٢١ - حكم قضاء المرتد للعبادات بعد عودته للإسلام
س: إذا ارتد مسلم عن دينه سنوات عديدة ثم رجع إلى الإسلام مرة أخرى فهل عليه قضاء الصوم والصلوات المكتوبة التي تركها خلال الردة؟ (١)
ج: إذا ارتد المسلم عن الإسلام نعوذ بالله من ذلك، ثم من الله عليه بالتوبة فليس عليه قضاء ما ترك من صلاة وصوم زمن الردة؛ لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها (٣) » وهذا هو أصح أقوال
стр. 14982
أهل العلم للآية المذكورة والحديث المذكور وما جاء في معنى ذلك؛ ولأن الصحابة ﵃ لم يأمروا من أسلم من المرتدين في زمن أبى بكر الصديق ﵁ وغيره بقضاء ما تركوا من الصلاة والصوم، وهم أعلم الناس بشريعة الله بعد نبيهم ﵊، ولأن في إلزامه بقضاء ما ترك من الصلاة والصوم تنفيرا له من العودة إلى الإسلام، وهكذا الزكاة لا يقضي ما ترك منها؛ لأنها إنما تصح من المسلم، ولا يطالب بها سواه فهي كالصلاة والصوم.
стр. 14983
٢٢ - حكم تسمية الشرك الأكبر أصغر
س: ما حكم من يسمي الشرك الأكبر أصغر إذا كان لا يصحبه اعتقاد ونية مثل دعاء غير الله؟ (١)
ج: الشرك الأكبر ما يسمى أصغر، والأصغر لا يسمى أكبر، كل له حده، فالشرك الأكبر له شأن والأصغر له شأن، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر للأموات أو للكواكب
стр. 14984
أو للأصنام والذبح لها هذا شرك أكبر لا يسمى أصغر، هذا شرك المشركين أبي جهل وأصحابه هذا الشرك الأكبر نعوذ بالله، فالذي يدعو البدوي أو يدعو علي بن أبي طالب ﵁، أو يدعو الحسين بن علي أو الحسن بن علي أو فاطمة، أو يدعو العيدروس أو يدعو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم، أو يطوف بقبورهم يرجو شفاعتهم أو ما أشبه ذلك، هذا العمل شرك أكبر، وهذه عبادة الأوثان نعوذ بالله، وهذه عبادة أبي جهل وأشباهه من أهل مكة في عهد النبي ﷺ .
أما الشرك الأصغر مثل والنبي، وبالنبي، والكعبة، وما شاء الله وشاء فلان، لولا الله وفلان، هذا هو الشرك الأصغر، وإذا حلف بالنبي أو الأمانة أو بفلان بقصد أن النبي مثل الله يعظم أو أن عليا مثل الله صار هذا شركا أكبر نعوذ بالله.
ومصيبة التعلق بالأموات في غالب البلاد مصيبة كبرى عظيمة يجب التنبه لها من إخواننا الحجاج وغيرهم، ويجب على العلماء التنبه لها أيضا؛ لأنها أعظم المصائب، وأعظم الذنوب، فالشرك من أعظم الجرائم كما قال الله :
стр. 14985
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣) ، فالواجب على أهل العلم وعلى طلبة العلم وعلى كل مسلم أن يهتم بهذا الأمر، ولا سيما إذا كان في بلاد يقع فيها هذا الأمر، كمصر والشام والعراق وأشباههم، يجب أن يهتم بهذا، وأن ينصح إخوانه، ينصح من يفعل هذا ويحذرهم من هذا الشرك الوخيم، ويبن لهم أن هذا يناقض قول لا إله إلا الله ويخالفها والله المستعان.
стр. 14986
٢٣ - التفصيل في لفظ الكفر
س: الذي ورد عن النبي ﷺ أو عن السلف الصالح بأن الكفر كفران فما هما؟ (١)
стр. 14987
ج: الكفر كفران، كفر دون كفر، وكفر أكبر كترك الصلاة، فإنه كفر أكبر؛ أما النياحة على الميت والطعن في الأنساب فهو كفر أصغر، والحلف بغير الله كفر أصغر، والنياحة على الميت كفر أصغر وعليها كلها أدلتها.
стр. 14988
٢٤ - مسألة في البراءة من المشركين واعتقاد كفرهم
س: سمعت مؤخرا أن من لم يكفر الكافر أو يشك في كفره فهو كافر، كما أن من يشك في كفر تارك الصلاة أو المستهزئ بحد من حدود الله فهو كافر، فهل هذا صحيح؟ (١) ؟
ج: قد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على وجوب البراءة من المشركين واعتقاد كفرهم متى علم المؤمن ذلك، واتضح له كفرهم وضلالهم.
كما قال الله في كتابه العظيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٣) ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤) .
стр. 14989
أي لعلهم يرجعون إليها في تكفير المشركين والبراعة منهم، والإيمان بأن الله هو معبودهم الحق . وقال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) وهذا هو دين إبراهيم وملة إبراهيم والأنبياء جميعا. البراعة من عابد غير الله، واعتقاد كفرهم وضلالهم حتى يؤمنوا بالله وحده .
فالواجب على المسلم أن يتبرأ من عابد غير الله، وأن يعتقد كفرهم وضلالهم حتى يؤمنوا بالله وحده سبحانه، كما حكى الله عن إبراهيم والأنبياء جميعا، وهكذا فوله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (٢) .
стр. 14990
والكفر بالطاغوت معناه البراءة من عبادة غير الله واعتقاد بطلانها، وأن الواجب على كل مكلف أن يعبد الله وحده، وأن يؤمن به، وأن يعتقد أن الله وحده هو المستحق للعبادة، وأن ما عبده الناس من دون الله من أصنام وأشجار وأحجار أو جن أو ملائكة أو غير ذلك فإنه معبود بالباطل.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) فالمؤمن إذا علم أن فلانا يعبد غير الله وجب عليه البراءة منه واعتقاد بطلان ما هو عليه، وتكفيره بذلك إذا كان ممن بلغته الحجة، أي كان بين المسلمين، أو علم أنه بلغته الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٢) ،
стр. 14991
وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (١) .
فالله أوحى القرآن لنبيه ﵇ وجعله بلاغا للناس، فمن بلغه القرآن أو السنة ولم يرجع عن كفره وضلاله وجب اعتقاد بطلان ما هو عليه وكفره.
ومن هذا الحديث الصحيح وهو قوله ﵊: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الآمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أهل النار (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه.
فبين ﵊ أن كل إنسان متى بلغه ما بعث به النبي ﷺ ثم مات ولم يؤمن به صار من أهل النار؛ أي صار كافرا من أهل النار؛ لكونه لم يستجب لما بلغه عن رسول الله.
стр. 14992
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١) ، وقوله سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٢) .
وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله (٣) » ، وفي لفظ آخر: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (٤) » فجعل تحريم الدم والمال مربوطا بقوله: " لا إله إلا الله "، وتوحيده لله، وكفره بالطاغوت، فلا يحرم ماله ودمه حتى يوحد الله، وحتى يكفر بالطاغوت - أي يكفر بما عبد من دون الله - لأن الطاغوت هو ما عبد من دون الله، ومعنى الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (٥) .
стр. 14993
والذي يعلم الكافر وما عليه من باطل ثم لا يكفره أو يشك في كفره، معناه أنه مكذب لله ولرسوله، غير مؤمن بما حكم الله عليهم من الكفر كاليهود والنصارى، فهم كفار بنص القرآن، ونص السنة، فالواجب على المكلفين من المسلمين اعتقاد كفرهم وضلالهم، ومن لم يكفرهم أو شك في كفرهم يكون مثلهم؛ لأنه مكذب لله ولرسوله شاك فيما أخبر الله به ورسوله، وهكذا من شك في الآخرة، شك هل هناك جنة أو لا، أو هل هناك نار أو لا، أو هل هناك بعث أو لا، وهل يبعث الله الموتى، فليس عنده إيمان ويقين، فهذا كافر حتى يؤمن بالبعث والنشور، وبالجنة والنار، وأن الله أعد الجنة للمتقين، وأعد النار للكافرين، فلا بد من الإيمان بهذا بإجماع المسلمين.
وهكذا من شك أن الله يستحق العبادة، يكون كافرا بالله ؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (١) ، ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)
стр. 14994
وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) . والآيات في هذا كثيرة.
وهكذا من شك في الرسول ﷺ وقال: لا أعلم أن محمدا رسول الله أم لا؟ أي عنده شك، فيكون حكمه حكم من أنكر الرسالة أو كذب بها، يكون كافرا حتى يؤمن يقينا أن محمدا رسول الله.
وهكذا المرسلون الذين بينهم الله، كهود ونوح وصالح وموسى وعيسى من شك في رسالتهم أو كذبهم يكون كافرا، وهكذا من استهزئ بالدين أو سب الدين يكون كافرا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣) .
стр. 14995
والذي يسب الدين ويسب الرسول مثل المستهزئ أو أقبح وأكفر.
أما من ترك الصلاة ولم يجحد وجوبها فهذا فيه خلاف بين العلماء:
١ - منهم من كفره، وهو الصواب؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (١) » وقوله: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (٢) » .
٢ - وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يكفر بذلك؛ لأنه لم يجحد وجوبها، بل يكون عاصيا وكافرا كفرا دون كفر وشركا دون شرك، لكن لا يكون كافرا كفرا أكبر. قاله جمع من أهل
стр. 14996
العلم. ومن شك في كفر هذا لا يكون كافرا؛ لأنه محل اجتهاد بين أهل العلم، فمن رأى بالأدلة الشرعية أنه كافر وجب عليه تكفيره، ومن شك في ذلك، ولم تظهر له الأدلة، ورأى أنه لا يكفر كفرا أكبر بل كفر أصغر، فهذا معذور في اجتهاده، ولا يكون كافرا بذلك.
أما من جحد وجوبها وقال: الصلاة غير واجبة، فهذا كافر عند الجميع، ومن شك في كفره فهو كافر نعوذ بالله، وهكذا من قال: إن الزكاة لا تجب أي جحد وجوبها أو صيام رمضان جحد وجوبه، فهذا يكفر بذلك؛ لأنه مكذب لله ولرسوله، ومكذب لإجماع المسلمين فيكون كافرا.
ومن شك في كفره فهو كافر بعد ما يبين له الدليل ويوضح له الأمر، يكون كافرا بذلك لكونه كذب الله ورسوله، وكذب إجماع المسلمين.
وهذه أمور عظيمة يجب على طالب العلم التثبت فيها، وعدم العجلة فيها؛ حتى يكون على بينة وعلى بصيرة، وهكذا العامة يجب عليهم في ذلك أن يتثبتوا، وألا يقدموا على شيء حتى
стр. 14997
يسألوا أهل العلم، وحتى يتبصروا؛ لأن هذه مسائل عظيمة، مسائل تكفير وليست مسائل خفيفة.
فالواجب على طلبة العلم وعلى أهل العلم أن يوضحوا للناس الحكم بالأدلة الشرعية، والواجب على من أشكل عليه شيء ألا يعجل، وأن ينظر في الأدلة، وأن يسأل أهل العلم حتى يكون على بصيرة وعلى بينة في ذلك، والله ولي التوفيق.
стр. 14998
٢٥ - حكم موالاة الكفار
س: ما هي الموالاة المنهي عنها شرعا؟ (١)
ج: محبة الكفار وإعانتهم على باطلهم، واتخاذهم أصحابا وأخدانا ونحو ذلك من كبائر الذنوب، ومن وسائل الكفر بالله. فإن نصرهم على المسلمين وساعدهم ضد المسلمين، فهذا هو التولي، وهو من أنواع الردة عن الإسلام؛ لقول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)
٢٦ - حكم زيارة غير المسلمين لدعوتهم للإسلام
س: لي جيران غير مسلمين، وأحب أن أدعوهم، فما أحسن طريق لذلك؟ جزاكم الله خيرا (١) .
стр. 15001
ج: عليك أن تدعوهم للإسلام بزيارتهم أو بدعوتهم عندك على طعام، فتدعوهم لنصيحتهم، فهذا ليس من المحبة وضد الإيمان إذا كان المقصود دعوتهم إلى الله، وإرشادهم وتوجيههم، وهكذا الفساق والعصاة من جيرانك أو أقاربك عندما تدعوهم لنصيحتهم وتوجيههم فهذا ليس من الموالاة وإنما المقصود من ذلك الدعوة والتوجيه.
стр. 15002
٢٧ - حكم قبول هدايا المشركين
س: عندنا مسجد يبنى وبجواره نصارى، والنصارى إذا أرادوا التبرع في بناء المسجد بالمال هل على المسلمين أن يأخذوا المال منهم؟ (١) .
ج: إذا كان فيه شرط يخالف الشرع فلا، أما التبرع المجرد فإنه ليس فيه شيء، والنبي ﷺ قبل كثيرا من هدايا المشركين.
стр. 15003
٢٨ - حكم إقامة المسلم في بلاد الكفر
س: ما هي نصيحتكم للإخوة والأخوات المقيمين في إنجلترا ولا يعملون ويتلقون معونة مالية من الحكومة؟ وأحيانا هم يحصلون على عمل ولكن لا يخبرون الحكومة فهل عملهم هذا يعتبر عملا صحيحا؟
ج: الواجب على جميع المسلمين المقيمين في بلاد الكفر، أن يهاجروا إلى البلاد الإسلامية التي تقام فيها شعائر الله إذا استطاعوا ذلك، فإن لم يتيسر ذلك فإلى البلاد التي هي أقل شرا كما هاجر جماعة من الصحابة ﵃ بأمر النبي ﷺ من مكة إلى الحبشة؛ لأن بلاد الحبشة ذاك الوقت أقل شرا مما يقع على المسلمين في مكة من الشر قبل فتح مكة، فإن لم يستطيعوا فعليهم أن يتقوا الله في محلهم، وأن يحذروا ما حرم الله عليهم، وأن يؤدوا ما أوجب الله عليهم، ولا حرج عليهم في قبول المعاونة والمساعدة من الدولة الكافرة، إذا لم يترتب على ذلك ترك واجب أو فعل محظور، وليس لهم أخذ المساعدة إلا على الطريقة الرسمية التي قررتها الدولة، وليس لهم أن يكذبوا للحصول عليها،
стр. 15004
وعليهم جميعا أن يتقوا الله في كل شيء، وأن يحذروا ما نهى الله عنه، وأن يتفقهوا في القرآن والسنة فيما بينهم، وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم، ولو بالمكاتبة أو من طريق الهاتف، أصلح الله أحوال المسلمين جميعا وحفظ عليهم دينهم ومنحهم الفقه فيه، وكفاهم شر أنفسهم وشر أعدائهم إنه جواد كريم.
стр. 15005
مسألة في الموالاة
س: أب وأولاده في الجاهلية ثم تعلم أحد أولاده وعرف الحق وأخبرهم وقال هذا حرام وهذا حلال، فكان جواب الأب له: هذا وجدنا عليه آباءنا ونحن مثل قبيلة آل فلان، هل يحق للولد الموحد أن يواد والده وإخوانه الباقين أم لا؟ (١)
ج: إذا عرف الإنسان الإسلام وهداه الله لقبوله فليس له موالاة أهل الشرك ولا مودتهم، ولو كانوا أقرب قريب؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (٢)
стр. 15006
الآية من سورة المجادلة، ولكن عليه دعوتهم إلى الله وترغيبهم في الخير والصبر على ذلك لعل الله يهديهم على يده فيكون له مثل أجورهم.
стр. 15007
٢٩ - تكذيب بصدور فتوى لسماحته عن جواز لبس الصليب
الأخ الفاضل الدكتور محمد بن سعد الشويعر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، الحمد لله الذي سخر لهذه الأمة من يرعى أبناءها ويمد يد العون لهم كلما أرادوه، ويعلم الله كم أنا مسرور عندما أجد من يهتم برسائلي في وقت قل فيه أهل الخير إلا من رحم الله.
لقد بعثت لك يا دكتور محمد مجموعة من الرسائل على فترات، وطلبت في هذه الرسائل مجلة البحوث الإسلامية وبعض الكتب، وكانت عندي بعض الأسئلة كذلك فقمتم مشكورين بالإجابة عليها خير إجابة، ولاقى هذا العمل صدى جميلا في نفسي
стр. 15008
ونفس أصدقائي الذين أخبرتهم بذلك.
واليوم يا دكتور عندي استفسار عن أمر دار حوله جدل طويل وانقسام عظيم، وتناحر بين الأصدقاء والإخوة، وذلك عندما وصلنا شريط فيه مجموعة أسئلة طرحت على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - ومن ضمن هذه الأسئلة سؤال من أخ مصري سأله فيه عن حكم لبس الصليب؟ فأجابه الشيخ بجواز ذلك مما أثار موجة عارمة بين الجميع، وشخصيا ما كدت أصدق ذلك من هول ما سمعت، وقد نصبت نفسي محامي دفاع عن الشيخ ولكن موقفي كان ضعيفا فالصوت صوت الشيخ - حفظه الله - والقاضي عياض نقل الإجماع في كتاب الشفا على كفر لابس الصليب.
فأرجو يا دكتور أن توضح لنا الأمر فهنالك الكثير من الشباب المسلم ينتظر هذه الإجابة منك كونك من المقربين للشيخ - حفظه الله - أرجو أن تشفي صدورنا ويا حبذا لو أن سماحته شخصيا - يجيبنا على هذا الاستفسار.
ولا أخفيك القول أن صورة الشيخ قد اهتزت عند كثير من الشباب بعد سماع ذلك الشريط، وأن كثيرا من أصحاب النفوس المريضة انتهزوها فرصة للنيل من مكانة الشيخ وتجريحه.
стр. 15009
فلا تبخل علينا يا دكتور بما سيكون لك في ميزان عملك إن شاء الله، بما سيقطع الطريق على مرضى النفوس، وفقكم ورعاكم الله لما فيه خير هذه الأمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المرسل ج. ع. ع. الأردن - إربد
ولقد عرضت هذه الرسالة على سماحته ﵀ فاسترجع وحوقل، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أملى علي هذا الجواب الذي بعث للمرسل.
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ج. ع. ع. وفقه الله لما فيه رضاه وثبته على دينه آمين (١) .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد اطلعت على رسالتكم المؤرخة ١٤ ربيع الأول عام ١٤١٧ هـ الموجهة لفضيلة الدكتور محمد بن سعد الشويعر، حول الشريط المنسوب إلي وفيه فتوى عن جواز لبس الصليب، وأنني أجبت بجواز ذلك.
فأحيطكم علما أن هذا لم يصدر مني وأنه كذب علي
стр. 15010
ولا أصل لذلك، جازى الله من عمله بما يستحق، وليست هذه أول كذبة يفتريها بعض المغرضين علي وعلى غيري من أصحاب الفضيلة المشايخ وغيرهم فقد سبقها كثير، ومن ذلك ما نشر عندكم في الأردن قبل شهر في صحيفة الرأي وغيرها من أني أقول بأن المرأة إذا ذهبت للعمل فهي زانية، فقد ابتسروا من كلمة لي صدرت منذ عشرين عاما ما يوافق أهواءهم، وعنوانها: (حكم مشاركة المرأة للرجل في العمل) وقد نشرت في مركز الدعوة الإسلامية بلاهور الباكستان - الطبعة الأولى في ربيع الثاني عام ١٣٩٩ هـ الموافق مارس ١٩٧٩ م، وضمن كتابنا مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الأول من ص (٤٢٢- ٤٣٢) وقد طبع هذا الجزء عام ١٤٠٨ هـ الموافق ١٩٨٧ م وكان إعادة نشر المقالة هو الرد على أولئك، ونرفق لكم نسخة منها.
ولذا نرجو من فضيلتكم تزويدنا بنسخة من الشريط الذي نوهتم عنه للاطلاع وإجراء ما يلزم، جعلنا الله وإياكم من المتعاونين على الحق الناصرين لدين الله المعينين على قمع البدع والأهواء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفتي عام المملكة العربية السعودية
стр. 15011
٣٠ - على الصحف والكتاب أن يعتنوا ب نشر الكلمة الطيبة والحذر من نشر المقالات الباطلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد (١) :
فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الجزيرة الصادرة في ١١\ ١\ ١٤١٩ هـ للأخ الكريم سمو الأمير عبد العزيز بن فهد بن فيصل بن فرحان آل سعود المتضمنة إنكاره ما حصل من كثير من الكتاب في الشاعر نزار وبيانه سوء ما صنعوا، وشرحه بعض حال نزار المذكور. ولقد أحسن وأجاد وأدى الواجب في بيان الحق والتحذير من خلافه.
وإني لأشكره كثيرا على عمله الطيب ورده على دعاة الباطل ومروجيه. ولا شك أن الشاعر المذكور - إذا كانت حاله كما قال سمو الأمير عبد العزيز - جدير بالذم والتحذير من سيرته والفرح بموته؛ لما في أشعاره من الفساد الكبير والكفر الصريح
وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » وقوله ﷺ : «ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفا يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (٢) » .
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على المسلمين التواصي بها والعمل بها والحذر مما يخالفها، ومعلوم أن الإنكار باليد يكون لولاة الأمر وغيرهم ممن يستطيع ذلك؛ كالرجل مع أولاده وأهل بيته ورئيس الحسبة فيما جعل إليه ونحوهما.
стр. 15014
ونسأل الله أن يوفق جميع المسلمين وجميع ولاة أمرهم، وجميع الكتاب لكل خير، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن ينصر بهم الحق وأهله، وأن يخذل بهم الباطل وأهله إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
стр. 15015
٣١ - وجوب تعاون المسلم مع إخوانه المسلمين على البر والتقوى
س: هل يجوز التعاون مع الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة؟ وإلى أي مدى يمكن التعاون، نرجو الإفادة جزاكم الله خيرا؟
ج: يشرع التعاون مع جميع المسلمين على البر والتقوى، بل يجب ذلك مع الاستطاعة؛ لقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) ، وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) .
ومن التعاون على البر والتقوى ومن التواصي بالحق والصبر عليه، توضيح الأحكام الشرعية والتحذير من البدع، وإيضاح العقيدة الصحيحة التي درج عليها سلف الأمة من أصحاب النبي
стр. 15016
صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان.
ومن التعاون والتواصي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهجر من يستحق الهجر؛ لقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ، وقوله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) .
وقول النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٣) » . وقوله ﷺ :
стр. 15017
«الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » أخرجه مسلم في صحيحه والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
стр. 15018
٣٢ - حكم العمل في طباعة أوراق اليانصيب
س: يقول السائل: أنا أعمل في شركة تعمل في طباعة أوراق اليانصيب، فهل يجوز لي الاستمرار في العمل؟ أفتونا مأجورين.
ج: لا يجوز لك الاستمرار في هذا العمل، بل يجب عليك تركه؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٢) .
стр. 15019
٣٣ - حكم من عقد بيعة لغير ولاة الأمور
س: بعض الفرق المعاصرة تعقد البيعة لأمرائها الذين يختارونهم من أنفسهم، ويرون وجوب السمع والطاعة لهم،
стр. 15020
وعدم نقض بيعتهم، وهم تحت ولاة الأمراء الشرعيين الذين بايعهم عموم المسلمين. هل يجوز ذلك؟ أي بمعنى أن يكون في عنق الفرد أكثر من بيعة وما مدى صحة هذه البيعات؟ (١) .
ج: هذه البيعة باطلة ولا يجوز فعلها؛ لأنها تفضي إلى شق العصا، ووجود الفتن الكثيرة، والخروج على ولاة الأمور بغير وجه شرعي. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٢) » .
وصح عنه ﷺ أنه قال: «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية الله، فإن