← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وفيها الكفاية إن شاء الله والإقناع لطالب الحق، وإنما أردت بكلمتي هذه مزيد الإيضاح والبيان لخطأ هذه الطائفة وظلمها وعدوانها فيما فعلت، وخطئها فيمن زعمت أنه المهدي ... أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل؛ لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان وأنه يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا قد تواترت تواترا معنويا وكثرت جدا واستفاضت كما صرح بذلك جماعة من العلماء، منهم أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع، والعلامة السفاريني والعلامة الشوكاني وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم. ولكن لا يجوز الجزم بأن فلانا هو المهدي إلا بعد توافر العلامات التي بينها النبي في الأحاديث الصحيحة الثابتة، وأعظمها وأوضحها كونه يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما كما سبق بيان ذلك. ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق ولاة أمرهم للحكم بشريعته والتحاكم إليها والحذر من كل ما خالفها، وأن يحسن العاقبة للمسلمين أنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1542

تعليق على محاضرة عنوانها: "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر " بعد انتهاء المحاضر من إلقاء محاضرته " عقيدة أهل السنة والأثر ... " قام فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية آنذاك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فعلق على المحاضرة بالكلمة التالية (١) . الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإنا نشكر محاضرنا الأستاذ الفاضل الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد على هذه المحاضرة القيمة الواسعة فلقد أجاد فيها وأفاد واستوفى المقام حقا فيما يتعلق بالمهدي المنتظر مهدي الحق، ولا مزيد على ما بسطه من الكلام فقد بسط واعتنى، وذكر الأحاديث، وذكر كلام أهل العلم في هذا الباب، وقد وفق للصواب وهدي إلى الحق، فجزاه الله عن محاضرته خيرا وجزاه الله عن جهوده خيرا وضاعف له المثوبة وأعانه على التكميل والإتمام لرسالته في هذا الموضوع، وسوف نقوم - إن شاء الله - بطبعها بعد انتهائه منها لعظم فائدتها ومسيس الحاجة إليها والخلاصة التي أعلقها على هذه المحاضرة القيمة أن أقول: إن الحق والصواب هو ما أبداه فضيلته في هذه المحاضرة، كما بينه أهل العلم، فأمر المهدي أمر معلوم والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة

стр. 1543

متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم: تواترها، كما حكاه الأستاذ في هذه المحاضرة، وهي متواترة تواترا معنويا لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق وهو (محمد بن عبد الله العلوي الحسني) من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، وهذا الإمام من رحمة الله للأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس. وقد اطلعت على كثير من أحاديثه فرأيتها كما قال الشوكاني وغيره، وكما قال ابن القيم وغيره: فيها الصحيح وفيها الحسن، وفيها الضعيف المنجبر، وفيها أخبار موضوعة، ويكفينا من ذلك ما استقام سنده، سواء كان صحيحا لذاته أو لغيره، وسواء كان حسنا لذاته أو لغيره، وهكذا الأحاديث الضعيفة إذا انجبرت وشد بعضها بعضا فإنها حجة عند أهل العلم. فإن المقبول عندهم أربعة أقسام: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره. هذا ما عدا المتواتر، أما المتواتر فكله مقبول سواء كان تواتره لفظيا أو معنويا، فأحاديث المهدي من هذا الباب متواترة تواترا معنويا، فتقبل بتواترها من جهة اختلاف ألفاظها ومعانيها وكثرة طرقها وتعدد مخارجها، ونص أهل العلم الموثوق بهم على ثبوتها وتواترها. وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقل من ذلك، والحق أن جمهور أهل العلم - بل هو اتفاق منهم - على ثبوت أمر المهدي، وأنه حق، وأنه سيخرج في آخر الزمان. أما من شذ عن أهل العلم في هذا الباب فلا يلتفت إلى كلامه في ذلك. وأما ما قاله الحافظ إسماعيل بن كثير رحمة الله عليه في كتابه التفسير في سورة المائدة عند ذكر النقباء، وأن المهدي: يمكن أن

стр. 1544

يكون أحد الأئمة الاثنى عشر فهذا: محل نظر. فإن الرسول ﵊ قال: «لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (١) » فقوله: لا يزال أمر هذه الأمة قائما: يدل على أن الدين في زمانهم قائم، والأمر نافذ، والحق ظاهر، ومعلوم أن هذا إنما كان قبل انقراض دولة بني أمية، وقد جرى في آخرها اختلاف تفرق بسببه الناس، وحصل به نكبة على المسلمين، وانقسم أمر المسلمين إلى خلافتين: خلافة في الأندلس، وخلافة في العراق، وجرى من الخطوب والشرور ما هو معلوم. والرسول ﵊ قال: «لا يزال أمر هذه الأمة قائما (٢) » ثم جرى بعد ذلك أمور عظيمة حتى اختل نظام الخلافة وصار على كل جهة من جهات المسلمين أمير وحاكم وصارت دويلات كثيرة، وفي زماننا هذا أعظم وأكثر. والمهدي حتى الآن لم يخرج، فكيف يصح أن يقال أن الأمر قائم إلى خروج المهدي؟ هذا لا يمكن أن يقوله من تأمل ونظر. والأقرب في هذا كما قاله جماعة من أهل العلم: أن مراد النبي ﷺ بهذا الحديث: «لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (٣) » أن مراده من ذلك: الخلفاء الأربعة ومعاوية ﵃، وابنه يزيد، ثم عبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، فهؤلاء اثنا عشر خليفة. والمقصود أن الأئمة الاثني عشر في الأقرب والأصوب ينتهي عددهم بهشام بن عبد الملك، فإن الدين في زمانهم قائم والإسلام منتشر والحق ظاهر والجهاد قائم، وما وقع بعد موت يزيد من الاختلاف والانشقاق في الخلافة وتولي مروان في الشام وابن الزبير في الحجاز، لم يضر المسلمين في ظهور دينهم، فدينهم ظاهر وأمرهم قائم وعدوهم مقهور مع وجود هذا الخلاف الذي جرى ثم زال بحمد الله بتمام

стр. 1545

البيعة لعبد الملك واجتماع الناس بعد ما جرى من الخطوب على يد الحجاج وغيره. وبهذا يتبين أن هذا الأمر الذي أخبر به ﷺ قد وقع ومضى وانتهى، وأمر المهدي يكون في آخر الزمان وليس له تعلق بحديث جابر بن سمرة في الأئمة الاثني عشر. أما كون المهدي يكون عند نزول عيسى فقد قال ابن كثير في الفتن والملاحم: أظنه يكون عند نزول المسيح، والحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة يرشد إلى هذا ويدل عليه؛ لأنه قال: أميرهم المهدي، فهو صريح في أنه يكون عند نزول عيسى ابن مريم، كما ترشد إليه بعض روايات مسلم وبعض الروايات الأخرى، لكن ليست بالصريحة فهذا هو الأقوم والأظهر ولكنه ليس بالأمر القطعي. أما كونه سيخرج في آخر الزمان كما قال النبي ﷺ فهذا أمر معلوم، والأحاديث ظاهرة في ذلك كما تقدم، والحق كما قاله الأئمة والعلماء في ذلك أنه لا بد من خروجه وظهوره. وأما أمر المسيح ابن مريم ﵊ وأمر المسيح الدجال فأمرهما أظهر وأوضح، فالأمر فيهما قطعي، وقد أجمع على ذلك علماء الأمة وبينوا للناس أن المسيح نازل في آخر الزمان، كما أن الدجال خارج في آخر الزمان، وقد تواترت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ وكلها صحيحة متواترة بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان وحكمه بشريعة محمد ﵊ وقتله الدجال مسيح الضلالة. هذا حق وهكذا خروج الدجال حق أما من أنكر ذلك وزعم أن نزول المسيح ابن مريم ووجود المهدي إشارة إلى ظهور الخير، وإن وجود الدجال ويأجوج ومأجوج وما أشبه ذلك إشارة إلى ظهور الشر فهذه أقوال فاسدة بل باطلة في الحقيقة، لا ينبغي أن تذكر، فأهلها قد حادوا عن الصواب وقالوا أمرا منكرا وأمرا خطيرا، لا وجه له في الشرع ولا وجه له في الأثر ولا في النظر، والواجب تلقي ما قاله الرسول ﷺ بالقبول والإيمان به

стр. 1546

والتسليم، فمتى صح الخبر عن رسول الله فلا يجوز لأحد أن يعارضه برأيه واجتهاده، بل يجب التسليم كما قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقد أخبر ﷺ بهذا الأمر عن الدجال وعن المهدي وعن عيسى المسيح ابن مريم فوجب تلقي ما قاله بالقبول والإيمان بذلك والحذر من تحكيم الرأي والتقليد الأعمى الذي يضر صاحبه ولا ينفعه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات على الحق حتى نلقى ربنا وهو راض عنا. وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 1547

وجوب الصدق والنصح في المعاملات . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الله أوجب على المسلمين الصدق والنصح في جميع المعاملات، وحرم عليهم الكذب والغش والخيانة، وما ذاك إلا لما في الصدق والنصح وأداء الأمانة من صلاح أمر المجتمع والتعاون السليم بين أفراده والسلامة من ظلم بعضهم لبعض وعدوان بعضهم على بعض، ولما في الغش والخيانة والكذب من فساد أمر المجتمع وظلم بعضه لبعض وأخذ الأموال بغير حقها وإيجاد الشحناء والتباغض بين الجميع، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » خرجه مسلم في صحيحه. وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٢) » . وفي الصحيحين أيضا عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يفترقا (٣) » أو قال «حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٤) » . وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من غشنا فليس منا (٥) » . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «مر النبي ﷺ على صبرة من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال "ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس مني (٦) » . فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على وجوب النصح والبيان والصدق في المعاملات وعلى تحريم الكذب والغش والخيانة في ذلك كما تدل على أن

стр. 1548

الصدق والنصح من أسباب البركة في المعاملة، وأن الكذب والغش من أسباب محقها، ومن النصح والأمانة بيان العيوب الخفية للمشتري والمستأجر وبيان حقيقة الثمن والسوم عند الإخبار عنهما. ومن الغش والخيانة الزيادة في السوم أو الثمن ليبذل المشتري أو المستأجر مثل ذلك أو قريبا منه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأعطي بها كذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يف (١) » فالواجب على جميع المسلمين تقوى الله في المعاملة والحذر من أسباب غضب الله وأليم عقابه الذي توعد به أصحاب الغش والخيانة والكذب، كما يجب على الجميع التواصي بالصدق والنصح وتقوى الله في جميع الأمور؛ لأن في ذلك سعادة الدنيا والآخرة وصفاء القلوب وصلاح المجتمع، وفي ذلك أيضا حصول البركة في المعاملة والسلامة من أكل الحرام ومن ظلم المسلم لأخيه. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه (٢) » وقال ﵊: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٣) » . واسأل الله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين، ويجمع قلوبهم على التقوى، ويصلح قادتهم، ويمنحهم جميعا الصدق، والنصح في جميع الأمور والتعاون على البر والتقوى، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1549

" التذكير بالله والتآخي في الله من أهم القربات ومن أفضل الطاعات " الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيله واتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: أيتها الأخوات في الله، أشكر رئيسة الجمعية على دعوتي إلى هذا اللقاء، وأسأل الله أن يوفقها والعاملات معها لما فيه صلاح الجمعية واستمرار نفعها، ولما فيه أيضا صلاح المسلمين جميعا. أيتها الأخوات في الله: إن التذكير بالله والتآخي في الله من أهم القربات ومن أفضل الطاعات، وهو من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ومن التواصي بالحق الذي أثنى الله على أهله، وأخبر أنهم هم الرابحون، قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وقال : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤) أمر سبحانه في الآية الأولى بالتعاون على البر والتقوى، ويدخل في ذلك النصيحة والتوجيه إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وغير ذلك مما ينفع العباد في العاجل والآجل، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ويدخل فيه التعاون على كل ما يغضب الله ، كالتعاون على المعاصي كلها كالمسكرات وظلم الناس، وغير ذلك مما

стр. 1550

يدخل في التعاون على الإثم والعدوان. فلا يجوز لمسلم أو مسلمة أن يعين على معصية الله ، وينبغي للمؤمن والمؤمنة ألا يتأخرا عن التعاون على البر والتقوى. وأخبر في سورة العصر أن من صفات الرابحين الناجين السعداء: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. هذه أيتها الأخوات في الله صفات الرابحين، صفات السعداء: الإيمان بالله ورسوله إيمانا صادقا، ثم العمل الصالح، وهو ثمرة الإيمان وهو موجب الإيمان، وهو أداء فرائض الله والكف عن محارم الله، والمسارعة إلى الخيرات والازدياد من أنواع القربات. والأمر الثالث: التواصي بالحق، ويدخل فيه التناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر وجوه الخير. والرابع: التواصي بالصبر فإن الأمور المهمة لا تحصل إلا بالله ثم بالصبر، فلهذا أخبر سبحانه عن صفات الرابحين أنهم يتواصون بالصبر. هذه العناصر الأربعة هي أسباب الوصول إلى السعادة، والوصول إلى الربح، وهذه العناصر إذا توافرت للمجتمع صار مجتمعا صالحا، سواء كان رجاليا أو نسائيا، كل مجتمع تتوافر فيه هذه الأمور الأربعة وهي: الإيمان الصادق بالله ورسوله، إيمانا يتضمن توحيد الله ويتضمن الإيمان بالرسل جميعا، ومنهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد ﵊، ويتضمن الأصل الثاني: وهو العمل الصالح، وهو أداء الفرائض وترك المحارم، والمسارعة في الخيرات. ويتضمن العنصر الثالث: وهو التواصي بالحق والتعاون على الخير والتناصح، ويتضمن العنصر الرابع التواصي بالصبر.

стр. 1551

ووصيتي لكن أيتها الأخوات العناية بهذه الأصول والحرص عليها، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الشرور، وغلب فيه الجهل بأمور الدين، وقل فيه العلم. ويجب على المؤمن والمؤمنة التعاون على البر والتقوى دائما، ولا سيما في هذا العصر الذي لا تخفى حاله وما كثر فيه من المغريات وأسباب الشقاء، وما حصل فيه من الاختلاط بالكفرة والفسقة، وما حصل فيه أيضا من الرفاهية وتطور الأحوال في كل شيء. فالمؤمن والمؤمنة في أشد الحاجة للتواصي بالحق والتناصح والتعاون على الخير والصبر على ذلك. فالمؤمن ينصح أخاه إذا رأى منه تقصيرا، وأيضا المؤمنة تنصح أختها في الله وأخاها في الله: زوجها وأباها وابنها وابنتها وأختها وجدتها وأمها وغيرهم، في كل شيء: في الصلاة، في الصوم، في الحج، في بر الوالدين، في الكف عن محارم الله، في صلة الرحم، إلى غير ذلك. والناس بخير ما تناصحوا وتواصوا بالحق، فإذا أهملوا وضيعوا وتقاعسوا عن هذا الأمر العظيم، ظهرت بينهم المنكرات، وقلت بينهم الخيرات، وانتشرت الرذائل.

стр. 1552

أخلاق المؤمنين والمؤمنات: ومما ورد في كتاب الله العظيم فيما يتعلق بهذا الأمر العظيم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)

стр. 1553

هذه صفة المؤمنين والمؤمنات، وهذه أخلاقهم، بعضهم أولياء بعض لا حقد ولا حسد، ولا غش ولا خيانة ولا تنابز بالألقاب ولا لمز، ولا غير ذلك مما يؤذي ومما يسبب الشحناء والعداوة والفرقة، بل هم أولياء يتحابون في الله، ويتناصحون ويتواصون بكل خير. ولذلك يأمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر فيما بينهم، هكذا المؤمنون والمؤمنات. وبهذا تصلح مجتمعاتهم، وتستقيم أحوالهم، ثم مع هذا يقيمون الصلاة كما شرعها الله بالطمأنينة، وبالخشوع والإقبال عليها، والمحافظة عليها في أوقاتها، وأداء ما يلزم فيها من شروط وأركان وواجبات، أي أن تقام كما شرع الله، يؤدونها كما شرع الله في كل وقت. ويؤتون الزكاة، ويعطونها إلى المستحقين لها كما أمر الله، ثم قال: ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) من صفات أهل الإيمان ذكورا وإناثا طاعة الله ورسوله في جميع الأمور. وهذه أسباب السعادة، وهذه سبل النجاة، هذا ما أوصيكم به ونفسي: تقوى الله جل وعلا، والقيام بهذه الأمور وتدبرها وتعقلها، كما أوصيكن بكتاب الله القرآن الكريم، بتدبره وتعقله، والإكثار من تلاوته والعمل بما فيه، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كتاب الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) وقال فيه : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال فيه ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤) فأوصيكن

стр. 1554

بهذا الكتاب العظيم تلاوة وتدبرا، وتعقلا وعملا، التي تقرأ عن ظهر قلب تحمد الله وتقرأ عن ظهر قلب، كيفما شاءت مضطجعة وجالسة وماشية، والتي تحتاج إلى مصحف تقرأ منه على طهارة وتدبر وتعقل، فيه الهدى والنور، وفيه الدعوة إلى كل خير: الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، فيه الترهيب من مساوئ الأخلاق، وسيئ الأعمال. كما أوصيكن بسنة الرسول ﷺ والحرص على سماع الأحاديث فيما بينكن: من (رياض الصالحين) ، أو (بلوغ المرام) ، أو (منتقى الأخبار) ، أو غيرها من كتب الحديث المعتبرة كالصحيحين والسنن الأربع. وننصح بهذا كل مسلم ومسلمة في أنحاء المعمورة، فإن أحاديث النبي ﷺ تدعو إلى الهدى، وكلها تفسر كتاب الله، وتدل على معناه. فالتي تقرأ وتطالع الكتب تستفيد، ومن أحسن ما يقتنى (رياض الصالحين) ، فهو كتاب جيد، و (بلوغ المرام) ، و (منتقى الأخبار) و (عمدة الحديث) ، هذه كتب جيدة ومفيدة وعظيمة. وإذا كانت لا تقرأ فيمكن أن تقرأ عليها ابنتها أو أختها أو ابنها أو أخوها في مجالس مرتبة، في أوقات معينة للفائدة والتعاون على الخير والتفقه في الدين. أسأل الله بأسمائه أن يوفقنا وإياكن إلى الخير، وأن يمنحنا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يزيدنا وإياكن علما نافعا، وعملا صالحا. أما موضوع هذا اللقاء وهو الكلام على (الاستهلاك) ، وما يترتب على الوقوع فيه من التبذير، والإسراف، فكلمتي هنا أقول: قد أنزل الله في كتابه العظيم آيات فيها ذكر الإسراف والتبذير، والنهي عنهما، والثناء على المقتصدين والمستقيمين في تصرفاتهم في أكلهم وشربهم وسائر نفقاتهم.

стр. 1555

فلا إسراف ولا تبذير، ولا بخل ولا تقتير، ولا غلو ولا جفاء. هكذا شرع الله بالتوسط في الأمور كلها، ومن ذلك النهي عن الغلو، فالعباد منهيون عنه كما قال النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (١) » . والله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٢) ونهيه سبحانه لهم هو نهي لنا أيضا، والجفاء والتقصير منهي عنهما، بل يجب أن نؤدي الواجبات وندع المحرمات ونسارع في الخيرات من غير غلو ولا جفاء. والغلو هو: الزيادة فيما شرع الله، مثل الذي لا يكفيه الوضوء الشرعي، بل يزيد ويسرف في الماء، فلا يكتفي بغسل يديه ورجليه ثلاثا بل يزيد على ذلك، فهذا نوع من الغلو فيما شرع الله، وهكذا في الأذان، وهكذا في الإقامة، وهكذا في الصوم إلى غير ذلك. فالزيادة في الشرع تسمى غلوا وإفراطا وبدعة، والتقصير في الصلاة بالنقص وعدم الكمال يسمى جفاء وتفريطا، وهكذا النقص في الصوم أن لا يحفظه من المعاصي كالغيبة والنميمة وسيئ الكلام والفعال حال صومه، فهذا جفاء في الصوم ونقص. ومن الغلو في الصيام: كونه لا يتكلم أو لا يجالس الناس فهذا غلو. ولكن نصلي كما شرع الله، ونصوم كما شرع الله، ونبتعد عما حرم الله، وهكذا في النفقات لا إسراف ولا تبذير ولا بخل ولا تقتير، ولكن بين ذلك خير الأمور أوسطها، كما قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣)

стр. 1556

فالشرع جاء بالتوسط في الأمور كلها، وعدم الغلو، وعدم الجفاء، وعدم التشدد. قال الله سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) أمر الله سبحانه بأخذ الزينة لما فيها من ستر العورات، ولما فيها من الجمال كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (٢) الريش: ما يتجمل به الإنسان، فالله خلق لنا شيئا نستر به العورات، ثيابا تستر العورات، وخلق لنا ثيابا جميلة وهي الرياش فوق ذلك للتجمل بين العباد، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٣) لباس التقوى: الإيمان بالله، وتقوى الله: بطاعته واتباع ما يرضيه، والكف عن محارمه، هذا اللباس الأعظم، وهذا هو لباس التقوى. ثم قال : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٤) أمر بالأكل والشرب لما فيهما من حفظ الصحة والسلامة، وقوام البنية؛ لأن ترك الأكل والشرب يفضي إلى الموت، وذلك لا يجوز، بل يجب الأكل والشرب بقدر ما يحفظ الصحة، ويكون الإنسان متوسطا في ذلك حتى يحفظ الصحة، وتستقيم حاله، فلا يسرف فيؤدي ذلك إلى التخمة والأمراض، والأوجاع المتنوعة، ولا يقصر فيضر بصحته، ولكن بين ذلك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٥) وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه (٦) » .

стр. 1557

وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الإسراف في الأكل والتوسع فيه أمر غير مرغوب فيه، بل وخطير، بحسب ابن آدم ما يقيم صحته، ويقيم صلبه من اللقيمات التي تناسبه صباحا ومساء، وفي غير ذلك من الأوقات التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب. فإن كان لا بد ولا محالة من الزيادة فلا يسرف، فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس والراحة، للقراءة والتهليل والنشاط الاجتماعي، ومخاطبة الناس، إلى غير ذلك، والإسراف هو الزيادة، وهو في الأكل يؤدي إلى التخمة، وهو في الملابس يفضي إلى إضاعة المال، وعدم الاهتمام بحفظه، وفي الكلام يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، أو إلى ما حرم الله من الكلام.

стр. 1558

الإسراف من شرور الحياة: وهذا الإسراف في كل شيء من شرور هذه الحياة، فالمؤمن يتوسط في أموره كلها، والمؤمنة تتوسط في كل الأمور، وقد أخبر جل وعلا عن منزلة المبذرين بقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢) فالمبذر مضيع للمال، لا يؤمن على مال، والمال له شأن عظيم، والمال الصالح نعم العون للرجل الصالح، ينفقه في سبيل الله. فالواجب حفظ المال وعدم إضاعته، ولذلك جاء التشديد في شهادة الزور لما فيها من أخذ الأموال بغير حق، وسفك الدماء بغير حق، وهتك الأعراض بغير حق، فقال ﷺ : «ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا

стр. 1559

وقول الزور ألا وشهادة الزور (١) » فكررها ﵊؛ لأن شهادة الزور شرها عظيم وعواقبها وخيمة، تؤخذ بها الأموال بغير حق، وتزهق بها الأرواح، وتنتهك بها الأعراض بغير حق؛ ولهذا حذر منها ﵊. وجاء في كتاب الله العزيز ما يفيد التحذير منها، كما قال جل وعلا في سورة الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢) أما عقوق الأمهات فهو كبيرة عظيمة، وجريمة شنيعة يجب الحذر منها، والتواصي بتركها، وأهل الشرك بالله فهو أعظم الذنوب وأكبرها كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) نعود إلى إكمال البحث في التبذير، يقول : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٥) يحذر سبحانه من التبذير وهو الإنفاق في غير الوجه الشرعي، كإنفاق الأموال في ظلم الناس، وقصد الإضرار بهم، أو في ظلم النفس كإنفاقها في المسكرات والمخدرات، وفي التدخين وفي الزنى وسائر المعاصي: كالقمار والربا ونحو ذلك، وهكذا إتلافها من غير سبب: كالإفراط في شراء الأغراض التي لا حاجة إليها. هذا من إضاعة المال، ومن التبذير، والرسول ﷺ نهى عن إضاعة المال. فالتبذير هو: صرف الأموال في غير وجهها، إما في المعاصي، وإما في غير فائدة لعبا وتساهلا بالأموال.

стр. 1560

أما الإسراف فهو: الزيادة التي لا وجه لها، يزيد في الطعام والشراب بلا حاجة، يكفيه مثلا كيلو من الطعام أو كيلو من اللحم، أو ما شابه ذلك فيزيد طعاما ولحوما لا حاجة لها، تلقى في التراب وفي القمائم، هذا يسمى إسرافا. وأما إتلاف الأموال بغير حق وصرفها في غير حق فيسمى تبذيرا، وبين سبحانه أن المبذرين إخوان الشياطين؛ لأنهم شابهوهم في اللعب والإضاعة والمعاصي.

стр. 1561

التأدب بآداب الله: فالواجب على المؤمنين والمؤمنات جميعا أن يتأدبوا بآداب الله، وأن يحذروا مما نهى الله عنه، فلا إسراف ولا تبذير لا في المآكل ولا في المشارب ولا في الملابس، ولا في غير ذلك، ولا في الولائم العامة، ولا في الولائم الخاصة، بل بالمقدار المناسب، فإذا صنع طعاما لجماعة ولكن تخلفوا أو تخلف بعضهم فليس بإسراف لكن يجتهد في صرف الطعام لمن يحتاجه، وفي نقله إلى من يحتاجه، أو في حفظه حتى يؤكل بعد ذلك، ولا يلقى في القمائم والمواطن القذرة. وإن كان ولا بد فليحمل إلى جهة بعيدة سليمة حتى تأكله الدواب، وإذا تيسر نقله إلى من يستفيد منه من العمال والفقراء وجب ذلك حتى لا تضيع هذه الأموال، وحتى لا يقع الإسراف والتبذير. وقد مدح الله سبحانه عباده المقتصدين، وهم عباد الرحمن، فقال في أوصافهم : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١)

стр. 1562

وهذا هو الحد الفاصل، لا إسراف ولا تقتير، وما بين ذلك هو القوام والعدل، يمدحهم سبحانه فيقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (١) الإسراف الزيادة، والتقتير البخل، والبخيل والبخل مذمومان، وهكذا الإسراف والتبذير مذمومان أيضا، فلا هذا ولا هذان ولهذا مدح الله عباد الرحمن بقوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢) كان عدلا وسطا. فالوصية لكن أيتها الأخوات ولكل مسلم التخلق بهذا الخلق الكريم، والحرص في البيت وعند الولائم على التحري في هذه الأمور، والتوسط فيها، والحذر من إضاعة الأموال بغير حق، وكثرة الطعام بلا حاجة إليه، فإن المال ينفع إذا حفظ، والمحتاجون إليه كثيرون في هذه البلاد وفي غير هذه البلاد ونعلم من سكان هذه البلاد أمما لا يحصيها إلا الله، في حاجة إلى المال، وفي حاجة إلى الطعام، وفي حاجة إلى اللباس. وإن كانت بلادنا بحمد الله من خير البلاد قد أفاء الله عليها خيرا كثيرا في دينها ودنياها. لكن مع ذلك موجود فيها من هو محتاج، إذا طلب وجد في هذه البلاد في المدن وفي القرى، وفي كل مكان محتاجون لأن تصل إليهم المساعدات من الزكاة وغيرها، بواسطة المحاكم والأعيان المعروفين بالثقة والأمانة، حتى توزع بينهم وينظر في شأنهم لأنهم في حاجة، وفوق ذلك في بلدان كثيرة في أفريقيا وفي آسيا، وفي كل مكان حاجات كثيرة وفقراء لا يعلم حالهم إلا الله، في أشد الحاجة إلى المال. وهناك المجاهدون الأفغان، واللاجئون في باكستان في أشد الحاجة إلى المال، فكيف نضيعه، وكيف نسرف فيه، وكيف نبذر، وعندنا في بلادنا وغير بلادنا من هو محتاج، هذا لا يجوز أبدا، بل يجب التثبت في الأمور والحرص على التوسط فيها، في جميع الأمور من أكل وشرب ولباس، في وليمة عرس وغيرها.

стр. 1563

وولائم الأعراس فيها خطر عظيم؛ لأن كثيرا من الناس يباهي ويصرف نفقات باهظة، وربما وصلت إلى الدين والتكلف، فينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يلاحظ هذا الأمر، فالمرأة تلاحظ زوجها، وتلاحظ أباها وأخاها، ولا تكلف زوجها ولا غيره ما لا يطيق، بل تعينه على الخير، وتعينه على الاقتصاد، وهكذا تعين ولدها وأخاها على الاقتصاد، وتعين أباها على ذلك، وتنصح إذا رأت من أبيها أو أخيها أو من زوجها أو من ابنها ميلا إلى الزيادة والإسراف والتبذير، تنصح وتقول: اتق الله، لا حاجة إلى هذا، ولا موجب لهذا، إذا كنا موسرين فلنتصدق ولنحسن إلى عباد الله، وإلا فلنبدأ بأنفسنا وسد حاجاتنا. روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال «كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة (١) » أخرجه أبو داود وأحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أي من غير إسراف ولا تكبر، فبعض الناس يلبس ويصنع ولائم زائدة، تكبرا وتعاظما وفخرا وخيلاء، وذلك لا يجوز بل يشرع له أن يصنع الطعام بقدر الحاجة، ويلبس الإنسان ما يناسبه لا فخرا ولا تكبرا، ولكن للجمال، إن الله جميل يحب الجمال، والله يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) فلا بأس بالزينة المعتادة، ولا بأس بالطعام المعتاد والمناسب، ولا بأس بأكل الطيبات، فالله قد أحل الطيبات، لكن بقدر الحاجة، لا تلقى في الأسواق والقمائم، ولا تضيع الأموال بغير حق، ولا يلبس الإنسان ما يضره، ولا حاجة له به، ولا يجر ملابسه في الأوساخ والنجاسات. وللمرأة أن ترخي من ثيابها ما يناسب حتى تستر قدمها، والرجل يرفع ثيابه فوق الكعب، ولا يجوز للرجل أن يرخي تحت الكعب، والمرأة عليها أن

стр. 1564

ترخي؛ لأنها عورة فتستر قدميها بإرخاء ثيابها، يقول الرسول ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار (١) » رواه البخاري في الصحيح، وهذا في حق الرجال، ويقول النبي ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل إزاره، والمنان فيما أعطى والمنفق سلعته بالحلف الكاذب (٢) » خرجه مسلم في الصحيح. نسأل الله السلامة من كل ما يغضبه. وقال ﵊: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة (٣) » متفق عليه. وذلك يدل على أن الواجب على الرجل أن يرفع ثيابه فوق الكعب من نصف الساق إلى الكعب، ولا يجعلها تحت ذلك. أما المرأة فإنها عورة، ويجب أن ترخي ثيابها حتى تستر أقدامها في مشيها، أو تلبس الجوارب من أجل الستر. والخلاصة: من هذا كله أن الواجب علينا جميعا رجالا ونساء، التوسط في الأمور، في النفقات وفي الملابس والولائم، وفي كل شيء فلا غلو في العبادات ولا في غيرها، ولا إسراف ولا تبذير لا في المآكل ولا في المشارب، ولا في الولائم ولا في غير ذلك، وعلينا أن نتحرى التوسط في الأمور كلها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٤) وهذا هو التوسط المأمور به، لا بخل ولا إمساك، ولا إسراف ولا تبذير، ولكن بين ذلك، كما قال ربنا في وصف الأخيار من عباده: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٥) وأرجو أن يكون فيما ذكرته مع اختصاره الكفاية، وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، ولما فيه

стр. 1565

صلاح قلوبنا، وصلاح أعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في الدين، والثبات عليه، وأن يصلح ولاة أمرنا، وأن يوفقهم لكل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح الأمة ونجاتها في الدنيا والآخرة. كما أسأله سبحانه أن يصلح عامة المسلمين في كل مكان، وان يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادتهم، وأن يمنحنا وإياهم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يوفق حكامهم للحكم بالشريعة وتطبيقها فيما بينهم، والسلامة مما يخالفها إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1566

الأسئلة المطروحة والإجابة عليها: ثم تلى ذلك طرح بعض الأسئلة التي أجاب عليها سماحته كما يلي: معنى آية: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) : س١: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) فإذا كان الإنسان لديه القدرة على العيش في رغد فهل ينطبق عليه هذه الآية الكريمة. وما معنى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣) ؟ ج ١: معنى الآية: إن الله أمر النبي ﷺ أن يتحدث بنعم الله، فيشكر الله قولا كما يشكره عملا، فالتحدث بالنعم كأن يقول المسلم: إننا بخير والحمد لله، وعندنا خير كثير، وعندنا نعم كثيرة، نشكر الله على ذلك. لا يقول نحن ضعفاء، وليس عندنا شيء ... لا.... بل يشكر الله ويتحدث بنعمه، ويقر بالخير الذي أعطاه الله، لا يتحدث بالتقتير كأن يقول: ليس عندنا مال ولا لباس.. ولا كذا ولا كذا لكن يتحدث بنعم الله، ويشكر ربه . والله سبحانه إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى أثرها عليه في ملابسه وفي أكله وفي شربه، فلا يكون في مظهر الفقراء، والله قد أعطاه

стр. 1567

المال ووسع عليه، لا تكون ملابسه ولا مآكله كالفقراء، بل يظهر نعم الله في مأكله ومشربه وملبسه. ولكن لا يفهم من هذا الزيادة التي فيها الغلو، وفيها الإسراف والتبذير.

стр. 1568

حكم البذخ والإسراف في العزاء: س ٢: ما حكم البذخ والإسراف في العزاء حيث يتكلف أهل الميت بإقامة الولائم للمعزين وهناك عادة جرت مثل اليوم الثالث واليوم الثامن، والأربعين بالنسبة للمعزين؟ . ج ٢: هذا لا أصل له، بل هو بدعة ومنكر ومن أمر الجاهلية، فلا يجوز للمعزين أن يقيموا الولائم للميت لا في اليوم الأول ولا في الثالث ولا في الرابع ولا في الأربعين أو غير ذلك، هذه كلها بدعة، وعادة جاهلية لا وجه لها، بل عليهم أن يحمدوا الله ويصبروا ويشكروه على ما قدر، ويسألوه سبحانه أن يصبرهم وأن يعينهم على تحمل المصيبة ولكن لا يصنعون للناس طعاما. قال جرير بن عبد الله البجلي - وهو صحابي جليل ﵁: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة رواه الإمام أحمد بإسناد حسن. كان الصحابة يعدون النياحة من المحرمات؛ لأن الرسول ﷺ زجر عنها، ولكن يشرع لأقاربهم وجيرانهم أن يبعثوا لهم طعاما لأنهم مشغولون بالمصيبة؛ لأن النبي ﷺ لما وصله نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ حين قتل في مؤتة بالأردن أمر ﷺ أهل بيته أن يصنعوا لأهل جعفر طعاما وقال «إنه قد أتاهم ما يشغلهم (١) » . أما أهل الميت فلا يصنعوا طعاما لا في اليوم الأول، ولا في اليوم الثالث، ولا في الرابع ولا في العاشر ولا في غيره.

стр. 1569

لكن إذا صنعوا لأنفسهم أو لضيفهم طعاما فلا بأس، أما أن يجمعوا الناس للعزاء ويصنعوا لهم طعاما فلا يجوز لمخالفته للسنة.

стр. 1570

الإسراف في الحفلات: س ٣: الحفلات التي تقام في الفنادق، وتكلف أموالا طائلة هل هي إسراف، وإن كانت إسرافا فنأمل من سماحتكم التنبيه على ذلك؟ . ج ٣: الحفلات التي تقام في الفنادق فيها أخطاء، وفيها مؤاخذات متعددة منها أن الغالب أن بها إسرافا وزيادة لا حاجة إليها. الأمر الثاني: أن ذلك يفضي إلى التكلف في اتخاذ الولائم، والإسراف في ذلك، وحضور من لا حاجة إليه. والثالث: أنه قد يؤدي إلى اختلاط الرجال بالنساء من عمال الفندق وغيرهم، فيكون في هذا اختلاط مشين ومنكر، وهكذا قصور الأفراح التي تستأجر بنقود كثيرة، ينبغي تركها وعدم التكلف في ذلك رفقا بالناس، وحرصا على الاقتصاد وعدم الإسراف والتبذير، وحتى يتمكن المتوسطون في الدخل من الزواج وعدم التكلف؛ لأنه إذا رأى ابن عمه أو قريبه يتكلف في الفنادق وفي الولائم الكبيرة: إما أن يماثله ويشابهه فيتكلف الديون والنفقات الباهظة، وإما أن يتأخر ويتقاعس عن الزواج خوفا من هذه التكلفات. فنصيحتي لجميع الإخوان المسلمين ألا يقيموها في الفنادق، ولا قصور الأفراح الغالية، بل تقام إما في قصر نفقته قليلة أو في البيوت، فهذا لا بأس به، وعدم إقامتها في قصور الأفراح، والاكتفاء بإقامتها في البيت حيث أمكن، ذلك أولى، وأبعد عن التكلف والإسراف. والله المستعان.

стр. 1571

الحكم على أمور مخالفة تحدث في ليلة الزفاف: س ٤: تكملة للسؤال الأول: تفضلتم وذكرتم أن إطالة الثوب بالنسبة للرجل محرم، وأيضا إذا كان بالنسبة للمرأة إذا كان تفاخرا فهو محرم. فما رأيكم بفستان الفرح الذي تسحبه العروس وراءها بطول ٣ أمتار تقريبا، وما رأيكم أيضا في الأموال التي تدفع للمطربات في الزفاف؟ ج ٤: أما ما يتعلق بالمرأة، فالسنة أن تضفي ثوبها شبرا، ولا تزيد على ذراع لأجل الستر وعدم إظهار القدمين، وأما الزيادة على ذراع فمنكر للعروس أو غيرها لا يجوز، وهذا إضاعة للأموال بغير حق في الملابس ذات الأثمان الغالية. فينبغي التوسط في الملابس، لا حاجة إلى ترصيعها بأشياء تهدر الأموال العظيمة، التي تنفع الأمة في دينها ودنياها. وأما ما يتعلق بالمطربات فلا يجوز إحضارهن بالأموال الغالية، أما المغنية التي تغني غناء معتادا بسيطا خفيفا في وقت من الليل لإظهار الفرح، وإظهار السرور، وإظهار العرس فلا بأس، فالغناء في العرس والدف في العرس أمر جائز، بل مستحب إذا كان لا يفضي إلى شر لكن بين النساء خاصة في وقت من الليل ثم ينتهي بغير سهر أو مكبر صوت، بل بالأغاني المعتادة التي بها مدح للعروس، ومدح للزوج بالحق، أو أهل العروس، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي ليس فيها شر، ويكون بين النساء خاصة ليس معهن أحد من الرجال، ويكون بغير مكبر، هذا لا بأس به. كالعادة المتبعة في عهد النبي ﷺ ، وعهد الصحابة. وأما التفاخر بالمطربات وبالأموال الجزيلة للمطربات فهذا منكر لا يجوز. وهكذا بالمكبرات؛ لأنه يحصل به إيذاء للناس، والسهر بالليل حتى تضيع صلاة الفجر، وهذا منكر يجب تركه.

стр. 1572

الإسراف في الحفلات: س ٥: ما رأي فضيلتكم فيما نراه من إسراف شديد في الأطعمة التي تقدم في الحفلات، والتي يكون مصيرها أكياس النفايات. وهل هناك حل؟ وأين توضع بقايا الأكل؟ ج ٥: تقدمت الإجابة عن هذا الأمر في أنه لا يجوز؛ لأن الإسراف لا يجوز لا في الولائم بالزواج ولا في غير ذلك. وينبغي على صاحب الوليمة أن يتحرى المطلوب الذي لا بد منه، أما الأشياء التي لا حاجة إليها فينبغي أن يتركها، والباقي يسلم للجهات التي تقبله مثل الجمعيات الخيرية، أو بعض الفقراء، أو العمال، ينقل إليهم. فالواجب أن ينقل إلى من يستفيد منه، ولا يلقى في النفايات، ولا مع القمامات، ولا بقرب النجاسات، بل ينقل إلى المحتاجين، وإذا لم يكن هناك محتاجون فينقل إلى محل سليم، ليس في الطرقات ولا مع القاذورات، فلعله أن يأتي من يأكله من الناس أو الدواب، وحتى لا يمتهن. وهذا عند الضرورة، أما إذا وجد من يأكله من عمال أو فقراء. فالواجب إيصاله إليهم، أو تجفيفه حتى ينقل لمحتاجين إليه، ولو علفا للدواب. وإذا حصل اقتصاد وعدم تكلف قلت الأطعمة الباقية.

стр. 1573

صحة حديث: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع» س ٦: بالنسبة لهذا الحديث لا ندري ما صحته، وهو: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» . ج ٦: هذا يروى عن بعض الوفود وفي سنده ضعف، يروى أنهم قالوا عن النبي ﷺ : «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» يعنون أنهم مقتصدون. هذا المعنى صحيح لكن السند فيه ضعيف. [يراجع في زاد المعاد والبداية لابن كثير] . وهذا ينفع الإنسان إذا كان يأكل على جوع أو حاجة، وإذا أكل لا يسرف في

стр. 1574

الأكل، ويشبع الشبع الزائد، أما الشبع الذي لا يضر فلا بأس به. فالناس كانوا يأكلون ويشبعون في عهد النبي ﷺ وفي غيره، ولكن يخشى من الشبع الظاهر الزائد، وكان النبي ﷺ في بعض الأحيان يدعى إلى ولائم، ويضيف الناس ويأمرهم بالأكل فيأكلون ويشبعون، ثم يأكل بعد ذلك ﵊ ومن بقي من الصحابة. وفي عهده يروى أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي ﷺ يوم الأحزاب يوم غزوة الخندق إلى طعام على ذبيحة صغيرة - سخلة - وعلى شيء من شعير فأمر النبي ﷺ أن يقطع الخبز واللحم وجعل يدعو عشرة عشرة فيأكلون ويشبعون ثم يخرجون ويأتي عشرة آخرون "وهكذا فبارك الله في الشعير وفي السخلة وأكل منها جمع غفير وبقي منها بقية عظيمة حتى صرفوها للجيران. والنبي ﷺ ذات يوم أيضا سقى أهل الصفة، لبنا قال أبو هريرة فسقيتهم حتى رووا ثم قال النبي ﷺ اشرب يا أبا هريرة قال: شربت ثم قال: اشرب فشربت ثم قال: اشرب فشربت ثم قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا ثم أخذ النبي ﷺ ما بقي وشرب ﵊. وهذا يدل على جواز الشبع وجواز الري، لكن من غير مضرة.

стр. 1575

آنية الذهب: س٧ إذا كان الإناء مطليا بالذهب وليس ذهبا خالصا فهل هذا حرام استعماله؟ وهل ينطبق عليه الحديث: «لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة (١) » ؟ ج ٧: نعم نص العلماء على أن هذا ينطبق عليه النهي، والنبي ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (٢) » متفق على صحته. وقال ﵊: «الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم (٣) » أخرجه مسلم في الصحيح. وخرج

стр. 1576

الدارقطني وحسنه والبيهقي عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم (١) » . فقوله ﷺ : «من شرب في إناء ذهب أو فضة (٢) » النهي يعم ما كان من الذهب أو الفضة، وما كان مطليا بشيء منهما. ولأن المطلي فيه زينة الذهب وجماله، فيمنع ولا يجوز بنص هذا الحديث، وهكذا الأواني الصغار كأكواب الشاي وأكواب القهوة، والملاعق لا يجوز أن تكون من الذهب أو من الفضة بل يجب البعد عن ذلك، وإذا وسع الله على العباد فالواجب التقيد بشريعة الله، وعدم الخروج عنها، وإذا كان عنده زيادة فلينفق في عباد الله المحتاجين، ولا يسرف ولا يبذر.

стр. 1577

زكاة الحلي س ٨: هناك إسراف من بعض النساء في لبس الذهب، مع أن لبسه حلال، فما حكم الزكاة في الذهب؟ طبعا الزكاة فرع من فروع موضوعنا عن الاستهلاك وعن الإنفاق. ج ٨: الذهب والحرير قد أحلا للإناث دون الرجال، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها (١) » خرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. واختلف العلماء في الزكاة هل تجب في الحلي أم لا؟ فذهب بعض العلماء إلى أنها لا تجب في الحلي الذي تلبسه المرأة وتعيره، وقال آخرون إنها تجب، وهذا هو الصواب أي وجوب الزكاة فيه إذ بلغ النصاب، وحال عليه الحول لعموم الأدلة. والنصاب هو عشرون مثقالا من الذهب، ومائة وأربعون مثقالا من الفضة، فإذا بلغ الحلي من الذهب من القلائد أو الأسورة أو نحوها عشرين

стр. 1578

مثقالا وجبت فيها الزكاة، والعشرون مثقالا تعادل أحد عشر جنيها ونصفا من الجنيهات السعودية. ومقداره بالجرام ٩٢ جراما.... فإذا بلغ الحلي من الذهب هذا المقدار ٩٢ جراما - أحد عشر جنيها ونصفا - فإنه تجب فيه الزكاة. والزكاة ربع العشر من كل ألف خمسة وعشرون كل حول. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ «أن امرأة دخلت عليه وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب فقال أتعطين زكاة هذا؟ قالت لا فقال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال الراوي وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت هما لله ولرسوله (١) » رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. «وقالت أم سلمة ﵂ وكانت تلبس أوضاحا من ذهب: أكنز هذا يا رسول الله؟ فقال ﵊ ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز (٢) » رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم. وأخرج أبو داود من حديث عائشة ﵂ بسند. صحيح قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وفي يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله قال هو حسبك من النار (٣) » وقد صححه الحاكم كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في بلوغ المرام، والمراد بالورق: الفضة. فدل ذلك على أن الذي لا يزكى هو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة والعياذ بالله. نسأل الله للجميع التوفيق والإعانة والهداية وصلاح العمل، كما نسأل سبحانه أن يوفقنا وإياكن وجميع المسلمين لما فيه خير الإسلام، وأن يتوفانا الله جميعا عليه إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1579

ملاحظات تتعلق بما نشر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية في بعض الدول الإسلامية (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فقد نشرت صحيفة الرياض بعددها الصادر برقم ٤٩٧٤ خبرا بعنوان (مشروع قانون الأحوال الشخصية في الإمارات) وقد تضمن الخبر أن المشروع مستمد من الشريعة الإسلامية كما ورد فيه (فبالنسبة لعقود الزواج يشترط مشروع القانون ألا يقل عمر الفتى عن ثمانية عشر عاما وعمر الفتاة عن ستة عشر عاما ويفرض غرامة على كل من يخالف هذا الشرط لا تقل عن ألف درهم ولا تزيد عن خمسة آلاف ما لم تأخذ المحكمة بغير ذلك إذا رأت مبررا مثل " ستر العرض " كما لا يجوز بالنسبة لمن تجاوز الستين عاما عقد زواج إلا بإذن المحكمة خاصة عندما يكون فارق السن بين الطرفين يتجاوز نصف عمر الأكبر منهما) . ولما كان ذلك يخالف ما شرعه الله جل وعلا أحببت التنبيه لبيان الحق، فالسن في الزواج لم يقيد بحد معين لا في الكبر ولا في الصغر، والكتاب والسنة يدلان على ذلك. لأن فيهما الحث على الزواج والترغيب فيه من دون تقييد بسن معينة قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢) الآية، فأجاز نكاح اليتيمة، وهي التي لم تبلغ سن البلوغ وأعلاه خمسة عشر عاما على الأرجح وقد تبلغ بأقل من ذلك بغير السن، وقال ﷺ : «تستأذن اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو أذنها وإن أبت فلا جواز عليها (٣) » ، وقد تزوج النبي ﷺ

стр. 1580

عائشة ﵂ ولها ست أو سبع سنين ودخل بها وهي ابنة تسع، وفعله تشريع لهذه الأمة كما أن الصحابة ﵃ كانوا يتزوجون في الصغر وفي الكبر دون تحديد سن معينة، فليس لأحد أن يشرع غير ما شرعه الله ورسوله ولا أن يغير ما شرعه الله ورسوله؛ لأن فيه الكفاية، ومن رأى خلاف ذلك فقد ظلم نفسه وشرع للناس ما لم يأذن به الله، وقد قال ذاما لهذا الصنف من الناس: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) الآية، وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » متفق عليه. وفي رواية مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » وعلقه البخاري في الصحيح جازما به. وإنني أذكر القائمين على هذا الأمر بقول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) فما يصيب الأمة أو الأفراد من فتن أو صد عن سبيل الله أو أوبئة أو حروب أو غير ذلك من أنواع البلاء فأسبابه ما كسبه العباد من أنواع المخالفات لشرع الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥) وقد بين الله جل وعلا ما حصل لبعض الأمم السابقة من العذاب والهلاك بسبب مخالفتهم لأمره ليتبينه العاقل ويأخذ من ذلك عظة وعبرة. ولا يكفي دعوى الأخذ من الشريعة الإسلامية إذا وجد ما يخالفها، فقد عاب الله جل وعلا ذلك على اليهود حيث قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦)
следующие страницы →