اللهو والباطل، وإلى ما يصد عن الهدى، والواقع شاهد بذلك كما في الإذاعة والتلفزيون في بعض الجهات فكلاهما لم يراقب الرقابة الكافية المانعة من أضرارهما، ونسأل الله أن يوفق حكومتنا لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يصلح لها البطانة وأن يعينها على إحكام الرقابة على هذه الوسائل حتى لا يبث منها إلا ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم. . إنه جواد كريم.
وهذا آخر ما أردنا التنبيه عليه من أخطاء الكاتب نصحا لله ولعباده، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا والكاتب وسائر المسلمين للتفقه في الدين ولكل ما فيه صلاح أمر ديننا ودنيانا إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
стр. 14597
٤٨ - الإسلام قول وعلم وعقيدة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد نشرت صحيفة الندوة في عددها ١٥٩٠ الصادر
стр. 14598
١٧ \ ١٢ \ ٨٣ تحت عنوان (هذه الصفحات الإسلامية) بقلم المحرر ما نصه: تحرص كل الصحف هنا تقريبا وفي أكثر البلاد الإسلامية على أن تخصص بعض صفحاتها أو بعض أعمدتها للحديث عن الإسلام بين الحين والحين فلماذا؟ أليس الناس مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولو باللسان؟ أليسوا يحملون أسماء إسلامية وتقول شهادات ميلادهم أو حفائظ نفوسهم إنهم مسلمون بل وتقول دساتير دولهم كلها تقريبا أن دينهم هو الإسلام، فلماذا إذا يكثر الحديث عن الإسلام وإلى أي شيء تهدف هذه الصحف أو هذه الصفحات أهي دعوة للصلاة؟ ما شاء الله المساجد مملوءة بالمصلين الذين يتقنون تسوية الصفوف والرد على الإمام استوينا.
أم هي دعوة للحج؟ مثلا إن أكثر المسلمين يتسابقون إلى الحج والله أعلم بالنيات. أم هي إلى الزكاة؟ وكثيرون منهم يؤدون الزكاة طائعين أو مكرهين، إن الإسلام الذي يكثر الناس الحديث عنه يتضمن كل هذه الأركان، لكنه يتضمنها كقواعد يقوم عليها نظام كامل للحياة. الحياة كلها بكل ما فيها من نشاط وبكل ما فيها من قيم، وتصورات توضح أن الإسلام في صميمه نظام حياة، نظام يقوم على تصور خاص للحياة بكل ما فيها من قيم، وعلى
стр. 14599
أساس هذا التصور الصحيح، يقوم نظام الحكم ونظام الاقتصاد ونظام التربية ونظام الأخلاق، كما تقوم العلاقات الدولية بين الدول المسلمة وسائر الناس، وعلى هذا التصور وحده يجب أن تسير الدعوة إلى الإسلام وعلى هذا التصور سنحاول أن تكون هذه الصفحة إنشاء الله، وإننا ندعو القراء أن يكتبوا إلينا حين يكتبون على هذا الاعتبار وبهذه النظرة. هذا كله أيها القارئ كلام المحرر في صحيفة الندوة.
وأقول وبالله التوفيق: إنه لأمر غريب، وعجب لا ينقضي، أن ينبري كاتب ممن يشار إليه في أم القرى مهبط الوحي ومطلع شمس الرسالة فيسمح لقلمه أن يكتب في صحيفة سيارة مقالا مضمونه: دعوة المسلمين إلى أن يعرضوا عن دينهم فلا ينشروا محاسنه ولا يدعو إليه ولا يحذروا من مخالفته وأن يتساءل تساؤل المستغرب المستنكر (أليس الناس مسلمين) إلخ.
ويدعو الناس أن يكتفوا من دينهم بمجرد اللفظ فقط، بل إلى أدنى من ذلك وهو الاكتفاء بمجرد الأسماء الإسلامية كمحمد وعبد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك وشهادة الميلاد وحفيظة النفوس، أو ما هو أدنى من ذلك وهو الانتساب إلى دولة تزعم أن دستورها الإسلام. سبحان الله! كيف بلغ الجهل بهذا الرجل أو
стр. 14600
التجاهل للإسلام بهذا الحد، حتى كتب هذه المقالة مع أنه يعلم نشاط المبشرين في دعوتهم إلى أديانهم الباطلة ونشاط الدعاة إلى المذاهب الهدامة كالبعثية والاشتراكية والشيوعية وتكريس جهودهم في تحبيذها وإبراز ما يزعمون أنه من محاسنها وإنفاق الأموال الطائلة في هذا السبيل الذي يقود أهله إلى النار.
أيها المحرر، أين ذهب عقلك حتى قلت هذه المقالة الشنعاء عن دين الإسلام الذي هو خير الأديان، وأحبها إلى الله وهو دين ودولة وعبادة وجهاد وسيف ومصحف وثقافة وحكم، وهو المشتمل على صلاح أمر الدنيا والآخرة وعلى سعادة الفرد والجماعة في هذه الحياة العاجلة وفي الآخرة. أليس دين هذه بعض محاسنه ومزاياه، حقيقا بأن يدعى إليه وتنشر محاسنه على صفحات الصحف السيارة وفي المجلات والنشرات وعلى المنابر وفي سائر الحفلات والاجتماعات. أليس خليقا بأن تكرس الجهود والأموال للدعوة إليه والترغيب في اعتناقه وتحكيمه والاستقامة عليه وتزييف ما خالفه من الأديان والمذاهب، أليس القرآن الكريم الذي هو أعظم كتاب وأشرف دستور قد أمر بالدعوة إلى الإسلام ونشر محاسنه وحصر الفلاح في الدعاة إليه وحكم بأن أهله هم خير أمة أخرجت للناس لإيمانهم به ودعوتهم إليه، وإن كنت قد
стр. 14601
نسيت ذلك فاسمع قوله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) الآية. أوضح سبحانه في هذه الكريمة أن اتباع الرسول ﷺ على الحقيقة والكمال هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة، وسبيله هو الإسلام الذي أنكرت على أهله الدعوة إليه. وقال تعالى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيه ﷺ أن يدعو إلى الإسلام وأن يجادل عليه بالتي هي أحسن وأنت تعلم وهكذا غيرك من القراء أن كل دين وكل مذهب يهمل ولا يدعى إليه ولا تنشر محاسنه بل يغفل عنه وينسى، مصيره إلى الذهاب والزوال وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على رغبة أهله عنه وقلة اكتراثهم به، فكيف سمحت لقلمك؟ بل كيف سمحت لك مروءتك وعروبتك؟ إن لم يكن هناك غيرة على الإسلام أن تقول هذا المقال الذي مقتضاه وخلاصته الدعوة إلى نبذ الإسلام والإعراض عنه وألا يذكر في الصحف السيارة بين الناس، وأي قيمة لدين هذا شأنه، سبحان الله ما أعظم شأنه والله أكبر وأجل وأعظم
стр. 14602
من أن تكون قيمة دينه ما ذكرته أيها المحرر. وقال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقال جل ذكره ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) تأمل أيها المحرر وتأملوا أيها القراء هذه الآيات كيف حكم الرب جل وعلا للدعاة إلى الله بالفلاح وأنهم خير الأمم وأنهم لا أحد أحسن قولا منهم. وصاحب المقال يحذر من طريقهم وينتقد سبيلهم ويتعجب منهم تعجب المستنكر المستغرب، ثم نتأمل جميعا هل رضي الله سبحانه من أهل الإسلام بمجرد اللفظ أو التسمي بالأسماء الإسلامية أو الانتساب عليهما الفلاح والخير والسعادة في الدنيا والآخرة، إن الأمر في غاية الوضوح بل هو أوضح من الشمس في الظهيرة، ولكن الأمر كما قال الله ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٤)
стр. 14603
ولولا ما يخشى من اغترار بعض الجهال بهذا المقال وصاحبه لما كان حقيقا بالرد عليه لظهور بطلانه لكل من يطلع عليه من عامة المسلمين فضلا عن مثقفيهم، ونسأل الله أن يهدي كاتبه وأن يردنا وإياه إلى التوبة الصادقة. وأما قوله في آخر المقال بعدما ذكر الصلاة والزكاة والحج نصه) إن الإسلام يتضمن هذه الأركان لكنه يتضمنها كقواعد يقوم عليها نظام كامل للحياة الحياة كلها بكل ما فيها من نشاط وبكل ما فيها من قيم وتصورات، إن الإسلام في صميمه نظام حياة نظام يقوم على تصور خاص للحياة بكل ما فيها من قيم وعلى أساس هذا التصور الصحيح يقوم نظام الحكم ونظام الاقتصاد ونظام التربية ونظام الأخلاق) إلخ.
فالجواب: أن يقال لهذا الكاتب: إذا كان الإسلام دينا يتضمن هذه الأسس ويصلح أن ينظم الحياة في جميع شئونها، فكيف تنكر على أهله الدعوة إليه ونشر محاسنه؟ وتقول: إن الناس مسلمون ولو باللفظ، إذا كان يكفي من الإسلام مجرد اللفظ لم تتحقق هذه المقاصد وهذه الأسس والتي أشرت إليها أخيرا، إنه لأمر عجيب وتناقض غريب أو تلبيس وخداع، ولماذا لم
стр. 14604
تذكر أنه دين يترتب عليه صلاح أمر الدنيا والآخرة ويسعد أهله في الدنيا والآخرة، وإنما قصرته على هذه الحياة فقط. أتظن أن هذا الدين إنما جاء لإصلاح الدنيا فقط وليس له تعلق بالآخرة أم ماذا؟ إن المقام واضح لا يحتاج إلى تفصيل وكل من له أدنى علم بالإسلام يعلم أنه نظام صالح شامل لكل ما فيه سعادة البشرية في هذه الدنيا وفي الآخرة، وإنما يجيء الخلل لبعض أهله؛ بسبب جهلهم به أو عدم تطبيقهم لأحكامه والواقع قديما وحديثا مشاهد بذلك كل من تأمل أحوال المسلمين في صدر الإسلام وفي ما بعد ذلك، فاتق الله أيها الكاتب وحاسب نفسك وتب إلى ربك وارجع عن أخطائك، فالرجوع إلى الحق فضيلة. بل واجب لا بد منه وهو خير لك في الدنيا والآخرة من التمادي في الباطل. وأسأل الله لي ولك ولسائر المسلمين التوفيق لما يرضيه والهداية إلى سبيله إنه خير مسئول وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا به وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 14605
٤٩ - الإنكار على من خالف الشرع والتحذير من الاقتداء به
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: (١)
فقد اطلعت على ما نشر في جريدة السياسة بعددها ٦٦٨ في ١٩ \ ٨ \ ١٤٠٤ هـ لكاتبه ح. س، وقد نسب إلي هداه الله كلاما عن حلق اللحية تجرأ فيه بشيء لم أقله، ومما ذكر أني قلت: أي فتوى تصدر باسمي يجب أن تكون ممهورة بخاتمي ومصدقة من وزارة الأوقاف الإسلامية. وهذا الكلام ظاهر البطلان لأني لم أشترط يوما ما تصديق وزارة الأوقاف الإسلامية على ما يصدر مني من الفتاوى. ثم استرسل في الكلام عن حلق اللحية وغيرها وزعم أن قول النبي ﷺ : «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى (٢) » يقتضي بهذا العصر أن نحلق اللحى؛ لأن المجوس واليهود والسيخ وغيرهم يطلقون اللحى، وقال: (وعليه يجب مخالفة
стр. 14606
هذه الفئات نحلق لحانا) .
وقد قام رجال الأزهر بتطبيق هذا الحديث وهو مخالفة المشركين وغيرهم وحلقوا لحاهم) إلى آخر ما قال. ولا شك أن هذا جرأة من الكاتب وسوء أدب منه مع سنة رسول الله ﷺ ، فبيانه ﷺ واضح وأمره واجب الامتثال والتنفيذ ويخشى على مخالفه من العاقبة السيئة، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) وأمره ﷺ بإعفاء اللحية واضح، وتنفيذه واجب إلى قيام الساعة سواء وفر الكفار لحاهم أم حلقوها، وموافقتهم لنا في شيء من شرعنا كإعفاء اللحية لا يقتضي أن نخالف شرعنا، كما أن دخولهم في الإسلام أمر واجب عليهم ومحبوب لنا ونحن مأمورون بدعوتهم إلى ذلك ولا يقتضي ذلك خروجنا من الإسلام إذا دخلوا فيه حتى نخالفهم، بل علينا أن ندعوهم إلى دين الله وألا نتشبه بهم فيما خالفوا فيه شرع الله، وهذا أمر معلوم عند جميع أهل العلم.
وهذه الجرأة من الكاتب في حمل الحديث الشريف على وجوب حلقها؛ لأن بعض المشركين تركوا حلقها جرأة شنيعة
стр. 14607
في نشر الباطل والدعوة إليه، ثم هي مخالفة للواقع فليس كل الكفار قد وفروا لحاهم بل فيهم من يعفيها وفيهم من يحلقها. ولو فرضنا أنهم كلهم أعفوها لم يجز لنا أن نخالف أمر الرسول ﷺ فنحلقها لمخالفتهم، وهذا لا يقوله من له أدنى علم وبصيرة بشرع الله ، ويلزم عليه لوازم باطلة ومنكرات كثيرة.
وأما ما ذكره عن شيوخ الأزهر من كونهم حلقوا لحاهم لما رأوا بعض الكفار قد أعفاها فهذا لو سلمنا صحته لا حجة فيه، فإن مخالفة بعض المسلمين لما شرعه الله لا يحتج بها على ترك الشرع المطهر، بل الواجب الإنكار على من خالف الشرع والتحذير من الاقتداء به، لا أن يحتج بعمله على مخالفة الشرع. وكثير من العلماء قد خالفوا الشرع المطهر في مسائل كثيرة إما لجهل بالدليل، وإما لأسباب أخرى، ولا يجوز أن يكونوا حجة في جواز مخالفة ما علم من الشرع لكونهم لم يأخذوا به، بل غاية ما هناك أن يعتذر عنهم بأن الشرع لم يبلغهم أو بلغهم من وجه لم يثبت لديهم أو لأعذار أخرى، كما بسط ذلك الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الجليل: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وقد أجاد فيه وأفاد وأوضح أعذار أهل العلم فيما خالفوا من الشرع فليراجع
стр. 14608
فإنه مفيد جدا لطالب الحق.
وإني أنصح الكاتب (حمد) بأن يتقي الله ويحذر لمز الملتحين وسوء الظن بهم، كما أنصحه بأن يحسن الظن بجميع إخوانه المسلمين الذين يحرصون على تطبيق الشريعة ويتتبعون سنة الرسول ﷺ ويتأسون به في أقواله وأعماله، وأن يحملهم على أحسن المحامل عملا بقول الله في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) أي: لا يلمز بعضكم بعضا، واللمز: العيب، ثم قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣) الآية، فأمر سبحانه باجتناب كثير من الظن وأخبر أن بعضه إثم وهو الظن الذي لا دليل عليه ولا أمارة شرعية ترشد إليه.
ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب
стр. 14609
الحديث (١) » وهذا كله لا يمنع من نصيحة من أخطأ من أهل العلم أو الدعاة إلى الله في شيء، من عمله أو دعوته أو سيرته، بل يجب أن يوجه إلى الخير ويرشد إلى الحق بأسلوب حسن، لا باللمز وسوء الظن والأسلوب العنيف، فإن ذلك ينفر من الحق أكثر مما يدعو إليه، ولهذا قال لرسوليه موسى وهارون لما بعثهما إلى أكفر الخلق في زمانه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) وأخبر الله عن نبيه ﷺ بما جبله عليه من الرفق والحكمة واللين واللطف في الدعوة فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) الآية، وأمره سبحانه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) وهذا الأمر ليس خاصا به ﷺ بل
стр. 14610
هو موجه إليه وإلى جميع علماء الأمة وإلى كل داع يدعو إلى حق؛ لأن أوامر الله سبحانه لنبيه ﷺ لا تخصه بل تعم الأمة جميعا، إلا ما قام الدليل على أنه خاص به، ولقول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) الآية، ولقوله : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله (٤) » .
وقال ﵊: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (٥) » وقال أيضا ﵊: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي
стр. 14611
على العنف (١) » في أحاديث كثيرة تدل على أن الواجب على الدعاة إلى الله سبحانه والناصحين لعباده أن يتخيروا الأساليب المفيدة والعبارات التي ليس فيها عنف ولا تنفير من الحق، والتي يرجى من ورائها انصياع من خالف الحق إلى قبوله والرضى به وإيثاره والرجوع عما هو عليه من الباطل، وأن لا يسلك في دعوته المسالك التي تنفر من الحق ويدعو إلى رده وعدم قبوله.
وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه، والثبات عليه، والدعوة إليه على بصيرة، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن القول عليه سبحانه وعلى رسوله ﷺ بغير علم إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
стр. 14612
التحذير من مكائد الأعداء (١)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أما بعد:
فقد اطلعت على الخطاب المفتوح الموجه من بعض المسلمات في سويسرا إلى شيخ الأزهر ووزير الإعلام في مصر، المنشور في مجلة الدعوة المصرية في عددها السابع والأربعين الصادر في شهر جمادى الأولى عام ١٤٠٠ هـ وقد جاء في هذا الخطاب أن العالم الغربي قد بدأ يتحدث عن الإسلام ويهتم به، وأن بعض جهات الإعلام استغلت هذا الوضع وأخذت تشوه الإسلام وتعرف به على غير حقيقته، ويضربن مثلا على ذلك بما قام به التلفزيون السويسري حينما عرض فيلما عن الإسلام والمسلمين في مصر يشتمل على مشاهد ليست من الإسلام، إذ عرض ما يجري عند الأضرحة وفي حفلات المزار ومولد البدوي وغيرها من الأمور المبتدعة، وقد ذكرت الأخوات في خطابهن ما نصه:
стр. 14613
(وأكثر ما آلم المسلمين من كل الجنسيات هو عرض لفتاة تدعى نهال رزق قيل إنها مسلمة، وكانت هي محور الحلقة على أساس أنها مثل للمرأة المتحضرة؛ لأنه لا يمكن تطبيق قوانين جاءت منذ ١٤ قرنا كما، قال مقدم البرنامج، ونذكر لكم لقطتين فقط من جملة الفيلم عنها والحديث معها، اللقطة الأولى لهذه الفتاة في حمام سباحة نادي الجزيرة - وطبعا كانت بالمايوه أمام الرجال وبعدها لقاء معها في منزلها، ولقطة لها وهي تصلي وتلبس الطرحة وقالت: إنها تصلي وتصوم وسيأتي اليوم الذي تحج فيه للبيت الحرام، وكانت آخر لقطاتهم معها في كازينو وهي تراقص صديقها وقالت: إنه مسموح لها بالرقص مع صديقها والسهر معه حتى الواحدة صباحا، كما ذكر الأخوات أن التلفزيون السويسري أعد هذا الفيلم عندما قام فريق من المشرفين عليه بزيارة معلنة للقاهرة، سجل خلالها تلك المشاهد وأجرى أثناء لقاءات مع شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية والشيخ السطوحي، ليوهم أن هؤلاء موافقون على ما يعرض في الفيلم، وتساءلن بقولهن من المسئول عن هذه المهزلة، ومن الذي قدم هذه الفتاة لتكون مثالا للفتاة المسلمة في مصر، أو لم يجد المسئولون في مصر مثالا يليق بعرض الإسلام والمرأة المسلمة
стр. 14614
للأوربيين سوى هذه الفتاة وهذه الصور. انتهى كلامهن.
وإنني أشكر للأخوات المسلمات في سويسرا غيرتهن ونصحهن، وأسأل الله أن يثبتهن على ذلك وأحب أن يعلمن هن وغيرهن أن ما فعله التلفزيون السويسري وغيره إنما هو جزء من الحرب الدائرة المستمرة بين المسلمين والكافرين، وقد أخبر الله عن ذلك في كتابه الكريم حيث قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢) وعندما يعمل التلفزيون السويسري النصراني هذا العمل إنما يريد به الصد عن دين الله، ومنع الناس من الدخول فيه أو الاستماع إلى من يدعوهم إليه، ولكنهم بإذن الله خائبون خاسرون، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وليس العجب من جرأة أعداء الإسلام على النيل منه وتزوير الحقائق وتضليل الناس، فتلك طبيعة الأعداء في حربهم للمسلمين ومحاولتهم لمنع دخول الناس في الإسلام،
стр. 14615
ولكن العجب من المسلمين وولاتهم الذين يستقبلونهم في بلدانهم ويهيئون لهم من الوسائل ما يعينهم على تحقيق مآربهم وتنفيذ مخططاتهم، ولعل ما حصل من بعض المسئولين في القاهرة كشيخ الأزهر والمفتي وغيرهما إنما ظنا منهم أن أولئك سيعرفون بالإسلام حقيقة، وسيقتصرون على نشر اللقاءات التي تمت معهم دون غيرها، ومع ذلك فإنني أنصح ولاة أمور المسلمين عامة وأهل الحل والعقد فيهم خاصة من الرؤساء والأمراء والعلماء وغيرهم أن يكونوا على حذر في معاملتهم مع أعداء الإسلام الذين يتسللون إلى صفوف المسلمين باسم الصحافة أو الاستشراق أو غيرهما، وأن يكونوا متيقظين لكل مؤامراتهم ومكائدهم، وأن لا يسهلوا لهم القيام بمهماتهم في بلاد المسلمين أو يتعاونوا معهم لإنجاحها، فكثيرا ما يرى النصارى وغيرهم يحملون آلات التصوير ويقصدون المناظر القديمة والمشوهة في بلاد المسلمين فيصورونها ويعلقون عليها مايشاءون وينشرونها في بلدانهم زاعمين أن هذا حال المسلمين وأن الإسلام يجعل أهله على تلك الصورة.
ولهذا ينبغي أن لا تستجاب طلباتس أولئك إلا بعد دراستها دراسة وافية، ومعرفة أبعادها ونتائجها والتأكد من
стр. 14616
خلوها مما يلحق الضرر بالإسلام والمسلمين. وأسأل الله سبحانه أن يوفق المسلمين ورؤساءهم وأهل الحل والعقد فيهم؛ ليكونوا دعاة إلى الله وحماة لدينه على بصيرة، وأن يعلي كلمته وأن يخذل أعداءه ويبطل كيدهم، إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 14617
تكذيب ونقد لبعض ما نشرته مجلة المصور (١)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد، فقد نشرت مجلة المصور في عددها رقم ٢١٦٦ الصادر في ٢٤ \ الجمعة ١٣٨٥ الموافق ١٥ أبريل ١٩٦٦ م في الصفحة ١٥ من العدد المذكور ما نصه:
يقول نبأ من السعودية أن نائب رئيس الجامعة الإسلامية هناك نشر مقالا منذ شهرين في جميع الصحف أهدر فيه دم كل من يقول إن الأرض كروية وإن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، وإذا كان يبدو غريبا أن يذاع هذا الرأي في
стр. 14618
١٩٦٦ م وفي عصر الفضاء، فصاحب هذا الرأي له فضيلة واضحة وهي أنه منطقي مع ما تردده المملكة العربية السعودية هذه الأيام من أفكار وآراء، فحكام المملكة العربية السعودية لا يتحدثون الآن إلا عن الأفكار والنظريات المستوردة ولا يدعون إلى الحلف الإسلامي إلا بدعوى درء خطر الأفكار المستوردة عن المسلمين، وهم يقصدون الاشتراكية بالطبع ولكنهم لا يناقشون الاشتراكية ولا فكرة العدالة الاجتماعية، وإنما يكتفون برفضها بناء على أنها مستوردة، إلخ. . انتهى المقصود.
وجوابي عن ذلك أن أقول: (سبحانك هذا بهتان عظيم) لقد نشر المقال الذي أشار إليه الكاتب في جميع الصحف المحلية في رمضان ١٣٨٥ واطلع عليه القراء في الداخل والخارج وليس فيه ذكر كروية الأرض بنفي ولا إثبات فضلا عن إهدار دم من قال بها، وقد وقع فيما نقلته في المقال من كلام العلامة ابن القيم ﵀ ما يدل على إثبات كروية الأرض فكيف جاز لأحمد بهاء الدين أو من نقل إليه هذا النبأ أن يقدم على هذا البهتان الصريح وينسبه إلى مقال قد نشر في العالم وقرأه الناس، سبحان الله ما أعظم جرأة هذا المفتري، ولكن ليس بغريب أن يصدر مثل هذا الافتراء عن أنصار الإلحاد والمذاهب الهدامة فقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (١)
стр. 14619
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان (١) » وإنما أهدرت في المقال دم من قال إن الشمس ثابتة لا جارية بعد استتابته، وما ذلك إلا لأن إنكار جري الشمس تكذيب لله سبحانه وتكذيب لكتابه العظيم وتكذيب لرسوله الكريم، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام وبالأدلة القطعية وبإجماع أهل العلم أن من كذب الله أو رسوله أو كتابه فهو كافر حلال الدم والمال ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وليس في هذا بحمد الله نزاع بين أهل العلم.
وأما قول الكاتب: إذا كان يبدو غريبا أن يذاع هذا الرأي في سنة ١٩٦٦ م وفي عصر الفضاء. إلخ. . فالجواب عنه أن يقال لا ريب أن إظهار الحق ونشره في هذا العصر ودعوة الناس إليه يعتبر من الأمور الغريبة وذلك لاستحكام غربة الإسلام وقلة دعاة الحق وكثرة دعاة الباطل، وهذا مصداق ما أخبر به نبينا ورسولنا محمد ﷺ حيث قال في الحديث الصحيح: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود
стр. 14620
غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (١) » وفي رواية «قيل يا رسول الله: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس (٢) » وفي لفظ آخر قال: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي (٣) » فيتضح من هذا الحديث الشريف لذوي الألباب أن الدعوة إلى الحق وإنكار ما أحدثه الناس من الباطل عند غربة الإسلام يعتبر من الإصلاح الذي حث عليه النبي ﷺ وأثنى على أهله، ويتضح للقراء أيضا من هذا الحديث العظيم أنه ينبغي لأهل الحق عند غربة الإسلام أن يزدادوا نشاطا في بيان أحكام الإسلام والدعوة إليه ونشر الفضائل ومحاربة الرذائل، وأن يستقيموا في أنفسهم على ذلك حتى يكونوا من الصالحين عند فساد الناس ومن المصلحين لما أفسد الناس، والله الموفق سبحانه.
وأما ما أشار إليه الكاتب في آخر كلامه من انتقاد من يحارب الأفكار والنظريات
стр. 14621
المستوردة وحمله على حكام المملكة العربية السعودية وتهمته إياهم بمحاربة الأفكار والنظريات المستوردة كالاشتراكية، وأنهم لا يدعون إلى الحلف الإسلامي إلا بدعوى درء خطر الأفكار عن المسلمين إلخ. . فجوابه أن يقال: إن الأفكار والنظريات المستوردة فيها الحق والباطل فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوها مطلقا ولا أن يردوها مطلقا بل الواجب هو التفصيل في ذلك، فما كان منها حقا أو نافعا للمسلمين مع عدم مخالفته لشرع الله سبحانه فلا مانع من قبوله والانتفاع به لأن الإسلام هو دين الله الكامل الذي دعا إلى كل خير وإلى كل إصلاح ونهى عن كل ما يضر المسلمين ويفسد مجتمعهم، وأمر أهله أن يحرصوا على ما ينفعهم ويستعينوا بالله على ذلك وأن يعدوا كلما استطاعوا من قوة لعدوهم، وأن يأخذوا حذرهم منه وأن يتكاتفوا ويتعاونوا على البر والتقوى وأن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا، وحذرهم سبحانه من اتباع أهواء أعدائهم وأخبر أن أعداءهم لن يغنوا عنهم من الله شيئا. فالأفكار النافعة والنظريات الصحيحة قد جاء بها الإسلام ودعا إليها فليست مستوردة عليهم بل هو السابق إليها وإن خفيت على بعض أتباعه وظنوا أنها مستوردة من أعدائه، وإنما قصارى ما يأتي به الأعداء من الأفكار الصحيحة والنظريات الموافقة للشرع أن يذيعوها بين الناس ويلبسوها لباسا يوهم أنها من عندهم وأنهم مبتكروها والدعاة إليها وليس الأمر
стр. 14622
كذلك، وإنما الفضل في ذلك للإسلام عليهم حيث نبههم عليها وأرشدهم إلى أصولها وثمراتها، فنسبوا ذلك إلى أنفسهم وجحدوا نسبة الحق إلى أهله إما جهلا وإما حسدا، والحكومة العربية السعودية حين تحارب الاشتراكية وغيرها من المذاهب الهدامة لم تحاربها لكونها مستوردة وإنما حاربتها لأنها نظام إلحادي مخالف للشريعة ينكر الأديان والشرائع ويحارب الله سبحانه وينكر وجوده ويحل ما حرم ويحرم ما أحل، وإن استخفى معتنقوه في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة بشيء من هذا ولم يظهروه لأسباب قد تدعوهم إلى ذلك فالأمر واضح وكتبهم تنادي بذلك وتدعو إليه وإمامهم (ماركس) اليهودي الملحد قد صرح بذلك ودعا إليه ولكن الواقع هو كما قال الله : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) والحكومة السعودية قد استوردت أشياء كثيرة نافعة ولم تحاربها لما ظهر لها نفعها، وأما قول الكاتب أن حكام السعودية حين دعوا إلى الحلف الإسلامي إنما دعوا إليه بدعوى درء خطر الأفكار المستوردة، فالجواب عنه أن يقال: إنهم لم يدعوا إلى حلف إسلامي، وإنما دعوا إلى التضامن الإسلامي
стр. 14623
والتقارب والتكاتف الذي أمر الله به ورسوله، فالله سبحانه قد أمر المسلمين أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يكون بعضهم لبعض كالبنيان المرصوص ضد أعدائهم ومناوئيهم وفي كل ما يتعلق بمصالحهم وأن يحاربوا الأفكار والمذاهب التي تخالف دينهم. وليس هذا حلفا بل هو أعلى من الحلف فهو واجب مقدس وفرض محتم على ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم بل وعلى كافتهم وأن يستقيموا على دين الله ويحافظوا عليه ويدعوا إليه، وأن يقفوا صفا واحدا متراصا ضد أعدائهم وضد ما يحاك لهم من المكائد ويبيت لهم من الأخطار عملا بقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقوله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣) وقول النبي ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه
стр. 14624
الله أمركم (١) » أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه بدون قوله «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (٢) » .
وقوله ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٣) » متفق عليه، وقوله ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٤) » ، متفق عليه، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وجلالة الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية - وفقه الله - حين قام بالدعوة إلى التضامن الإسلامي وجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم وأن يقفوا كتلة واحدة أمام الأخطار المحيطة بهم، قد أدى بذلك واجبا عظيما وعملا جليلا يشكر عليه، ويجب على سائر ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم وأعيانهم أن يساعدوه في ذلك وأن يضموا أصواتهم لصوته وجهودهم لجهوده، وأن يكونوا جميعا متكاتفين متساعدين على إعلاء كلمة الله ونصر دينه وتحكيم شريعته وتطهير عقيدة شعوبهم من المذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة والعقائد الزائفة، وأن يجمعوا
стр. 14625
جهودهم لإعداد ما استطاعوا من قوة لصد الأخطار المحدقة بهم، وأن يكونوا معسكرا متكاملا له عدته وله كيانه وله وزنه في المحيط الدولي والسياسي والاقتصادي والصناعي وسائر مقومات المجتمع ووسائل نهضته وصموده أمام كل خطر كما أمرهم بذلك دينهم وأرشدهم إليه كتاب ربهم حيث يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢) ويقول النبي ﷺ : «ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي (٣) » ويقول ﵊: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن (٤) » . . . الحديث، أخرجه مسلم في صحيحه.
وأسأل الله أن يوفق قادة المسلمين من الملوك والرؤساء والزعماء والعلماء وغيرهم لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يجمع كلمتهم على الهدى
стр. 14626
وأن يمنحهم الفقه في دينه والبصيرة بحقه، وأن يعيذ الجميع من شرور النفس وسيئات العمل وكيد الأعداء، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 14627
رد على مقال صحفي
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. أما بعد: (١)
فقد اطلعت على كلمة نشرتها مجلة (اقرأ) في عددها (٦٠٤) الصادر في ٢٢ \ ٥ \ ١٤٠٧ هـ عن محاورة بين أرسطو وأرسطوقان. جاء فيها ما نصه (الطبيعة تخطئ والإنسان يصحح) وهذا الإطلاق منكر عظيم وكفر صريح. ومعلوم أن الفلاسفة لا يؤمنون بإله خالق مدبر له الكمال المطلق يفعل لحكمة ويترك لحكمة وهو منزه عن الخطأ في أفعاله وأقواله . ومن أجل عدم إيمانهم بالخالق العظيم الكامل في
стр. 14628
أسمائه وصفاته ينسبون الحوادث إلى الطبيعة، وهذا من جهلهم وبعدهم عما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالواجب عدم الاغترار بأقوالهم فيما يتعلق بالإلهيات والشرائع لجهلهم بها وعدم إيمانهم، ولا شك أن ما يقع في العالم من أمراض وحوادث وتشويه خلقة أو غير ذلك كلها تقع بمشيئة الله سبحانه وله فيها الحكمة البالغة والحجة الدامغة وإن جهلها الخلق، كما قال : ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢) وقال ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٣) وما ذاك إلا لكمال حكمته وعلمه تبارك اسمه وتقدس عن قول الظالمين والكافرين والجاهلين وتعالى علوا كبيرا. ولواجب النصح لله ولعباده جرى التنبيه، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 14629
خطر إنكار السنة قولا وفعلا
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة سعادة أمين عام المجلس الإسلامي الأوربي سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد (١) :
فحيث يوجد في مدينة (توسان) التابعة لولاية (أريزونا) مسجد يشرف عليه شخص يدعى (رشاد خليفة) مصري الأصل، أمريكي الجنسية، يقوم فيه بالدعوة الإسلامية على أساس بعيد عن الإسلام؛ لإنكاره السنة، واستنقاصه من منزلة الرسول ﷺ ، وذلك بما ثبت لدينا من التقارير بحقه من عدة جهات والتي ملخصها ما يلي:
١ - أن المذكور يقيم في مدينة (توسان) بولاية (أريزونا) إحدى الولايات المتحدة الأمريكية، ويحمل الدكتوراه في الهندسة الزراعية، مما لا يؤهله للقيام بالدعوة إلى الله على وجه صحيح، بل إن دعوته للإسلام يظهر منها المخادعة، والتغرير بالمسلمين الجدد، والسذج من العامة باسم الإسلام، في الوقت الذي هو يحارب الإسلام بإنكار السنة،
стр. 14630
وتعاونه مع المنكرين لها قولا وفعلا أمثال (محمد علي اللاهوري) وغيره وقد قامت حوله ضجة علمية حول اكتشافه سر إعجاز القرآن حسب زعمه.
٢ - وفي زيارته لليبيا عام ١٣٩٩ هـ سجل في إذاعتها أحاديث، ووجد من يستمع إليه حول رأيه في السنة المطهرة، بل إنه حينما سئل من قبل أحد أساتذة الجامعة، قبل صعوده للطائرة عن رأيه في أحاديث الرسول ﷺ أجاب باختصار نظرا لضيق الوقت قائلا: (الحديث من صنع إبليس) . ومن مواقفه التي توضح رفضه للسنة، وتأويل القرآن الكريم حسب ما يراه:
أ- قوله أنه لا يجوز رجم الزاني أو الزانية، سواء كانا محصنين أو غير محصنين، لأن ذلك لم يرد في القرآن.
ب- تبجحه بصورة مستمرة بما يرويه (لا تكتبوا عني سوى القرآن) ، ليثبت أنه لا يجوز كتابة الأحاديث.
جـ- استدلاله على ما ذهب إليه من لا حاجة للسنة، ولا لتفسير الرسول ﷺ للقرآن
стр. 14631
بقوله تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢)
د- ادعاؤه أن الأخذ بالسنة وكتابتها، وجمع الأحاديث في القرنين الثاني والثالث كان سببا في سقوط الدولة الإسلامية.
هـ- عدم التصديق بالمعراج، وأن رسول ﷺ لم يأت بجديد في الصلاة، لأن العرب قد توارثوها بهذه الكيفية المعهودة عن جدهم إبراهيم.
وله تأويلات في كيفية كتابة الحروف المقطعة الواردة في أول السور، ويقول هذه ليست هي الكتابة الصحيحة لها، وفي قوله تعالى (الم) يجب أن تكتب هكذا (الف لام ميم) ، وقوله تعالى (ن) يجب أن تكتب هكذا (نون) وغير ذلك من الشطحات التي يفرق بها كلمة المسلمين، مع ما فيها من محادة لله ورسوله
стр. 14632
لذا فقد رأينا من واجبنا توضيح أمره وكشف حقيقته، لوقف التعامل معه، والتنبه لمغالطاته، وبراءة للذمة، ونصحا لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، راجيا تعميم كتابنا هذا على منسوبيكم والجهات ذات العلاقة، أعانكم الله على كل خير، وجعلنا وإياكم من أنصار السنة والكتاب، ومن دعاة الخير على بصيرة، إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 14633
استعمال الأطباق الفضائية منكر كبير (١)
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين. وفقني الله وإياهم لما فيه رضاه وأعاذني وإياهم من أسباب غضبه وعقابه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فقد شاع في هذه الأيام بين الناس ما يسمى: (بالدش) أو
стр. 14634
بأسماء أخرى، وأنه ينقل جميع ما يبث في العالم من أنواع الفتن والفساد والعقائد الباطلة والدعوة إلى أنواع الكفر والإلحاد، مع ما يبثه من الصور النسائية ومجالس الخمر والفساد وسائر أنواع الشر الموجودة في الخارج بواسطة التلفاز. وثبت لدي أنه قد استعمله الكثير من الناس، وأن آلاته تباع وتصنع في البلاد فلهذا وجب علي التنبيه على خطورته ووجوب محاربته والحذر منه وتحريم استعماله في البيوت وغيرها، وتحريم بيعه وشرائه وصنعته أيضا لما في ذلك من الضرر العظيم والفساد الكبير والتعاون على الإثم والعدوان، ونشر الكفر والفساد بين المسلمين والدعوة إلى ذلك بالقول والعمل.
فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من ذلك والتواصي بتركه والتناصح في ذلك عملا بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥)
стр. 14635
وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » ، وقوله: «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٢) » وقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٣) » ، وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٤) » .
والآيات والأحاديث عن النبي ﷺ في وجوب التناصح والتواصي بالحق والتعاون على الخير كثيرة جدا، فالواجب على جميع المسلمين حكومات وشعوبا العمل بها والتناصح فيما بينهم والتواصي بالحق والصبر عليه، والحذر من