← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.

стр. 14561

التثبت في القول. ولزوم الاعتدال في الحكم والحذر من سوء الظن الذي لا ينبني على أساس مستقيم. وإلى القارئ تفصيل القول فيما وقع في مقال الكاتب المشار إليه من الأخطاء التي تستحق التنبيه عليها، والإنكار على قائلها فنقول والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به:

стр. 14562

أما ما ذكره الكاتب عن مضار الغلو والتشديد فصحيح. ولا شك أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالتحذير من الغلو في الدين، وأمرت بالدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولكنها مع ذلك لم تهمل جانب الغلظة والشدة في محلها حيث لا ينفع اللين والجدال بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣) الآية.

стр. 14563

فشرع الله سبحانه لعباده المؤمنين الغلظة على الكفار والمنافقين حين لم تؤثر فيهم الدعوة بالحكمة واللين. والآيات وإن كانت في معاملة الكفار والمنافقين دالات على أن الشريعة إنما جاءت باللين في محله حين يرجى نفعه. أما إذا لم ينفع واستمر صاحب الظلم أو الكفر أو الفسق في عمله ولم يبال بالواعظ والناصح، فإن الواجب الأخذ على يديه ومعاملته بالشدة وإجراء ما يستحقه من إقامة حد أو تعزير أو تهديد أو توبيخ حتى يقف عند حده وينزجر عن باطله. ولا ينبغي للكاتب وغيره أن ينسى ما ورد في هذا من النصوص والوقائع من حين بعث النبي ﷺ إلى عصرنا هذا. وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى: دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا

стр. 14564

والخلاصة: أن الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله، والشدة في محلها، فلا يجوز للمسلم أن يتجاهل ذلك، ولا يجوز أيضا أن يوضع اللين في محل الشدة، ولا الشدة في محل

стр. 14565

اللين، ولا ينبغي أيضا أن ينسب إلى الشريعة أنها جاءت باللين فقط، ولا أنها جاءت بالشدة فقط، بل هي شريعة حكيمة كاملة صالحة لكل زمان ومكان ولإصلاح جميع الأمة. ولذلك جاءت بالأمرين معا. واتسمت بالعدل والحكمة والسماحة فهي شريعة سمحة في أحكامها وعدم تكليفها ما لا يطاق، ولأنها تبدأ في دعوتها باللين والحكمة والرفق، فإذا لم يؤثر ذلك وتجاوز الإنسان حده وطغى وبغى أخذته بالقوة والشدة وعاملته بما يردعه ويعرفه سوء عمله. ومن تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة خلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأئمة الهدى بعدهم عرف صحة ما ذكرناه النصوص الآمرة باللين في مجاله ومما ورد في اللين قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١) الآية.

стр. 14566

وقوله تعالى في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) الآية. النصوص الدالة على الشدة في مجالها ومما ورد في الشدة الآيات المتقدم ذكرها. ومن الأحاديث ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ لما تلى قوله تعالى: قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه (٥) » .

стр. 14567

وفي لفظ آخر: «على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم (١) » . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم (٢) » . وروي عنه ﷺ أنه قال: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم (٣) » . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٤) » .

стр. 14568

وقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر معلومة لدى أهل العلم، وقد هجرهم النبي ﷺ وأصحابه ﵃ خمسين ليلة حتى تابوا فتاب الله عليهم وأنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٢) الآية. فمما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم الكاتب وغيره من القراء أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت باللين في محله والغلظة والشدة في مجالهما، وأن المشروع للداعية إلى الله أن يتصف باللين والرفق والحلم والصبر لأن ذلك أكمل في نفع دعوته والتأثر بها كما أمره الله بذلك وأرشد إليه رسوله ﷺ ، وأن يكون على علم وبصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٣) ولا ينبغي للداعية أن يلجأ إلى الشدة والغلظة إلا عند الحاجة والضرورة وعدم حصول المقصود بالطريقة الأولى، وبذلك يكون الداعي إلى الله سبحانه قد أعطى المقامين حقهما وترسم هدي الشريعة في الجانبين، والله الموفق.

стр. 14569

ونحن في هذا لا نقصد موافقة الكاتب على ما نسبه للإخوان من التشديد، فالذي عرفناه عنهم خلاف ذلك فهم - بحمد الله - على بينة وبصيرة ويعاملون الناس بالتي هي أحسن ويوجهونهم إلى الخير تحت إرشادات علماء البلاد والمسئولين فيها. ولو فرضنا أنه وقع من بعضهم خطأ أو تشديد في غير محله فليسوا معصومين، والواجب تنبيههم وإرشادهم إلى ما قد يقع منهم من الخطأ حتى يحذروه مستقبلا. وكان الواجب على الكاتب حين بلغه عنهم ما يعتقده خلاف الشرع أن يتصل بأعيانهم مشافهة أو كتابة ويناصحهم فيما أخذ عليهم أو يتصل بسماحة المفتي أو رئيس الهيئات ويبدي ما لديه حول الإخوان من النقد حتى يوجههم المشائخ إلى الطريق السوي. أما أن يكتب في صحيفة سيارة ما يتضمن التشنيع عليهم والحط من شأنهم ووصفهم بما هم براء منه فهذا لا يجوز من مؤمن يخاف الله ويتقيه، لما فيه من كسر شوكة الحق والتثبيط عن الدعوة إليه والتلبيس على القراء ومساعدة السفهاء والفساق على باطلهم وعلى النيل من دعاة الحق، والله المسئول أن

стр. 14570

يسامحنا وإياه وأن يوفق الجميع للتوبة النصوح والاستقامة على الحق ومناصرة الداعين إليه إنه خير مسئول. مغالطات الكاتب وأما قوله: (وأنا لا أنكر على كل مؤمن أن يرشد إلى الخير ويوجه إلى الرشد ويستنكر الشر ويلفت النظر إليه بأخلاق القرآن والسنة وهي اللطف واللين والروية، أما إذا اتسمت أقواله أو أفعاله بالقسوة والشدة فإن ذلك ليس من حقه لأنه غير مأذون ولا مكلف من جهة أسند إليها هذا الأمر، وغاية ما في الأمر أن يستنكر ما يراه منكرا بقلبه وهو أضعف الإيمان لغير المسئول، قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا في جماعة أو أمة ليس فيها أجهزة حكومية خصصت لهذا الواجب، ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة) . كشف المغالطات فهذا الكلام فيه حق وباطل وإيهام. وإليك أيها القارئ بيان ذلك بالتفصيل: أما قوله: إنه لا ينكر على كل مؤمن أن يرشد إلى الخير ويوجه إلى الرشد. . إلخ. . فهذا حق، والواجب على كل من لديه بصيرة أن يقوم بذلك وهو سبيل نبينا محمد ﷺ وسبيل أتباعه على بصيرة.

стр. 14571

كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فهذه الآية الكريمة ترشد إلى أن أتباع النبي ﷺ على الكمال هم أهل البصيرة والدعوة إلى الحق وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وهذه الآية العظيمة وإن كان الخطاب فيها موجها إلى رسول الله ﷺ ، فالمراد بها جميع الأمة، وقد أوضح الله فيها سبيل الدعوة ومراتبها، فالواجب على الدعاة أن يسيروا في دعوتهم إلى الله سبحانه على ضوئها، وعلى الطريقة التي رسمها الله فيها سواء كان المدعو كافرا أو مسلما إلا من ظلم وعاند فقد تقدم في الأدلة السابقة ما يدل على شرعية الغلظة عليه ومعاملته بما يستحق في حدود الشريعة الكاملة. وأما قول الكاتب: (أما إذا اتسمت أقواله وأفعاله بالقسوة والشدة فإن ذلك ليس من حقه لأنه غير مأذون ولا مكلف من جهة أسند إليها هذا الأمر وغاية ما في الأمر أن يستنكر ما يراه منكرا بقلبه وهو أضعف الإيمان لغير المسئول) .

стр. 14572

فهذا فيه إجمال وخطأ ظاهر يتضح مما تقدم؛ وذلك لأن المطلوب من جميع الدعاة سواء كانوا مسئولين من جهة الحكومة أو متطوعين أن يكونوا في دعوتهم على المنهج الشرعي، وأن لا تتسم أقوالهم وأفعالهم بالقسوة والشدة إلا عند الضرورة إليها كما سبق. وكلام الكاتب يوهم خلاف ذلك. إرشاد الكاتب إلى ما رسمته الشريعة في الدعوة وقوله: (وغاية الأمر) . إلخ هذا خطأ واضح. والصواب أن مراتب الإنكار الثلاث مشروعة للمسئول وغيره، وإنما يختلفان في القدرة، فالمسئول من جهة الحكومة أقدر من غيره، والإنكار بالقلب هو أضعف الإيمان في حق العاجز عن الإنكار باليد واللسان سواء كان مسئولا أو متطوعا وهو صريح الحديث الشريف ومقتضى القواعد الشرعية. وأما قول الكاتب: (قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا في جماعة أو أمة ليس فيها أجهزة حكومية خصصت لهذا الواجب ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة) ففيه نظر ظاهر أيضا، وهذا الأسلوب الذي أطلقه الكاتب ليس أسلوبا علميا ولا منسجما مع الأدلة الشرعية لأن الدعوة إلى الله سبحانه وتعليم الناس ما يجهلونه من شرع الله

стр. 14573

لا ينبغي أن يعبر عنه بمثل هذا الأسلوب بل ينبغي أن يعبر عنه بأسلوب الحث والترغيب ولا سيما في الأمم والجماعات المحتاجة إلى ذلك، فإن دعوتهم وإرشادهم إلى ما يجب عليهم من شرع الله من الأمور المتعينة على ولاة الأمر، وعلى أهل العلم حسب القدرة فكيف يعبر عن مثل هذا الأمر العظيم بقول الكاتب: (قد يكون هذا الأمر مستساغا ومقبولا) ؟ إلخ. تفنيد رأي الكاتب وتفصيل القول في أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما قوله: ولكنه غير لازم ولا مقبول إلى جانب السلطات الحكومية المكلفة، فهذا خطأ ظاهر أيضا لأن الأجهزة والسلطات الحكومية إن كانت قد قامت بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمشاركة غيرها لها في ذلك من المتطوعين حسنة جدا ومطلوبة شرعا لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب المشاركة في جهاد شرعي وتوجيه صالح. وقصارى ما هنالك أن الأجهزة والسلطات الحكومية قد أدت فرض الكفاية وصار القيام من غيرهم بمشاركتهم من باب السنن والتطوع وذلك من أفضل العبادات وأحبها إلى الله سبحانه. وأما إن كانت الأجهزة والسلطات الحكومية لم تقم بالواجب على الوجه الأكمل، فإن مشاركة غيرهم لهم في ذلك متعينة لأن فرض الكفاية لم يسقط بهم.

стр. 14574

وقد تقرر في الأدلة الشرعية أن الدعوة إلى الله سبحانه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية إذا قام بها من يكفي سقط الفرض عن الباقين وصارت المشاركة فيها في حق الباقين سنة، وإن لم يقم بها من يكفي إثم الجميع. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأفراد وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين وذلك في حق من يرى المنكر وليس هناك من ينكره وهو قادر على إنكاره فإنه يتعين عليه إنكاره لقيام الأدلة الكثيرة على ذلك، ومن أصرحها قول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » أخرجه مسلم في صحيحه. والإنكار بالقلب فرض على كل واحد لأنه مستطاع للجميع وهو بغض المنكر وكراهيته ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان لقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)

стр. 14575

وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) ومعنى لا يشهدون الزور لا يحضرونه. تفسير الزور - وحكم الداعي إليه والزور يشمل كل منكر، ويدخل في ذلك الشرك والكفر وأعياد المشركين والاجتماع على شرب الخمور والتدخين والأغاني وآلات الطرب وأفلام السينما وأشباه ذلك من المنكرات، ذكر معنى ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية. وذكر البغوي ﵀ عند تفسيرها قريبا من ذلك. وقال: أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وهذا هو الواقع من أهل الباطل فإنهم يحسنون المنكرات بوصفها بغير حقيقتها حتى يرغب فيها الناس وحتى لا ينفروا منها فيكون على فاعل ذلك إثم ما عمل وإثم الدعوة إليه، وأعظم من ذلك الدعوة إليها بالقول. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص

стр. 14576

ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (١) » والأدلة في هذا المعنى كثيرة. اختلاق الكاتب على العلماء وقول الكاتب: وقد سرني أن علماءنا الأفاضل قد استنكروا هذا التجاوز منهم ونهوهم عنه. إلخ. فيه نظر وقد سبق لك أن الإخوان كانوا في دعوتهم وإنكارهم للمنكر يتحرون الطريقة الشرعية ويعاملون الناس بالرفق والحكمة، ولا نعلم أنهم تعاطوا من الشدة والقسوة ما يوجب إنكار العلماء عليهم، فلا أدري عن أي مصدر وصل هذا الخبر إلى الكاتب. ومعلوم أن على الناقل أن يتثبت في النقل وأن ينظر فيما ينقل وينشر بين الناس، وإذا صح لديه الخبر نظر، هل إعلانه أصلح أم تركه أحسن في العاقبة. ولا شك أن هذا الخبر لو صح فليس من المصلحة نشره بين الناس وإعلانه في الصحف لما في ذلك من التنقص للدعاة إلى الحق وتثبيط عزائمهم وتشجيع أهل الفسق ضدهم في وقت يتكاتف فيه دعاة الباطل والمذاهب الهدامة على نشر باطلهم وإعلان مذاهبهم، فالله المستعان.

стр. 14577

وأما ما ذكره الكاتب عن الفتنة التي وقعت في صدر الإسلام وتمخض عنها قتل عثمان ﵁، وما جرى من الخلاف بعد ذلك بين أهل الشام والعراق إلخ. فتلك أمور قد عني بها التاريخ وعرفها علماء الإسلام وغيرهم، ولا شك أن لأعداء الإسلام والجهال به فيها دورا فعالا وقول أهل السنة والجماعة في هذه الفتنة معلوم، وهو الكف عما شجر بين الصحابة ﵃ والترضي عنهم جميعا، واعتقاد أنهم مجتهدون فيما فعلوا طالبون للحق والمصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر واحد، كما صح بذلك الحديث الشريف. وإنما يهمنا هنا أمران. أحدهما تخوف الكاتب من أن يكون هؤلاء الإخوان قاموا بما قاموا به عن تأثير جماعة سرية إجرامية تخريبية. والجواب عن هذا أن يقال من عرف الإخوان وسير حالتهم يعلم يقينا أنهم بعيدون كل البعد عن هذه التهمة الشنيعة وعن هذا الظن السيئ، والواجب على المسلم حمل أحوال إخوانه على أحسن المحامل وعلاج ما قد يقع من الخطأ بالطرق الشرعية التي تبني ولا تهدم، وتشجع الحق ولا تخذله، وتنصر

стр. 14578

الحق وتدمغ الباطل، لا أن يظن بهم السوء ويشجع على إماتة دعوتهم وتشويه سمعتهم وتشجيع أهل الباطل ضدهم وتحريض ولاة الأمر على إيقاف حركتهم عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (٢) » . خطأ كبير بسبب التقليد الأعمى والأمر الثاني وصفه كعب الأحبار تقليدا لبعض المتأخرين بأنه يهودي أظهر الإسلام من أجل الكيد للإسلام وإفساد أهله. والجواب أن هذا خلاف المعروف عن علماء الإسلام ونقلة الأخبار، فقد روى عنه علماء الحديث وأثنى عليه معاوية ﵁ وكثير من السلف الصالح. وروى عنه مسلم في صحيحه. وذكره البخاري في كتابه الجامع الصحيح ولم يزنه بريبة، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة والتهذيب وابن الأثير في أسد الغابة ولم يتهموه بهذه التهمة.

стр. 14579

وقال الحافظ ابن حجر في التقريب ما نصه: كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة من الثانية مخضرم كان من أهل اليمن فسكن الشام، مات في خلافة عثمان ﵁. . فكيف يجوز لمن يخاف الله ويتقيه أن يرمي شخصا أظهر الإسلام والدعوة إليه وشارك الصحابة في أعمالهم بأنه يهودي بدون حجة ولا برهان يسوغ ذلك؟ وقد صح عن النبي ﷺ التحذير من رمي المسلم لأخيه بالصفات الذميمة، وأن من رمى أخاه بما هو بريء منه كان الرامي أولى بذلك الوصف الذي رمى به أخاه. وكونه يروي بعض الأخبار الإسرائيلية الغريبة لا يوجب رميه باليهودية، والكيد للإسلام لأن النبي ﷺ قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (١) » . وقد قام علماء الإسلام بنقد أخبار بني إسرائيل وتزييف ما خالف الحق منها وإبطاله، فكعب في ذلك يشبه عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سلام، ووهبا، وغيرهم ممن نقل أخبار بني إسرائيل. فكما أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لا يجوز أن يتهم باليهودية لكونه نقل كثيرا من أخبار بني إسرائيل

стр. 14580

من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كتبهم، فهكذا كعب لا يجوز أن يرمى باليهودية والكيد للإسلام من أجل ذلك. ولا يجوز أن يجعل في صف عبد الله بن سبأ وأشباهه من المعروفين بالكفر والإلحاد والكيد للإسلام. وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله وليس كذلك إلا عليه (٢) » فهذا الحديث وما جاء في معناه يوجب على المسلم التثبت في الحكم على الناس والحذر من رمي أخيه بصفة ذميمة وهو بريء منها بمجرد الظن أو تقليد من لا يعتمد عليه، والله المستعان. فرية عظيمة واستهزاء بالدعاة واستنكار لفعل الواجب ثم قال الكاتب: أقول إن من جهل شيئا عاداه كما في المثل، وقد كنا قبل وعينا الجديد وقبل معرفتنا بحقيقة المستحدثات العلمية الجديدة نكره استعمالها ونستعيبه. ثم ذكر استعمال السيارات والطائرات والصواريخ، إلى أن قال: ما دمنا قد عرفنا هذا كله ولمسناه وتأكدنا فوائده وعدم معارضته للدين،

стр. 14581

فلماذا يحاربه هؤلاء الطيبون المخدوعون، ولماذا يسافرون من بلد إلى آخر لاستنكاره ومحاولة عدم استعماله؟ . . إلخ. لا ريب أن من قرأ هذا الكلام وضم بعضه إلى بعض يفهم منه أن الإخوان الذين انتصب الكاتب لنقدهم ينكرون هذه المستحدثات الجديدة من السيارات والطائرات، واللاسلكي وأشباه ذلك، ومعلوم قطعا أن الإخوان الذين أشرنا إليهم لا ينكرون شيئا من ذلك ولا يعيبونه بل هم أنفسهم يستعملون ذلك فينتقلون في السيارات، ويركبون الطائرات ويستعملون اللاسلكي، فما الذي دعا الكاتب إلى الوقوع في هذه الفرية الكبيرة والزلة الشنيعة؟ أترك الجواب للقراء وأسأل الله أن يحفظنا من الهوى وخطوات الشيطان. وأما سفرهم إلى البلدان للدعوة والتوجيه فهو أمر يستحقون عليه الثناء والشكر وليس محلا للاستنكار والاستغراب. نعم هو حقيق بالاستغراب بالنسبة إلى تخلف أكثر الناس عن هذه المهمة الشريفة التي هي طريقة الرسل وأتباعهم، وليس هو محلا للاستغراب الذي ينتج عنه الاستنكار والتشنيع والظن السيئ. وأما قوله " المخدوعون " فهي عبارة لا تليق من الكاتب وليس الإخوان محلا لها وقائلها أولى بها؛ لأن الإخوان - بحمد الله - على بينة من أمرهم؛ وليسوا مخدوعين ولا متأثرين بحركة

стр. 14582

هدامة ولا عاملين لغرض دنيء؛ بل غايتهم شريفة وعملهم مشكور، ودافعهم هو الحق والغيرة له، والخوف على المسلمين من عواقب ظهور المنكرات وعدم تغييرها، وإنما المخدوع حقا من ظن بهم خلاف ذلك. وأما قوله - الطيبون - وقوله فيما تقدم عن المغرضين والطامعين وأعداء الإسلام أنهم استغلوا طيبة الصحابة، أرجو أن لا يكون قصد بهذا الوصف التنقص لمن وصفهم - بالطيب - لأن سياق الكلام ووصف الصحابة والإخوان بالطيب في جانب كونهم مخدوعين يشير إلى أن المراد بوصف الطيب الغفلة والغباوة وعدم التنبه لعواقب الأمور، هذا هو المعروف من بعض كتاب العصر؛ أرجو أن لا يكون الكاتب قصد هذا المقصد؛ وإن كان كلامه يقتضيه أو يحوم حوله، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من أخطائنا وسيئات أعمالنا إنه خير مسئول. تناقض مكشوف وأما قول الكاتب بعدما تقدم " ليس لي بالطبع الإفتاء ولا أحمل مؤهلاته فهذا من اختصاص علمائنا الأفاضل الذين استنكروا عمل هؤلاء المخدوعين الطيبين ". فيقال له أولا ما دمت تعرف أنك غير أهل للفتوى فما بالك أفتيت أولا وآخرا، ولو تأملت كلمتك لعلمت أنك أفتيت فيها عدة فتاوى على غير هدى.

стр. 14583

ومن أعظم الجرائم الفتوى بغير علم، فكم ضل بها من ضل، وهلك بها من هلك، ولا سيما إذا كانت الفتوى معلنة على رءوس الأشهاد وممن قد يغتر به بعض الناس فإن الخطر بذلك عظيم والعواقب وخيمة وعلى المفتي بغير علم مثل آثام من تبعه، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه (١) » . وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٢) » . (٣) وقد أعظم الله شأن الفتوى بغير علم وحذر عباده منها وبين أنها من أمر الشيطان قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٥) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦)

стр. 14584

ثم يقال للكاتب ثانيا من هو الذي استنكر من العلماء الأفاضل على الإخوان عملهم؟ وقد سبق في صدر هذه الكلمة أنا لا نعلم أحدا من العلماء المعروفين بالغيرة والتحقيق استنكر عملهم، بل المعروف من العلماء الأفاضل تأييدهم ومساعدتهم وشكرهم على أعمالهم الطيبة والدعاء لهم بالتوفيق والسداد، وكيف يستنكر العلماء الأفاضل الدعوة إلى الله وإرشاد العباد إلى طاعته وتحريضهم على الصلاة في الجماعة والإنكار على من تخلف عن ذلك، فلا يستنكر هذه الأعمال الجليلة مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ويعرف شيئا مما ورد في الدعوة إلى الله سبحانه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضلا عن العالم الفاضل، فعياذا بالله من القول عليه وعلى عباده بغير علم وعياذا بالله من خطل اللسان وسيئات العمل. فما أعظم ما جناه الكاتب على نفسه وعلى غيره ممن قد يغتر بقوله وما أعظمها من جريمة.

стр. 14585

ثم قال الكاتب بعد ذلك: ولكني أقول إذا كان الدين يحرم التماثيل المجسمة وما في حكمها سدا للذريعة وخوفا من العودة إلى عبادتها كما كان في الجاهلية الأولى وكما هو الحال اليوم في الأمم الوثنية. وإذا كان من واجبنا كأمة مسلمة محافظة أن نحارب الصور الماجنة الخليعة خوفا على أخلاقنا وتقاليدنا، فما هي حجة بعضنا في إنكار الصورة الظلية العاكسة التي لا فرق بينها مطلقا وبين ما تعكسه المرآة التي يستعملها شبابنا وشيوخنا ونساؤنا وبناتنا، وما الفرق بين هذه الصورة الظلية العاكسة كالمرآة التي تشتمل عليها الجريدة والمجلة والمعرض والبيت والسينما وبين أختها المعروضة لاسلكيا في التلفزيون، وكما قلت في كلمة سابقة أن التلفزيون لا يسجل إلا ما يعرض على شاشته من خير وشر، ونحن في هذه البلاد المقدسة قادرون على اختيار الخير والنافع وعرضه على شاشة التلفزيون كعلم وكدرس وكتاريخ وكتسلية بريئة نحول فيها بين المجتمع وبين الفراغ والنميمة وسفاسف الأقوال والأفعال. انتهى المقصود. والجواب عن هذا أن يقال لقد أحسن الكاتب في اعترافه بأن الدين الإسلامي يحرم التماثيل المجسمة وما في حكمها سدا للذريعة وخوفا من العودة إلى عبادتها كما كان في

стр. 14586

الجاهلية الأولى، وكما هو الحال اليوم في الأمم الوثنية، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بما يدل على ما ذكره الكاتب من تحريم التماثيل والزجر عنها، ولعن المصورين والتصريح بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة وأنهم يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم. وقد ثبت في القرآن الكريم وفي الأحاديث والآثار أن أسباب ضلال قوم نوح هي التماثيل كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ (٢) ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٣) وثبت عن النبي ﷺ «أن بعض أزواجه ذكرت له كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (٤) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

стр. 14587

فتبين مما تقدم أن التساهل ببيعها في الأسواق ونصبها في المكاتب والدوائر ونحوها من أعظم أسباب الشرك؛ ومن أعمال الجاهلية ومن أخلاق شرار الخلق عند الله. فالواجب على المسئولين جميعا في جميع الدول الإسلامية القضاء على هذه التماثيل والزجر عنها ومنع توريدها وإتلاف ما يوجد منها في كل مكان طاعة لله ورسوله وحذرا من عواقبها الوخيمة. ولقد أحسن الكاتب أيضا في قوله: (وإذا كان من واجبنا كأمة مسلمة محافظة أن نحارب الصور الماجنة الخليعة خوفا على أخلاقنا وتقاليدنا) . نعم والله قد أحسن الكاتب في هذا، فالواجب علينا وعلى المسئولين في جميع الحكومات الإسلامية محاربة هذه الصور الخليعة التي غزت البلاد الإسلامية من كل مكان وانتشرت بين شبابنا وفتياتنا في كل بقعة إلا ما شاء الله؛ فالواجب على أولي الأمر أن يحاربوها ويحاربوا الصحف والكتب التي تحملها إلى الناس، كما يجب أن تحارب جميع الصحف والكتب التي تحمل أنواع الإلحاد والتخريب والدعوة إلى التفسخ من الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة، ويجب على أولي الأمر أيضا تكليف الحكام الإداريين وموظفي الأمن بالتعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القضاء على هذه المعاول الهدامة

стр. 14588

والوسائل الفتاكة بديننا وأخلاقنا، وفقهم الله لنصر دينه وحماية شريعته ومساعدة من قام بذلك إنه على كل شيء قدير. فتوى في الصور بدون علم وأما قول الكاتب بعد ذلك (فما هي حجة بعضنا في إنكار الصورة الظلية العاكسة التي لا فرق بينها مطلقا وبين ما تعكسه المرآة. .) إلخ. . والجواب أن يقال هذه فتوى من الكاتب بالتسوية بين الصورة الشمسية وبين الصورة في المرآة، ومعلوم أن الفتوى تفتقر إلى علم بالأدلة الشرعية؛ وقد سبق اعتراف الكاتب بأنه ليست فيه صفة الفتوى ولا يحمل مؤهلاتها فما باله هداه الله أفتى هنا وجزم بالحكم بغير علم. ويقال له أيضا لقد أخطأت في التسوية والقياس من وجهين أحدهما أن الصورة الشمسية لا تشبه الصورة في المرآة لأن الصورة الشمسية لا تزول عن محلها والفتنة بها قائمة. وأما الصورة في المرآة فهي غير ثابتة تزول بزوال المقابل لها وهذا فرق واضح لا يمتري فيه عاقل. والثاني أن النص عن المعصوم ﷺ جاء بتحريم الصور مطلقا ونص على تحريم ما هو من جنس الصورة الشمسية كالصورة في الثياب والحيطان.

стр. 14589

فقد صح عنه ﷺ في عدة أحاديث أنه لما رأى عند عائشة سترا فيه تماثيل غضب وهتكه وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون (١) » . وقال في حديث آخر: «إن أصحاب هذه الصور (٢) » ، يشير إلى الصور التي في الثياب، «يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم (٣) » . وثبت عنه ﵊ «أنه محى الصور التي في جدران الكعبة يوم الفتح» وهي في حكم الصور الشمسية، فلو سلمنا مشابهة الصورة الشمسية للصورة في المرآة لم يجز القياس لما قد تقرر في الشرع المطهر أنه لا قياس مع النص، وإنما محل القياس إذا فقد النص كما هو معلوم عند أهل الأصول وعند جميع أهل العلم.

стр. 14590

وأما ما ورد عنه ﷺ أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة إلا رقما في ثوب (١) » فهذا الحديث لا شك في صحته وقد تعلق به بعض من أجاز الصور الشمسية. والجواب عنه من وجوه. منها أن الأحاديث الواردة في تحريم التصوير ولعن المصورين والتصريح بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة مطلقة عامة ليس فيها تقييد ولا استثناء فوجب الأخذ بها والتمسك بعمومها وإطلاقها. ومنها أنه ﷺ لما رأى الصور المشبهة للشمسية وهي الصور الموجودة في الستور والحيطان غضب وتلون وجهه وأمر بهتك الستور التي فيها الصور ومحو الصور التي في الجدران، وباشر محوها بنفسه لما رآها في جدران الكعبة كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومنها أن الاستثناء المذكور إنما ورد في سياق الأحاديث الدالة على امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه تصاوير

стр. 14591

ولم يرد في سياق الأحاديث المانعة من التصوير، وفرق عظيم بين الأمرين. ومنها أن قوله: «إلا رقما في ثوب (١) » يجب أن يحمل على النقوش التي ليست بصور أو على الصور التي قطع رأسها أو طمس أو التي في الثياب التي تمتهن باتخاذها وسائد وبسطا ونحو ذلك، لا فيما ينصب ويرفع كالستور على الأبواب والجدران والملابس، فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في تحريم ذلك، وأنه يمنع من دخول الملائكة كما ورد ذلك في حديث عائشة وأبي هريرة وغيرهما. وبما ذكرناه يتضح الجمع بين الأحاديث وأن الاستثناء إنما ورد في سياق الأحاديث الدالة على امتناع دخول الملائكة البيت الذي فيه الصور، وأن المراد بها الصور الممتهنة في الوسائد والبسط ونحوها، أو مقطوعة الرأس، والله ولي التوفيق. جمع العلماء بين الأحاديث في الصور بما يزيل الإشكال وقد جمع الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح والنووي في شرح مسلم بين الأحاديث بما ذكرته آنفا، وأنا أنقل لك أيها القارئ كلامهما وبعض كلام غيرهما في هذه المسألة ليتضح لك الصواب، ويزول عنك الإشكال، والله الهادي إلى إصابة الحق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 14592

قال الحافظ في الفتح قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤها وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن. اهـ. وقال الخطابي ﵀ أيضا: إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل. اهـ. وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: (باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه، وأن الملائكة ﵈ لا يدخلون بيتا فيه صورة أو كلب) . قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهات لخلق الله سواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجرة ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير.

стр. 14593

وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان. فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام. وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام. إلى أن قال: لا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة. وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. اهـ. قال الحافظ بعد ذكره لملخص كلام النووي هذا قلت: ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لا ظل له ما أخرجه أحمد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها (١) » أي طمسها، الحديث.

стр. 14594

وفيه «من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (١) » اهـ. قلت: وقد سبق أن النبي ﷺ محى الصور التي في جدران الكعبة وهي لا ظل لها. وخرج مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢) » . وهذا يعم الصور التي لها ظل والتي لا ظل لها. والأمر في ذلك واضح لا غبار عليه، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به ونسأله تعالى لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع الدعاء. وأما التلفزيون فهو آلة خطيرة وأضرارها عظيمة كالسينما أو أشد، وقد علمنا عنه من الرسائل المؤلفة في شأنه ومن كلام العارفين به في البلاد العربية وغيرها ما يدل على خطورته،

стр. 14595

وكثرة أضراره بالعقيدة والأخلاق وأحوال المجتمع، وما ذلك إلا لما يبث فيه من تمثيل الأخلاق السافلة، والمرائي الفاتنة والصور الخليعة، وشبه العاريات والخطب الهدامة، والمقالات الكفرية، والترغيب في مشابهة الكفار في أخلاقهم وأزيائهم وتعظيم كبرائهم وزعمائهم والزهد في أخلاق المسلمين وأزيائهم، والاحتقار لعلماء المسلمين وأبطال الإسلام وتمثيلهم بالصور المنفرة منهم والمقتضية لاحتقارهم والإعراض عن سيرتهم، وبيان طرق المكر والاحتيال والسلب والنهب والسرقة وحياكة المؤامرات والعدوان على الناس. ولا شك أن ما كان بهذه المثابة وترتبت عليه هذه المفاسد يجب منعه والحذر منه وسد الأبواب المفضية إليه، فإذا أنكره الإخوان المتطوعون وحذروا منه فلا لوم عليهم في ذلك لأن ذلك من النصح لله ولعباده. ومن ظن أن هذه الآلة تسلم من هذه الشرور ولا يبث فيها إلا الصالح العام إذا روقبت فقد أبعد النجعة وغلط غلطا كبيرا؛ لأن الرقيب يغفل، ولأن الغالب على الناس اليوم هو التقليد للخارج والتأسي بما يفعل فيه، ولأنه قل أن توجد رقابة تؤدي ما أسند إليها، ولا سيما في هذا العصر الذي مال فيه أكثر الناس إلى

стр. 14596

اللهو والباطل، وإلى ما يصد عن الهدى، والواقع شاهد بذلك كما في الإذاعة والتلفزيون في بعض الجهات فكلاهما لم يراقب الرقابة الكافية المانعة من أضرارهما، ونسأل الله أن يوفق حكومتنا لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يصلح لها البطانة وأن يعينها على إحكام الرقابة على هذه الوسائل حتى لا يبث منها إلا ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم. . إنه جواد كريم. وهذا آخر ما أردنا التنبيه عليه من أخطاء الكاتب نصحا لله ولعباده، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا والكاتب وسائر المسلمين للتفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح أمر ديننا ودنيانا إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 14597

٤٨ - الإسلام قول وعلم وعقيدة الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد نشرت صحيفة الندوة في عددها ١٥٩٠ الصادر

стр. 14598

١٧ \ ١٢ \ ٨٣ تحت عنوان (هذه الصفحات الإسلامية) بقلم المحرر ما نصه: تحرص كل الصحف هنا تقريبا وفي أكثر البلاد الإسلامية على أن تخصص بعض صفحاتها أو بعض أعمدتها للحديث عن الإسلام بين الحين والحين فلماذا؟ أليس الناس مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو باللسان؟ أليسوا يحملون أسماء إسلامية وتقول شهادات ميلادهم أو حفائظ نفوسهم إنهم مسلمون بل وتقول دساتير دولهم كلها تقريبا أن دينهم هو الإسلام، فلماذا إذا يكثر الحديث عن الإسلام وإلى أي شيء تهدف هذه الصحف أو هذه الصفحات أهي دعوة للصلاة؟ ما شاء الله المساجد مملوءة بالمصلين الذين يتقنون تسوية الصفوف والرد على الإمام استوينا. أم هي دعوة للحج؟ مثلا إن أكثر المسلمين يتسابقون إلى الحج والله أعلم بالنيات. أم هي إلى الزكاة؟ وكثيرون منهم يؤدون الزكاة طائعين أو مكرهين، إن الإسلام الذي يكثر الناس الحديث عنه يتضمن كل هذه الأركان، لكنه يتضمنها كقواعد يقوم عليها نظام كامل للحياة. الحياة كلها بكل ما فيها من نشاط وبكل ما فيها من قيم، وتصورات توضح أن الإسلام في صميمه نظام حياة، نظام يقوم على تصور خاص للحياة بكل ما فيها من قيم، وعلى

стр. 14599

أساس هذا التصور الصحيح، يقوم نظام الحكم ونظام الاقتصاد ونظام التربية ونظام الأخلاق، كما تقوم العلاقات الدولية بين الدول المسلمة وسائر الناس، وعلى هذا التصور وحده يجب أن تسير الدعوة إلى الإسلام وعلى هذا التصور سنحاول أن تكون هذه الصفحة إنشاء الله، وإننا ندعو القراء أن يكتبوا إلينا حين يكتبون على هذا الاعتبار وبهذه النظرة. هذا كله أيها القارئ كلام المحرر في صحيفة الندوة. وأقول وبالله التوفيق: إنه لأمر غريب، وعجب لا ينقضي، أن ينبري كاتب ممن يشار إليه في أم القرى مهبط الوحي ومطلع شمس الرسالة فيسمح لقلمه أن يكتب في صحيفة سيارة مقالا مضمونه: دعوة المسلمين إلى أن يعرضوا عن دينهم فلا ينشروا محاسنه ولا يدعو إليه ولا يحذروا من مخالفته وأن يتساءل تساؤل المستغرب المستنكر (أليس الناس مسلمين) إلخ. ويدعو الناس أن يكتفوا من دينهم بمجرد اللفظ فقط، بل إلى أدنى من ذلك وهو الاكتفاء بمجرد الأسماء الإسلامية كمحمد وعبد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك وشهادة الميلاد وحفيظة النفوس، أو ما هو أدنى من ذلك وهو الانتساب إلى دولة تزعم أن دستورها الإسلام. سبحان الله! كيف بلغ الجهل بهذا الرجل أو

стр. 14600

التجاهل للإسلام بهذا الحد، حتى كتب هذه المقالة مع أنه يعلم نشاط المبشرين في دعوتهم إلى أديانهم الباطلة ونشاط الدعاة إلى المذاهب الهدامة كالبعثية والاشتراكية والشيوعية وتكريس جهودهم في تحبيذها وإبراز ما يزعمون أنه من محاسنها وإنفاق الأموال الطائلة في هذا السبيل الذي يقود أهله إلى النار. أيها المحرر، أين ذهب عقلك حتى قلت هذه المقالة الشنعاء عن دين الإسلام الذي هو خير الأديان، وأحبها إلى الله وهو دين ودولة وعبادة وجهاد وسيف ومصحف وثقافة وحكم، وهو المشتمل على صلاح أمر الدنيا والآخرة وعلى سعادة الفرد والجماعة في هذه الحياة العاجلة وفي الآخرة. أليس دين هذه بعض محاسنه ومزاياه، حقيقا بأن يدعى إليه وتنشر محاسنه على صفحات الصحف السيارة وفي المجلات والنشرات وعلى المنابر وفي سائر الحفلات والاجتماعات. أليس خليقا بأن تكرس الجهود والأموال للدعوة إليه والترغيب في اعتناقه وتحكيمه والاستقامة عليه وتزييف ما خالفه من الأديان والمذاهب، أليس القرآن الكريم الذي هو أعظم كتاب وأشرف دستور قد أمر بالدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه وحصر الفلاح في الدعاة إليه وحكم بأن أهله هم خير أمة أخرجت للناس لإيمانهم به ودعوتهم إليه، وإن كنت قد
следующие страницы →