وتسب الرسول، تدع الصلاة ونعطيك كذا وكذا، تستحل الزنا، تستحل الخمر، ونعطيك كذا وكذا، فيبيع دينه بعرض من الدنيا، ويصبح كافرا، أو يمسي كذلك أو يقولوا: لا تكن مع المؤمنين نعطيك كذا وكذا لتكون مع الكافرين، فيغريه بأن يكون مع الكافرين وفي حزب الكافرين، وفي أنصارهم، حتى يعطيه المال الكثير، فيكون وليا للكافرين، وعدوا للمؤمنين، وأنواع الردة كثيرة جدا، وغالبا ما يكون ذلك بسبب الدنيا، حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، لهذا قال: «يبيع دينه بعرض من الدنيا (١) » وفي لفظ آخر: «بادروا بالأعمال الصالحة، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا، أو موتا مجهزا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو الدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر (٢) » المؤمن يبادر بالأعمال، يحذر قد يبتلى بالموت العاجل، موت الفجأة، قد يبتلى بمرض يفسد عليه قوته، فلا يستطيع العمل، يبتلى بهرم، يبتلى بأشياء أخرى، على الإنسان أن يغتنم حياته وصحته
стр. 14947
وعقله، بالأعمال الصالحات، قبل أن يحال بينه وبين ذلك تارة بأسباب يبتلى بها، من مرض وغيره، وتارة بالطمع في الدنيا، وحب الدنيا، وإيثارها على الآخرة، وتزيينها من أعداء الله، والدعاة إلى الكفر والضلال.
стр. 14948
١١ - كلمة عن الأدب مع الله سبحانه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه أما بعد (١) :
فيسرنا أن نستضيف في بداية هذه الحلقة سماحة والدنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية والرئيس العام لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء، ليحدثنا عن الأدب مع الله : مظاهره الحسنة، وما يناقضه من مظاهر سوء الأدب مع الله جل وعلا.
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
стр. 14949
فإن الواجب على جميع المكلفين هو التأدب مع الله، وذلك بإخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، والإيمان به، وبكل ما أخبر به سبحانه في كتابه العظيم، على لسان رسوله محمد ﵊، عن أسمائه وصفاته وعن الآخرة، والجنة والنار والحساب والجزاء وغير ذلك، يجب على كل مكلف أن يؤمن بالله، وأن يخصه بالعبادة، وألا يشرك به شيئا ، فأعظم الأدب توحيد الله، والإخلاص له، وأعظم سوء الأدب، الشرك بالله وصرف بعض العبادة لغيره ، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ، ويقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) . فأعظم الأدب وأهمه وأوجبه: إخلاص العبادة لله
стр. 14950
وحده، وترك عبادة ما سواه، وأن يخص بالعبادة، من دعاء وخوف ورجاء وتوكل، ورغبة ورهبة وذبح ونذر، واستغاثة وغير ذلك، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) .
وبهذا يعلم أن ما يفعله الجهلة من دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم والذبح لهم، أن هذا هو الشرك الأكبر، هذا هو عبادة غير الله، وهذا داخل في قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) ، وفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٤) ، وفي قوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) ، وفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) .
стр. 14951
فالواجب: تخليص العبادة لله وحده، وأن يخص بالعبادة من دعاء وخوف، ورجاء، وتوكل، وذبح، ونذر، وغير هذا كله لله وحده، والله يقول جل وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) ويقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) يعني من المشركين، فالواجب على جميع المكلفين أن يخصوا الله بالدعاء، وبسائر أنواع العبادة، ومن الأدب مع الله الإيمان بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣) ، وأن تثبت أسماؤه وصفاته كما جاءت في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأن يوصف بها على الوجه اللائق بالله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تمثيل، بل يجب إثباتها لله، كما جاءت في القرآن، والسنة الصحيحة، على الوجه اللائق بالله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كالاستواء والنزول، والضحك والرضا، والغضب ونحو ذلك، يجب إثباتها لله، وأنه
стр. 14952
سبحانه قد استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، لا يشابه خلقه في استوائهم، كما أنه سبحانه يرضى ويغضب، ويرحم ويعطي ويمنع ويضحك، يرحم عباده جل وعلا، ويتكلم، كل ذلك على الوجه اللائق به، لا يشبه كلام عباده، ولا يشبه صفات عباده، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) ، ويقول سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
فدعاء غير الله من الأموات، أو الأصنام أو الكواكب أو الجن سوء أدب مع الله، وكفر به ، وهكذا تأويل صفاته، كله من سوء الأدب مع الله، وهكذا سوء الظن به جل وعلا، كله من سوء الأدب مع الله، فالواجب على الجميع حسن الظن بالله، والاستقامة على دينه، وإخلاص العبادة له ، والإيمان بأسمائه وصفاته، وبكل ما خبر به رسوله ﷺ ، هذا هو الواجب على الجميع، وعلى الجميع اتباع القرآن الكريم، والتمسك به، والحذر مما يخالفه، مع اتباع السنة
стр. 14953
وتعظيمها، هذا هو الواجب على الجميع، اتباع القرآن والسنة وتعظيمهما، والحذر مما يخالفهما.
نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا للفقه في كتابه، وسنة نبيه، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما يخالف شرعه، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.
стр. 14954
١٢ - حكم الاحتجاج على ترك الأسباب بحديث السبعين ألفا
س: هناك من يحتج على ترك الأسباب بحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فما هو الرد عليهم؟ (١)
ج: هؤلاء السبعون ما تركوا الأسباب، إنما تركوا شيئين وهما: الاسترقاء والكي، والاسترقاء: هو طلب الرقية من الناس.
стр. 14955
وهذا الحديث يدل على أن ترك الطلب أفضل وهكذا ترك الكي أفضل، لكن عند الحاجة إليهما لا بأس بالاسترقاء والكي؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة أن تسترقي من مرض أصابها، وأمر أم أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وهي أسماء بنت عميس ﵂ أن تسترقي لهم، فدل ذلك على أنه لا حرج في ذلك عند الحاجة إلى الاسترقاء، ولأنه ﷺ قال: «الشفاء في ثلاث: كية نار، أو شرطة محجم، أو شربة عسل، وما أحب أن أكتوي (١) » وقد كوى ﵊ بعض أصحابه لما دعت الحاجة إلى الكي؛ لأنه سبب مباح عند الحاجة إليه، والاسترقاء: طلب الرقية، أما إن رقي من دون سؤال فهو من الأسباب المباحة كالأدوية المباحة من إبر وحبوب وشراب وغير ذلك، أما الطيرة المذكورة في حديث السبعين فهي التشاؤم ببعض المرئيات أو المسموعات وهي محرمة، ومن الشرك الأصغر إذا ردت المتشائم عن حاجته؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢)
стр. 14956
وقوله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة (١) » وقوله ﷺ أيضا: «الطيرة شرك الطيرة شرك (٢) » وقوله ﷺ لما ذكرت عنده الطيرة: «أحسنها الفأل ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك (٣) » وروي عنه ﷺ أنه قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك " قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: " أن تقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك (٤) » رواه أحمد، فعلم مما ذكرنا من الأدلة أن التوكل لا يمنع تعاطي الأسباب، فالإنسان يأكل ويشرب، فالأكل سبب للشبع
стр. 14957
ولقوام هذا البدن وسلامته، وهكذا الشرب، ولا يجوز للإنسان أن يقول: أنا لا آكل ولا أشرب، وأتوكل على الله في حياتي، وأبقى صحيحا سليما، فهذا لا يقوله عاقل، وهكذا يلبس الثياب الثقيلة في الشتاء للدفء؛ لأنه يضره البرد، وهكذا يتعاطى الأسباب الأخرى من إغلاق الباب حذرا من السراق، ويحمل السلاح عند الحاجة، وكل هذه أسباب مأمور بها الإنسان، والنبي ﷺ سيد المتوكلين، في أحد لبس السلاح وفي بدر كذلك، وفي أحد ظاهر بين درعين ولبس اللامة، وعليه المغفر حين دخل مكة، وكل هذه أسباب فعلها ﷺ ، وهكذا أصحابه ﵃.
стр. 14958
١٣ - مصير من لم تبلغه دعوة دين الإسلام
س: ما مصير من لا يعلم بأن دين الإسلام هو الدين الصحيح، والمقبول عند الله، ويعتقد دينا غير الإسلام؟ (١) .
ج: إذا كان المسئول عنه عاش بين المسلمين، وقد بلغه القرآن والسنة، ومع ذلك يعتقد دينا غير دين الإسلام فحكمه
стр. 14959
حكم أهل الدين الذي اعتقده وهو الكفر، لأن الله جل وعلا يقول في القرآن الكريم عن نبيه ﵊: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١) ، ويقول سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٢) ، ويقول ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار (٣) » .
أما إن كان المسئول عنه قد عاش بين الكافرين الذين لم يبلغهم القرآن، ولا خبر الرسول ﷺ ، فهذا حكمه حكم أهل الفترة، وهم يمتحنون يوم القيامة، فمن نجح في الامتحان دخل الجنة ومن عصى دخل النار؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤) والله ولي التوفيق.
стр. 14960
١٤ - حكم من اكتفى بقول لا إله إلا الله دون العمل بمقتضاها
س: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، هل هذا حديث، وما معناه؟ وهل يكتفي الإنسان بقول: لا إله إلا الله دون العمل بمقتضاها؟ (١) .
ج: جاء في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تدل على أن من قال: لا إله إلا الله صدقا من قلبه دخل الجنة، وفي بعضها خالصا من قلبه، وفي بعضها: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٢) » وفي بعضها يقول ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة
стр. 14961
ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١) » .
والأحاديث كلها يفسر بعضها بعضا، والمعنى أن من قال: لا إله إلا الله صادقا من قلبه مخلصا لله وحده، وأدى حقها بفعل ما أمر الله، وترك ما حرم الله، ومات على ذلك دخل الجنة، وعصم دمه وماله حال حياته، إلا بحق الإسلام.
فالواجب على جميع المسلمين أن يتقوا الله ويخلصوا له العبادة، وأن يؤمنوا برسوله محمد ﷺ ، وأنه رسول الله إلى جميع الثقلين، الجن والإنس، وأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي، وعليهم مع ذلك أن يؤدوا فرائض الله، وأن يدركوا محارم الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه، وأن يتبرءوا من كل ما يخالف ذلك من جميع أديان المشركين. فمن مات على ذلك دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومن أتى شيئا
стр. 14962
من المعاصي كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا وعقوق الوالدين وغير ذلك من المعاصي، ومات على ذلك ولم يتب فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له فضلا منه وإحسانا من أجل توحيده وإيمانه بالله وبرسوله ﷺ ، وسلامته من الشرك، وإن شاء عذبه على قدر المعاصي التي مات عليها، ثم يخرجه الله من النار، بعد التطهير والتمحيص ويدخله الجنة؛ لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فأخبر سبحانه أنه لا يغفر الشرك لمن مات عليه، وأما ما دونه فهو معلق بمشيئة الله، فقد يعفو له سبحانه عنه فضلا ورحمة منه بدون شفاعة أحد، وقد يغفر له سبحانه بشفاعة الأنبياء والصالحين والأفراط وغيرهم ممن يأذن الله لهم بالشفاعة من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) ، وقال سبحانه في حق الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣) وقال :
стр. 14963
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (١) وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه يشفع يوم القيامة لكثير من العصاة من أمته الذين دخلوا النار بذنوبهم، عدة شفاعات، فيحد الله له حدا في كل شفاعة، فيخرجهم من النار، وتشفع الملائكة، والأنبياء والصالحون والأفراط، بعد إذنه سبحانه لهم، ويبقى في النار بقية من العصاة لم تشملهم الشفاعة، فيخرجهم الله سبحانه من النار بفضله ورحمته، ولا يبقى في النار إلا الكفار، فإنهم يخلدون فيها أبد الآباد، كما قال الله في حقهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) وقال سبحانه في حقهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣) ، وقال سبحانه في حقهم: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٤) .
стр. 14964
وقال في حقهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (١) ، وقال في حقهم أيضا: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٢) ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (٣) فيرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٤) .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا الذي ذكرناه هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، نسأل الله أن يجعلنا منهم، والله ولي التوفيق.
стр. 14965
١٥ - شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي القول والعمل
س: هل " لا إله إلا الله " قول باللسان أو قول يحتاج إلى عمل؟ (١) .
ج: هذه الكلمة هي أعظم الكلام الذي يتكلم به الناس وأفضل الكلام، وهي قول وعمل، ولا يكفي مجرد القول، ولو كفى مجرد القول لكان المنافقون مسلمين؛ لأنهم يقولونها، وهم مع هذا كفار، بل في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم يقولونها باللسان من دون عقيدة ولا إيمان، فلا بد من قولها باللسان مع اعتقاد القلب وإيمان القلب بأنه لا معبود حق إلا الله.
ولا بد أيضا من أداء حقها بأداء الفرائض، وترك المحارم؛ لأن هذا من حق لا إله إلا الله، قال ﵊: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٢) » .
стр. 14966
وفي لفظ آخر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (١) » متفق على صحته.
فالحاصل أنه لا بد من قول مع يقين، ومع علم ومع عمل، لا مجرد القول باللسان، فإن اليهود يقولونها، والمنافقون يقولونها، ولكن لا تنفعهم؛ لما لم يحققوها بالعمل والعقيدة، فلا بد من العقيدة بأنه لا معبود بحق إلا الله، وأن ما عبده الناس من أصنام ومن أشجار أو أحجار أو قبور أو أنبياء أو ملائكة أو غيرهم فإنه باطل، وأن هذا شرك بالله ، والإيمان حق لله وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤)
стр. 14967
وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) ، وقال ﵊: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (٣) » ، وفي لفظ آخر عند مسلم: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (٤) » . فدل على أنه لا بد من التوحيد والإخلاص لله.
ولما بعثا النبي ﷺ معاذا ﵁ إلى اليمن معلما ومرشدا وأميرا وقائدا، قال له النبي ﷺ : «ادعهم إلى أن يوحدوا الله (٥) » ، وفي لفظ آخر: «ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة
стр. 14968
تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم. . . (١) » الحديث.
فالخلاصة أنه لا بد من الإيمان بها قولا وعملا مع النطق، فيشهد أن لا إله إلا الله عن علم ويقين وإخلاص وصدق ومحبة لما دلت عليه من التوحيد، وانقياد لحقها وقبول لذلك، وبراءة مما عبد من دون الله تعالى. هكذا يكون الإيمان بهذه الكلمة، يقولها عن يقين وأنه لا معبود بحق إلا الله، وعن علم ليس فيه جهل ولا شك، وعن إخلاص في ذلك لا رياء ولا سمعة، وعن محبة لما دلت عليه من التوحيد والإخلاص، وعن صدق، لا كالمنافقين يقولونها باللسان ويكذبونها في الباطن.
ومع قبول لما دلت عليه من التوحيد وانقياد لذلك، ومحبة لذلك، والتزام به مع البراءة من كل ما يعبد من دون الله، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)
стр. 14969
والكفر بالطاغوت معناه البراءة مما عبد من دون الله، واعتقاد بطلانه، وأن تتبرأ من عبادة غير الله، وتعتقد بطلان ذلك، وأن العبادة بحق هي لله وحده ليس له شريك في ذلك، لا ملك ولا نبي ولا شجر ولا حجر ولا ميت ولا غير ذلك.
стр. 14970
١٦ - إقامة الحجة ببيان الحق بأدلته
س: هل يشترط في إقامة الحجة على قوم أن يكون الداعية عالما مجتهدا أم يكفي أنه يعرف الحق بدليله إذا كانت المسألة من مسائل العقيدة كدعاء غير الله وعبادة القبور ونحوه؟ (١)
ج: يكفي إقامة الحجة ببيان الحق بأدلته لمن ترك الحق ونصيحته وتوجيهه للخير من أهل العلم وإن لم يكونوا مجتهدين،
стр. 14971
بل يكفي كونهم يعلمون الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيما يدعون إليه وفيما يأمرون به، وعلى المدعو إلى الله أن يقبل الحق، وأن يحذر التكبر والإصرار على الباطل، وإذا كانت عنده شبهة فليسأل عنها أهل العلم بأسلوب حسن وتواضع ونية صالحة، ومتى أصلح العبد النية وبذل وسعه في طلب الحق يسر الله أمره، ومنحه التوفيق كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٣) ، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٤) والفرقان هو النور والبصيرة والعلم النافع، وفق الله المسلمين لكل خير، وأصلح قادتهم إنه سميع قريب.
стр. 14972
١٧ - العذر بالجهل والتفصيل في ذلك
س: لقد أجبت يا سماحة الشيخ على أحد الأسئلة المطروحة من أحد السائلين فيما يتعلق بالعذر بالجهل، متى يعذر ومتى لا يعذر، وذكرت بأن الأمر فيه تفصيل، ومما ذكرت بأنه لا يعذر أحد بالجهل في أمور العقيدة، أقول يا سماحة الشيخ إذا مات رجل وهو لا يستغيث بالأموات، ولا يفعل مثل هذه الأمور المنهي عنها إلا أنه فعل ذلك مرة واحدة فيما أعلم، حيث استغاث بالرسول ﷺ وهو لا يعلم أن ذلك حرام وشرك، ثم حج بعد ذلك دون أن ينبهه أحد على ذلك، ودون أن يعرف الحكم فيما أظن حتى توفاه الله، وكان هذا الرجل يصلي ويستغفر الله لكنه لا يعرف أن تلك المرة التي فعلها حرام، فيا ترى هل من فعل ذلك ولو مرة واحدة، وإذا مات وهو يجهل مثل ذلك، هل يعتبر مشركا؟ نرجو التوضيح والتوجيه جزاكم الله خيرا (١) .
стр. 14973
ج: إن كان من ذكرته تاب إلى الله بعد المرة التي ذكرت، ورجع إليه سبحانه واستغفر من ذلك زال حكم ذلك وثبت إسلامه، أما إذا كان استمر على العقيدة التي هي الاستغاثة بغير الله، ولم يتب إلى الله من ذلك فإنه يبقى على شركه، ولو صلى وصام حتى يتوب إلى الله مما هو فيه من الشرك.
وهكذا لو أن إنسانا يسب الله ورسوله، أو يسب دين الله، أو يستهزئ بدين الله، أو بالجنة أو بالنار، فإنه لا ينفعه كونه يصلي ويصوم، إذا وجد منه الناقض من نواقض الإسلام بطلت الأعمال حتى يتوب إلى الله من ذلك هذه قاعدة مهمة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) وأم النبي صلى الله عليه وسلى ماتت في الجاهلية، واستأذن رسول الله ﷺ ربه ليستغفر لها فلم يؤذن له.
стр. 14974
وقال ﷺ لمن سأله عن أبيه: «إن أبي وأباك في النار (١) » وقد ماتا في الجاهلية.
والمقصود أن من مات على الشرك لا يستغفر له ولا يدعى له، ولا يتصدق عنه إلا إذا علم أنه تاب إلى الله من ذلك، هذه هي القاعدة المعروفة عند أهل العلم، والله ولي التوفيق.
стр. 14975
١٨ - حكم العذر بالجهل في العقائد
س: حكم العذر بالجهل في العقائد وغيرها؟ (١)
ج: الجهل يكون فيما يمكن خفاؤه، أما الأمور الظاهرة من الدين فلا يعذر فيها الجاهل؛ كأمور التوحيد وأمور الصلاة، لو قال: ما أعرف الصلاة وهو بين المسلمين، ما أعرف أن الصلاة مشروعة، أو ما أعرف الزكاة، أو ما أعرف الصيام ما يعذر بالجهل، أو قال: ما أعرف أن الزنا محرم ما يطاع، أو قال:
стр. 14976
ما أعرف أن اللواط محرم وهو بين المسلمين، ما يطاع، أو قال: ما أعرف أن الخمر محرم ما يطاع.
أما الذي يمكن جهله مثل بعض الصفات، صفات الله التي خفيت عليه أو ما درى أنها من صفات الله فأنكرها، ثم علم وبين له ما يكفر بذلك؛ لأن مثل هذا قد يجهل بعض الصفات أو مثل بعض حقوق النبي ﷺ جهلها ما درى عن بعض الحقوق التي تخفى على العامي أو ما أشبه ذلك، أو إنسان في أطراف أمريكا أو أطراف أفريقيا في بعض المحلات البعيدة عن الإسلام، مثل هذا كأهل الفترة يبين له ولا يكفر حتى يبين له ويعلم، فإذا ما أصر على ذلك وأصر على الكفر يقتل.
الذي يتولاه مسلم أو الدولة المسلمة تحكم به عليه، والحاصل أنه يعذر بالجهل في المسائل التي قد يخفى مثلها، ويكون حكمه حكم أهل الفترات إذا لقي الله جل وعلا.
والصحيح الذي جاءت به الأحاديث أنه يمتحن يوم القيامة ضمن أهل الفترة، فإن أجاب إلى الحق دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وأما في الدنيا ينظر فيه إذا ظن أنه يجهل، وولي الأمر إذا أراد
стр. 14977
أن يقيم الحد عليه يقيم التعزير عليه إن كان مثله يجهل هذا الشيء وينبهه، لكن لا يترك الحد عليه وهو بين المسلمين ممن يخفى على المسلمين مثل ما تقدم، يقول: أنا لا أعرف أن الناس يصلون، يقول: ما أدري عن الصلاة ولا أعرف الزكاة ولا أعرف الصيام ولا أعرف الجهاد، هذا لا يطاع؛ لأن هذا من التلاعب بالدين.
стр. 14978
١٩ - توضيح الشرك الأكبر
س: نرجو من فضيلة الشيخ توضيح الشرك الأكبر أعاذنا الله وإياكم منه؟ (١)
ج: الشرك الأكبر مثل ما تقدم هو صرف بعض العبادة لغير الله كدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم والدعاء بالأصنام أو بالملائكة أو بالجن هذا الشرك الأكبر يقول: يا صاحب القبر أغثني أو انصرني أو أجرني أو أنا في حسبك
стр. 14979
وجوارك، أو يقول للصنم أو للجن أو الملائكة أو الأنبياء يقول لهم بعد موتهم، كل هذا شرك أكبر، نسأل الله العافية والسلامة، وهكذا لو استحل ما حرم الله كأن يقول: الزنا حلال أو الخمر حلال يكون كافرا كفرا أكبر، أو يقول: الربا حلال يكون كافرا كفرا أكبر هكذا لو أسقط ما أوجب الله واستحل إسقاط ما أوجب الله كأن يقول: الصلاة لا تجب أو صوم رمضان لا يجب على المسلمين، أو يقول: الزكاة لا تجب أو الحج لا يجب على المستطيع، يكون كافرا كفرا أكبر، نسأل الله العافية، فمن استحل ما حرم الله أو جحد ما أوجب الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة يكون كافرا ومشركا شركا أكبر وهكذا من صرف العبادة أو بعضها لغير الله من دعاء أو صلاة أو طواف أو استغاثة أو نذر للأصنام أو لأصحاب القبور أو للجن أو للملائكة أو للكواكب كله شرك أكبر نسأل الله العافية.
стр. 14980
٢٠ - حكم سب الدين
س: المرأة المسلمة إذا سبت زوجها أو دين زوجها هل تصبح طالقا في الشرع كما نسمع من أكثر الناس؟ أفيدونا أفادكم الله (١) .
ج: إذا سبت المرأة زوجها لا تكون طالقا، ولكن عليها التوبة إلى الله واستسماح زوجها، فإذا سمح عنها فلا بأس، وإذا سبها كما سبته قصاصا لا يزيد على ذلك فلا بأس أيضا، وإن سمح عنها فهو أفضل؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) .
والنبي ﷺ يقول: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (٣) » أما سبها لدين زوجها المسلم فهو كفر أكبر، يجب عليها المبادرة بالتوبة من ذلك، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك.
стр. 14981
٢١ - حكم قضاء المرتد للعبادات بعد عودته للإسلام
س: إذا ارتد مسلم عن دينه سنوات عديدة ثم رجع إلى الإسلام مرة أخرى فهل عليه قضاء الصوم والصلوات المكتوبة التي تركها خلال الردة؟ (١)
ج: إذا ارتد المسلم عن الإسلام نعوذ بالله من ذلك، ثم من الله عليه بالتوبة فليس عليه قضاء ما ترك من صلاة وصوم زمن الردة؛ لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها (٣) » وهذا هو أصح أقوال
стр. 14982
أهل العلم للآية المذكورة والحديث المذكور وما جاء في معنى ذلك؛ ولأن الصحابة ﵃ لم يأمروا من أسلم من المرتدين في زمن أبى بكر الصديق ﵁ وغيره بقضاء ما تركوا من الصلاة والصوم، وهم أعلم الناس بشريعة الله بعد نبيهم ﵊، ولأن في إلزامه بقضاء ما ترك من الصلاة والصوم تنفيرا له من العودة إلى الإسلام، وهكذا الزكاة لا يقضي ما ترك منها؛ لأنها إنما تصح من المسلم، ولا يطالب بها سواه فهي كالصلاة والصوم.
стр. 14983
٢٢ - حكم تسمية الشرك الأكبر أصغر
س: ما حكم من يسمي الشرك الأكبر أصغر إذا كان لا يصحبه اعتقاد ونية مثل دعاء غير الله؟ (١)
ج: الشرك الأكبر ما يسمى أصغر، والأصغر لا يسمى أكبر، كل له حده، فالشرك الأكبر له شأن والأصغر له شأن، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر للأموات أو للكواكب
стр. 14984
أو للأصنام والذبح لها هذا شرك أكبر لا يسمى أصغر، هذا شرك المشركين أبي جهل وأصحابه هذا الشرك الأكبر نعوذ بالله، فالذي يدعو البدوي أو يدعو علي بن أبي طالب ﵁، أو يدعو الحسين بن علي أو الحسن بن علي أو فاطمة، أو يدعو العيدروس أو يدعو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم، أو يطوف بقبورهم يرجو شفاعتهم أو ما أشبه ذلك، هذا العمل شرك أكبر، وهذه عبادة الأوثان نعوذ بالله، وهذه عبادة أبي جهل وأشباهه من أهل مكة في عهد النبي ﷺ .
أما الشرك الأصغر مثل والنبي، وبالنبي، والكعبة، وما شاء الله وشاء فلان، لولا الله وفلان، هذا هو الشرك الأصغر، وإذا حلف بالنبي أو الأمانة أو بفلان بقصد أن النبي مثل الله يعظم أو أن عليا مثل الله صار هذا شركا أكبر نعوذ بالله.
ومصيبة التعلق بالأموات في غالب البلاد مصيبة كبرى عظيمة يجب التنبه لها من إخواننا الحجاج وغيرهم، ويجب على العلماء التنبه لها أيضا؛ لأنها أعظم المصائب، وأعظم الذنوب، فالشرك من أعظم الجرائم كما قال الله :
стр. 14985
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣) ، فالواجب على أهل العلم وعلى طلبة العلم وعلى كل مسلم أن يهتم بهذا الأمر، ولا سيما إذا كان في بلاد يقع فيها هذا الأمر، كمصر والشام والعراق وأشباههم، يجب أن يهتم بهذا، وأن ينصح إخوانه، ينصح من يفعل هذا ويحذرهم من هذا الشرك الوخيم، ويبن لهم أن هذا يناقض قول لا إله إلا الله ويخالفها والله المستعان.