه:
وما به وهن شديد قلته ... وحيث لا فصالح خرجته
يعني الذي فيه وهن شديد يبينه والذي يسكت عنه صالح ولكن ليس على إطلاقه، فقد يكون ضعيفا عند غيره وإنه صالح عنده كما أوضح ذلك أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره.
стр. 13253
١٣ - تضعيف الأحاديث
الصحيحة شذوذ عن العلماء
س: ما موقفنا ممن يضعف أحاديث في صحيح مسلم أو صحيح البخاري؟
ج: هذا شذوذ عن العلماء لا يعول عليه إلا في أشياء يسيرة عند مسلم ﵀ نبه عليها الدارقطني وغيره، والذي عليه أهل العلم هو تلقي أحاديث الصحيحين بالقبول والاحتجاج بها كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر والحافظ ابن الصلاح وغيرهما، وإذا كان في بعض الرجال المخرج لهم في الصحيحين ضعف فإن صاحبي الصحيح قد انتقيا من أحاديثهم ما لا بأس به، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، ومثل عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجماعات فيهم ضعف لكن صاحبي الصحيح انتقيا من أحاديثهم ما لا علة فيه؛ لأن الرجل قد يكون عنده أحاديث كثيرة فيكون غلط في بعضها أو رواها بعد الاختلاط إن كان ممن اختلط، فتنبه صاحبا الصحيحين لذلك فلم يرويا عنه إلا ما صح عندهما سلامته.
стр. 13254
والخلاصة أن ما رواه الشيخان قد تلقته الأمة بالقبول فلا يسمع كلام أحد في الطعن عليهما رحمة الله عليهما سوى ما أوضحه أهل العلم كما تقدم.
ومما أخذ على مسلم ﵀ رواية حديث أبي هريرة: أن الله خلق التربة يوم السبت. . . الحديث. والصواب أن بعض رواته وهم برفعه للنبي ﷺ وإنما هو من رواية أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار؛ لأن الآيات القرآنية والأحاديث القرآنية الصحيحة كلها قد دلت على أن الله سبحانه قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة؛ وبذلك علم أهل العلم غلط من روى عن النبي ﷺ أن الله خلق التربة يوم السبت، وغلط كعب الأحبار ومن قال بقوله في ذلك، وإنما ذلك من الإسرائيليات الباطلة. والله ولي التوفيق.
стр. 13255
١٤ - هذا رأيي في الشيخ الألباني
س: لدينا شيخ رزقه الله علما، لكنه يسب المشايخ الذين يخالفونه القول، ويخص بالذكر الشيخ ناصر الدين الألباني، حيث يحذر منه كل ليلة تقريبا في أحاديثه، في شهر رمضان، ويدعي بأن هذا رأي كل الأفاضل في الألباني، وأنه مجرد تاجر كتب، فما جوابكم ورأيكم يا سماحة الشيخ في الألباني لنطلعه عليه، ونطلع عليه رواد الدرس الكثر.
ج: بسم الله والحمد لله، الشيخ ناصر الدين الألباني من خواص إخواننا الثقات المعروفين بالعلم والفضل والعناية بالحديث الشريف تصحيحا وتضعيفا، وليس معصوما بل قد يخطئ في بعض التصحيح والتضعيف، ولكن لا يجوز سبه ولا ذمه ولا غيبته، بل المشروع الدعاء له بالمزيد من التوفيق وصلاح النية والعمل، ومن
стр. 13256
وجد له غلطا واضحا بالدليل فعليه أن يناصحه ويكتب له في ذلك، عملا بقول النبي ﷺ : «الدين النصيحة (١) » الحديث رواه مسلم، ولقوله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (٢) » الحديث، وقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٣) » متفق على صحتهما.
ومعلوم أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ولا سيما أهل العلم؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)
стр. 13257
فالواجب على الجميع التناصح والتواصي بالحق، وتنبيه المخطئ إلى خطئه، وإرشاده إلى الصواب حسب الأدلة الشرعية، وفق الله الجميع.
стр. 13258
كتاب الإيمان
стр. 13259
صفحة فارغة
стр. 13260
١٥ - شرح حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله الحديث
س: سائل يرجو شرح هذا الحديث: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١) » .
ج: هذا الحديث صحيح، رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى (٢) » . . . الحديث، وهذا على ظاهره، فإن من أتى بالشهادتين وهو لا يأتي بهما قبل ذلك، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يعتبر مسلما حرام الدم والمال إلا بحق الإسلام، يعني: إلا بما يوجبه الإسلام عليه بعد ذلك، كأن يزني فيقام عليه حد الزنا؛ إن كان
стр. 13261
بكرا فبالجلد والتغريب، وإن كان ثيبا فبالرجم الذي ينهي حياته، وهكذا بقية أمور الإسلام يطالب بها هذا الذي أسلم وشهد هذه الشهادة وأقام الصلاة وآتى الزكاة.
فيطالب بحقوق الإسلام، وهو معصوم الدم والمال إلا أن يأتي بناقض من نواقض الإسلام، أو بشيء يوجب الحد عليه، وهكذا قوله في الحديث الآخر عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (١) » .
هذا الحديث مثل ذاك الحديث: من أتى بالتوحيد والإيمان بالرسالة فقد دخل في الإسلام، ثم يطالب بحق الإسلام، فيطالب بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، فإن أدى ما أوجب الله عليه فهو مسلم حقا، وإن امتنع عن شيء أخذ بحق الله فيه، وأجبر وألزم بحقوق الله التي أوجبها على عباده.
وهذا هو الواجب على جميع من دخل في دين الإسلام أن يلتزم بحق الإسلام، فإن لم يلتزم أخذ بحق الإسلام.
стр. 13262
١٦ - شرح حديث:
«من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة (١) »
س: من قال: (لا إله إلا الله دخل الجنة) هل هذا حديث؟ وهل يكتفي الإنسان بقول: (لا إله إلا الله) دون العمل بمقتضاها؟ (٢)
ج: جاء في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تدل على أن من قال: «لا إله إلا الله صدقا من قلبه دخل الجنة (٣) » ، وفي بعضها: «خالصا من قلبه (٤) » ، وفي بعضها: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٥) » وفي بعضها يقول ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة
стр. 13263
ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١) » .
والأحاديث كلها يفسر بعضها بعضا والمعنى أن من قال: لا إله إلا الله صادقا من قلبه مخلصا لله وحده وأدى حقها بفعل ما أمر الله، وترك ما حرم الله، ومات على ذلك دخل الجنة، وعصم دمه وماله حال حياته، إلا بحق الإسلام.
فالواجب على جميع المسلمين أن يتقوا الله ويخلصوا له العبادة وأن يؤمنوا برسوله محمد ﷺ وأنه رسول الله إلى جميع الثقلين، الجن والإنس، وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي وعليهم مع ذلك أن يؤدوا فرائض الله، وأن يزكوا محارم الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يتبرءوا من كل ما يخالف ذلك من جميع أديان المشركين، فمن مات على ذلك دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومن أتى شيئا من المعاصي كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا وعقوق الوالدين وغير ذلك من المعاصي، ومات على ذلك ولم يتب فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له فضلا منه وإحسانا من أجل توحيده وإيمانه بالله ورسوله ﷺ ، وسلامته من الشرك وإن
стр. 13264
شاء عذبه على قدر المعاصي التي مات عليها، ثم يخرجه الله من النار، بعد التطهير والتمحيص ويدخله الجنة؛ لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فأخبر سبحانه أنه لا يغفر الشرك لمن مات عليه، وأما ما دونه فهو معلق بمشيئة الله، فقد يعفو له سبحانه عنه فضلا ورحمة منه بدون شفاعة أحد، وقد يغفر له سبحانه بشفاعة الأنبياء والصالحين والأفراط وغيرهم ممن يأذن الله لهم بالشفاعة من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) وقال سبحانه في حق الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣) وقال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (٤)
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه يشفع يوم القيامة لكثير من العصاة من أمته الذين دخلوا النار بذنوبهم، عدة شفاعات، فيحد الله له حدا في كل شفاعة، فيخرجهم من
стр. 13265
النار، وتشفع الملائكة، والأنبياء والصالحون والأفراط بعد إذنه سبحانه لهم ويبقى في النار بقية من العصاة لم تشملهم الشفاعة، فيخرجهم الله سبحانه من النار بفضله ورحمته، ولا يبقى في النار إلا الكفار، فإنهم يخلدون فيها أبد الآباد.. كما قال الله في حقهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١) وقال سبحانه في حقهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢) وقال سبحانه في حقهم: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٣) وقال في حقهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (٤) وقال في حقهم أيضا: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٥) ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (٦) فيرد عليهم سبحانه بقوله:
стр. 13266
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (١)
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا الذي ذكرناه هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، نسأل الله أن يجعلنا منهم. والله ولي التوفيق.
стр. 13267
١٧ - شرح حديث: «الدين النصيحة (١) »
س: السائل يطلب شرح حديث «الدين النصيحة (٢) » ..) ؟
ج: هذا حديث عظيم رواه مسلم في الصحيح من حديث تميم الداري وله شواهد عند غير مسلم. يقول ﷺ : «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٣) » .
فهذا الحديث العظيم يدل على أن الدين هو النصيحة وذلك يدل على عظم شأنها لأنه جعلها الدين كما قال النبي صلى الله
стр. 13268
عليه وسلم: «الحج عرفة (١) » وهذا الحديث يدل على أن النصيحة هي الدين وهي الإخلاص في الشيء والصدق فيه حتى يؤدى كما أوجب الله، فالدين هو النصيحة في جميع ما أوجب الله وفي ترك ما حرم الله، وهذا عام يعم حق الله وحق الرسول وحق القرآن وحق الأئمة وحق العامة.
والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية به والحرص على أن يؤدى كاملا تاما لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهب ناصح، أي ليس فيه غش.
ويقولون أيضا: عسل ناصح، يعني ليس فيه غش.
وهكذا يجب أن يكون المؤمن في أعماله ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالنصيحة لله توحيده والإخلاص له وصرف العبادة له جل وعلا من صلاة وصوم وحج وجهاد وغير ذلك،
стр. 13269
يعني: أن يعمل في غاية الإخلاص لله، لا يعبد معه سواه بل يعبده وحده، وينصح في هذه العبادة ويكملها، مع الإيمان به وبكل ما أمر به، وهكذا ينصح في أداء ما فرض الله عليه وترك ما حرم الله عليه يؤدي ذلك كاملا لعلمه بحق الله وأن الله أوجبه عليه فهو يخلص في ذلك ويعتني به.
وهكذا في حق القرآن يتدبره ويتعقله ويعمل بما فيه من أوامر وينتهي عن النواهي وهو كتاب الله العظيم وحبله المتين، فالواجب العناية به والنصح في ذلك قولا وعملا وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي والوقوف عند الحدود التي بينها الله في القرآن الكريم حتى لا تخل بشيء من أوامر الله في القرآن وحتى لا ترتكب شيئا من محارم الله، مع الإيمان بأنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، هذا قول أهل السنة والجماعة قاطبة، كما قال ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٣)
стр. 13270
وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه كلام الله سبحانه وأنه منزل من عنده، فالمؤمن يؤمن بهذا كله وهكذا المؤمنة، ويعتقد كل منهما أنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود خلافا للجهمية ومن سار في ركابهم من المبتدعة.
وهكذا النصح للرسول ﷺ ، يكون بطاعة أوامره واجتناب نواهيه والإيمان بأنه رسول الله حقا وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، مع الدفاع عن سنته والذب عنها، كل هذا من النصح للرسول ﷺ ، وهكذا العناية بأحاديثه ﷺ وبيان صحيحها من سقيمها والذب عنها والامتثال لها والوقوف عند الحدود التي حددها الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٢) الآية. هذه هي النصيحة للرسول ﷺ ، وما زاد على ذلك من أداء الواجبات وترك المحرمات كان كمالا للنصيحة وتماما لها.
فالحاصل أنه بعنايته بما أمر الله به ورسوله وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله من الحقوق يكون قد نصح لله ولكتابه