﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (١)
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا الذي ذكرناه هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، نسأل الله أن يجعلنا منهم. والله ولي التوفيق.
стр. 13267
١٧ - شرح حديث: «الدين النصيحة (١) »
س: السائل يطلب شرح حديث «الدين النصيحة (٢) » ..) ؟
ج: هذا حديث عظيم رواه مسلم في الصحيح من حديث تميم الداري وله شواهد عند غير مسلم. يقول ﷺ : «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٣) » .
فهذا الحديث العظيم يدل على أن الدين هو النصيحة وذلك يدل على عظم شأنها لأنه جعلها الدين كما قال النبي صلى الله
стр. 13268
عليه وسلم: «الحج عرفة (١) » وهذا الحديث يدل على أن النصيحة هي الدين وهي الإخلاص في الشيء والصدق فيه حتى يؤدى كما أوجب الله، فالدين هو النصيحة في جميع ما أوجب الله وفي ترك ما حرم الله، وهذا عام يعم حق الله وحق الرسول وحق القرآن وحق الأئمة وحق العامة.
والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية به والحرص على أن يؤدى كاملا تاما لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهب ناصح، أي ليس فيه غش.
ويقولون أيضا: عسل ناصح، يعني ليس فيه غش.
وهكذا يجب أن يكون المؤمن في أعماله ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالنصيحة لله توحيده والإخلاص له وصرف العبادة له جل وعلا من صلاة وصوم وحج وجهاد وغير ذلك،
стр. 13269
يعني: أن يعمل في غاية الإخلاص لله، لا يعبد معه سواه بل يعبده وحده، وينصح في هذه العبادة ويكملها، مع الإيمان به وبكل ما أمر به، وهكذا ينصح في أداء ما فرض الله عليه وترك ما حرم الله عليه يؤدي ذلك كاملا لعلمه بحق الله وأن الله أوجبه عليه فهو يخلص في ذلك ويعتني به.
وهكذا في حق القرآن يتدبره ويتعقله ويعمل بما فيه من أوامر وينتهي عن النواهي وهو كتاب الله العظيم وحبله المتين، فالواجب العناية به والنصح في ذلك قولا وعملا وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي والوقوف عند الحدود التي بينها الله في القرآن الكريم حتى لا تخل بشيء من أوامر الله في القرآن وحتى لا ترتكب شيئا من محارم الله، مع الإيمان بأنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، هذا قول أهل السنة والجماعة قاطبة، كما قال ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٣)
стр. 13270
وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه كلام الله سبحانه وأنه منزل من عنده، فالمؤمن يؤمن بهذا كله وهكذا المؤمنة، ويعتقد كل منهما أنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود خلافا للجهمية ومن سار في ركابهم من المبتدعة.
وهكذا النصح للرسول ﷺ ، يكون بطاعة أوامره واجتناب نواهيه والإيمان بأنه رسول الله حقا وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، مع الدفاع عن سنته والذب عنها، كل هذا من النصح للرسول ﷺ ، وهكذا العناية بأحاديثه ﷺ وبيان صحيحها من سقيمها والذب عنها والامتثال لها والوقوف عند الحدود التي حددها الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٢) الآية. هذه هي النصيحة للرسول ﷺ ، وما زاد على ذلك من أداء الواجبات وترك المحرمات كان كمالا للنصيحة وتماما لها.
فالحاصل أنه بعنايته بما أمر الله به ورسوله وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله من الحقوق يكون قد نصح لله ولكتابه
стр. 13271
ولرسوله؛ بأداء فرائض الله وترك محارم الله والوقوف عند حدود الله والإكثار من الثناء عليه وذكره وخشيته جل وعلا، كل هذا من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ .
أما النصيحة لأئمة المسلمين فبالدعاء لهم والسمع والطاعة لهم في المعروف والتعاون معهم على الخير وترك الشر وعدم الخروج عليهم، وعدم منازعتهم، إلا أن يوجد منهم كفر بواح عليه برهان من الله . كما جاء ذلك في حديث عبادة بن الصامت ﵁ في مبايعة الأنصار للنبي ﷺ .
ومن النصيحة لهم: توجيههم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن والرفق وسائر الطرق المفيدة؛ عملا بهذا الحديث الصحيح، وبقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤)
стр. 13272
وأما النصيحة لعامة المسلمين فإنها تكون بتعليمهم وتفقيههم في الدين ودعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة الحدود عليهم والتعزيرات الشرعية كل هذا من النصيحة لهم. والله ولي التوفيق.
стр. 13273
١٨ - شرح حديث: «ولا هامة ولا صفر (١) »
س: سمعت حديثا عن التشاؤم، يقول فيما معناه: «ولا هام ولا صفر (٢) » أرجو منكم ذكر الحديث كاملا مع شرح الكلمات التي لا أفهمها فيه (٣) .
ج: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (٥) ويعجبني الفأل» .
стр. 13274
والمعنى: إبطال ما يعتقده أهل الجاهلية، من أن الأشياء تعدي بطبعها، فأخبرهم ﷺ أن هذا الشيء باطل، وأن المتصرف في الكون هو الله وحده، فقال بعض الحاضرين له ﷺ : «يا رسول الله، الإبل تكون في الصحراء، كأنها الغزلان، فيدخل فيها البعير الأجرب فيجربها، فقال ﷺ : فمن أعدى الأول (١) » . والمعنى: أن الذي أنزل الجرب في الأول هو الذي أنزله في الأخرى، ثم بين لهم ﷺ أن المخالطة قد تكون سببا لنقل المرض من المريض إلى الصحيح، بإذن الله ، ولهذا قال ﷺ : «لا يورد ممرض على مصح (٢) » . والمعنى: النهي عن إيراد الإبل المريضة ونحوها بالجرب ونحوه مع الإبل الصحيحة؛ لأن هذه المخالطة قد تسبب انتقال المرض من المريضة إلى الصحيحة بإذن
стр. 13275
الله، ومن هذا قوله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد (١) » وذلك لأن المخالطة له قد تسبب انتقال المرض منه إلى غيره، وثبت عنه ﷺ «أنه أكل مع مجذوم وقال: كل بسم الله ثقة بالله (٢) » ليبين ﷺ أن انتقال الجذام من المريض إلى الصحيح إنما يكون بإذن الله، وليس هو شيئا لازما.
والخلاصة: أن الأحاديث في هذا الباب تدل على أنه لا عدوى على ما يعتقده الجاهليون من كون الأمراض تعدي بطبعها، وإنما الأمر بيد الله سبحانه. إن شاء انتقل الداء من المريض إلى الصحيح وإن شاء سبحانه لم يقع ذلك. ولكن المسلمين مأمورون بأخذ الأسباب النافعة، وترك ما قد يفضي إلى الشر.
أما قوله ﷺ : «ولا طيرة (٣) » فالمعنى إبطال ما يعتقده أهل الجاهلية من التطير بالمرئيات والمسموعات مما يكرهون وتردهم عن حاجتهم فأبطلها النبي ﷺ ،
стр. 13276
وقال في الحديث الآخر: «الطيرة شرك الطيرة شرك (١) » . وقال ﷺ : «إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك (٢) » . وروي عنه ﷺ أنه قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن يقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك (٣) » .
وأما الهامة: فهو طائر يسمى البومة، يزعم أهل الجاهلية أنه إذا نعق على بيت أحدهم فإنه يموت رب هذا البيت، فأبطل النبي ﷺ ذلك.
وأما قوله ﷺ : «ولا صفر (٤) » فهو الشهر المعروف وكان بعض أهل الجاهلية يتشاءمون به. فأبطل النبي ﷺ ذلك، وأوضح ﷺ أنه كسائر الشهور ليس فيه ما يوجب التشاؤم.
стр. 13277
وقال بعض أهل العلم: إنها دابة تكون في البطن، تسمى: صفر. وكان بعض أهل الجاهلية يعتقدون فيها أنها تعدي، فأبطل النبي ﷺ .
وأما النوء: فهو واحد الأنواء، وهي النجوم، وكان بعض أهل الجاهلية يتشاءمون ببعض النجوم، فأبطل النبي ﷺ ذلك. وقد أوضح الله سبحانه في القرآن العظيم أنه خلق النجوم زينة للسماء ورجوما للشياطين. وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣)
وأما الغول: فهو جنس من الجن يتعرضون للناس في الصحراء، ويضلونهم عن الطرق ويخوفونهم، وكان بعض أهل الجاهلية يعتقدون فيهم، وأنها تتصرف بقدرتها، فأبطل الله ذلك،
стр. 13278
وروي عنه ﷺ أنه قال: «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان (١) » والمعنى: أن ذكر الله يطردها، وهكذا التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، يقي من شرها وشر غيرها، مع الأخذ بالأسباب التي جعلها الله أسبابا للوقاية من كل شر.
أما الفأل: فهو أن يسمع الإنسان الكلمة الطيبة، فتسره، ولكن لا ترده عن حاجته، وقد فسر النبي ﷺ الفأل بذلك، فقال ﷺ : «ويعجبني الفأل. قالوا: يا رسول الله وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة (٢) » . هـ.
ومن أمثلة ذلك أن يسمع المريض من يقول: يا سليم يا معافى فيسره ذلك، وهكذا إذا سمع من ينشد ضالة من يقول: يا واجد، أو يا ناجح أو يا موفق فيسره ذلك ويتفاءل به. والله ولي التوفيق.
стр. 13279
١٩ - شرح حديث:
«من علق تميمة فقد أشرك (١) »
س: ذكر في الحديث أن من علق تميمة فقد أشرك، أرجو شرح هذا الحديث؟
ج: هذا الحديث ورد باللفظ الآتي: (وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٢) » رواه أحمد وأبو داود، والتمائم شيء يعلق على الأولاد عن العين وهي ما تسمى عند بعض الناس بالجوامع والحجب والحروز وقد قال رسول الله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له (٣) » . وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك (٤) » . والعلة في كون تعليق التمائم من الشرك هي- والله أعلم-: أن من علقها سيعتقد فيها النفع ويميل
стр. 13280
إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها، ويضعف توكله على الله وحده وكل ذلك كاف في إنكارها والتحذير منها، وفي الأسباب المشروعة والمباحة ما يغني عن التمائم وانصراف الرغبة عن الله إلى غيره شرك به، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وتعليق التمائم يعتبر من الشرك الأصغر ما لم يعتقد معلقها بأنها تدفع عنه الضرر بذاتها دون الله، فإذا اعتقد هذا الاعتقاد صار تعليقها شركا أكبر.
стр. 13281
٢٠ - الجمع بين حديثين متعلقين
بالرقى والتمائم والتولة
س: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (١) » وعن جابر ﵁ قال: «كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل (٢) »
стр. 13282
ما هو الجمع بين أحاديث المنع والجواز في موضوع الرقى؟ وما حكم تعليق الرقى من القرآن على صدر المبتلى؟ (١)
ج: الرقى المنهي عنها هي الرقى التي فيها شرك، أو توسل بغير الله، أو ألفاظ مجهولة لا يعرف معناها، أما الرقى السليمة من ذلك فهي مشروعة ومن أعظم أسباب الشفاء؛ لقول النبي ﷺ : «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (٢) » وقوله ﷺ : «من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه (٣) » خرجهما مسلم في صحيحه، وقال ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة (٤) » ومعناه: لا رقية أولى وأشفى من الرقية من هذين الأمرين، وقد رقى النبي ﷺ ورقي.
стр. 13283
أما تعليق الرقى على المرضى أو الأطفال فذلك لا يجوز، وتسمى الرقى المعلقة: (التمائم) وتسمى الحروز والجوامع؛ والصواب فيها أنها محرمة ومن أنواع الشرك، لقول النبي ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (١) » وقوله ﷺ : «من تعلق تميمة فقد أشرك (٢) » وقوله ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٣) » .
واختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن أو من الدعوات المباحة هل هي محرمة أم لا؟ والصواب تحريمها لوجهين:
أحدهما: عموم الأحاديث المذكورة، فإنها تعم التمائم من القرآن وغير القرآن.
والوجه الثاني: سد ذريعة الشرك فإنها إذا أبيحت التمائم من القرآن اختلطت بالتمائم الأخرى واشتبه الأمر وانفتح باب الشرك بتعليق التمائم كلها، ومعلوم أن سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي من أعظم القواعد الشرعية. والله ولي التوفيق.
стр. 13284
٢١ - الجمع بين حديثين في الطيرة
س: كيف نجمع بين قوله ﷺ : «لا طيرة ولا هامة (١) » ، وقوله: «إن كانت الطيرة ففي البيت والمرأة والفرس (٢) » أفيدونا جزاكم الله خيرا؟ (٣) .
ج: الطيرة نوعان: الأول من الشرك وهي التشاؤم من المرئيات أو المسموعات فهذه يقال لها طيرة وهي من الشرك ولا تجوز، الثاني: مستثناة وهذا ليس من الطيرة الممنوعة؛ ولهذا في الحديث الصحيح: «الشؤم في ثلاث: في المرأة، وفي الدار، وفي الدابة (٤) » وهذه هي المستثناة وليست من الطيرة الممنوعة؛ لأن بعضهم يقول: إن بعض النساء أو الدواب فيهن شؤم وشر بإذن الله، وهو شر قدري، فإذا ترك البيت الذي لم يناسبه، أو طلق المرأة التي لم تناسبه، أو الدابة أيضا التي لم تناسبه فلا بأس فليس هذا من الطيرة.
стр. 13285
٢٢ - الجمع بين حديثين في العدوى
س: كيف نوفق بين الحديثين الشريفين: " لا عدوى ولا طيرة " و" فر من المجذوم فرارك من الأسد"؟
ج: لا منافاة عند أهل العلم بين هذا وهذا، وكلاهما قاله النبي ﷺ حيث قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول (١) » وذلك نفي لما يعتقده أهل الجاهلية من أن الأمراض كالجرب تعدي بطبعها، وأن من خالط المريض أصابه ما أصاب المريض، وهذا باطل، بل ذلك بقدر الله ومشيئته، وقد يخالط الصحيح المريض المجذوم ولا يصيبه شيء، كما هو واقع ومعروف؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمن سأله عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب كلها، قال له ﵊: «فمن أعدى الأول (٢) » .
стр. 13286
وأما قوله ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد (١) » وقوله ﷺ في الحديث الآخر: «لا يورد ممرض على مصح (٢) » فالجواب عن ذلك: أنه لا يجوز أن يعتقد العدوى، ولكن
стр. 13287
يشرع له أن يتعاطى الأسباب الواقية من وقوع الشر، وذلك بالبعد عمن أصيب بمرض يخشى انتقاله منه إلى الصحيح بإذن الله كالجرب والجذام، ومن ذلك عدم إيراد الإبل الصحيحة على الإبل المريضة بالجرب ونحوه توقيا لأسباب الشر، وحذرا من وساوس الشيطان الذي قد يملي عليه أنما أصابه أو أصاب إبله هو بسبب العدوى.
стр. 13288
- شرح حديث: اثنتان في الناس هما بهم كفر
س: ما هو شرح حديث: «اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت (١) » وما معنى الكفر في هذا الحديث؟ (٢) .
ج: هذا حديث صحيح رواه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁.
والطعن في النسب بأنه: هو التنقيص لأنساب الناس وعيبها على قصد الاحتقار لهم والذم، أما إن كان من باب الخبر، فلان من بني تميم ومن أوصافهم كذا، ومن قحطان، أو من قريش، أو من بني هاشم، يخبر عن أوصافهم من غير طعن في أنسابهم فذلك ليس من الطعن في الأنساب.
والنياحة هي: رفع الصوت بالبكاء على الميت. هي محرمة، والمراد بالكفر هنا: كفر دون كفر، وليس هو الكفر المطلق المعرف بأداة التعريف: كقوله ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٣) » أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا هو الكفر الأكبر في أصح قولي العلماء، والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان.
وهكذا الشرك شركان: أكبر وأصغر فالشرك الأكبر مثل: دعاء الأموات، والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو للأصنام والأشجار
стр. 13289
والأحجار والكواكب والشرك الأصغر مثل: لولا الله وفلان، وما شاء الله وشاء فلان، والواجب أن يقول: لولا الله ثم فلان وما شاء الله ثم شاء فلان.
وكذا الحلف بغير الله كالحلف بالنبي، أو حياة فلان؛ أو بالأمانة فهذا من الشرك الأصغر.
وهكذا الرياء مثل كونه يستغفر الله ليسمع الناس، أو يقرأ ليرائي الناس فهو شرك أصغر.
الظلم ظلمان: أكبر وهو الشرك بالله، كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وكقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢)
أما الظلم الأصغر: فهو مثل ظلم الناس في دمائهم وأموالهم، وظلم العبد نفسه بالمعاصي: كالزنا وشرب المسكر ونحوها، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 13290
٢٤ - الجمع بين حديث
غربة الدين والطائفة المنصورة
س: ما الجمع بين حديث «بدأ الإسلام غريبا (١) » وحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق (٢) » ؟ (٣)
ج: لا منافاة بينهما: فالأول ظاهر من الواقع. وتمامه: «فسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (٤) » وفي رواية لغير مسلم: «يحيون ما أمات الناس من سنتي (٥) » وفي رواية أخرى: «الذين يصلحون ما أفسد الناس (٦) » .
والحديث الثاني يدل على بقاء الإصلاح والدعوة والعلم والتعليم، وفيه بشارة أن هنالك طائفة لا تزال ظاهرة على الحق،
стр. 13291
فالغربة لا تنافي الطائفة، ولا يلزم أن تكون بمكان واحد، والحق لا بد من بقائه حتى يخرج الدجال، وحتى تأتي الريح.
ثم إن هذه الغربة قد تزداد في مصر من الأمصار وتقل في مصر آخر، وقد تكون الغربة ذات معان متعددة: في كثرة البدع أو إنكار صلاة الجماعة أو عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظمها، غربة أهل التوحيد وظهور الشرك. نسأل الله العافية. وقد يظهر الإسلام في ناحية ويكون فيها أحسن مما قبل كما هو الواقع، وقد يكون في زمان أفضل من زمان آخر.
أما حديث: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه (١) » فهو محمول على الأغلب فلا يمنع أن يكون في بعض الزمان أحسن مما قبله، كما جرى في زمان عمر بن عبد العزيز فإن زمانه أحسن من زمان سليمان والوليد، وكما حصل في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من ظهور السنة والرد على المبتدعة، وكما جرى في الجزيرة بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
стр. 13292
٢٥ - شرح حديث: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا
س: ما معنى هذا الحديث: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء؟ (١) » (٢)
ج: معناه أن الإسلام بدأ غريبا كما كان الحال في مكة وفي المدينة في أول الهجرة لا يعرفه ولا يعمل به إلا القليل، ثم انتشر ودخل الناس فيه أفواجا وظهر على سائر الأديان، وسيعود غريبا في آخر الزمان كما بدأ لا يعرفه حق المعرفة إلا القليل من الناس، ولا يعمل به على الوجه المشروع إلا القليل من الناس وهم الغرباء.
وتمام الحديث قوله ﷺ : «فطوبى للغرباء (٣) » رواه مسلم في صحيحه، وفي رواية لغير مسلم: «قيل: يا رسول الله ومن الغرباء فقال: الذين يصلحون إذا فسد الناس (٤) » وفي لفظ آخر: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي (٥) » .
نسأل الله أن يجعلنا وسائر إخواننا المسلمين منهم إنه خير مسئول.
стр. 13293
٢٦ - ما صحة حديث: " لا يؤمن
أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "
س: ما مدى صحة الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» ؟ (١)
ج: الحديث هذا صححته جماعة وضعفته جماعة. ومما قال صاحب الحجة: لا يؤمن المؤمن إيمانا كاملا حتى يكون هواه تبعا لما جاء به النبي ﷺ . أما إذا كان يهوى الزنى ويفعل المعاصي يكون إيمانا ناقصا، وكذلك إن كان يهوى الغيبة أو النميمة، أو يفعلها يكون إيمانا ناقصا، فلا يكون إيمانه كاملا حتى يكون هواه وميله تبعا لما جاء به ﷺ ، وإذا تابع هواه وأطاع الشيطان فهذا نقص في الإيمان. وهذا النقص قد يرتقي به إلى الكفر، فإذا وافق هواه في عبادة غير الله، وفي الاستهزاء بالدين أو سبه، أو استحل ما حرم الله، انتقل إلى الكفر وصار مرتدا عن الإسلام نسأل الله السلامة.
стр. 13294
٢٧ - شرح حديث:
«يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا (١) »
س: ثبت عنه ﷺ في حديث طويل: «يصبح الرجل مؤمنا ويصبح كافرا، ويمسي الرجل مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل (٢) » ما المقصود بالكفر في الحديث وكيف يكون بيع الدين؟ (٣)
ج: لقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم (٤) » بادروا بالأعمال يعني: الصالحة «فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلما ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا (٥) » المعنى: أن الغربة في الإسلام تشتد حتى يصبح المؤمن مسلما، ثم يمسي كافرا، وبالعكس يمسي مؤمنا، ويصبح كافرا،
стр. 13295
يبيع دينه بعرض من الدنيا، وذلك بأن يتكلم بالكفر، أو يعمل به من أجل الدنيا، فيصبح مؤمنا ويأتيه من يقول له: تسب الله، تسب الرسول، تدع الصلاة ونعطيك كذا وكذا، تستحل الزنا، تستحل الخمر، ونعطيك كذا وكذا، فيبيع دينه بعرض من الدنيا، ويصبح كافرا، أو يمسي كذلك، أو يقولوا: لا تكن مع المؤمنين ونعطيك كذا وكذا لتكون مع الكافرين، فيغريه بأن يكون مع الكافرين وفي حزب الكافرين، وفي أنصارهم، حتى يعطيه المال الكثير فيكون وليا للكافرين وعدوا للمؤمنين، وأنواع الردة كثيرة جدا، وغالبا ما يكون ذلك بسبب الدنيا، حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، لهذا قال: «يبيع دينه بعرض من الدنيا (١) » ، وفي لفظ آخر: «بادروا بالأعمال الصالحة، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا، أو موتا مجهزا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو الدجال، فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر (٢) » المؤمن يبادر بالأعمال، يحذر قد يبتلى بالموت العاجل، موت
стр. 13296
الفجاءة، قد يبتلى بمرض يفسد عليه قوته فلا يستطيع العمل، يبتلى بهرم، يبتلى بأشياء أخرى، على الإنسان أن يغتنم حياته وصحته وعقله بالأعمال الصالحات قبل أن يحال بينه وبين ذلك، تارة بأسباب يبتلى بها، من مرض وغيره، وتارة بالطمع في الدنيا، وحب الدنيا، وإيثارها على الآخرة، وتزيينها من أعداء الله، والدعاة إلى الكفر والضلال.
стр. 13297
٢٨ - شرح حديث:
"
«لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة (١) »
"
س: قال ﷺ : «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخر هن الصلاة (٢) » ما معنى هذا الحديث، وما المقصود بنقض الحكم؟ (٣)
стр. 13298
ج: الحديث المذكور أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا: الحكم، وآخرهن الصلاة (١) » .
ومعناه ظاهر وهو: أن الإسلام كلما اشتدت غربته كثر المخالفون له والناقضون لعراه يعني بذلك فرائضه وأوامره، كما في قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود في غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه.
ومعنى قوله في الحديث: وأولها نقضا: الحكم معناه ظاهر وهو: عدم الحكم بشرع الله وهذا هو الواقع اليوم في غالب الدول المنتسبة للإسلام. ومعلوم أن الواجب على الجميع هو الحكم بشريعة الله في كل شيء والحذر من الحكم بالقوانين والأعراف المخالفة للشرع المطهر؛ لقوله سبحانه:
стр. 13299
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦)
وقد أوضح العلماء ﵏ أن الواجب على حكام المسلمين أن يحكموا بشريعة الله في جميع شئون المسلمين، وفي كل
стр. 13300
ما يتنازعون فيه، عملا بهذه الآيات الكريمات، وبينوا أن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا استحل ذلك كفر كفرا أكبر مخرجا له من الملة الإسلامية، أما إذا لم يستحل ذلك وإنما حكم بغير ما أنزل الله لرشوة أو غرض آخر مع إيمانه بأن ذلك لا يجوز، وأن الواجب تحكيم شرع الله، فإنه بذلك يكون كافرا كفرا أصغر، وظالما ظلما أصغر، وفاسقا فسقا أصغر.
فنسأل الله سبحانه أن يوفق حكام المسلمين جميعا للحكم بشريعته والتحاكم إليها وإلزام شعوبهم بها، والحذر مما يخالف ذلك، إنه جواد كريم، ولا شك أن في تحكيم الشريعة والتحاكم إليها، والعمل بها صلاح أمر الدنيا والآخرة وعز الدنيا والآخرة، والسلامة من مكائد الأعداء والإعانة على النصر عليهم، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤)
стр. 13301
وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما قول النبي ﷺ في الحديث المذكور: وآخرهن الصلاة فمعناه كثرة التاركين لها والمتخلفين عنها. وهذا هو الواقع اليوم في كثير من البلدان الإسلامية. فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم للثبات على دينه والاستقامة عليه، وأن يعينهم على إقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها في جماعة، في بيوت الله ، وهي المساجد التي قال فيها : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣) ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٤) ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥)
стр. 13302
والصلاة هي عمود الإسلام وهي الركن الثاني من أركانه العظام، كما في قول النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة (١) » وقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (٢) » .
وقد أمر الله بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم، فقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)
стр. 13303
وقال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) والوسطي هي: صلاة العصر كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ ، فأوجب سبحانه المحافظة على الصلوات الخمس وإقامتها كما شرع الله، وخص الوسطى. بمزيد التأكيد؛ ولعل الحكمة في ذلك أنها تقع في آخر النهار بعد مباشرة الناس للأعمال، وربما كسلوا عنها أو ناموا عنها بسبب تعب العمل، فحثهم الله سبحانه على المحافظة عليها وحذرهم من إضاعتها وقال سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢) والآيات في شأن الصلاة كثيرة. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٣) »
стр. 13304
أخرجه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح، وقال ﵊: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (١) » أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄.
وقال عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل ﵁: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام
стр. 13305
في الصف (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
والأحاديث في شأن الصلاة والحث عليها والتحذير من تركها والتهاون بها كثيرة جدا، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العظيم أن التكاسل عنها من صفات المنافقين الموعودين بالدرك الأسفل من النار، كما قال الله في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢)
وقال سبحانه بشأن المنافقين في سورة التوبة: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٤)